مـــأزق
الليبراليــــة
د. برهان غليون
: الاتحاد 8/6/2005
وضع التصويت
السلبي في
فرنسا (29 مايو 2005)
على الدستور
الاتحادي
الجديد
الوحدة
الأوروبية وقيادتها
السياسية في
مأزق، سواء
أأثر هذا
التصويت
السلبي على
قرار الناخبين
الأوروبيين
في البلاد
الأخرى في
المستقبل أم
لا، وذلك بسبب
الدور
الاستثنائي
الذي تمثله
الجمهورية
الفرنسية إلى
جانب ألمانيا
الاتحادية في
تحقيق مشروع
الاندماج
الأوروبي
وتسييره. لكن
الأهم من ذلك
هو تفسير المراقبين
لدواعي هذا
التصويت. فقد
أجمع
المحللون
السياسيون في
أوروبا
والعالم على
أن الدافع
الأول لهذا
القرار
السلبي لغير
صالح الدستور
جاء على قاعدة
رفض الخيارات
الليبرالية
التي كرسها
الدستور،
خاصة في جزئه
الأخير،
والتي أثارت
مخاوف عميقة
عند أوساط
الرأي العام
المختلفة،
والطبقات
الشعبية منها
بشكل خاص، على
مكتسباتها
الديمقراطية.
والواقع
أن هذه ليست
المرة الأولى
التي تبدو
فيها الليبرالية
في تعارض مع
الديمقراطية
أو تظهر كمصدر
لتهديدها. فقد
أخذت المسافة
تتسع بين المفهومين
بموازاة
الانشقاق
داخل الحركة
التحررية
السياسية بين التيارات
التي تركز على
أسبقية قيم
الحرية الفردية
بصرف النظر عن
نتائجها وتلك
التي تؤكد على
مركزية قيم
المساواة
والعدالة
الاجتماعية.
وقد وصل
التباعد إلى
أقصاه مع
استقلال الحركة
الاشتراكية
تحت تأثير
الفلسفة
الماركسية
كلياً عن
الحركة
التحررية
الكلاسيكية وتكوينها
لفلسفتها
الخاصة
القائمة على
معارضة ما أطلق
عليه لينين
اسم
الديمقراطية
الشكلية أو الحريات
السياسية
الفارغة من
المضمون في مقابل
الديمقراطية
الشعبية التي
ترى الانعتاق
الحقيقي
للفرد
والمواطن في
تحريره من
الفقر والجهل
والمرض أكثر
مما هو في
تمكينه
قانونياً من
ممارسة حقوقه
السياسية
الكلاسيكية
من حق التعبير
والتنظيم
والانتخاب. فما قيمة
هذه الحقوق
السياسية
بالنسبة لقسم
كبير من الرأي
العام الذي لا
يعرف القراءة
والكتابة ولا
يملك القدرة
على التعبير
ولا وسائل المشاركة
السياسية
الحزبية وهو
غريب تماما عن
الثقافة
والسياسة
والاجتماع
الطبيعي
والإنساني
معا.
في إطار هذه
المعارضة بين الرؤيتين
تمت المطابقة
بين
الديمقراطية
والليبرالية
عند قطاع واسع
من الرأي
العام
والمثقفين وصار
ينظر إلى كل
داعية
للديمقراطية
في وسط الاشتراكيين
على أنه داعية
لليبرالية
وللحريات
الشكلية
معادٍ لقيم
العدالة
والمساواة
ومساند
للرأسمالية. وبالمثل
أصبح ينظر إلى
كل داعية
للعدالة
والمساواة بين
أفراد
المجتمع بل
بين البشر على
أنه معادٍ للحرية
ومؤيد
للاستبداد
والنظم
الشمولية التي
لا ترى في
الديمقراطية
إلا نظاما
يخدم سياسات
البرجوازية
والإمبريالية
العالمية.
ومع عودة
الليبرالية
في صورتها
الجديدة أي مع
عودة النيوليبرالية
منذ
السبعينيات
من القرن
الماضي،
وانتصارها
بشكل واضح بعد
انهيار
المشروع
السوفييتي وزوال
جاذبية
الفكرة
الشيوعية،
دخل نظام الفكر
العالمي في
حقبة جديدة من
التفاعلات
الفكرية
والإيديولوجية.
وبعد الحديث
عن الانتصار
النهائي
لليبرالية ثم
ما أفضت إليه
سياسات
العولمة وخطط
الإصلاح التي
فرضها صندوق
النقد الدولي
وبقية
المؤسسات
المالية
الدولية على
الدول
الفقيرة
والكوارث التي
أنجبتها وفي
مقدمها
الارتفاع
الخطير في المديونية،
بدأت
الصراعات
والتمايزات
تحدث داخل الفكر
الليبرالي
المنتصر نفسه
وفي مواجهته.
وكان لحركات
مناهضة
العولمة ثم
حركات
العولمة البديلة
التي انطلقت
من انتقاد
السياسات الليبرالية
من منطلقات
مختلفة عن تلك
التي ميزت الانتقاد
الماركسي
القديم دورا
كبيرا في بلورة
الوعي
السياسي
الجديد لدى
شعوب العالم الصناعي
وجزئيا لدى
شعوب العالم
أجمع. فقد
أظهرت هذه
الانتقادات
أن العولمة
الليبرالية
ليست البديل
البسيط عن
الاقتصاد
المخطط الذي
كانت تدافع
عنه النظم
الشيوعية
ولكنها تنطوي
على اختيارات
جديدة تخفي في
طياتها
سياسات تضر بالمصالح
الاجتماعية
للأغلبية من
المواطنين.
فليس المغزى
الوحيد أو
الأساسي
لتصفية
القطاع العام
التخفيف من
وزن
البيروقراطية
بقدر ما هو
انسحاب
الدولة
والسلطة
العمومية من
قطاعات
اقتصادية استراتيجية
لصالح رأس
المال
والبرجوازية
الصناعية وبالتالي
القضاء على
أهم قطاع كانت
الدولة تستخدمه
في سبيل تعميم
الخدمات الاجتماعية
أو توفيرها
بأسعار
معقولة أو ضمان
استقلالية
بعض القطاعات
الحيوية في
الحياة
الاقتصادية
القومية مثل
قطاع
المواصلات والمصارف
والبريد
وخدمات
اجتماعية
أخرى عديدة.
وتدفع
الأزمات
الاجتماعية
المستمرة
وتزايد
معدلات
البطالة في
البلدان
الصناعية في
سياق تفاقم
المنافسة
الوحشية في
السوق
العالمية
الحرة إلى
الاعتقاد بأن
العالم سيشهد
في السنوات المقبلة
رد فعل
متزايدا على
السياسات
الليبرالية
الجديدة التي
تهدد مجتمعات
وجماعات وفئات
متزايدة على
مستويات
مختلفة: على
مستوى العلاقات
والتوازنات
بين الأمم حيث
تقود إلى تفجير
الأوضاع
الاجتماعية
في العديد من
البلدان الهامشية
التي تعاني من
الضغوط
الاقتصادية القاسية
بسبب تطبيق
سياسات
الانفتاح أو
التسيب
والانفلات
الاقتصادي.
وعلى مستوى
العلاقات
الاجتماعية
داخل البلدان
نفسها بسبب ما
تقود إليه من انحيازات
تدفع إلى
زيادة
البطالة وانتشار
الفقر وتفكك البنى
الوطنية
الناجم عن
تطبيق سياسات
ليبرالية مغالية
يفرضها
التكيف مع
العولمة حتى
بالنسبة
للبلدان
الصناعية.
وليس التصويت
السلبي على
مشروع
الدستور
الاتحادي
الأوروبي إلا
أحد مظاهر
صراع
الديمقراطية
من حيث هي
إطار الدفاع
عن مفهوم المواطنية
والتضامن بين
أبناء
المجتمع
الواحد في
سبيل الحفاظ
على الحد
الأعلى من قيم
المساواة
والعدالة ضد
الليبرالية
التي تبدو
أكثر فأكثر
سياسة أو
اختيارات
متوحشة
وبدائية تذكر
بعصر التراكم
الرأسمالي
الأول أو بعصر
انطلاق
الثورة الصناعية
وما أحاط بها
من إفقار وتكديح
وتشريد لا
حدود لها
للقوى
الاجتماعية
المنتجة
والعاملة.
وإذا كان
هناك من درس
لابد من
التأكيد عليه
بالنسبة لنا
نحن العرب في
هذه المناسبة
فهو عدم الخلط،
كما هو حاصل
اليوم بشكل
كبير، بين
الليبرالية
والديمقراطية
ومماثلتهما
بعضهما بالبعض
الآخر. فمن
دون التمييز
بين مفهوميهما،
وما يترتب على
كل منهما من
خيارات دبلوماسية
وسياسية
واقتصادية
واجتماعية
وثقافية
خاصة، لن يكون
من الممكن لنا
بلورة أي سياسة
فاعلة ومتينة.
وسنظل نتخبط
من دون أن نصل
إلى نتيجة بين
ديكتاتورية
النظم الشعبوية
التي تتلاعب
بعواطف
الجمهور ونزوعاته
الخلاصية
وما يرتبط بها
من التعلق
بقيم
المساواة
والعدالة
الاجتماعية
وهمجية
الفئات
الرأسمالية
وأصحاب المال
والأعمال
الذين لا يرون
في السلطة حتى
تلك القائمة
على مبدأ
الحرية، إلا
أداة لإخضاع
الطبقات
الشعبية
لآلية مراكمة
الثروة
المحلية
وجمعها قبل
تصديرها إلى
بلدان يتمتع
فيها رأس
المال
بضمانات أكبر
حتى لو كانت
معدلات الربح
فيها ضعيفة.
إن
الديمقراطية
الوحيدة المؤهلة
للحياة في
مجتمعاتنا
التي تعاني من
تفاوت صارخ
وخطير في
توزيع الثروة
والسلطة والجاه
معا،
الديمقراطية
التي تستحق في
الوقت نفسه
العناء
والتضحية، هي
تلك التي تضمن
إلى جانب
الحريات
الفردية وفي
سياقها
المساواة والعدالة
الاجتماعية
وتعمل في سبيل
تحقيقهما. هذا
هو الثمن
الضروري
لتوطين
الحريات الفردية
في مجتمعاتنا
وترسيخها