إن هذا الاهتمام بقطاع العدل من طرف حزب الإستقلال يرتكز
على أساس ان العدل أساس الملك ولاعدل بدون قضاء وأن القضاء سلطة وليس
وظيفة وأن القضاء والقانون أمران متلازمان، وبالتالي بقدرما يحظيان
بالسيادة والإلتزام بقدرما يكون المجتمع أكثر حضارة وأكثر تقدما.
كما أن هذا الإهتمام بالقضاء ينطلق من وعي الحزب
بأهميةالعلاقة العضوية بين انفتاح المغرب على العالم الخارجي في ظل
النظام العالمي الجديد المطبوع بالعولمة والمنافسة الحادة، وبين النهوض
بقطاع القضاء من خلال تحديثه وتفتحه وحرصه على إشاعة الطمأنينة
واستتباب الأمن والحيلولة دون البطء في البت وإنجاز المساطر والشطط في
استعمال السلطة.
وقد اعتبر حزب الاستقلال على الدوام أن القضاء لايمكنه
أن يؤدي رسالته في إقرار سيادة القانون وإقامة العدل وترسيخ دولة
المؤسسات إلا بتأمين استقلال القضاء ونزاهته من خلال عدم تدخل السلطة
التنفيذية في اختصاصه وعدم توجيه أو تعطيل أحكامه وإخضاع جهاز الضابطة
القضائية لرقابته، وبالتالي فإن استقلال القضاء يشكل الضمان الوحيد
لسيادة القانون وأن سيادة القانون تعتبر الضمان الوحيد لحقوق المجتمع
أفرادا أو جماعات.
وبالفعل، فقد نص الدستور المغربي على مجموعة من
المقتضيات الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف، منها: القضاء مستقل عن السلطة
التشريعية وعن السلطة التنفيذية، تصدر الأحكام وتنفذ باسم الملك، يعين
الملك القضاة بظهير شريف باقتراح من المجلس الأعلى للقضاء، لايعزل قضاة
الأحكام ولاينقلون إلا بمقتضى القانون، يرأس الملك المجلس الأعلى
للقضاء جميع المغاربة سواء أمام القانون..
ومع ذلك، فقد ظل القضاء المغربي بعيدا عن تحقيق الغايات
المتوخاة منه في إقامة العدل النزيه الضامن لحقوق المواطنين في ظل غياب
إرادة قوية لإقرار إصلاح قضائي يضمن للعدل قوته ومناعته.
وكانت حكومة انطلاق التناوب التزمت في برنامجها المقدم
أمام البرلمان بأن تعطي للقضاء مكانة متميزة في العمل الحكومي من خلال
العمل على تكريس الأخلاق المهنية وتحديد قواعد التعامل والمسؤوليات،
ومتابعة تجديد القانون المغربي في ميدان القضاء، بتخصيص عناية كبرى
لتناسق القوانين وملاءمتها مع المحيط الاجتماعي والثقافي، والعمل على
استيعابها من طرف الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، والسهر على أن
تجد ترجمتها الملموسة في الممارسة القضائية، خلق تعبئة وطنية حول
برنامج لاصلاح وتخليق النظام القضائي، رفع كفاءات إدارة العدل وتحسين
تنظيم العلاقات بين الإدارة المركزية ومؤسسات العدل، وتقوية المفتشية
القضائية، وإيلاء أهمية كبرى لتكوين القضاة والمساعدين القضائيين،
تيسير اللجوء إلى القضاء، إحداث نظام لقضاة التنفيذ في الميادين
المدنية والجنائية، وضع مدونة جديدة للقانون الجنائي والمسطرة
الجنائية، وتعزيز تجربة المحاكم الإدارية والتجارية.
وهنا لابد أن نسجل بعض الخطوات الإيجابية التي تحققت في
هذا الاتجاه، بما فيها إصلاح قانون المسطرة الجنائية وبعض مقتضيات
القانون الجنائي، وإخراج مدونة الأسرة الى حيز الوجود، وإلغاء محكمة
العدل الخاصة باعتبارها محكمة استثنائية تتسم بغياب عناصر المحاكمة
العادلة نظرا للمسطرة المتبعة فيها التي تبقى مخالفة لمبدأ استقلال
القضاء.
وإذا كان إلغاء هذه المحكمة الاستثنائية قد خلق ارتياحا
عميقا لدى المواطنين، فإن هذا الإصلاح يبقى ناقصا إذا لم يتم إلغاء
قضاء الجماعات والمقاطعات لعدم توفرها على الضمانات التي تكسبها صفة
الاستقلال والمحاكمة العادلة طبقا للمواثيق الدولية المصادق عليها من
طرف المغرب.
كما أن الضرورة تقتضي تفعيل المقتضيات الدستورية
المتعلقة بالمحكمة العليا بعدما صادق البرلمان على القانون التنظيمي
الذي يحدد عدد أعضائها وكيفية انتخابهم وكذا المسطرة التي يتعين
اتباعها، وذلك حتى لايظل هذا الجهاز القضائي معطلا.
وحتى يسترجع القضاء حرمته وثقته ومصداقيته الكاملة في
الداخل والخارج، فإنه مطالب بأن يتعامل مع ملفات الفساد التي تتبعها
الرأي الوطني باهتمام بالغ، ولازال ينتظر مآلها بما يضمن المحاكمة
النزيهة والسرعة في التنفيذ مادام الأمر يتعلق بنهب المال العام ما
أحوج إليه الخزينة العامة في ظل الوضعية المالية الراهنة للدولة. وبقدر
ما يؤكد حزب الاستقلال التلازم بين القضاء والقانون، بقدر ما يربط بين
العدل والديمقراطية انطلاقا من أن كل ديمقراطية حريصة على احترام قواعد
القانون لا يمكنها أن تقبل أن يحوم الشك حول قدرة العدالة على الشفافية
والإنصاف وسرعة القضاء حتى يصبح المتقاضي في بلادنا موقنا بأن الجميع
سواء أمام القانون كما ينص على ذلك الدستور.
هذا التلازم الذي يقوم على أساس أن إصلاح القضاء يشكل
دعامة اساسية لتعزيز الانتقال الديمقراطي وتقوية آلياته في افق ترسيخ
مبدأ فصل السلط وتجاوز الممارسات السلبية التي عرفها القضاء المغربي من
جراء التدخل السافر في المسلسل القضائي والضرب باستقلالية القضاء عرض
الحائط لتبقى قوة هذا التحول مرتبطة بمدى الإصلاح المطلوب أن يشمل
مختلف المجالات، بما فيها الميدان القضائي الذي سيظل ورشا مفتوحا
للتغيير الكفيل بخلق ثقافة جديدة في فضاء العدالة، تستجيب لمتطلبات
الانتقال الديمقراطي الذي دشنه جلالة الملك محمد السادس.
وهناك لابد أن نستحضر خطاب جلالة الملك محمد السادس
بمناسبة افتتاح الدورة الأولى للبرلمان من السنة التشريعية 2001 ـ 2002
عندما أكد جلالته: »كما أننا مصممون بنفس العزم على السهر على مواصلة
إصلاح القضاء الذي يتعين عليه أن يطور موارده البشرية وأجهزته ومساطره
ليستجيب لمتطلبات العدل والتنمية عن طريق ترسيخ سيادة القانون
والشفافية والنزاهة والإنصاف والسرعة في الإنجاز على مستوى إصدار
الأحكام وتنفيذها، مشيعين بذلك روح الثقة على
الاستثمار«.