تلفزيون "الواقع بين الواقع واللاواقع: *
مساءلات لروابط الصورة التلفزيونية بالتنشئة العائلية والمدرسية

د. أحمد خواجة
- كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس - قسم علم الاجتماع

في إطار مواكبتنا للسجال الفكري الدائر حول روابط التداخل المعقدة بين ثقافة الجمهرة culture et masse والثقافات الشعبية، نركز في هذه الورقة على الصورة التلفزيونية وتأثيراتها المحتملة على منظومة العلاقات والسلوكيات الاجتماعية والتطورات والتمثلات والرموز الجماعية الظاهرة والكامنة والتي شكلت موضوعا دار في شأنه نقاش نظري استمر على عقود متتالية.

بين المهتمين بالعلوم الإنسانية في مختلف التخصصات وكذلك رجال الإعلام وواضعي السياسات وأصحاب القرار، وهو لعمري نقاش صنع التاريخ لفترة محدّدة وهو بدوره ناتج للتاريخ وللمؤثرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإيديولوجية التي غذته وأفرزته بشكل أو بآخر.

ونظرا لضيق المجال سنكتفي بظاهرة جديدة يعيشها الفضاء الاتصالي والمتمثلة في ما يسمى "بتلفزيون الواقع" والذي نعت بتلفزيون بيع الأحلام الجماعية أو تلفزيون المخدر الهادئ أو تلفزيون القمامة أو الزبالة Trasch TV ، وسنحاول في مرحلة أولى وصفها وتحديد خصائصها ونوعية خطابها ثم سنرصد بعض ردود الفعل التي أثارتها في الصحافة العربية، ونبين لماذا لم تشكل مبحثا علميا، ثم سنحاول تقصي تأثيراتها المحتملة على العلاقات الأسرية والاجتماعية عموما نظرا لتداخل الأطر الاجتماعية المستهدفة من هذه النوعية من البرامج التي لا تبثها فقط الفضائيات العربية بل تساهم بصيغة أو أخرى في تنميط "إعلامي" للعالم "وعولمة ثقافية" للمجتمعات الإنسانية التي تعيش على وقع »عصر الصورة التلفزيونية أو القنبلة الإعلامية التي أشار إليها عالم الاجتماع الفرنسي جورج بلاندييه بلفظة "هيمنة وسائل الإعلام" Mediacratie التي حولت كل شيء في مجتمعات الحداثة الفائضة الوقحة المتعاظم شأنها قابلا للفرجة، وفيها تحالفت القوة التقنية مع القوة الإعلامية لتؤلف مجتمعات أصبحت فيها الصورة التلفزيونية ظاهرة اجتماعية كلية تولد أحاسيس متناقضة تفشل طاقات التفكير الناقد وتروج لنمط المجتمع الاستهلاكي التجاري.

لنبدأ أولا بتحديد الإطار العام.

1 - محورية الصورة التلفزيونية وكونيتها

لقد أدى ظهور القنوات الفضائية وسهولة انتشار البث الفضائي الذي تزامن مع تنوع الجهات الداعمة والممولة لهذا البث المُكْلِفِ من حكومات ورجال أعمال وشركات متعددة الجنسيات وأحزاب سياسية وطوائف وجماعات محلية وعشائرية فضلا عن مزاحمة فضائيات عربية مثل "الجزيرة"، و"العربية" وقناة "أبو ظبي" وقناة "المنار" لكبرى الفضائيات الأمريكية والبريطانية BBC – CNN – NBC في تغطية - وبالبث المباشر الحيني - وقائع مسلسل الإبادة والقتل والتشريد والحرب التي وقعت في أفغانستان وتقع في العراق وفلسطين، كما أدّى إلى بعثرة الأوراق ولخبطة سبل تفسير ما حدث وما يحدث وتفكيك خطاب الصورة التي تبثها هذه الفضائيات في السنوات الأخيرة. فأصبح بالامكان على سبيل الذكر لا الحصر متابعة قتل بالمباشر للجريح العراقي الذي أسال دمه أحد جنود »المارينز الأمريكان في جامع بمدينة الفلوجة العراقية أو صور التعذيب والتنكيل التي تعرض لها السجناء في سجن أبو غريب في العراق والتي تهدف إلى إشاعة أجواء الرعب والخوف والى عزل »الضحايا عن الرابطة الاجتماعية التي تشدهم إلى مجتمعات ينتمون لها جسدا وروحا، لأن المقصود بهذه الصور البشعة ليس المعذبين بل المجتمعات التي ينتمون إليها والتي تحاول أن تقاوم وتتصدى للهجمة الامبرالية الشرسة. ويمكن أن تشاهد مسلسلات الإبادة في البوسنة وأجواء القتل للرهائن في تلك المدرسة المنسية في بيسلان بالقوقاز على اثر مداهمة فاشلة دبرها سادة الكرملين بروسيا. كما أن صورة التلفزيون أصبحت تتحكم في مشاعر الحزن الجماعي كتلك التي وقعت حين حزن العالم كله بموت الأميرة »ديانا طيلة يوم كامل تحدث بعده المختصون والمحللون عن عصر "سطوة الإعلام" tyrannie de la communication عن صورة "تلفزيونية" تتحكم في الذوق الجماعي وتصنع ذاكرة جديدة للمجتمعات تقطع مع ذاكرتها الجماعية المألوفة والتي تشكل مهد هوياتها الفردية والجماعية.

ومؤخرا، صادق الكونغرس الأمريكي على قانون التصدي لجريمة معاداة السامية والتعدي على حرمات اليهود ومقدساتهم الذي يتضمن، في عريضة شرح الأسباب، بندا رابعا يتحدث عن التلفزيون المصري الذي أذاع في نوفمبر 2002 مسلسل "فارس بلا جواد" المعادي للسامية حسب نص القانون المقدم والذي "يقوم على النظرية الخيالية للمؤامرة المعروفة باسم بروتوكولات حكماء صهيون، كما يذكر نفس النص أنه في نوفمبر 2003 قام التلفزيون العربي بإذاعة مسلسل آخر معاد للسامية بعنوان "الشتات" ويصور فيه الشعب اليهودي على أنه يتآمر من أجل أن يسيطر اليهود على العالم.

ولقد شكل هذا الواقع الجديدة لأثر وسائل الإعلام المرئية في العلاقات الإنسانية محرضا دفع بعلماء الاجتماع الأكثر معاداة للتلفزيون ومن بينهم "بيار بورديو" Pierre Bourdieu إلى التفكير في منهاج يؤلف بين النقد النظري والطرح العلمي لتأثير وسائل الإعلام الذي سيؤدي إلى تنمية الوعي والإدراك بخفايا الصورة التلفزيونية وخطابها الظاهر والكامن، صورة مركبة يستعصي فهمها لا فقط على عامة الناس بل على المثقفين منهم والمتخصصين في شؤون البحث العلمي والثقافة والفن، وهذا الوعي ربما سيساهم حسب "بورديو" المعروف بمغالاته في التشاؤم وفي التبشير لنظريته حول "الأبتوس" Habitus والعنف الرمزي، في تغيير السلوكيات الفردية والجماعية وفي تعامل ناقد وذكي وفاعل مع صور التلفزيون القادمة من كل حدب وصوب والهابطة على حواس الإنسان والمقيدة لطاقاته على التخيل والحلم والتذكر. وهنا يتفق "بورديو" مع اوقست كونت A.Comte الذي قال "علم سيؤدي إلى التوقع والتنبؤ، وتوقع سيؤدي إلى الفعل والعمل Science d’où prevoyance, prevoyance, d’où action .

إن انسياب الصورة التلفزيونية وسيلانها يضع المختصين وأصحاب القرار أمام مسؤولياتهم لأن نقد وسائل الإعلام، والمرئية بالخصوص، لأنها أكثر نفاذا إلى عقل الإنسان وإدراكه ومخيلته وحواسه، أفضل من "صمت رهيب مطبق، غير منتج مثله مثل العدم".

وتتعاظم مسؤوليات الباحث عندما نعلم أن المشاهدة التلفزيونية في تونس تحتل المراتب الأولى في الممارسات أو الاهتمامات الثقافية لعامة التونسيين وخصوصا للأطفال واليافعين الذين تبلغ نسبة مشاهدتهم للتلفزيون أربع ساعات في اليوم وهي من أضخم نسب المشاهدة في العالم مما يشكل تأثيرا سلبيا محتملا على ملكات التحصيل المعرفي عند الناشئة وعلى قدرات التخيل لديهم. وتؤكد عديد الدراسات الميدانية التي أجريت بالخصوص في فرنسا أن الطلاب المدمنين على مشاهدة التلفزيون(أكثر من أربع ساعات) يسجلون نتائج مدرسية ضعيفة ويعدون الأكثر تعرضا لأمراض السمنة، فضلا عن كونهم مطالعين كسالى أو "مطالعين متواضعين" Lecteurs modestes ، غير أنه يجب اعتبار أن حالات الإدمان التلفزيوني لا تخص المنطقة العربية فحسب حيث بينت دراسة أجريت في الولايات المتحدة الأمريكية على عينة من الأسر الأمريكية أن معظم المستجوبين صرحوا أن النشاط العائلي الوحيد الذي شاركوا فيه خلال الأسبوع يتمثل في مشاهدة التلفزيون. وهذا لا يمنعنا من ملاحظة أن الطفل العربي عموما، ولا نقول كل الأطفال لأن هناك اختلافات كبيرة تشق مجتمع الأطفال من حيث الانتماء الأسري والجغرافي والعمري، مازال بحاجة إلى عديد الوسائط التي تؤهله لبناء علاقة إيجابية وبناءة مع المعرفة ومع المعلومات التي يستهلكها. وتشير آخر الإحصائيات أن تونس في مجال المكتبات العمومية تتصدر الدول العربية من حيث عدد المكتبات الخاصة بالأطفال والتي بلغت سنة 2003 نحو 250 مكتبة تليها المغرب بـ 120 مكتبة ثم سلطنة عمان بـ 79 مكتبة وسوريا بـ 72 مكتبة والأردن 54 مكتبة سنة 1999 -.

كما أن عدد مجلات الأطفال الأسبوعية والشهرية مازال بعيدا عن مستوى ما بلغته البلدان الغربية وتتصدر الأردن البلدان العربية وتأتي بعدها مصر بثلاث مجلات أسبوعية سنة 1998 و4 مجلات شهرية ثم تونس بمجلة واحدة أسبوعية وأربع مجلات شهرية.

وتعتبر نسبة الأمية بين الكهول في البلدان العربية من بين أرفع النسب في العالم حيث بلغت في الجزائر سنة 1999 38% ومصر 49% والمغرب 56% وتعتبر تونس في هذا المجال من بين البلدان العربية التي نجحت في مكافحة شبح الأمية للسكان البالغين أكثر من 10 سنوات حيث بلغت حسب آخر تعداد للسكان والسكنى لسنة 2004، 22% بعد أن كانت سنة 1956 في مستوى 84.7%. وفي اتجاه آخر، تشير آخر إحصائيات اليونسكو حول مدى تغلغل تكنولوجيا الاتصال والإعلام الحديث في المجتمعات العربية، أن عدد الحواسيب العائلية سنة 1995 بالنسبة إلى 1000 ساكن في العديد من البلدان العربية يعتبر دون المأمول وبعيدا عن المستوى العالمي.

إن هذه الأرقام والبيانات التي تنقل جزءا من الواقع تدفعنا إلى القول بأن المواطن العربي قد لا يمتلك الملكة النقدية والحصانة الفكرية اللازمة التي تحثه على التعامل مع الصورة التلفزيونية أيّا كان مصدرها وأيّا كانت دوافع مصمميها ومنتجيها ومروجيها. وهنا يطرح الباحث المنصف وناس في مقال له حول »تقنيات الاتصال والهيمنة مسألة سطوة شركات الترويج والدعاية والتسويق على منافذ الإنتاج التلفزيوني حيث يعيش العالم بشقيه النامي والمصنّع تحت طائلة "الامبراطوريات الإعلامية الكبرى" وظاهرة عولمة السوق وهيمنة قوى تجارية على الثقافة والفن والاتصال، من هنا يمكن أن نضع ظاهرة تلفزيون الواقع التي انتشرت خلال الثلاث سنوات الأخيرة بصورة مذهلة في كامل الوطن العربي وبالتزامن مع ما تتعرض له المجتمعات العربية من اعتداءات صارخة وانتهاكات وصفت عند البعض بالاغتصاب الثقافي وعند البعض الآخر بالمؤامرة المدبرة.

2 - ماهو المقصود بـ "تلفزيون الواقع"؟

تزامن ظهور "تلفزيون الواقع" مع بداية الألفية الثالثة عندما بثت قنوات فضائية عمومية وخاصة برامج لاقت نجاحا جماهيريا كبيرا من نوع "ستار اكاديمي" Star Academy و "Loft Story" و"سوبر ستار" و"الأخ الأكبر" Big Brother وهي برامج أصبح فيها المتفرج فاعلا أساسيا يدرب على العيش في المجموعة، يمر بفترات امتحان وتجريب تكلل إما بالنجاح أو الفشل. فهو امتحان صعب نحو الظفر بالشهرة والنجومية، كما تقدم هذه النوعية من البرامج نمط تنشئة غير مألوف يزاحم التنشئة المألوفة في المؤسسة العائلية والمؤسسة المدرسية، فضلا عن اعتمادها مبدأ التجسس أو التلصص voyeurisme على الحياة الخاصة وعلى الاختلاط بين شبان وشابات من كلا الجنسين في فضاء ضيق وعلى امتداد كامل فترات النهار وفي الليل في قيامهم وحتى في نومهم.

وينتمي برنامج "ستار أكاديمي" أو "سوبر ستار" في صيغته العربية إلى فئة برامج تلفزيون الواقع العالمية من طائفة Big Brother و Loft Story التي صممها الرأسمالي الهولندي صاحب مؤسسة Endemol ، ويقوم ستار أكاديمي على إعادة نمط المؤسسة المدرسية مع بعض الاختلافات فهو جمع 16 شابا وشابة وفدوا من الأقطار العربية ومروا بنجاح باختبارات أولية في الغناء والإلقاء في فيلا منعزلة بمنطقة أدما بلبنان حيث يتسابقون في عرض مواهبهم تحت إشراف أساتذة مختصين في الغناء والمسرح والرقص الاستعراضي ومراقبة أكثر من 54 كاميرا تصوير تضمن بثا متواصلا. ويقوم برنامج "سوبر ستار" على جمع شبان وشابات من مختلف الأقطار العربية بغية تدريبهم على نظام العيش في المجموعة وعلى تقمص أدوار جديدة تساعدهم على اكتشاف ذواتهم والتحكم في غرائزهم وترويض "أنانيتهم" والعمل من أجل المجموعة.

ففي "ستار أكاديمي" المقدرة والموهبة والمثابرة هي العناصر التي يقع امتحانها بينما في "سوبر ستار" الفرد وارتباطاته بالمجموعة هو الذي يشكل عنصر امتحان. ويتمثل الفرق بين المدرسة العادية ومدرسة "الأكاديمية" في تدريس مواد فنية بالأساس وليس "مدرسية" كما أن الطلاب لا يستجيبون إلى متطلبات معرفية مدرسية بل إلى مواهبهم الخاصة، وفضلا عن هذا فإن التقييم لا يكون للأساتذة دون سواهم بل يتدخل مساء كل جمعة المتفرجون لإقصاء أو إسعاف أو التصويت لأحد المتراهنين أو المتراهنات.

وتمثل "الأكاديمية" المدرسة الافتراضية التي تتعايش مع المدرسة الواقعية. وتمثل الأكاديمية نموذج المدرسة التي يفضلها الطلاب لا إكراه فيها ولا قيود وضوابط صارمة. فضاء يشعر فيه المتعلم برغبة في مزيد التعلم ويشعر فيه الأساتذة بمتعة في أداء مهنتهم دون عنف أو تطاول يشاهد عند التلاميذ والطلاب وهي ظاهرة كما نعرف بدأت تنتشر كثيرا في معاهدنا ومدارسنا.

كما تقوم مدرسة "الأكاديمية" على فكرة الثقة في المستقبل والنجاح وهي عناصر بدأت تفقد تدريجيا، على الأقل على مستوى التصورات والتمثلات، من واقع "مدرسة الواقع" مع تضاؤل الأمل بعد التخرج منها بالحصول على عمل وضمان مكانة في المجتمع. والطريف أن المستقبل أو مشروع المستقبل في "ستار أكاديمي" أو "سوبر ستار" يصنع بطريقة مركبة مفتعلة حالمة وفي ارتباط بمدرسة الماضي مدرسة الانضباط والطاعة وعدم مناقشة قرارات الأساتذة واحترام ضوابط العيش في المجموعة والخضوع للمجموعة العشائرية أو القبلية ونكران الذات والبذل والعطاء وهي عناصر فقدناها في الواقع المعيشي ونجدها حاضرة في برنامج مثل "سوبر ستار".

كما نجد حضور الماضي في »ستار أكاديمي مجسما في ارتباط النجاح بالماضي العائلي فيقع استدعاء أفراد العائلة "الأصلية" للمتراهن أو زيارتهم وتقديمهم على أنهم سر نجاح المتراهن. وهو ما يدفعنا إلى القول إن "مدرسة ستار أكاديمي" ترتبط بفكرة الإرث بمعنى أنها تشترط في الطلاب الطاعة ولا شيء غيرها، طاعة الأساتذة والأولياء، مما حدا بالبعض إلى القول إن "ستار أكاديمي" أو "سوبر ستار" برامج صنعت للأولياء وليس للتلاميذ فهي تكرّس "تلصصية" وتجسّس الكهول على عالم الشباب.

ويفسر نجاح "ستار أكاديمي" و"سوبر ستار" لدى الشباب بأن هذين البرنامجين نجحا في تفويضهما عن عناصر فقدت أو تضاءلت في واقعهم المعيش كتألق وضمان المستقبل ووجود القدوة. وعند الكهول، ربما نجحت هذه النوعية من البرامج في تحقيق، على قول أحد الذين شاركوا في سجال فكري وقع على أعمدة الصحف العربية حول تلفزيون الواقع، "وحدة عربية" في ظرف تأزم وإحباط وإهانة يعيشها العرب في الآونة الأخيرة بعد الأحداث المرعبة والدرامية التي وقعت والواقعة في العراق وفلسطين.

وهذا المعطى يؤكد هيمنة رؤية انفعالية عاطفية عمت ردود الفعل للمثقفين العرب الذين استغلوا أعمدة صحف مثل "القدس العربي" و"الحياة" و"الشرق الأوسط" للتعبير عن هواجسهم من تنامي ظاهرة "تلفزيون الواقع" في المجتمعات العربية.

3 - صدى "تلفزيون الواقع" في الصحافة العربية : التأرجح بين الخطاب الساخر والخطاب المناوئ

أجمع المثقفون العرب على اعتبار أن هذه النوعية من البرامج لـ "تلفزيون الواقع المستوردة من الخارج تكرس أهداف الإمبريالية الثقافية التي تقوم على إضعاف الانتماء وتفكيك بنية منظومة قيمنا الاجتماعية، كما جاء على لسان أحد المشاركين في السجال الفكري، وتسوية الهوية وفصل الحدود بين الحياة الخاصة والحياة العامة بطريقة تستفز المرجعيات المألوفة في الاختلاط بين الجنسين وتقويض الذاكرة الجماعية، فوقع نعتها بالفاحشة والمنكر وبالاعتداء والاغتصاب. وتعالت أصوات إيقاف البرنامج ونجح في هذا الصدد البرلمان البحريني في إيقاف برنامج »سوبر ستار، كما اضطر وزير الإعلام الكويتي للاستقالة من منصبه على إثر احتجاجات صدرت من الرأي العام حول برنامج "ستار أكاديمي" ومن بين هؤلاء الذين كتبوا عن الظاهرة في الصحافة العربية نجد من اختار منحى الأسلوب الساخر وفن الدعابة، أو من اختار إبراز الخلفيات السياسية والإيديولوجية والاقتصادية لتلفزيون الواقع. كما تحدث آخرون عن أرباح "خيالية" حققتها قناة LBC من الإشهار والاستشهار وبعث الرسائل الخلوية والمشاركة في التصويت عبر الموزع الصوتي.

وفي اتجاه آخر سعت جريدة الشرق الأوسط لفتح أعمدتها لمصممي ومنتجي هذه البرامج ليقدموا من جهة معلومات وبيانات دقيقة حول الرؤية الفنية والثقافية التي تقف وراء هذه البرامج وحول نجاح أو لا نجاح برامج تلفزيون الواقع في الفضائيات العربية: سوبر ستار 1 و2، ستار أكاديمي، على "الهواء سوا" الذي بثته الفضائية ART ، "الرئيس" الذي أذاعته شبكة تلفزيون الشرق الأوسط MBC وأوقفته بعدما أثار ضجة في الأوساط الإعلامية العربية وفي دولة البحرين تحديدا مستضيفة البرنامج والتي شهدت خروج مظاهرات ضد البرنامج فكان حسب تعليقات أحد الصحافيين أول ضحايا برامج تلفزيون الواقع العربية.

فنقرأ مثلا أن بلال اللبان وهو المنسق الإعلامي لسوبر ستار 2 في حديث أدلى به "لفرانس براس" يقول إنه ما لا يقل عن ستة ملايين مشاهد ينتظرون برنامج سوبر ستار 2 "الذي أطلقته فضائية المستقبل وأن 8.4 مليون عربي شاركوا في التصويت في نهائيات سوبر ستار 1 وأن نسبة مشاهدي برنامج ستار أكاديمي الذي بثته قناة LBC وأدى نجاحه إلى تحوله إلى ظاهرة اجتماعية حيث أن نسبة المشاهدين، حسب بلال اللبان، لستار أكادمي لدى الشبان الذين تتراوح أعمارهم بين 15 25 عاما بلغت 80%. وتذكر في هذا الباب "سوسن الأبطح" إيجابيات برنامج تلفزيون الواقع في الفضائيات العربية أنه رغم قدرتها الجبارة على إغواء العموم فإنها ابتكرت صنفا جديدا تماشيا مع فكرة صاحب فكرة برامج تلفزيون الواقع "أندمول" Endemol الذي يصبح بمقتضاه الناس العاديون شخصيات مهمة، فهي بذلك قد فتحت جسرا ثقافيا بين الشرق والغرب.

كما أجرت صحيفة الشرق الأوسط حوارا مع مروان النجار وهو كاتب تلفزيوني لبناني ضمن تمشيها الساعي إلى تقديم رؤى مختلفة لبرامج تلفزيون الواقع من رافضين (رجال الدين) ومشككين وموالين، ومن بينهم مروان النجار صاحب فكرة برنامج "صارت معي" الذي أثار جدلا واسعا، والذي يقول إن موجة هذه البرامج تؤسس لواقعية جديدة في الفن وأن المصاعب التي تلاقيها برامج تلفزيون الواقع أنها تنقل جزءا من الواقع ولو بشكل صادم أحيانا.

وفي نفس الفترة سمحت صحيفة الشرق الأوسط لأحد رجال الدّين ليعبر عن رأيه قائلا إن برامج تلفزيون الواقع تشغل الشباب وهي أداة من أدوات الغزو الثقافي ونادى بمصادرة وتحريم هذه البرامج التي تهدف إلى العبث بعقول شباب الأمة (تم إحصاء 70 مليون مكالمة لترشيح الفنان الفائز) وإلى تضليل الأمة وحجبها عن واقعها وعن التحديات الأساسية التي يجب أن تواجهها بعقول نيرة. في حين ذكر إمام مسجد في إحدى مدن شمال لبنان أن تلفزيون الواقع حرام لأنه يقدم عينة من عينات الانحلال الأخلاقي والاختلاط الجسدي والعاطفي بين جنسين لأننا نرى فتيانا وفتيات يتعانقون فرحا أو حزنا.

وفي اتجاه آخر سعت جريدة القدس العربي إلى تقديم مقالات تقدم رؤى تسعى إلى إبراز الخلفيات السياسية والإيديولوجية والاقتصادية لظاهرة تلفزيون الواقع فنعلم أن محطة LBC اشتراها سعوديون وفيها انصراف تام إلى إعداد ملكة جمال لبنان وتم استئجار أخرى تعمل أربعا وعشرين ساعة لوصف الآنسات في نومهن وقيامهن. ومهما يكن من حال فإن الخطاب المناوئ الرافض لبرامج تلفزيون الواقع هو إفراز لمجتمعات عربية يشكل فيها التشبت بالهوية مقوما من مقومات التصدي ومقاومة تيارات التثاقف أو التفاعل مع الآخر ولمجتمعات تعيش أزمة على كل المستويات وغياب الحلول والبدائل لدى النخبة مما أدى إلى سيطرة رؤية انفعالية عاطفية وغياب البحث العلمي الجدي الذي يحاول أن يعقلن هذه الظاهرة ويقتفي آثارها النفسية والاجتماعية على مؤسستي الأسرة والمدرسة المقصودتين بدرجة أولى من التبعات »السلبية لبرامج تلفزيون الواقع.

فليس المهم مساءلة خطاب تفاعل المثقفين العرب مع ظاهرة تلفزيون الواقع وانقسامهم إلى رافضين ومشككين ومرحبين بقدر مساءلة الظروف التي أنتجته ومناقشة الأسس النظرية، إن كانت موجودة فعلا حيث لاحظنا غيابها واقتصار المقالات على ردود فعل مباشرة حينية وعفوية، التي يرتكز عليها.

ويمكن الوقوف عند Paradigme "العولمة الثقافية" أو الامبريالية الثقافية والتي على أساسها وقع اعتبار برامج تلفزيون الواقع أحد مظاهرها، والرجوع إلى دراسات تأثيرات الصورة التلفزيونية على التنشئة العائلية والمدرسية وعلى العلاقات الاجتماعية بصفة عامة.

4 - براديغم الامبريالية الثقافية ودراسات تأثيرات الصورة التلفزيونية: تعقد المسالك وتشابك المتغيرات

بدأ الحديث عن مفهوم الامبريالية الثقافية منذ بث المسلسل الأمريكي "دالاس" DALLAS الذي وقع اعتباره في تلك الفترة مع بداية الثمانينات تهديدا تشكله الثقافة التجارية ذات المرجعية الأمريكية على الثقافات والهويات القومية. وتصدرت فرنسا هذه الموجة المنادية بالاستثناء الثقافي، فكان الوزير جاك لانغ وزير الثقافة الأسبق أول من أقدم سنة 1983 على إعلان أن مسلسل دالاس عنوان لإمبريالية ثقافية تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية على المجتمعات الأخرى، غير أن بحوثا علمية بينت أن شعبية دالاس ظاهرة معقدة لا تفسر فقط بالهيمنة الأمريكية أو بمفاهيم الكوكبة والعولمة والتخدير الثقافي بل ترتبط بمتعة داخلية تستمد جوهرها وماهيتها من إشباعها لرغبات مكبوتة متناقضة قوامها حب السيطرة والنجاح والثروة كما بينت اتجاهات حديثة في دراسة الإدراك الذهني للصورة المرئية أن التقبل يتنوع بتنوع المتقبل وأن أحداث المسلسل تفهم بطرق شتى يبدع فيها الناس وخاصة الأميون تصورات أخرى لأبطال المسلسل لا علاقة لها أصلا بالموضوع الرئيسي للمسلسل الحقيقي. كما قللت نظريات أخرى من قدرة »دالاس على التأثير في جماعات لا يعني لها النموذج الاستهلاكي ونمط الحياة الأمريكي أي شيئ فضلا عن كونها لا تشاهد مثل هذه المسلسلات أولا ترغب في مشاهدتها.

كما بينت دراسات أخرى أن المشاهد يطوع المسلسلات لثقافته ويتفاوض في بعض عناصرها وهو ما يدل أن المتفرج ليس بالمشاهد السلبي الذي يقبل كل شيء ومعناه أن الإمبريالية تقاومها حدود المجتمعات وأن الأفراد والجماعات يطورون تقبلا تتباين خصائصه ومظاهر تفهمه وعقليته في الواقع المعيشي.

كما ذهبت دراسات أخرى إلى القول إن الإمبريالية الوافدة من الخارج لا يجب أن تلهينا عن إمبريالية محلية أكثر شراسة تمارسها بلدان تنتمي إلى العالم الثالث وكمثال على ذلك المسلسلات الدرامية المكسيكية التي لاقت في تسعينات القرن العشرين نجاحا جماهيريا في كثير من البلدان حتى تلك التي تفتخر بكونها محصنة ثقافيا ومنها بلدان المعسكر الاشتراكي الذي انهار بسقوط جدار برلين.

وعند محاولتنا تحليل ظاهرة »تلفزيون الواقع نلاحظ أن الواقع مقارنة بالعشريات السابقة قد تعقدت عناصره بحيث نجد برنامجا وقع تصميمه على نطاق عالمي ولكن يروج من طرف شركات متعددة الجنسيات لا تهتم إلا بالربح ويصنع من طرف تلفزيونات محلية وقطرية تقوم بمجهود تطويع وملاءمة للبرنامج وفق ما يمليه النسق الثقافي والسياسي والإيديولوجي لهذه البلدان من حتميات وإلزامات وضوابط لعل من المفيد دراستها للتعرف على الاشكال التي يقع بها التفاوض مع بضائع ومنتجات مستوردة.

وفي هذا الإطار يجب أن نذكر أن برامج تلفزيون الواقع في الفضائيات العربية قد خلقت تبعات لم تكن منتظرة بتاتا مثل إيقاف بعض البرامج نتيجة ضغوطات وأعمال رفض وموانع دينية أو رفض المشتركة الفائزة في برنامج "على الهوا سوا" الجزائرية عائشة قرباص الزواج من حسام عمر الدين المصري الذي تقدم للزواج منها بناء على الشروط المفروضة في البرنامج الذي تدور فكرته الأساسية حول التصويت من قبل المشاهدين للفتاة الأكثر استعدادا للزواج وتكفل البرنامج فيما بعد بكل ما يلزم من تحضيرات لحفل الزفاف وهو ما قد يشكل ضربا في الصميم لمؤسسة الزواج التقليدي في المجتمعات العربية القائمة على التوافق ورضا أولياء المرشحيّن للزواج. كما شكل تشكيك أحد
المتراهنين في برنامج "ستار أكاديمي" في نسخته التونسية، والذي أذاعته الفضائية تونس 7 والمسمّى ببرنامج "طريق النجوم" الذي أنتجه الوجه التلفزيوني المعروف "رؤوف كوكة" لنتائج التصويت بالموزع الصوتي وتنديده بمنشط الحصة لانحيازه لمرشحين معينين وإقصاء آخرين وما آثاره هذا الفعل غير المألوف في مثل هذه النوعية من البرامج القائمة على الطاعة والانقياد لأساتذة هذه الأكاديمية الافتراضية وعدم التشكيك في نزاهتهم أو حيادهم من ردود فعل لدى منشط البرنامج، كلّها أحداث بينت أن البرامج المستوردة تتغذى بالثقافة المحلية التي تتقبل هذه البضائع وتسقط عليها رموزها ومعاييرها وتمثلاتها فالمعروف عن التونسي المتوسط le tunisien moyen ، رغم أن اللفظة مشبعة بالأحكام المسبقة ، أنه يناقش قرارات الأستاذ والحكم والشرطي إلخ.. ولا يقبل الهزيمة بسهولة.

خاتمة:

إن برامج تلفزيون الواقع التي أنتجتها وتنتجها الفضائيات العربية هي وليدة الواقع بالرغم من كونها تسقط وتركّب عليه، فهي تمثل فراغا لكبت وإرهاق جماعي لفئات عديدة من المتقبلين ومن بينهم المثقفون العرب الذين بالرغم من أن غالبيتهم عبروا عن رفضهم وسخطهم على مثل هذه البرامج تابعوا باهتمام وانتظام حصصا منها، مما يبين أن "سوبر ستار" و"الرئيس" و"ستار أكاديمي" لم تصنع فقط لليافعين والمراهقين بل للكهول وللأولياء بالخصوص. فبرنامج "ستار أكاديمي" الذي لاقى في كل الدول العربية نجاحا مذهلا هو وليد واقع متأزم لمدرسة حقيقية واقعية في وطننا العربي لا يشعر حيالها الطلاب بالثقة ولا تساعدهم على صياغة مشاريع مستقبلية في الحياة ناهيك وأن الشاب العربي عاجز أو ممتنع عن الزواج وعن بناء أسرة، وهو ما قد يعد من أدنى مشاريع المستقبل للفرد (ناهيك وأن معدلات تأخر سن الفتى والفتاة عن الزواج ارتفعت في كل الدول العربية باستثناء فلسطين) ويفسّر نجاح بعض برامج تلفزيون الواقع في صفوف الشباب من حيث أنها هيأت ظرفية نفسية جماعية وأجواء الحلم الجماعي لإفراغ هواجس ومكبوتات تتصل بما يعانيه المواطن العربي من إحباطات في زمننا الراهن. ولهذا فإن برامج تلفزيون الواقع المركبة "على الواقع" تمثل الجزء الناقص منه وهو اللاواقع ولا نضيف أي شيء لمن سبقنا إلى القول إن الواقع كان دائما مسكونا باللاواقع فهو وجهه وقفاه في الآن نفسه.

ونخلص إلى القول إن المسألة ما زالت تحتاج إلى حفر وتدقيق في المفاهيم وإلى بحوث كيفية أخرى تدرس تأثيرات الصورة التلفزيونية على الروابط الاجتماعية وآليات التنشئة ولا يكون هذا إلا ضمن مرصد observatoire يلتف حوله ثلة من المختصين من مختلف البلدان العربية.

وفضلا عن الجهد البحثي، ونظرا لوجود خطر »التقبل السلبي للصورة التلفزيونية فإننا ننتهز فرصة كتابتنا لبحثنا المتواضع للمناداة بإقرار مادة التربية من أجل الإعلام أوالتربية الاتصالية في كل مناهج التعليم الأساسي ومقرراته في كل البلدان العربية لإكساب النشء القدرة على تحليل الصورة التلفزيونية بفكر ناقد ورؤية ثاقبة.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org