أطفال الشوارع في العراق

ماجد زيدان الربيعي

 

أصبحت قضايا حقوق الأطفال مثيرة للأهتمام والمناقشات على نطاق واسع خلال العقد الأخير من القرن العشرين، وخصوصا بعد ان أصدرت الامم المتحدة اتفاقية حقوق الطفل عام 1989، التي بلورت في هذا الصدد الحقوق السابقة الواردة في مواثيق حقوق الانسان وزادت عليها، ووقّعت عليها غالبية حكومات العالم. وشرعت الدول في وضع البرامج والخطط لمعالجة مسائل الاطفال والسعي لتلبية حاجتهم الأساسية في الرعاية المادية والمعنوية. ويعد الان الالتزام بمواثيق حقوق الانسان ومن بينها اتفاقية حقوق الطفل من المؤشرات على درجة التقدم الحاصل في التنمية البشرية، وتؤشر هذه الإضافة النوعية في الفكر التنموي الى ميادين اساسية ومهمات جوهرية لتحسين نوعية الحياة.

المهمة غير سهلة، وتتطلب جهداً ليس على المستوى الوطني فقط، وانما على المستوى الدولي لمتابعة وحث الدول على الايفاء بألتزاماتها. فحسب بيان برنامج الغذاء العالمي في تشرين الثاني عام 2001، لايزال الهدف الذي اخضذه الحكومات على عاتقها في الحد من معاناة الاطفال بعيداً، حيث ان اكثر من 300 مليون طفل ثلثاهم من الاناث محرومين من حق التعليم، وهناك، كما اكد مكتب العمل الدولي 250 مليون طفل مابين سن 5-14 عاما يعملون في العالم، معظمهم في الدول النامية، خلافاً للاتفاقية.

وهؤلاء الاطفال منتهكة حقوقهم الانسانية التي يجب ان يتمتع بها كل واحد منهم كالحق في النمو الجسدي والعقلي والخلقي والاجتماعي،والتمتع بفوائد الضمان الاجتماعي،والمعالجة الصحية والرعاية من قبل الوالدين،والحق في التعليم، وكذلك الحماية من جميع صور الاهمال والقسوة والاستغلال، ومنع اشتراك اي طفل دون الخامسة عشر في اية اعمال حربية، وتوفير الحماية الخاصة لمن هم عرضة لنزاع مسلح....الخ.

ومن مراجعة المبادىء التي تضمنتها الاتفاقية المشار اليها، فإنها تحمّل الدول مسؤولية الاخلال بها.

ورغم ان العراق انضم الى الاتفاقية الدولية في اذار 1994، الا ان عدداً كبيرا من اطفاله من بين هؤلاء المنتهكة حقوقهم، فلا تزال اعداد غفيرة من الاطفال تعاني بشدة من الحرمان الشامل لكل اوجه الرعاية الصحية والتربوية والاجتماعية، الامر الذي يدفع الاطفال الى  الوقوع فريسة التشرد والتسول والانحراف السلوكي.

لقد أفرزت السياسات الاقتصادية والاجتماعية التنموية في العراق فئات محرومة أو تعيش في ظروف صعبة، نتيجة لعدم حصولها على نصيب ملائم من عائدات عمليات التنمية، كما حربا الخليج الاولى والثانية، وفرض العقوبات الدولية على شعبنا، والحرب الداخلية وما أعقبها من سياسات حكومية سرّعت من هذه التحولات في المجالات كافة لتحمّل المواطنين أعباء اقتصادية ثقيلة، وبالتالي توسعت الفئات السكانية العاجزة عن تأمين استقرارها واشباع حاجاتها والحصول على حقوقها، وكان من اول المتضررين جراء ذلك، الفئات الاضعف، وهم الاطفال الذين يشكلون اكبر شريحة عمرية في المجتمع.

عرفت بلادنا ظواهر لم تعرفها من قبل، ومنها ظاهرة اطفال الشوارع، فتحولت من مشكلة على نطاق ضيق نسبياً الى ظاهرة واسعة جدا تتضمن المخاطر المصاحبة لها، وتكشف عن قصور السياسات للحد منها.

كان النظام السابق في البداية يتكتم على الظاهرة، ويرفض الاعتراف بالحقائق المتجسدة واقعياً في نزعة دعائية في محاولة للفلفة تداعيات سياساته وحروبه ونتائجها المدمرة، خشية من تحميله مسؤولية ماحدث ويحدث، الا انه اضطر الى الاعتراف في السنوات الاخيرة بظاهرة اطفال الشوارع، بعدما لم يعد بالامكان اخفاؤها وإطلالتها برأسها لكل عين يومياً، اضافة الى انه جرى توظيفها سياسياً، والقاء مسؤولية نشوئها على الحصار وحده.

لايزال البحث المعمق في الموضوع محدوداً،وترد الاشارات اليه في الصحافة في تحقيقات سطحية، ولايرشح عن بعض الدراسات الميدانية الا النزر القليل، لايعرف بحجم الظاهرة ولايفيها حقها ويبصرها بمخاطرها. سنتطرق الى بعض الجوانب في محاولة لإلقاء الضوء واثاراة الانتباه للظاهرة لمزيد من الدراسة وتقصي المعلومات عنها.

مفهوم أطفال الشوارع

حجم الظاهرة

أسباب الظاهرة

المخاطر التي يتعرض لها أطفال الشوارع

المعالجات الحكومية

مقترحات عامة

 

مفهوم أطفال الشوارع

ليس هناك تحديد حصري للمفهوم، فالتعريف يعتمد على خصوصية بعض البلدان. فمفهوم أطفال الشوارع أحد المفاهيم الحديثة ويتفاوت فهمه وتحديده على الباحثين والمنظمات الدولية وفي البلدان العربية ايضاً، وتستخدم مرادفات له، مثل المتشرد، المتسول، في الادبيات عند تناوله. ووفق تعريف منظمة اليونسيف ينقسم اطفال الشوارع الى اطفال عاملين في الشوارع طوال ساعات النهار ثم يعودون الى اسرهم للمبيت، والى اطفال تنقطع صلاتهم مع ذويهم ويكون الشارع مصدرا للدخل والبقاء.

أما منظمة الصحة العالمية فتصنف أطفال الشوارع الى اربعة أقسام:

الاطفال الذين يعيشون في الشوارع.

الاطفال الذين تركوا اهلهم وسكنوا في الشوارع أو الفنادق او دور الايواء او الاماكن المهجورة.

اطفال الملاجىء او دور الايتام المعرضون لخطر ان يصبحوا بلا مأوى.

الاطفال الذين تكون علاقاتهم بأسرهم ضعيفة او واهية وتضطرهم الظروف الى قضاء ليال خارج المنزل.

ومن هنا حدد بعض الباحثين اطفال الشوارع ومكان اقامتهم، ويطلقون الوصف على الذين يبيتون في الاماكن العامة لظروف عائلية غير طبيعية. بينما يعرفهم اخرون من زاوية معاناتهم النفسية والاجتماعية التي لم يستطيعوا التكيف معها، فأصبح الشارع مصيرهم. واعتبر القسم الاخر ان كل من عمل عملا غير قانوني من الاطفال ويخالط اصدقاء السوء ويتسول، ويقضي وقتا طويلا خلال اليوم في الشارع ينطبق عليه التعريف.

اما المشرّع العراقي فحدد التعريف القانوني للاطفال الذين يتواجدون في الشارع في قانون رعاية الاحداث رقم 76 لسنة 83 وتعديلاته في المادة 24 و 25 وتحت عنوان المتشرد وانحراف السلوك في احدى الحالات التالية:

اولا: يعد الصغير او الحدث متشردا اذا:

أ- وجد متسولا في الاماكن العامة.

ب-مارس، متجولا، صبغ الاحذية او بيع السكائر او اية مهنة اخرى تعرضه للجنوح، وكان عمره اقل من 15 عاماً.

ج- لم يكن له محل اقامة معين او اتخذ الاماكن العامة مأوى له.

د-لم تكن له وسيلة مشروعة للعيش وليس له ولي أو مرب.

هـ-ترك منزل وليه او المكان الذي وضع فيه بدون عذر مشروع.

ثانياً: يعد الصغير متشرداً اذا مارس اية مهنة او عمل مع غير ذويه.

المادة 25-يعد الصغير او الحدث منحرف السلوك إذا:

اولاً: قام بأعمال في اماكن الدعارة او القمار او شرب الخمر.

ثانياً: خالط المشردين او الذين اشتهر عنهم سوء السلوك.

ثالثاً: كان مارقا عن سلطة وليه.

يلاحظ مما تضمنه النص القانوني ان مفهومي المتشرد ومنحرف السلوك يتطابقان مع مفهوم أطفال الشوارع المتداول، فالقانون في تفاصيله وتحديده للظاهرة شامل وواسع يندرج تحته اطفال الشوارع، وقد وصف لكل الحالات الواردة في تعاريف المنظمات الدولية.

واعتبر الاطفال العاملين مشردين، الا في حالة عمل الطفل مع ذويه، بينما المجتمع العراقي قديما وحديثا لايضع كل الحالات في سلة واحدة، فهو لاينظر للطفل العامل، حتى لو كان ماسح احذية على انه متشرد، لاتساع حجم الظاهرة كثمرة للفقر المدقع، وخصوصا في الاحد عشر عاما الاخيرة، على الرغم من اشتراك ماتم توصيفهم مع اطفال الشوارع في معظم صفتهم.

وقد بدأت وسائل الاعلام تستخدم هذه المفاهيم بشكل مترادف، وفي الغالب تطلق على الاطفال الذين لا ماوى لهم او المتسولين، وصف المتشردين.

ان القانون جاء انعكاسا للواقع في ظروف كانت افضل من أوضاع مابعد الحصار، والمهم ليس التسمية، بل تشخيص اسباب الظاهرة وتحمل مسؤوليتها وايجاد العلاج لها، الذي اصبح معقداً. وينبغي بالضرورة ان يشمل مجالات متعددة ومترابطة لايمكن الفصل بينها.

حجم الظاهرة:

لاتوجد إحصاءات حكومية دقيقة وشاملة عن حجم الظاهرة، ولاحصرا لها في التعداد العام للسكان، ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية لاتصدر بيانات دورية عن الاطفال العاملين او الجانحين او نزلاء دور رعاية الاحداث واليتامى.

كما ان اتاحة المعلومات والمعطيات لمن يرغب في الاطلاع والدراسة متعذرا، الا بأذن خاص، ولكن يمكن تكوين صورة عن سعة الظاهرة من المشاهدة العيانية للاطفال المتسولين والمتشردين في الشوارع والاسواق وفي الورش والمصانع، ومن بعض الامثلة والتحقيقات عن بعض دور رعاية الاحداث.

ففي بغداد توجد داران لرعاية الاحداث تشير الارقام الى ان عدد الاطفال الجانحين في احداها وصل الى 738 صبيا وفتاة بداية عام 1998(1) وهؤلاء هم الذين تم اصدار احكام بحقهم. كما احيل الى محكمة الاحداث في الكرخ-بغداد 569 حدثا خلال العام ذاته(2).

وفي محافظة اربيل اجريت دراسة على عينة من الاطفال العاملين في مختلف الاعمال، بلغ عدد المبحوثين 3121 طفلا(3) اكثريتهم تمت المقابلات معهم في منطقة السوق الرئيسي في المدينة، والاخرين في مراكز المدن التابعة للمحافظة.

وكشف بحث آخر حول ظاهرة التسول ان 67% من الاطفال المتسولين هم من تاركي المدرسة (4) ومن المعلوم ان اعداد الذين لم يلتحقوا بالمدارس وتاركيها فوق المليون طفل، والاغلبية من هؤلاء يلجأون الى العمل، فلنا ان نقدر حجم المأساة التي ترتكب بحق الاطفال.

وتأكيداً لذلك، ذكرت دراسة اعدها باحثون اردنيون وعراقيون ان عمل الاطفال ادى الى تشرد العديد منهم وجنوحهم، حيث زادت نسبة المودعين في مراكز الاصلاح والتأهيل نسبة 80% اواخر التسعينات(5).

وحذرت اليونسيف من كبر حجم الظاهرة، حيث ذكرت ان مشكلة اطفال الشوارع في العراق لاسيما في المدن الكبرى مثل بغداد والموصل، اصبحت ظاهرة مقلقة جدا(6) واعلنت المنظمة انها تسعى الى المساعدة على انشاء مراكز لاستقبال اطفال الشوارع لكنها تنتظر التمويل من الدول المانحة.

وما تقدم آنفاً انه كان وراء انشاء الحكومة مراكز جديدة لتقديم الرعاية الى المتسولين، واعلانها عن نيتها اقامة 10 مراكز جديدة في عدد من المدن لاحتواء الظاهرة تحت ضغط الانتشار الكبير لها.

أسباب الظاهرة:

ترتبط ظاهرة أطفال الشوارع بجوانب اقتصادية واجتماعية وسياسية وتسهم عوامل متعددة في تضخمها، فهي ظاهرة مجتمعية لها اسبابها، ومن اهمها:

1-الفقر:

شهد المجتمع العراقي خلال السنوات العشرين الماضية تحولات سريعة وحادة في مختلف مناحي الحياة، ثمرة لحربي الخليج الاولى والثانية والعقوبات التي فرضت على البلاد جراء غزو الكويت، والحرب ضد الشعب الكردي وسياسة الاصلاح الاقتصادي، كل ذلك أدى الى انتشار ظاهرة الفقر بين الناس. فقد انخفض متوسط دخل الفرد من 4083 دولار عام 1980(7) الى 1000 دولار عام 1999(8) هذا الانخفاض صاحبه تضخم مفرط وتدني القدرة الشرائية وشيوع البطالة وتراجع الخدمات العامة وارتفاع معدلات سوء التغذية والامراض والوفيات وتناقص متوسط عمر الانسان. وكذلك التوزيع غير العادل للثروة. وهذه مؤشرات مهمة على تدهور مستوى نوعية الحياة، وبالتالي افقار فئات واسعة من السكان، حيث ارتفعت نسبة السكان الذين يعيشون دون مستوى خط الفقر الى 28% في نهاية الحرب العراقية - الايرانية بعدما كانت 19% في عام 1979(9).

وتشير الاحصاءات الى ان نسبة الفقر قد ارتفعت في عام 1983 الى حوالي 27.1% في المناطق الحضرية و81.8% في المناطق الريفية(10).واستمرار الحصار زاد الطين بلة كما يقال، فأكد باحثون عراقيون في ايلول عام 2000 على ذات الارقام تقريباً. وارجعوا ذلك الى زيادة الرسوم والضرائب والاجور المستوفاة عن الخدمات العامة وتخلي الحكومة عن دعم بعض المواد الاساسية عملا برسالة صدام الى دوائر الدولة في 1995/12/2 وسياسة الاصلاح الاقتصادي التي شكلت اسبابا جوهرية في تردي الاوضاع المعاشية لمئات الاف من الاسر، واضطرارها الى بيع مقتنياتها المنزلية لتأمين احتياجاتها، ولجوؤها الى زج الاطفال والاحداث في سوق العمل لسد النقص الحاصل في مداخيلها.

واظهرت دراسة للدكتورة فاتن محمود ان 93.33% من الاطفال المتسولين بدأوا التسول في أعوام 1991-1998 (11) وهي أعوام الحصار، وضعف تاثير تنفيذ برنامج النفط مقابل الغذاء في تحسين المستوى المعيشي.

ان انحطاط المستوى المعيشي لغالبية الاسر العراقية هو جذر المشاكل التي يعاني منها الاطفال، ويمكن معاينة واستقراء هذا ايضا من الدراسات التي بحثت في انحراف السلوك فقد اشارت احدى الدراسات على الجانحين في دار الاصلاح ببغداد ان 25% من الجرائم المرتبكة في مدينة الثورة تليها منطقة العامل 10% (12) وهما من الاحياء الشعبية الفقيرة في بغداد وساكنوها من العمال ومراتب العسكريين الدنيا والوظفين.

2- الحروب الداخلية والخارجية

لم تتمتع البلاد بالاستقرار السياسي الا لفترات قصيرة، كان دائما هناك صراع سياسي عنيف، وبالتالي سجناء ومعتقلين واعدامات.

كما ان الحكومات خاضت حروبا ضد الشعب الكردي، استعرت في عقدي السبعينات والثمانينات. فقد اختفى في حملات الانفال التي شنت على الاكراد اكثر من 180 الف شخص، فضلا عن عشرة الاف من البارزانيين وقتل في حلبجة حوالي 6 الاف شخص، اما خسائر الحرب العراقية الايرانية فتقدر بمليون انسان مابين قتيل وجريح ومعوق، اضافة الى 100 الف قتيل في حرب الخليج الثانية، وانتفاضة اذار عام 1991 في الوسط والجنوب. ونجم عن هذه الحروب ضحايا واسر مشتتة واطفال يتامى ومشاكل لاحصر لها،ومن الحقائق المثبتة ان الحروب والازمات الاجتماعية غالبا ما تمتد اثارها عبر الاجيال، فتكون درجة تاثر اولاد المنخرطين في الجهد الحربي بتجارب آبائهم في الحروب والكوارث كبيرة. هناك دراسات في أوروبا تؤكد ان اثار الحرب والصدمات الناجمة عنها قد تظهر بعد ثلاثين او اربعين سنة في الانعكاس السلبي على عائلاتهم.

ان انخراط مئات الاف الاباء في القوات المسلحة والاعمال المساندة أفرز تدهورا في مداخيل الاسر، وانحسارا في دور الأب في الاسرة وتراجعه، فولدت مشاكل اسرية، انعكست على التربية الاجتماعية للاطفال، وفقدان الاطفال للثقة بالنفس وبالاخرين والامن والسلامة، والشعور بالتعرض للاذى، وقد اجبرت العديد من العوائل الاطفال على العمل، مما ادى الى رفد ظاهرة اطفال الشوارع بأعداد كبيرة.

ومن ناحية اخرى اضطرت الام الى الخروج للعمل بكثافة في زمن الحرب ولغياب الاب، فأهملت الابناء لعدم وجود رياض اطفال او مدارس تستوعب الاطفال لوقت يتناسب مع وقت العمل. فيتركون في الشوارع،كما ان عودة الازواج بعد طول غياب عن البيت الذي نشأ فيه وضع اجتماعي جديد ومحاولته استعادة مكانته ودوره على حساب الزوجات أجج من الخلافات في العائلة، فأرتفعت نسب الطلاق في فترات الحرب.

ان الحرب تترك اثارا سلبية عديدة على الاطفال من صدمات نفسية وتغييرات في السلوك والفشل الدراسي. ويعبر اطفال الحرب عن رغبتهم في الحصول على سلع مادية لتعويض مشاعر الحرمان التي يعانون منها واسترداد ماخسروه على المستوى الشخصي والمادي، وهذا يزيد من الضغوط الاقتصادية على الاسر، مما يدفعها الى التساهل في عمل الاطفال.

3- الهجرة من الريف الى المدينة والتهجير والمنافي:

تناقصت نسبة سكان الريف الى مجموع السكان في العراق، كانت هذه النسبة 57% في عام 1960 وصلت الى 34% في عام 1990 والى 25% عام 1997(13) وذلك لتخلف الزراعة وشحة الخدمات وقلة فرص العمل او انعدامها، وعوامل الجذب في المدن.

كما قامت الحكومة بهدم 4500 قرية في اقليم كردستان قبل عام 1990 وتشريد سكانها لاسباب سياسية وقومية. الى جانب تجفيف الاهوار في الجنوب وترحيل القرى الحدودية المحاذية لايران الى العمق لعوامل امنية وطائفية.

وكان النزاع المسلح بين القوى والاحزاب الكردستانية في اعوام (93-94-95) هو الاخر سببا في ترحيل الاف العوائل من أنصار المتنازعين الى مناطق نفوذ كل فريق، اضافة الى ذلك استمرار الحكومة في سياسة التعريب في المناطق الكردية الواقعة تحت سيطرتها.

أغلب هؤلاء الذين نزحوا سكنوا تخوم المدن في الاحياء العشوائية والمناطق الفقيرة التي تفتقد الى الخدمات العامة، وعملوا في مجالات غير مجزية اقتصاديا وهامشية وتشكل هذه المناطق بيئة خصبة لتفاقم ظاهرة أطفال الشوارع.

وخسرت العوائل المرحّلة الاستقرار، فخلق ذلك خروقا صعبة للاطفال حيث تركوا المدارس وزجوا في العمل المبكر، وتعرض الاطفال ايضا الى مخاطر الاقتتال الذي انعكس على حياتهم بأشكال مختلفة، بل ان بعضهم اشترك بشكل مباشر فيه وسيطرت مشاعر العنف والعدوان على عقلية هؤلاء،وعبر عدد من الاطفال في الدراسات عن تشاؤمهم حول المستقبل.

اما الهجرة الى الخارج التي بدأت بشكل محسوس في اواخر السبعينيات والتضييق على القوى السياسية وقمعها، وتفاقم هذا النهج خلال الحربين وجراء انعكاسات الحصار، حيث بلغ عدد المهاجرين حوالي 4 ملايين شخص حسب بعض التقديرات الاعلامية.

كثير من هؤلاء المهاجرين لم يتمكنوا من اصطحاب عوائلهم معهم وتركوها لفترات طويلة أما في عهدة امهاتهم او اقاربهم في ظروف اقتصادية غاية في العسر، وكانت هذه الفترةالانتقالية للعائلة سببا في تفتيت التماسك الاسري، فأرتبكت حياة الاطفال، وضعفت عملية ضبطهم،وكانوا ضحية لهذا الانفصال القسري ومخاطره.

ان حركة السكان من الريف الى المدينة واعادة توزيع السكان غير المخطط لها، والترحيل القسري وسياسة التعريب والاقتتال الداخلي والهجرة الى الخارج وعوامل ساهمت بدورها في زيادة عدد اطفال الشوارع.

4-العوامل الاسرية والمجتمعية

تلعب الظروف الاسرية دورا رئيسيا في زيادة انتشار ظاهرة اطفال الشوارع وغيرها من الافات الاجتماعية، فالاسرة هي النواة الاساسية في المجتمع تتوقف على سلامتها وتماسكها وعلى مقدار تلبية احتياجات الاطفال وتربيتهم فيها الحماية من الانحراف على نطاق السلوك الانساني المعتاد.

في الغالب الاعم ينتمي اطفال الشوارع الى الاسر المفككة اجتماعيا التي تعاني من انخفاض الدخل وتدني المستوى الثقافي والوعي والتعليم، فيفقد الاطفال الرعاية والحماية.

هناك العديد من العوامل المؤثرة التي ساعدت على استفحال الظاهرة اهمها:

إخلال احد الوالدين او كلاهما بواجباتهما اتجاه الابناء نتيجة للاوضاع الاقتصادية المتردية، والعجز عن تامين متطلبات الحياة المعيشية، مما يضطرهم الى زج ابنائهم في العمل بمختلف انواعه او التسول لتقديم المساهمة في سد نفقات الاسرة او الاعتماد على انفسهم لاشباع حاجاتهم. فقد تبين من دراسة على عينة من المتسولين ان 94% منهم يساهمون في دخل الاسرة(14).

تفكك الاسرة بالطلاق او وفاة احد الوالدين او تعدد الزوجات. وتشير الاحصاءات الى ان نسب الطلاق قد تضاعفت في العراق بشكل مخيف في العقدين الاخيرين لانعدام الالفة وتوتر العواطف وقتامة المستقبل وضياع الامل في رؤية نهاية للعوز والبؤس القائم في المجتمع. فقد كشفت دراسة اعدتها وزارة العمل والشؤون الاجتماعية عن الجنح ان 40% من الجانحين امهامتهم مطلقات و12% لوجود زوجة الاب و13% لزواج الاباء بزوجة ثانية(15).

ضعف التوجيه والتربية والرقابة. تربيةالوالدين لها دور كبير في الجنوح، وخاصة بالنسبة للأطفال الذين يطردون من المنزل، حيث بلغت نسبتهم 65% من الجانحين وان 80% كان تعامل اولياء امورهم معهم بلا مبالاة(16).

الخلافات والمشاحنات بين الزوجين وانتشار العنف ضد النساء تترك اثارا مؤذية للطفل، حيث يعجز عن رد الاذى عن والدته، وينفر من اجواء البيت والبحث عن مايشبع حاجاته للتعبير عن نفسه في الشارع، فيخالطه اصدقاء السوء وارتياد اماكن اللهو دون رقابة. وقال 81% من الجانحين انهم تعرفوا على اصدقاء السوء في الشارع وصالات الالعاب الالكترونية الخ فأنحرفوا معهم.

سوء معاملة الاطفال وردود الفعل العنيفة من الوالدين على سلوكهم الذي يصل الى حد التعذيب المحدث اصابات خطيرة بالطفل او الى الموت في حالات كثيرة. فقد احصى د.فائق أمين بكر في دراسة امتدت من عام 1989-1998 عدد الاطفال الذين احيلوا الى الطب العدلي ببغداد وحدها من قبل المحاكم بلغ 33528 طفلاً. وان اغلب عوائل الاطفال المعذبين هي من ذات الدخل المحدود اجتماعيا (17). هذه القسوة المبالغ فيها تدفع الاطفال الى الهروب من البيت والى قضاء اوقات طويلة في الشارع والمبيت في الخارج.

ظاهرة التسرب من الدراسة تخل بالتنشئة الاجتماعية للطفل، وتحد من مستوى ادراكه ووعيه، وهي ظاهرة خطيرة. وتقدر وزارة التربية عدد الاطفال المتسربين من الدراسة الابتدائية بعد الالتحاق بها باكثر من 70 الف طالب وطالبة سنوياً، اضافة الى ذلك انخفض معدل الالتحاق بالمدرسة وتتركز الظاهرة بين العوائل الفقيرة التي تسكن الاحياء الشعبية، لان المدرسة اصحبت تشكل عبئا اقتصادية، وذلك نتيجة لفرض اجور التسجيل وارتفاع اثمان القرطاسية والكتب والمصاريف اليومية والتبرعات، وتحميل الطلبة اجور نقل المعلمين والزام ذوي الطلبة بكلفة صيانة وترميم المدارس وغيرها. الى جانب ذلك عدم ملائمة الظروف المدرسية والتربوية للطلبة، والاسباب الاجتماعية المتلخصة في تدني الوعي الثقافي لدى الاباء والامهات في اهمية المدرسة للاطفال ومستقبلهم، كما ان العادات والتقاليد البالية عادت بقوة الى المجتمع في السنوات الاخيرة التي تنظر الى تعليم الاناث نظرة دونية، وتجبرهن على انتظار يوم الزواج في البيت.

المخاطر التي يتعرض لها أطفال الشوارع

هناك العديد من المخاطر التي يتعرض لها أطفال الشوارع، وتنعكس على المجتمع بأسره منها:

تفشي الامية بين الاطفال المتسولين والمتشردين، فأغلبهم من الذين لم يدخلوا المدرسة اصلا ومن تركوا الدراسة بعد ان نالوا قسطا غير وافٍ من التعليم واحتمال ارتدادهم الى الامية كبير جدا. وقلة قليلة منهم يجمع بين الدراسة والعمل، وهؤلاء يعانون من تدني المستوى العلمي والفشل الدراسي، وعادة لايجد الاطفال العاملون في الشارع بيئة اسرية او ظروف رسمية لاتوفر اجواء مشجعة للاستمرار في التعليم او الالتحاق به، وخصوصا المنحدرين الى الشارع من احزمة الفقر، وفي الاسر المفككة اجتماعيا، فضلا عن ان التلاميذ متى ما انخرطوا في العمل وبدأوا يعتمدون على نفسهم ماديا يميلون الى تفضيلة على الدراسة.

الانحدار في مهاوي الرذيلة، حيث يتعرض اطفال الشوارع الى الاستغلال الجنسي من الافراد الاخرين الاكبر منهم سناً، مستغلين ضعفهم وصغر سنهم، وعدم قدرتهم على رد الاساءة، اضافة الى ممارسة الشذوذ مع بعضهم البعض.

تواجد الاطفال في الشوارع يغيب عنهم الرقابة العائلية، فيكتسبون عادة سلوكيات مرفوضة، وينحرفون عن الطريق القويم، وينتظم قسم منهم في شلل وجماعات تبدأ بريئة وتنتهي بأرتكاب الجنح.

الادمان على التدخين والمخدرات، اكدت بعض الدراسات ان 90% من المتسولين والاطفال العاملين يتعاطون التدخين في محاولتهم تقليد الكبار (20) والاخطر من ذلك الادمان على المخدرات المحلية المتوفرة في الاسواق مثل استنشاق مواد الثنر والبنزين والسيكوتين، وكذلك انواع الحبوب المخدرة المختلفة التي تباع في الاسواق الشعبية كستيلازين وآرتين..الخ.. وبات منظر الاطفال الذين يضعون قطعة قماش على انوفهم مليئة بمادة من المواد المذكورة مالوفاً.

ضعف طموحاتهم في الحصول على مواقع اجتماعية واقتصادية في المجتمع، فعادة مايرثون الفقر والمهن من عوائلهم.

المعالجات الحكومية:

يقضي قانون رعاية الاحداث بعرض الصغير او الحدث اذا تم ضبطه متشردا على المحاكم المختصة بالاحداث، واستدعاء ولي امره والطلب منه تقديم كفالة قدرها 250 الف دينار تستوفي في حال ضبطه مرة ثانية او يتم حجز الصغير لمدة شهر ويودع دار رعاية الاحداث لتأهيله. ولكن الموقف الرسمي من الناحية العلمية متسامح مع الطفل المتشرد والمتسول والعامل دون السن القانونية لدى الغير انتهاكا للقانون لتفاقم الظاهرة واستفحالها. وهذا ما أكده وزير العمل والشؤون الاجتماعية في العهد السابق بقوله انه من غير الممكن تطبيق الفقرات القانونية الخاصة بمنع الاطفال عن العمل(20) ولجأت السلطات السابقة احيانا الى شن حملات على المتسولين والى التشهير الاجتماعي والهزء بهم بعرض المضبوطين في محال سكناهم لمنعهم من التسول ثانية، وهذه عقوبة في غاية القسوة لم ينص عليها القانون تحط من قدرهم.

غير ان القسم الاعظم من الذين يتم القبض عليهم كان يطلق سراحهم من مراكز الشرطة بعد ان يدفعوا الرشاوي، وللتعاطف معهم، لان الجميع يعرف ان الاطفال اضطروا الى ارتكاب المخالفة القانونية تحت ضغط الفقر والظروف الاقتصادية المزرية.

يودع الاطفال المتشردون الذين ليس لديهم من يعيلهم في دور الرعاية الاجتماعية البالغ عددها 18 داراً، الا ان طاقتها الاستيعابية محدودة لاتتناسب مع حجم الظاهرة. وهناك توجه لافتتاح عشرة دور جديدة، والملاحظ ان برامج هذه الدور قاصرة عن الاصلاح وليس لها برامج وقائية لاطفال الشوارع والاهمال سمة لها.

اما بالنسبة للاطفال اليتامى المستوعبين في الدور فأوضاعهم في غاية السوء. فقد اتهمت مدير دار الرعاية الاجتماعية في الوزيرية ببغداد السيدة صباح كريم وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بأنها لاتعمل شيئاً ازاء معاناة الاطفال اليتامى في الدور التابعة لها. وقد وصفت حال الدور الاخرى بأنها تخرج لصوصا وافراد شاذين يائسين ولا أمل لهم. وان هناك دارا للرعاية الاجتماعية تبيع اليتامى وتحديدا الخدج منهم بالدولار الى افراد وجهات مختلفة(21).

ونكتفي بهذه الشهادة التي تعكس واقع الحال والقصور في البرامج الحكومية السابقة والتي توقفت بعد اسقاط الطاغية صدام، لقد ثبت من التجارب والدراسات في هذا المجال انه من غير الممكن ان تكون القوانين الزجرية كافية لوحدها للقضاء على الظاهرة او الحد منها، مالم يكن التوجه الرسمي شاملا نحو معالجة تجفيف منابعها.

مقترحات عامة:

العوامل التي أشرنا اليها كأسباب لنشوء ظاهرة اطفال الشوارع ليست هي الوحيدة، ولكنها الاكثر تاثيرا وملموسية، وهي ما يجب ان تتوجه اليه برامج المعالجة لاجتثاثها، ونرى انه لابد من العمل على مايلي:

اعادة الاعمار والبناء لتفعيل التنمية البشرية المستدامة والاقتصادية.

تخصيص موارد اكبر في الميزانية الحكومية لدعم البرامج الموجهة للاطفال.

الغاء الضرائب والرسوم والاجور التي فرضت على الصحة والتعليم التي اصبحت تستنزف جزءا ليس قليلا من دخل الاسرة.

تقديم المساعدات للعائلات الفقرة وتطوير نظم الرعاية الاجتماعية، وتوفير الخدمات العامة المجانية في الاحياء الشعبية.

العناية بالتوزيع الجغرافي والتوزيع العادل للمنشآت الاقتصادية والاهتمام بالريف وتضييق الفجوة مع المدينة.

تشريع قوانين جديدة بهدف تجفيف منابع الظاهرة.

اجراء دراسات ميدانية معمقة لمعرفة حجم الظاهرة وخصائصها وتحديد السبل الملائمة للتصدي لها.

تشجيع هيئات المجتمع المدني لتسهم بدورها في التصدي للظاهرة ودعمها لاقامة المشاريع المخصصة للاطفال المشردين.

التعاون مع المنظمات الدولية والاستفادة من تجاربها.

منع تعذيب الاطفال واساءة معاملتهم سواء في البيت او مراكز الشرطة.

تحريم بيع المواد المخدرة المحلية كالثنر والبنزين..للاطفال.

تيسير التعليم المسائي للاطفال العاملين وتقديم الحوافز على الانخراط به وتأهيلهم مهنيا.

ضرورة تعزيز دور المرأة في المجتمع والبيت.

 

المصادر:

1-كتاب السلوك المنحرف وآليات الردع المجتمعي سنة 1999 -بيت الحكمة ص72.

2- مجلة الف باء 1999/5/12

3-بحث عن الاطفال الذين يعيشون في ظروف صعبة في محافظة اربيل بإشرات جامعة صلاح الدين ومنظمة الطفولة البريطانية واليونسيف، كانون الثاني 1997.

4-بحث قدمته د.فاتن محمود من جامعة بغداد حول التسول وأسبابه الى المؤتمر العربي الاول في بغداد، جريدة الاتحاد الاماراتية 1998/12/21.

5-جريدة السفير اللبنانية 2000/9/21.

6-جريدة السفير اللبنانية 1998/1/27

7-د.عباس النصراوي-كتاب الاقتصاد العراقي

8-تقرير البنك الدولي عن الوضع الاقتصادي في العراق، جريدة بغداد 2000/3/24.

9- دراسة للدكتور باقر محمد حسين نقلا عن كتاب الفقر وتوزيع الدخل في الوطن العربي، د. عبد الرزاق الفارس ص61.

10-نفس المصدر السابق.

11-مجلة الف باء 1998/12/9.

12-كتاب السلوك المنحرف وآليات الردع المجتمعي.

13- التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 1999 ص220

14-جريدة الشرق الاوسط 1999/6/6

15-مجلة الف باء 2000/1/9

16-نفس المصدر

17-جريدة تكريت في 2001/1/17 تحقيق بعنوان الطفولة المعذبة.

18- مجلة الف باء في 1998/12/9 تقرير عن دراسة للدكتورة فاتن محمود.

19-جريدة الشرق الاوسط 1999/6/6

20-مجلة الرافدين 2000/10/24

21- مجلة الرافدين 2001/10/6 مقابلة مع السيدة صباح كريم.