الإصلاح الاقتصادي والدولة والسياسة في سوريا*

هل من آليات لإحياء مؤسسة الدولة ؟

سمير العيطة

 

الحياة 30 مايو/آيار 2005

 

منذ أن اعتلى الدكتور بشّار الأسد سدّة الرئاسة في سوريا سنة 2000، احتلّت الإصلاحات سلم الأولويّات والاهتمام في الميادين الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة. وبعد مرور خمس سنوات، تدور نقاشات حادّة حول الإصلاح، في ظلّ حرّيّة تعبير حديثة العهد ونسبيّة في البلاد. ويأخذ البحث عن دور جديد اقتصاديّ واجتماعيّ للدولة حيزاً رئيساً في هذه النقاشات، وكذلك الإصلاحات المؤسّساتيّة اللازمة لدعم هذا الدور. ولقد دخلت البلاد بالفعل مرحلة انتقاليّة في هذا السياق، وما زالت التطورات على الأرض لم تحسم النتائج التي ستؤول إليها.

 

إصلاح اقتصادي أم إصلاح سياسي؟

في الفترة الأولى، تركز النقاش أوّلاً حول خيار إعطاء الأولويّة أهو للإصلاح الاقتصاديّ أم للسياسيّ ؟ وقد أعطت السلطات السورية أنواعاً من الحجج لإعطاء الأفضليّة للاقتصاد، مدعومة في خيارها بعددٍ كبيرٍ من المؤسّسات الدوليّة ومن المعلّقين: إذ أن على الاقتصاد أن يتطوّر بشكل أفضل لبناء قاعدة للتحوّلات الديمقراطيّة.

 

إلاّ أنّه يمكن محاججة ونقد هذا الخيار على ضوء التطوّرات الفعلية التي جرت للاقتصاد السوري منذ السبعينيّات. فقد نص دستور عام 1971 أنّ سوريا "ذات اقتصاد اشتراكيّ مخطّط يهدف إلى القضاء على جميع أشكال الاستغلال" (المادة 13)، مما تم تفسيره في الواقع عبر منح المؤسسات الحكومية هيمنة شاملة على الاقتصاد، بدءاً من الزراعة وانتهاءً بالتجارة الداخليّة والخارجيّة. كما وأنّ المساعدات المالية الكبيرة التي منحتها البلدان العربية المنتجة للنفط عقب حرب عام 1973، قد وفّرت موارداً هامة لتطوير القطاع الحكومي، وخاصّة في مجال الصناعة.

 

ولكن هذا النظام الاقتصادي لم يصمد خلال الثمانينيّات حين انخفضت المساعدات العربية وأثبتت الاستثمارات المقامة عدم فعاليّتها، بالأضافة إلى الفساد الذي أحاطها، وانتهى الأمر عام 1986 إلى انهيار الدولة ماليّاً. ثم دخلت سوريا حينها في حالة عجز عن سداد ديونها أمام المؤسّسات الدوليّة وأمام شركائها الأجانب. ولم تحل سورية مشكلة ديونها المتعثرة إلاّ تدريجياً عشرة سنين بعد ذلك وانتهاءً سنة 2005 بالدين الروسي.

وفي الحقيقة، كانت أهمّ خطوات الإصلاح الاقتصادي قد أُطلِقت بالفعل وقتها أواخر الثمانينات تلو حدوث الأزمة المالية. وابتدأت بتخلّي الدولة عن تحكّمها القسريّ على الزراعة واستبداله بسياسات تحفيز قد تصل إلى تقديم الدعم. وقد نتج عن هذه السياسات الجديدة نمو كبير في القطاع الزراعي، الذي ما زال يحتلّ حتّى اليوم نسبة أكبر من المفترض من الناتج المحلّيّ الإجمالي (و25 إلى 30 في المئة من اليد العاملة). وقد أمكنت هذه السياسات من تحقيق الأمن الغذائي لسورية إضافةً إلى إيجاد مصدرٍ للتصدير نحو البلاد العربية.

وبشكل مماثل تخلّت الدولة تدريجياً عن احتكارها للتجارة الخارجيّة. وكانت الخطوات الأهمّ في هذا الاتّجاه هي قرارات السماح بالاستيراد للقطاع الخاص (حسب ما دعي بالتسهيلات الائتمانية!) وقانون الاستثمار الذي صدر عام 1991 (والذي اشتهر تحت اسم القانون رقم 10). وقد حوّلت هذه السياسات معظم المستوردات إلى القطاع الخاص السوري وزادت من وتيرتها، كما خلقت للقطاع الخاص مجالاتٍ لتطوير صناعات الاستعاضة عن الاستيراد ذات القيمة المضافة المنخفضة، ولكن دون أن تأتي بالاستثمارات الصناعية الكبرى التي وضع القانون رقم 10 رسميّاً من أجلها.

وكانت مجموعة الإصلاحات هذه قد وُضِعَت تحت عنوان "التعدّديّة الاقتصاديّة" (أي التعاون على التنمية بين القطاعين الخاصّ والحكومي). وأدّت بالفعل إلى نسب نموّ ملحوظة لمدّة نصف عقد (أكثر من 8% بالأسعار الثابتة للأعوام 1990 إلى 1994) وإلى بعث حيويّة جديدة لدى القطاع الخاص. وكذلك جرت نتيجتها توزَّعات جديدة للثروة في البلاد.

 

ولكنه في العام 1995، وصلت مجموعة الإصلاحات هذه إلى الحدود القصوى لفعاليتها. وكان الكلّ يتوقّع مجموعة ثانية من الإصلاحات في القسم الثاني من التسعينيّات. إذ أن المبادرة في اتّجاه إشراك أكبر للمستثمرين السوريين المقيمين والمغتربين والعرب والدوليين، والذي يتضمّن تعزيزاً نوعياً "لمناخ الاستثمار" وإصلاحات تذهب أكثر في العمق (تشجيع الاستثمارات الخاصّة الكبيرة الحجم، وإعادة هيكلة وتحرير القطاع المصرفي والماليّ، والبدء بحل معضلات القطاع الانتاجي الحكومي وتصفية الخاسر منها أو خصخصتها وما يرافقه من سياسات اجتماعية) تتطلّب إجماعاً سياسيّاً واجتماعيّاً أوسع نطاقاً.  

ولكن مجموعة الإصلاحات الثانية لم تأتِ على الإطلاق. وانخفضت نسب النموّ السنوية حتّى وصلت سورية إلى حالة الإنكماش الاقتصادي سنة 1999. ولكن هذا الانكماش لم يؤد إلى أزمة مالية حيث أنّ سوريا كانت قد أصبحت حينها دولةً مصدرةً للنفط. وتجمّعت موجودات الدولة من القطع الأجنبي مما سمح بإعادة جدولة الديون الخارجية بطريقة تدريجيّة. فضلاً عن ذلك منح ريع النفط منظومة السلطة في سورية وسائل جديدة هامّة لتعزيز مواقعها على الساحة السياسيّة.

 

بعد عام 2000، أُطْلِقَتْ إصلاحات قليلة (ومنها العمل على افتتاح مصارف خاصّة) ولكن ذلك تمّ ببطءٍ شديدٍ. وقد تجمّدت قدرة السلطة على رسم سياسات جديدة أمام ضرورة أن تظهر كاستمرارٍ للماضي الذي تستمد منه شرعيتها. إلاّ أنّ الأولويّة التي أعطيت في النقاشات حينها للإصلاح الاقتصاديّ اتّخذت آنذاك معنىً آخراً مختلفاً عن أوائل التسعينات. فالأمر لم يعد متعلقاً بدور الدولة الاقتصادي المباشر في الانتاج. فحتّى في قطاعي الصناعة والخدمات، أصبحت حصّة القطاع العام في إجمالي الناتج المحلّيّ السوريّ هامشيّةً (زهاء 20 في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي الصناعيّ غير النفطي، بما فيه إنتاج الاسمنت والكهرباء ومياه الشرب). وكذلك يتم معظم إنتاج النفط والغاز بواسطة شركات دوليّة (شل، توتال، ألخ). فضلاً عن ذلك، فقد سمح ريع النفط لعناصرٍ من السلطة بالولوج في النطاق الاقتصاديّ بشكل حصريّ، كمقاولين خاصّين ثم كقائمين على نشاطات خدمية ذات قيمة مضافة عالية (من هواتف خلوية ومناطق حرّة إلخ...). في الحقيقة، ما تم تغييبه في النقاش الدائر حول الإصلاح الاقتصاديّ في هذه المرحلة كان بالتحديد هو دور الدولة كمنظِّم ومؤطِّر ومفعِّل للمنافسة ضد الاحتكارات والقائم على السياسات الاجتماعية، أي ما هو معاكس للمنطق السائد، أي ما يعطي بالتحديد الأولويّة للإصلاحات المؤسّساتيّة والسياسيّة.

 

الإصلاح الهيكلي

لقد تمّت إدارة الاقتصاد السوريّ خلال عقود دون أي تدخّلٍ من المؤسّسات الدوليّة. كما أنّ البنك الدولي وصندوق النقد الدوليّ وكذلك الاتّحاد الأوروبّي كانوا قد خفضوا من مساعداتهم التقنيّة واستشاراتهم حول السياسات الاقتصادية بعد الأزمة الماليّة في العام 1986.

 

إلاّ أنّ الواقع على الأرض ُيظْهِر أنّ السلطات السوريّة قد طبّقت نوعاً من "سياسة الإصلاح الهيكلي" المعهودة في توصيات البنك وصندوق النقد الدوليّان لبلدان العالم الثالث. ففي التسعينيّات، خُفِّضَت القيمة الحقيقية لرواتب موظّفي الدولة (الموازنة الجارية) وضاق نطاق التوظيف بطريقة صارمة في الدوائر الحكوميّة. وأبقيت الموازنة الاستثمارية للحكومة باستمرار أقلّ من المخطّط له سنويّاً بنسبة 10 إلى 20 في المئة. وأظهرت الموازنات الحقيقيّة (قطع الموازنة) فوائض فعليّة سنويّاً لأكثر من عقد، في حين انخفضت نسبة حجم هذه الموازنة إلى الناتج المحلي الإجمالي بشكل ملحوظ من 50% في الثمانينات إلى 30%. وهكذا كان إصلاح سورية الهيكلي تقشفاً دون إصلاح.

ولقد ساعدت هذه السياسة على خفض الدينين العامّين الداخلي والخارجي على حدٍّ سواء. وهكذا في العام 2005، وبعد أن حُلَّتْ أخيراً معضلة الدين العسكريّ القديم لروسيا، انخفض حجم الدين الخارجيّ إلى زهاء 25 في المئة فقط من الناتج المحلّيّ الإجمالي، وهو معدّل منخفض جدّاً بحسب معايير الدول النامية، علماً أنّ حجم الدين الداخليّ المتوجِّب على الحكومة بقي زهيداً حتّى العام 2003. هذا مع أن كل التحليلات (بما فيها تلك لصندوق النقد الدولي) تشير إلى أن التقديرات الرسمية للناتج المحلي الإجمالي السوري هي أقلّ من الواقع (القطاع غير النظامي، عدم توثيق الدولة لحقيقة انتاج القطاع الخاص).

 

ومع كلّ الإيجابيّات التي نتجت عن هذا، خاصة من ناحية تراكم موجودات الدولة من القطع الأجنبي (29 شهراً من المستوردات أو 90% من الناتج)، كانت لسياسة الكبح المالي هذه، والتي لم يُعلَنْ عنها بشكلٍ رسميٍّ، آثار جديّة على معظم الخدمات الاجتماعيّة والاقتصاديّة، في مجالات التربية والتقانة والبنى التحتيّة و الصحة والإسكان والحماية الاجتماعية، فضلاً عن آثارها المباشرة على فعاليّة مؤسّسات الدولة. وتَراجَعَ موقعُ سوريا بحسب معظم مؤشّرات التنمية البشريّة (من حيث النوعيّة وكذلك من حيث الكم)، ثم أُلْغِيَتْ تدريجياً معظم الإعانات المتعلّقة بالسلع الأساسيّة. وفَقَدَت الدولة التي لا تزال اشتراكيّتها معلنةً في الدستور، طبيعتها الاجتماعية. فزادت نسب البطالة بشكلٍ كبيرٍ (نسبة البطالة الحاليّة الرسميّة المُعلَنة هي 11،7% (من عملوا ساعة على الأقلّ في الأسبوع الأخير) بدلاً من 5% في الثمانينات، فيما تظهِر الإحصائيّات الرسميّة نسباً أعلى تبدأ بـ 22،6% (من عملوا ثلاثة أيّام على الأقلّ في الأسبوع الأخير)) وزادت نسبة الفقر. وهكذا ابتداءً من العام 1997، ومع انكماش النمو الاقتصادي وضآلة فرص العمل التي يمكن أن يخلقها القطاع الخاص لتضاؤل فرصه هو أيضاً، انفرط العقد الاجتماعي في سوريا ودخل الجميع مرحلة الخطر: الدولة والمجتمع.

 

الإصلاح المؤسّساتيّ

تبنت حقبة الرئيس بشّار الأسد شعار "التطوير والتحديث"، مع التركيز بشكل خاص على المؤسّسات الحكوميّة وعلى شركات القطاع العام. وتم إدخال دم جديد إلى بعض المؤسّسات، حتّى من خارج حزب البعث الحاكم. وسُنَّت عشرات القوانين في البرلمان. وقدّم الاتّحاد الأوروبّيّ والبلدان الأوروبّيّة وبرنامج الأمم المتّحدة الإنمائي دعماً تقنياً مباشراً للإصلاحات. وتمّ تنظيم المؤتمرات والندوات مع رجال الأعمال المحليين، وكذلك مع المستثمرين السوريّين المهاجرين والعرب والأجانب. إلاّ أنّ النتائج كانت ضعيفة. وبعد مرور أربع سنوات تدخّلت عدّة عوامل للحدّ من أثر أي إنجازات يمكن رؤيتها على الأرض.

 

فالإصلاحات المؤسّساتيّة أوّلاً لم تترجم عبر سياسات واضحة ومحدّدة، تصاغ فيها بوضوح الأهداف والمقاصد، وتستعمَل فيها الأدوات المناسبة (تشريعيّة وغيرها) ليكون النجاح ممكناً. ولم يتجاوز عدد كبار موظّفي الدولة ومسؤولي ومدراء شركات القطاع العام المؤهّلين الذين تم ضخّهم إلاّ قلّة متفرّقة، إذ لم يطاول التصوّر حدّ تحسين المستوى الأساسيّ لرواتبهم وأجورهم[1]. ولهذا لم يصل عدد الإصلاحيين في المؤسسات التابعة إلى حجمٍ ذي وزن يمكِّن الوصول إلى نقلة نوعية. فضلاً عن أنّه لم يتم رسم أي إطارٍ واضحٍ لـ"طريقة الإدارة التحديثية" في كلّ من المؤسّسات الإداريّة وشركات القطاع العام[2]. وتم إغراق معظم الإداريّين الإصلاحيين في بحرٍ من الإجراءات المتوارثة المرهقة والمعقّدة.

 

ثانياً، سرعان ما اصطدمت محاولات الإصلاح بأداة السلطة في البلاد وهي حزب البعث، بل بالسلطة نفسها وبالأجهزة الأمنية. فبما أن الحزب، حسب الدستور، هو "القائد في المجتمع والدولة" (المادة 8)، فقد استمر يلعب دوراً موازياً لأجهزة الدولة (الحكومة، إلخ) في آلية اتخاذ القرارات الإداريّة والاقتصاديّة. وصحيحٌ أنّ القيادة القطرية، والتي تُعتَبَر السلطة العليا للحزب، قد أعلنت أنها لن تتدخل في القرارات اليوميّة، ولكنّ الحزب حارب بقوّة وفعاليّة أفكار ورجال الإصلاح (حتّى من داخله) في إطار التنافس على القيادة، وذلك من خلال وسائل الإعلام الحكومية وهيئات الدولة الرقابية[3] التي يسيطر على كليهما ويتلاعب بهما. فضلاً عن أنّ أجهزة الأمن[4] استمرّت في التدخّل بقوّة في شؤون مختلفة، وخاصّة متى تعلّق الأمر بـ"الشؤون التجاريّة" لعناصرٍ من السلطة.

 

وكانت نتيجة هذه الظواهر ترك الحكومة، وهي السلطة التنفيذيّة، بغير سياسة دقيقة وواضحة ومن دون أي قاعدة اجتماعية تمثلها. وقد أدّى الخلط بين الحرسين القديم والجديد من البعثيّين، بالليبراليّين المفرطين في حكومة واحدة إلى تحريف النقاشات الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وإلى معركة وهميّة بين المدافعين عن "مكاسب" التجربة الاشتراكيّة ومشجّعي الانفتاح و"اقتصاد السوق". هذا دون أن يتم توضيح لا حقيقة "المكاسب" ولا ماهية "الانفتاح" و"اقتصاد السوق" المعنيين. وأغْفَلَ النقاش مسألة الدور الفعلي للدولة، التي يمكن أن تؤطِّر وتنظم التفاعل الاقتصادي والاجتماعي (تفعيل المنافسة، محاربة الاحتكارات، السياسات الاجتماعية)، والتي تعمل وفقاً لسياسة واضحة تمثّل عقداً اجتماعيّاً معيناً ولو لفترة انتقاليّة- باتّجاه هدفٍ مرجوٍّ.

 

إلاّ أنّ أكثر ظاهرة أدّت إلى الإحباط، قد نتجت عن المقارنة بين البطء الشديد في الإصلاحات المؤسّساتيّة وبين التطوّرات السريعة التي جرت في الواقع الاقتصاديّ في بعض القطاعات المختارة. فقد أبرمت السلطات على مدى 3 سنوات سبقت احتلال الولايات المتّحدة للعراق اتّفاقاً مفاجئاً مع النظام العراقيّ السابق ومنحت رجالَ أعمالٍ مُختارين فُرَصاً للتصدير ولإعادة التصدير إلى هذا البلد. وقد سَمَحَ ذلك أيضاً بتصفية بعض المخازين القديمة القليلة الجودة لبعض شركات القطاع العام، مما أدّى إلى تأجيل عمليّة إصلاح هذه الشركات مرّة أخرى. كذلك منحت السلطة لرجالِ أعمالٍ مختارين مرتبطين بها تراخيص خوّلتهم إدارة أنشطة ريعية، على الرغم من الانتقادات الكثيرة التي ظهرت، حتّى في مجلس النواب[5]، لما تضمّنه ذلك من تجاوزٍ على المال العام ومن تعدٍّ على مباديء المنافسة. وسرعان ما نشأت عن هذه الثغرات المختارة حقائق جديدة هامّة على الأرض (من وجهة نظر ريوعها الماليّة) غيرت الصورة الاقتصاديّة العامّة للبلاد. وطغت في سوريا ممارسات "استغلال الفرص" على ممارسات "الإصلاح".

 

الدولة ومنظومة السلطة

من بين المعالم الأكثر لفتاً للانتباه في أنظمة الحكم العربيّة (الاستبداديّة بمعظمها) هو الانفصام الذي حصل بين الدولة وبين السلطة كمنظومة مستقلّة. وفي سوريا تتمحور منظومة السلطة حول نواة "القصر" والأجهزة الأمنية، اللذان يستعينان بحزب البعث (كأداة تعبوية ثانوية) لدعم مواقعهما. وتنتج أي حكومة في هذا السياق عن توازنات معقّدة بين اللاعبين في السلطة، لا تستند تحديداً إلى أيّة قاعدة معيّنة في نطاقات المجتمع السياسيّ أو المدنيّ (بما فيها طبعاً الأحزاب السياسية ومجتمع الأعمال "العاديّ"). وتبقى بنى الدولة في هذه الحالة "هشّة" عاجزة عن لعب دورها الناظم وضعيفة أمام مصالح عناصر من السلطة.

 

ولكن لقد أدّت الإصلاحات التي جرت في مطلع التسعينيّات وكذلك الثروة النفطيّة إلى نشوء تكتلات جديدة لرأس المال في سوريا وإلى تعزيز نسبي للقوّة الاقتصاديّة "للبرجوازيّة الوطنية". كذلك سمح "ربيع دمشق"[6]، مع قصر أمده وخروج كثير من السجناء السياسيّين في مطلع القرن الحادي والعشرين ببعض التطوّر في حرّيّة التعبير في سوريا وبظهور نواة لحياة سياسيّة جديدة (بما فيها داخل حزب البعث وداخل مجلس الشعب الذي تختار السلطة أعضاءه). فضلاً عن أنّ السياقين المحلّي والدوليّ اللذين تبعا 11 أيلول (سبتمبر)، ثم خاصّة الاحتلال الأمريكي للعراق[7] ودعوات الولايات المتحدة وأوروبا سويةً إلى إرساء الديمقراطية في المنطقة[8]، وأخيراً بعد الانسحاب السوري من لبنان، قد جعلا صعباً الاستمرار في أي مسار إصلاحي لا يتضمن إصلاحات سياسيّة. فلا شكّ إذاً أنّ سوريا دخلت بشكل جدّي اليوم في مرحلة انتقاليّة.

 

منظومة السلطة تُدْرِكُ هذا الواقع وأنّه لا يمكنها كبح الإصلاحات السياسيّة إلى ما لا نهاية. ولهذا تتوجّه بعض عناصرها بشكل أساسيّ إلى اتخاذ مواقع مميّزة على الساحة الاقتصاديّة. إلاّ أن ذلك لم يترافق مع أي آليّة لإصلاحات سياسيّة تحفظ البلاد من المخاطر. ولهذا لا يتّضِح بعد كيف ستؤدّي الأمور إلى إصلاحات ديموقراطيّة تعزِّز اللحمة الوطنية وتقوّي الدولة كبناء تنظيمي.

 

فعلى الساحة السياسيّة، تكمن المعضلة الأساسية في تعريف طبيعة جديدة للدولة كنتيجة لعقد جديد بين مختلف مكوّنات المجتمع السوري. كما تكمن في الآليّات التي ستقود إلى التعديلات الأساسية اللازمة للدستور السوري، ناهيك عن إلغاء حالة الطواريء. إذ يجب استبدال الطبيعة "الاشتراكيّة ذات التخطيط المركزي" للدولة بمباديء تكفل التنمية وتكافؤ الفرص والضمان الاجتماعي، وكذلك يجب استبدال دور حزب البعث "القائد للمجتمع والدولة" بمباديء تكفل التعددية والديمقراطية والتداول السلمي على المسؤولية. هذا فضلاً عن ضرورة تبني إجراءات دقيقة تؤمّن إعادة الاستقلالية المشروعة للمؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية وكذلك العسكرية عن منظومة السلطة وعودة حزب البعث كحزب سياسي وليس كأداة.

 

إن الآلية التي سيتم من خلالها الإصلاح السياسي ستحتوي ضمنياً ما ستؤول إليه في نهاية المطاف. وهنا تطالب المعارضة التاريخية[9] بحرّية العمل السياسي (حرية التنظيم والتجمّع) وبمؤتمر وطنيّ يضع أسساً للعقد الإجتماعي الجديد ولمصالحة وطنية. بينما تدعو السلطة إلى تعديلات ضمن حزب البعث فقط، مع بعض الانفتاح المقيّد في الحقوق السياسيّة لغير البعثيين. ومن جانبها تطلق الولايات المتّحدة بواسطة وسائل الإعلام شخصّيات "معارضة سورية" جديدة خاصّة بها.

 

نتيجة كل هذا الحراك لم يكتبه التاريخ بعد، وما زال مليئاً بالمخاطر طالما لم يعاد إحياء مؤسسة الدولة كبنيان قوي ضامن للإجماع الوطني.

 


 



* دراسة قدّمت في المؤتمر الدولي عن الدور المتغير للدولة

خبير اقتصادي وإداري سوري، رئيس مجلس إدارة مؤسسة "مفهوم"

[1] الأجر الأعلى لمدير عام في الدولة أو لمدراء شركات قطاع عام يصل رقم أعمالها إلى مئات ملايين الدولارات يبلغ بالكاد 600 دولار في الشهر، وهو مبلغ غير كاف في الظروف المعيشيّة الحاليّة في سوريا.

[2] بالنسبة إلى شركات القطاع العام، بقيت التصفية أو الخصخصة موضوعاً شائكاً ومحرّماً، حتى لتلك التي تواصلت خساراتها على سنوات، واستبدل الطرح الاقتصادي بشعار يطالب بـ"الفصل بين الملكيّة والإدارة" لم يؤدّ إلى أيّ نتائج ملموسة. وكذلك لم تتح الوسائل للرابح منها كي يتفاعل ضمن إطار آليات المنافسة.

[3] هناك في سوريا هيئتان حكوميّتان مهمتهما التأكد من انسجام عمل المدراء ومؤسساتهم مع السياسات والإجراءات.

[4] وهناك 7 أجهزة أمن مختلفة في سوريا.

[5] القضية الأكثر شهرة في هذا السياق هي عقدا الـ BOT المتعلّقان بالهواتف الخلوية، واللذان انتقدهما أحد نوّاب البرلمان (بسبب عدم تسديد حقوق ترخيص للدولة مثيلةً بالدول الأخرى). وقد سُجِن هذا النائب لاحقاً بعد إدانته بـ"محاولة تغيير الدستور بطرق غير قانونيّة".

[6] يُسْتَخدَم تعبير "ربيع دمشق" للإشارة عن فترة دامت سنة ونصف تقريباً، تلت اعتلاء بشّار الأسد كرسيّ الرئاسة، قام خلالها المجتمع المدنيّ وحركات تدعو إلى الحقوق المدنيّة بمناقشة المسائل الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة في سورية علناً، وتمّت فيها المطالبة بشكل خاصّ بإنهاء حالة الطوارئ في البلاد وبحرّيّة التنظيم الاجتماعي والسياسي. وقد انقضّت السلطة على هذه الحركة وسجنت كثير من نشطائها.

[7] ثم منع حزب البعث هناك وتنظيم انتخابات "حرّة" في العراق (يمكن انتقادها من نواحي كثيرة إذ تم تنظيمها تحت الاحتلال وبنيت على قواعد طائفية واثتية).

[8] مع طابع الهيمنة الجديدة لبعض هذه الدعوات.

[9] التي تتكون بمعظمها من أحزابٍ ديمقراطية اجتماعية (يسارية) ومن الأخوان المسلمين.