تقييد للحريات الاقتصادية وأزمة تفضي إلى تدهور في المعيشة
الحقوق الاقتصادية للمواطن الليبي خلال العقود الثلاثة
الماضية

العدد الرابع عشر
السنة الرابعة/ ماي - جوان 2005


السنوسي البسيكري (*)

مقدمة

تشهد الأوضاع الاقتصادية في ليبيا حالة من التأزم منذ آواسط عقد الثمانينات، غير أن الإخفاق في معالجة أسباب الأزمة وتعنت صناع القرار الليبي ورفضهم لمقترحات عدة تعنى بالتصحيح الاقتصادي خلال العقد الماضي أدى إلى اشتداد الأزمة الاقتصادية والتي بالتالي انعكست بشكل مباشر على المواطن الليبي إلى المستوى الذي تدهور فيه وضعه المعيشي إلى مستوى مخيف. أبرز مظاهر الأزمة تمثلت في ارتفاع مستوى أسعار السلع والخدمات والنقص في السلع الأساسية وتأخر المرتبات وانخفاض القوة الشرائية للعملة المحلية. ونحاول في هذا المقال أن نعرض إلى أهم أسباب الأزمة ونرصد أهم مظاهرها ونلخص إلى تقييم مبدئ لأوضاع المواطن الليبي من الناحية المعيشية والعوائق التي تواجه تحسن الاوضاع الاقتصادية والتي تعتبر الدولة مسؤولة عنها بشكل مباشر، وتضعها التقارير الصادرة عن المنظمات المعنية بالحقوق الإنسان ضمن الانتهاكات التي ترتكبها الدول في حق مواطنيها على المستوى الاقتصادي.

ويكمن العائق أمام إظهار طبيعة الإوضاع وحجم المعاناة الاقتصادية للمواطن الليبي في غياب البيانات والمعلومات التفصلية المر الذي يصعب من مهام الباحث من وصف الحالة والتدليل على الأزمة بمعلومات تفصيلية. كما ان النقص في المعلومات وصعوبة الحصول على البيانات يفرض على الباحث تجاهل العديد من مظاهر الانتهاكات الاقتصادية التي تمارسها الدولة ضد مواطنيها بشكل مباشر أو غير مباشر.

تشريعات وسياسات تقيد الملكية وتحد من حرية النشاط الاقتصادي

التحول الاشتراكي الذي غير شكل النظام الاقتصادي إلى نشاط تحتكر فيه الدولة مختلف أوجه الانتاج والتوزيع ضيق مساحة الحرية الاقتصادية إلى درجة كبير. إذ لم تسلم من عمليات التميم و"الزحف" إلا أنشطة اقتصادية محدودة جدا تمثلت في الزراعة والرعي والورش الحرفية الصغيرة. من جهة ثانية تضمنت التشريعات التي صاحبت التحول الاشتراكي قوانين تمنع تملك أكثر من بيت واحد للأفراد ومركوب واحد، وتضمنت مقولات الكتاب الأخضر التي اعتبرت مفرداته بمثابة قوانين وتوجهات ملزمة ما يدين الادخار الشخصي ويعتبر المال المدخر فائضا عن حاجة المدخِر حقا للغير، كما اعتبر الكتاب الخضر الربح مظهرا من مظاهر الاستغلال وأكل لأموال الكادحين. وكانت نتيجة هذه الاجراءات والسياسات أن تعثر النشاط الاقتصادي وضاقت دائرة الحرية الاقتصادية. كما أفرزت هذه السياسات مشاكل مزمنة تمثلت في تكدس القوة العاملة في مؤسسات وشركات التابعة للدولة وتضخم مخصصات المرتبات في الميزانية العامة لتبلغ ما يزيد عن 40% من إجمالي الموازنة السنوية. وقد لجاءت الدولة إلى تقليص وتجميد المرتبات إلى الحد الأدنى وأصدرت القانون رقم 15 لسنة 1981م والذي لا يزال يمثل سقف المرتبات إلى اليوم الحالي.  

الحرية الاقتصادية وفق بعض المؤشرات الدولية

وطبقا لبعض الإحصائيات الدولية فإن وضع ليبيا في مجال الحريات الاقتصادية محرج جدا، إذ أظهرت القائمة الاقتصادية التي صدرت عن صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية عن الحريات الاقتصادية في العالم للعام 2003أن ليبيا تأتي في المرتبة الأخيرة بالنسبة للدول العربية والمراتب الأخيرة جدا على مستوى الحريات الاقتصادية في الدول التي شملتها القائمة وبلغت 156 دولة.ومقارنة بدول عربية على القائمة نجد البحرين التي جاءت في المركز 16، بعدها الإمارات العربية المتحدة في المركز الـ 24، الكويت بعد الإمارات العربية المرتبة 40، قطر في المرتبة الـ 44، وعمان في المرتبة الـ 56. أيضاً الأردن 62، المغرب والمملكة العربية السعودية، وتونس كل منهما في مرتبة واحدة وهو 68، وبعد ذلك الجزائر في المرتبة الـ 94، ثم لبنان ومصر التي تأتي في المرتبة الـ 104، اليمن المرتبة 131، فسوريا في المرتبة 143، وفي ذيل التصنيف بالنسبة للدول العربية تأتي ليبيا في المرتبة 151.

الأزمة الاقتصادية وأثرها على انخفاض القيمة الحقيقة للدخل المتاح للأفراد

ركزت خطط ومشاريع وبرامج التنمية البشرية خلال العقود الثلاث الماضية على تحقيق الوفرة والرفع من مستوى الرفاه الاقتصادي للأفراد وذلك من خلال تبني مجموعة من الأهداف الأساسية والتي تتركز – بناء على تقرير التنمية البشرية للعام 1999 - حول:

·        تنويع هيكل الاقتصاد الوطني لضمان عنصر الاستدامة في عملية التنمية.

·        خلق مصادر جديدة للدخل تكون بديلة لدخل النفط باعتباره مصدرا غير متجدد وقابل للنضوب.

·        تحقيق العدالة في توزيع الدخل.

·        رفع مستوى المعيشة للمواطنين.

·        الاستثمار في رأس المال الوطني وبناء القدرة المعرفية والمهارية وتكثيف برامج التعليم والتدريب والتاهيل للقوى العاملة الوطنية.

·        بناء الهياكل الارتكازية ياعتبارها الأساس لتطوير الاقتصاد الوطني وكفاءته.

·        تحقيق تنمية مكانية متوازنة لعموم التراب الليبي.

إلا أن مسيرة التنمية الاقتصادية منيت بفشل كبير وانحرف مسار الاقتصاد الليبي عن التنمية ليسقط في مصيدة الازمة الحادة، وذلك بعد انتهجت الدولة المنهج الاشتراكي الذي أفضى إلى تأميم معظم الانشطة الاقتصادية التابعة للقطاع الخاص وتفويض القطاع العام لإدارة النشاط الاقتصادي. الانتكاسة الاقتصادية أخذت مظاهرة اقتصادية واجتماعية متعددة شملت الانخفاض الكبير في نعدل النمو واالارتفاع الحاد لحجم المديونية والالتزمات المستحقة للشركات الأجنبية والوطنية والنقص الشديد في السيولة وانحصار نشاط المؤسسات المالية وزيادة الدين المحلي وما تبعه من اختلال في ميزان المدفوعات. هذا بالإضافة إلى ضعف أداء المؤسسات الاقتصادية والخدمية وتدني مستوى كفاءتها الانتاجية نتيجة لنقص التمويل وضعف الإدارة وعجز الرقابة، وكانت النتيجة الطبيعية لهذه التراكمات ازدياد الضغوط التضخمية وانخفاض القيمة الحقيقة للعملة المحلية وشيوع البطالة وتدني الأجور وتأخرها والتي تمثل مصدر الرزق الأساسي لمعظم شرائح المجتمع الليبي مما انعكس على التدهور الواضح في مشتوى معبشة الأفراد.

مؤشر متوسط دخل الفرد من الناتج القومي الإجمالي التقليدي لا يعكس الصورة الحقيقة لمستوى دخول الأفراد، كما أنه في - الحالة الليبية- يؤكد حالة من عدم الصدقية في قياس الرفاه الاقتصادي وتقدم مستوى الخدمات الاجتماعية. فبناء على بيانات الناتج القومي الإجمالي وإجمالي السكان، وبحسب العديد من المصادر المحلية والدولية فإن متوسط دخل الفرد يتجاوز الخمسة آلاف دور أمريكي، إلا أنه ونظرا لتأزم الوضع الاقتصادي واختلال الهياكل المالية والادارية وشيوع ظاهرة الفساد فإن المستوى الحقيقي لمتوسط دخل الفرد لا يتجاوز ألفين دولار أمريكي     ( 2600دينار ليبي سنويا- 215دينار شهريا) وتتفاوت دخول الأفراد في المدينة وبين المدن المختلفة، لا يتجاوز دخل الفرد 1200دينار ليبي ( مائة دينار شهريا ) في مدينة اجدابيا على سبيل المثال. وما يمكن التأكيد عليه أن ما يقرب من 60% من الليبيين يصنفون ضمن ذوي الدخل المحدود.

الخصوصية التي يتسم بها دخل الفرد هو الاعتماد ما يزيد على 70% من القوة العاملة على خزانة الدولة وفي شكل مرتبات. وكأثر لمباشر لفشل القطاع العام تتأخر المرتبات لفترات تزيد على السنة أشهر وفي العديد من الخالات تصا إلى العام تقريبا. وفي العموم فإن هذه الدخول تمثل الحد الأحدى مما يصلخ أحوال الناس ولا تفي بمطالبهم المر الذي انعكس في تدنى مستويات المعيشة وشيوع ظاهرة الفقر والعوز والارتشاء والاحتيال والسرقة.

قياس الرفاه الاقتصاد وفق دليل التنمية البشرية للأمم المتحدة

دليل التنمية البشرية الذي جاء به برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الذي يربط بين مجموعة من المعايير لأجل الوصول إلى قياس أدق لمستوى الرفاه الاقتصادجي والاجتماعي. ويعتمد الدليل ثلاث مؤشرات هي:

1)      التمتع بمستوى صحي ملائم وعمر مديد

2)      التمتع بمستوى جيد من التعليم

3)      التمتع بمستوى دخل مستقر يكفل الحصول على من السلع الاستهلاكية المتنوعة.

ووفقا لهذه المؤشرات الثلاث، وبناء على دليل التنمية البشرية للعام 1999م، فإن ليبيا استطاعت خلال عقود الستينات والسبعينات والثمانينات من أن تحسن من مستوى خدماتها الصحية والتعليمية ومستوى الدخل الفردي، إلا أنها بالمقابل لم تستطع المحافظة على الانجاز المتحقق جراء الانفاق الجيد الذي اعتمد في الخطط الاقتصادية الأربع (1963-1968، 1972-1973، 1976-1980، 1981-1986)، إذ شهدت الخدمات الصحية والتعليمية تدنيا كبيرا بسبب نقص التمويل وانخفاض الانفاق الاستثماري وسؤ الإدارة وعجز الرقابة.

التعثر الاقتصادي وأزمة السكن الحادة

كان من أشد إفرازات تأميم القطاع الخاص ومصادرة العقارات السكنية وغيرها أبلغ الأثر في بروز ظاهرة النقص الشديد في السكن. إذ أدى صدور قانون 4 للعام 1978م عودة ملكية مختلف العقارات السكنية التي بحوزة القطاع الخاص إلى الدولة وقصر الملكية على عقار واحد للأسرة. كانت النتيجة المنطقية لهذا القانون قصر بناء العقارات السكنية على مؤسسات الدولة والتي لم تفلح في تغطية الطلب المتزايد على السكن بفعل الزيادة المضطردة في عدد السكان مما أفضى إلى تساع الفجوة السكنية، إن صح التعبير، والمقصود اتساع الهوة بين الطلب على المساكن والمعروض منها. النقص الشديد في السكن أوجد ظاهرة "خلو الرجل" والمقصود التخلي عن حق الانتفاع (وليس الملكية) من شخص لأخر مقابل عوض مادي وصل خلال منتصف العقد الماضي إلى 100ألف دينار في طرابلس و50 ألف في بنغازي. وبالرغم من انخفاض خلو الرجل مؤخرا إلا أنه لايزال مرتفع قياسا بالمتاح من دخول الأفراد.

بناء على دراسة أعدت خلال منتصف العقد الماضي من قبل مركز بحوث العلوم الاقتصادية وعلى تصريحات أمين اللجنة الشعبية العامة فإن جهودا ينبغي أن تتركز على بناء ما يزيد عن 50 ألف وحدة سكنية سنويا لمدة عشر سنوات لكي يتم تقليص الفجوة والسيطرة على الأزمة السكنية التي ترجع العديد من التقاير بأنها خلفت مضاعفات اقتصادية واجتماعية كبيرة منها على سبيل المثال ارتفاع حالات الطلاق بسبب لجؤ المتزوجون إلى الاقامة مع ذويهم، وكذلك ارتفاع معدلات العنوسة بين الذكور والإناث.

اتساع الهوة في الدخل وتقسيم العمل والخدمات الأساسية

يظهر التقرير الوطني للتنمية البشرية للعام 2002م الصادر عن الهيئة القومية للمعلومات والتوثيق بأن هناك تفاوت كبير في الدخول وما يتوفر للأفراد من خدمات أساسية كالتعليم والصحة بين المناطق والشعبيات (مرادف للبلديات أو المحافظات) الأمر الذي يكشف عن اختلالات كبيرة في خطط الدولة وبرامجها التنموية وسياساتها الاقتصادية وأنفاقها الكلي.

ففيما يتعلق بتفاوت الدخل بين الأفراد، فإن ذلك يأتي تبعا للتفاوت في دخول المناطق المختلفة وما تحوزه من الناتج القومي الإجمالي الليبي. حيث تتحسن دخول الأفراد في المناطق التي تشهد مساهمة أكبر في الناتج الإجمالي والعكس. وبناء على البيانات التي تضمنها التقرير، وإذا ما أخذنا بمعيار المعدل الوطني لدخل الفرد من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي والبالغ نحو 2047 دينار عام 1999 ، نجد بان معدل دخل الفرد في كل من (طرابلس وصبراتة/صرمان وبنغازي) يفوق المتوسط الوطني بنسب 19% و17% و 15% على التوالي. إذ تستأثر هذه المناطق بأعلى معدلات لدخل الفرد من الناتج الإجمالي المحلي مقارنة ببقية الشعبيات ( طرابلس 2429 دينار ، صبراتة وصرمان 2394 دينار سهل الجفارة 2254 دينار ، الزاوية 2283 دينار).

الناتج الإجمالي المحلي غير النفطي ومتوسط نصيب الفرد على مستوى الشعبيات

 

الشعبية(البلدية)

السكان

الناتج (مليون دينار)

نصيب الفرد (دينار)

 
 

البطنان

127913

238.39

1863.69

 

درنة

75152

179.96

2394.61

 

القبة

72612

112.63

1551.11

 

الجبل الأخضر

170840

287.23

1681.28

 

المرج

104128

175.23

1682.83

 

الحزام الأخضر

99417

169.09

1700.82

 

بنغازي

562203

1324.52

2355.95

 

اجدابيا

138267

195.95

1417.19

 

الواحات

25470

51.32

2014.92

 

الكفرة

42557

65.5

1539.11

 

سرت

124765

203.36

1629.94

 

الجفرة

39482

90.39

2289.4

 

مصراته

278808

561.14

2012.64

 

بنى وليد

66489

106.08

1595.45

 

المرقب

287165

464.77

1618.48

 

ترهونه / مسلاته

261176

476.09

1822.87

 

طرابلس

1066308

2589.56

2428.53

 

الجفارة

253271

570.95

2254.3

 

الزاوية

175789

401.28

2282.74

 

صبراته/صرمان

137649

328.52

2386.65

 

النقاط الخمس

186608

370.37

1984.75

 

غريان

144079

257.85

1789.64

 

مزدة

35090

51.94

1480.19

 

يفرن/جادو

103735

205.07

1976.86

 

نالوت

70986

128.74

1813.60

 

غدامس

17044

31.26

1834.08

 

سبها

108918

207.05

1900.97

 

الشاطىء

68255

105.97

1552.56

 

وادي الحياة

61314

99.67

1625.57

 

مرزق

59279

115.48

1948.08

 

غات

19486

36.50

1873.14

 


المصدر: التقرير الوطني للتنمية البشرية 2002م، الهيئة القومية للمعلومات والتوثيق.

وتظهر البيانات المتاحة أن القاسم المشترك الذي يجمع الشعبيات (البلديات والمحافظات) المتدنية في معدل دخل الفرد من الناتج المحلي هو "سواد نمط الإنتاج الرعوي والصبغة الريفية وحالة التشتت السكاني وارتفاع نسب الأمية بين السكان وقوة العمل والافتقار إلى مراكز خدمات والاتكال في الغالب على الشعبيات الكبيرة المجاورة". يصل انخفاض معدل الفرد في البعض من تلك المجموعة من الشعبيات إلى نحو 31% دون المتوسط الوطني ، ومثال ذلك شعبية اجدابيا التي لا يتجاوز معدل دخل الفرد فيها أكثر من1417 دينار (118 دينار شهري تقريبا). وكذلك الأمر بالنسبة إلى شعبية مزدة (1480دينار أو نحو 28% دون المتوسط الوطني) وشعبية الشاطئ (1553 دينار أو 24% دون المتوسط الوطني) وشعبية القبة (1551 دينار أو 24% اقل من المتوسط الوطني).

البطالة المتفشية وهوة تقسيم العمل

نستهل حديثنا عن القوى العاملة بالإشارة إلى أن معدلات البطالة في ازدياد وتصل إلى ما يقرب من 30% من إجمالي القوة القادرة على العمل بحسب البيانات الصادرة عن اللجنة الشعبية العامة (رئاسة الوزراء)، وتشكل أكبر الأعباء واعقد الصعوبات التي تواجه مشروع الإصلاح الإقتصادي. إذ تعكس الحالة الليبية اختلالا كبيرا بين محرجات قطاع التعليم والتدريب ومدخلات قطاع العمل والتشغيل المتحكم فيه إلى اليوم من قبل الدولة والذي يعاني من جمود وعجز على استيعاب الأعداد المتزايدة من الباحثين عن العمل. ولا تعكس الأرقام الواقع الحقيقي للبطالة إذ أن هناك "البطالة المقنعة" بسبب تكدس العمالة في مؤسسات القطاع العام مما يضاعف العبئ على هذه المؤسسات ويحرمها من فرص التطور والمنافسة.

فيما يتعلق بتقسيم العمل فقد أظهر التقرير الوطني التنمية البشرية للعام 2002م "تشوهاً واضحاً في توزيع قوة العمل حسب قطاعات النشاط الاقتصادي في الشعبيات ، حيث تتكدس غالبيتها في قطاعات الخدمات الاجتماعية والعامة (قطاعات التعليم والصحة) ، وتصل بالمعدل إلى نحو 56% من إجمالي قوة العمل على المستوى الوطني . وذلك في الواقع معدل مرتفع بالمقارنة بالدول العربية . إلا أن النسب بهذا الشأن تتفاوت بين شعبية وأخرى في مدى ابتعادها أو اقترابها من ذلك المعدل الوطني".

كما يظهر من خلال البيانات التي تضمنها التقرير أن هناك توازنا في تقسيم العمل على مختلف القطاعات الاقتصادية  في الشعبيات (البلديات)  التي ترتفع فيها فرص العمل في القطاعات الإنتاجية (خدمات الصيانة والنقل في قطاع الصناعة التحويلية بالذات) وفي قطاع تجارة الجملة والتجزئة، بينما الأمر خلاف ذلك في قطاع الخدمات العامة والاجتماعية، حيث لاتتعدى النسبة في شعبية مصراتة اكثر من 35% من إجمالي قوة العمل لديها . والصورة مقاربة لذلك في بالنسبة طرابلس وبنغازي وسرت.

البيانات تعكس التفاوت الكبير في تقسيم العمل ونسب تمثيل حملة الشهادات العليا بين مناطق الريف والحضر. إذ تكشف البيانات أن قوة العمل ذات الإعداد التعليمي المتقدم تتركز في المدن الرئيسية والتجمعات السكانية الكبرى، حيث تمثل نسبة حملة الشهادات الجامعية في هيكلية القوى العاملة إلى نحو 13% و 11% في مدينتي طرابلس وينغازي على التوالي، ثم تأتي شعبية (بلدية)سهـل الجفـارة (10.6%) و الزاوية (10.4%)

وحسب التقرير فإن نسب حملة الشهادات العليا من إجمالي القوة العاملة تتدنى بشكل خطير في نحو 17 شعبية، حيث لا تتعدى النسبة   3.13% من إجمالي قواها العاملة ، بينما ترتفع فيها قوة العمل غير الماهرة (الأمية) إلى نحو 16% ، وتصل فيها كذلك نسبة قوة العمل المتسربة من التعليم دون الابتدائية( إلى نحو  15%).

خاتمة

لا شك أن تركة التحول الاشتراكي راكمت الكثير من المشاكل الاقتصادية التي أوصلت النشاط الاقتصادي إلى حالة من الشلل كان لها أكبر الأثر على تدني مستويات المعيشة لدى شريحة واسعة من الليبيين ارتبطت بشكل مباشر في تحول غالبية السكان عالة على الدولة من خلال ارتباط مصدر رزقهم بالمرتبات والمعاشات التي تصرف من الخزانة العامة او عن طريق الشركات التابعة للقطاع العام والتي أخفق معظمها في النجاخ بالمعايير الاقتصادية المعروفة. وبالرغم من التحولات التي يشهدها الاقتصاد الليبي خلال العوام الخمس الماضية، إلا أن النشاط الاقتصادي لا يزال ضيق جدا، ولا تزال هناك العديد من القيود على حركة رؤس الأموال وحركة السلع، كما أن الأوضاع المعيشية لمعظم الليبين لم تتحسن. ففي لقاء على نقلته المرئية الليبية، صرح المستشار الاقتصادي للجنة الشعبية العامة، الدكتور سليمان احتاش، أن ما يقرب من مليون عائلة ليبية تعتمد في دخلها على خزانة الدولة في شكل مرتبات أو معاشات ضمانية وهي في الغالبة متدنية جدا وبالكاد نعطي النفقات الأساسية.

من ناحية أخرى فإن الاحصاءات التي تضمنتها تقارير التنمية البشرية تظهر تفاوتا كبيرا في مستويات الدخل والخدمات الأساسية بين البلديات والمدن المختلفة، الأمر الذي يتناقض ومبدأ عدالة التوزيع وهدف تنمية المناطق الريفية الذين اعتبرتهما السياسات والتوجهات والخطط التنموية حيوية خلال الثلاثة عقود المنصرمة.

هذه الوضاع المتدهورة تضع الدولة أمام اختبار حرج وتحدي حقيقي وهي تندفع في مشروعها الإصلاحي الاقتصادي. غير أن هناك العديد من الملاحظات التي تكتنف الأداء العام خلال هذا التحول من أهمها سيادة فلسفة الاقتصاد الحر مما يعني استحواذ فئة قليلة من المجتمع على عوائد كبيرة من جراء هذا الانفتاح على حساب غالبية كبيرة لن تحصل على حصتها من الثروة. هذا بالإضافة إلا تاخر الحكومة عن مواجهة ظاهرة الفساد التي سبقت هذا التحول إلا أنها ستتضاعف مع التقدم في الانفتاح الاقتصادي


(*) باحث ليبي

 

© aqlamonline 2005