|
| 17/4/2005 الغلاف
الســـيــنــاريــوهــات الثــلاثــة المـتـخـيـلـة
لنـهـــايــة 'الأبــديــة'
كأن المراهنة على إمكان قيام النظام السوري بمشروع إصلاح وطني، قد بطلت، قد بطلت تماماً. أكانت مراهنةً من داخل هذا النظام، حيث كان يقال إن هناك طرفاً إصلاحياً في جسده بالذات لديه مصلحة في الإصلاح، أم بتأثير ضغوط داخلية أو خارجية، لا بد في النهاية لأي نظام مهما تيبس ومهما تسوّر، أن يستجيبها.
منذ أول عهد الأسد الابن، ووراثته لسوريا، نظاماً وشعباً وأرضاً، وكل ما يرتبط بذلك الإرث، أبدى النظام، المعروف برفضه القاطع لكل ما يأتي من خارج قاموسه اللغوي، تحسساً زائداً حيال إيراد كلمة إصلاح. ففي اليوم السابع رأى الرب كل شيء حسناً ورأى أن ليس في الجنة السورية أخطاء أو أعطال تستدعي أن تصلح. إلا أنه بسبب ظروف طارئة، في المنطقة، وفي العالم، يحتاج هذا القطاع أو ذاك، بعض العمليات التجميلية في القسمات، يمكن القيام بها تحت شعار التطوير والتحديث، وهو سيد الشعارات بامتياز. أما شعار التغيير فقد أفهم النظام الجميع، من دون لبس، أنه يعتبره بمثابة محاولة انقلابية. وقد جارته المعارضة السورية في هذا الاعتبار، بكل أطيافها، ما عدا بعض الاستثناءات وخصوصا من المنفيين، وهي التي خبرت ماذا فعل وماذا يستطيع أن يفعل بالخارجين عن قاموسه، متخذةً موقف الوسط، ومطالِبة بإصلاحات تدريجية فيه، لعل هذه الإصلاحات تفضي، شيئاً فشيئاً، إلى التغيير المأمول في النظام.
لخمس سنوات مضت، جرت خلالها أحداث كثيرة، توسلت هذه المعارضة من النظام، إن لم أقل استجدت، أن يبدأ بأي إصلاح، سياسي أو أمني أو اقتصادي أو إداري أو قضائي أو تعليمي... لكنه لم يفعل. لم يفعل سوى أنه أثبت لها وللجميع عدم رغبته في إصلاح أي شيء، ولا حتى في إصلاح نفسه، وأثبت عدم قدرته على ذلك الإصلاح، وعدم مصلحته فيه.
أحسب أن بداية العدّ التنازلي للنظام السوري من جانب العامل الخارجي، الولايات المتحدة الأميركية كحكم حلبة فيه، قد فوّت الوقت على النظام والمعارضة، ليتابعا لعبة شد الحبل وإرخائه، غير المتكافئة، حتى نهايتها اللامنظورة. كما أغلق كوة المراهنات على خيارَي الإصلاح أو التغيير، اللذين لم يكونا يوماً من خيارات النظام.
إن وصول سوريا إلى هذه النقطة الحرجة، لم يكن بسبب ما آل إليه الهيكل المفرغ لنظامها السياسي أو الاقتصادي أو الإجتماعي، ولا بسبب علاقة هذا النظام المشروخة مع شعبه، ولا بسبب تفشي الشعور بالضيق والتململ والرغبة بالانعتاق لدى هذا الشعب. أقصد ليس بسبب ما يمكن تسميته العامل الداخلي، كما ليس بسبب العامل الإقليمي، المتمثل في ضعف الدور السوري في المنطقة بعد خروجه من لبنان وخسارته الرهينة اللبنانية، وما يبدو أنه تراجع، أو حتى تدهور، في علاقاته مع عدد من الدول العربية (في مقدمها مصر والمملكة السعودية)، من دون أن ننسى العراق، ومن دون أن ننسى إسرائيل التي لا تزال إسرائيل، والتي لا تزال تحتل منذ ما يقارب الأربعين سنة جزءاً كبيراً من أراضيه وما عادت تهتم كثيراً بإعادتها اليه.
إلا أن هذا كله، كان يمكن النظام السوري التعامل معه والخروج منه سليماً أو بجروح طفيفة على طريقته، لولا تدخل العامل الخارجي الضاغط والفظ.
فبعد مساندة سوريا النظام العراقي، ومعارضتها الحرب التي شنتها قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأميركية وانتهت إلى إطاحة نظام صدام حسين، توأمها السياسي، واحتلال العراق، ثم تأييدها ما أطلق عليه المقاومة العراقية ومطالبتها بخروج هذه القوات من العراق، أصدرت الولايات المتحدة الأميركية قانون محاسبة سوريا، ثم صعّدت المواجهة مع النظام السوري وصولاً الى التلويح بمشروع قانون تحرير سوريا، واعتبار حزب البعث حزباً إرهابياً. ثم أصدر مجلس الأمن الدولي قراره 1559 بمبادرة فرنسية واستجابة أميركية، ونشر تقرير بعثة تقصي الحقائق في جريمة اغتيال رفيق الحريري، الى قرار مجلس الأمن 1595 تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة تتمتع بالصلاحيات كافة التي تؤمّن التوصل إلى معرفة مرتكبي الجريمة. هذا كله يجري باتفاق بين دول العالم أجمع لم يحصل مثله يوماً، الأمر الذي عبّر عنه بغصة الرئيس الأسد (بدون ابن كما بات الاسم يرد دائماً) في خطابه الأخير في مجلس الشعب بقوله: "إننا نعيش في عالم ليس فيه قانون... ولا فيه ميزان عدل"، وكيف أنه "في كل جريمة هناك احتمالات عدة الا في هذه الجريمة لم يكن هناك الا احتمال واحد وهو سوريا!".
يكاد يكون هذا الكلام كله معروفاً، والمعروف أيضاً، حرص النظام السوري الشديد على إعدام، اجتثاث، أي بديل محتمل منه، من خارجه أو من داخله. فما أتاحه من داخله هو وراثته، متابعته، كما كان، وكما هو الآن، وكما سيبقى إلى اللانهاية، إلى الأبد، حتى بالإسم.
حقاً، لم يكن شعار "الأسد للأبد" كغيره من الشعارات السورية، لوحة ثابتة على جدار، أو لافتة ترفع في المسيرات، أو ثلاث كلمات مقفّاة يفتتح بها الشعب السوري حياته كل صباح.
كان "الأسد للأبد" النظام برمته. كان الإستراتيجيا الحقيقية لسياسته الداخلية والخارجية، ولكل برامجه الاقتصادية والاجتماعية. ومن ايغاله في أبديته، إعدامه للبدائل، إعدامه لإحتمالات البدائل، جاء إعدامه للنهايات، إعدامه لكل نهاية محتملة، أو حتى متخيلة له، إعدامه النهائي للنهايات أجمع.
وها نحن الآن نقف، جميعنا، حائرين في معرفة ماذا ينتوي فعله، حائرين أي قرار سيتخذه، حائرين، أي نهاية اضطرارية سيختارها؟
قلت اضطرارية، لأن ما يفسر نهج النظام السوري الحالي وما يقوم به من أفعال ويقبل به من قرارات دولية، هو اضطراره أن يفعل وأن يقبل. وحتى في ما بقي، على عادته، يراوغ به، فإنه أيضاً مضطر لهذه المراوغة، ولو إلى حين. لكن عصر المراوغات قد انتهى، وما عاد العالم، عن حق أو باطل، يتقبل وجود نظام خارج عن قاموس العالم هذه المرة. أو في تعبير معاكس، ما عاد العالم يتقبل وجود فوضى في نظامه. وهكذا، بناء على معادلة الاضطرار والمراوغة الاضطرارية، ترسم المخيلة السياسية لمتتبعي الوضع السوري نهايات أشبه بتنبوءات، يختلف حولها الجميع ولا أحد يستطيع الجزم أيّ منها سوف يحدث. بل ان البعض لا يصدق أن أياً منها سوف يحدث، وبدوري أؤكد هذا الاحتمال ولو لزمن طويل أو قصير. وهي كما يبين العنوان يمكن حصرها بثلاثة سيناريوهات، أولها، وربما الأشد احتمالاً في رأي الكثيرين، التنازل، أو سياسة البدء بالتنازلات، التخلي التدريجي عن مراكز القوى السياسية والأمنية والإدارية.
لمن؟ لمؤسسات الدولة القانونية وللعاملين فيها. البدء باستجابة مطالب المجتمع السوري، وقف العمل بقانون الطوارئ وإلغاء الأحكام العرفية، تفكيك الأجهزة الأمنية وحصر عملها في وظيفتها الأساسية وهي أمن المجتمع والبلد، إصدار قانون للأحزاب يسمح بعودة الحياة السياسية الى سوريا، إجراء انتخابات حرة لأعضاء مجلس الشعب، يتبعها انتخاب رئيس للبلاد من بين مرشحين عديدين تحت إشراف منظمات دولية، إلغاء المادة الثامنة من الدستور السوري التي تنص على أن حزب البعث هو الحزب القائد للدولة والمجتمع، إعادة بناء الجيش السوري على أسس وطنية لا عقائدية... إلى آخره إلى آخره.
ويرى من يرجح هذا الاحتمال، الذي يمكن أن نصفه أيضاً بالانسحاب التدريجي للنظام، أنه قد بدئ به فعلاً. فالنظام قد تخلى عن كثير من آلياته القسرية، وهو يتيح للكثيرين قول ما لو تلفظوا به في أحلامهم خلال الثمانينات والتسعينات، أو كتبوه، لما عرف النمل أمكنتهم. وهو يسمح بعقد اللقاءات والندوات المعلنة وشبه المعلنة بين أفراد وجماعات يتداولون النقاش في الشأن العام، كما أنه يعيد تنظيم مؤسساته الأمنية، وقد أبدل بالفعل طرائقها في الاستدعاء والتحقيق، وقد أطلق سراح الألوف من المعتقلين السياسيين، حتى الحديثين منهم، إضافة الى كون هذا الانسحاب التدريجي يؤمّن النقلة الآمنة للنظام وللبلد من هذا الظرف الحرج إلى ظرف مفتوح لتغيير الوضع السوري كلياً.
ورغم أن خياراً كهذا يمكن فهمه، تبعاً لآلية الإضطرار التي تفسر كل ما يقوم به النظام، إلاَّ أنه يتوقف على قدر كبير من التصديق أن سلامة البلد، الوطن، هي أولية للنظام. وكذلك على إعطائه المساحة الكافية من الوقت للقيام بهذه التنازلات على دفعات، وإلا ذهبت التصورات إلى السيناريو الثاني، وهو الانهيار. أي أن يختفي النظام فجأة. تنحل بدون مراسم أو تحضيرات عقدة النظام الكبيرة. يتفكك ويقع. أن يترك رموز النظام مواقعهم ويذهبوا إلى مكان ما، إلى بيوتهم مثلاً أو إلى فنادق في أوروبا وروسيا في انتظار ما سوف يحدث. وهنا ينقسم هذا السيناريو الفانتازي حقاً عن سيناريوهين متعاكسين، ربما أكثر واقعية. الأول، نمرة واحد، كما يقول أخوتنا المصريون، حدوث فوضى فظيعة، حالة عامة تتغلب فيها الغرائز والهواجس على العقل والمصلحة، شيء كالحرب الأهلية مثلاً، وهذا أسوأ ما يمكن حدوثه لأي مجتمع، الكارثة التي يجب أن يعمل الجميع على تجنبها بكل الطرق والوسائل. لأنه، وهذا ما أثبتته كل الحروب الأهلية، لا شيء يرتجى منها إلاَّ بعض الدروس المأسوية. أما الثاني فقدرة المؤسسات العريقة للدولة السورية، الوزارات والجيش والأمن الداخلي، مهما بلغ ما اعتراها من فساد، على تدبير شؤون الناس وحماية أرواحهم وملكياتهم، ريثما يتم تشكيل حكومة موقتة تدير شؤون البلاد، تليها انتخابات حرة للمجلس النيابي والرئيس وما إلى ذلك. يدعم هذا التفاؤل، كون الشعب السوري في طبيعته، وفي غالبيته، شعباً واعياً، يعرف تماماً ما يفيده وما يضره، متلاحماً، لم يقدم في تاريخه على حرب أهلية حقيقية وليس مجهزاً لها. والدليل على ذلك أنه لم يحرك ساكناً في فرص عديدة، توقع الكثيرون أنه سينتفض فيها أو ينتقم. إضافة إلى أن العالم ممثلاً بجهة ما، الجامعة العربية أو منظمة الأمم المتحدة أو الإتحاد الأوروبي، سيكون من واجبه مد يد المساعدة، إذا احتاج الأمر، لعبور هذا المرحلة.
أما السيناريو الثالث، الأشد قسوة على الإطلاق، فهو المواجهة: قرار النظام أن يسند ظهره الى الجدار ويقاوم، إن لم يكن خارجياً، بعد تقديمه كل التنازلات الإقليمية المطلوبة، فداخلياً على الأقل. على ما يُتوقع من كل نظام شمولي أن يفعل، وخصوصاً عندما لا تتبيّن له فرص نجاة ولو نسبية. وهذا ما تنبه له بعض الناصحين للإدارة الأميركية بأن يأخذوا السوريين بيد لينة. أي أن لا يحصروا النظام السوري في تلك الزاوية التي لا يجد ما يفعله سوى أن يستشرس فيها دفاعاً عن نفسه. وأن يتيحوا له الوقت والفرص لإيجاد حل ما لأزمته المستعصية. وربما يكون من رأي الأوروبيين أن يساعدوه في حلها. وذلك ليس حرصاً عليه بقدر الحرص على دولة من دول العالم وشعب من شعوب العالم، وعلى استقرار منطقة قابلة لتصدير مشكلات بالجملة الى العالم، وبرنامج الوصول بكل بلدانها إلى الانخراط في حقائق العالم الجديد. أما إذا كان هذا السيناريو الثالث، الخيار الوحيد، الاضطراري، النهائي، الذي سيمضي به النظام دفاعاً عن مواقعه موقعاً موقعاً، من دون اعتبار لأي شيء، مضحياً بكل شيء، فإني أترك لأشد المخيلات كابوسية إمكان تصور ما لا يمكن لي تصوره من عواقب وخيمة على البلد والناس والمنطقة والعالم برمته، ما دام هذا العالم يدعي أنه واحد! منذر مصري |
||