قصة قصيرة بقلم محمد سعيد الريحاني- باحث وقاص من المغرب

موسم الهجرة إلى أي مكان

 

" اسم جدي:  رحال ..

اسم أبي:  رحال...

اسم أمي: (...)

أسماء تعني العنف والألم.. وعدم الاستقرار... هكذا كانت طفولتي..."

العربي باطمة

" الرحيل"

الكتاب الأول من السيرة الذاتية، ص، 9

 

 

سبح الشيخ بنظره فوق جحافل المنتظرين لصفارة الانطلاق لعبور البحر نحو الضفة الأخرى.

 تملكه إحساس بالهيبة. وجه نظره نحو الضفة الأخرى ثم همهم:

- " سبحان الله ! شاطئان متقابلان لا يجمعهما في الوجود شيء: واحد مأذبة والآخر مجمر!"...

أوقف سبابته على الحبة الأخيرة من سبحته ليسأل الشاب الجالس وحيدا قربه منهمكا في قراءة كتاب يبدو من انحناءة ظهره أنه سلبه كل اهتمامه:

- ألا زلت تقرأ وأنت على حافة الهجرة والموت؟

- أنا أقرا روائع الحكي: "ألف ليلة وليلة"...

- وما معنى الروائع أمام المغامرة التي ننتظر جميعا انطلاقها؟

- سر ألف ليلة وليلة يكمن في قدرتها على جعل الانتظار أهون وأسهل، من خلال الحكي...

- إذا كان الأمر كذلك لمذا لا نحكي ونهون الانتظار ونتعارف ونتقارب أكثر؟

التحق بهم آخرون كانوا يسترقون السمع ففضحهم اندفاعهم:

- نعم، ليحكي كل منا ظروف وأسباب ودوافع إقدامه على الهجرة.

- فكرة رائدة وسأكون انا البادئ إذا ما وعدتموني بالإصغاء.

- كلنا آذان لكن تذكر أمرا هاما وانت تحدثنا.

- وما هو هذا الأمر؟

- تذكر أنه ليست معنا سلطة تخيفك أو تسجل أقوالك. فكل المنصتين إليك مهددون بالموت غرقا خلال هذه الرحلة. فلا تخف فضيحة أوتشهيرا من أحد.  وكن ، وأنت  تحدثنا، كمن يحتضر وهو يرى امام عينيه الحقيقة التي ظل يؤجل مواجهتها طول حياته...

- شرطكم مقبول، يا رفاقي في الغرق. وهذه قصتي...

 

حديث المهاجر من وطن الممثلين:

الوطن صار مسرحا لأسوء أنواع الممثلين. الناس أميون ويمثلون دور الآباء المسؤولين ويأخذون أبناءهم للمدارس. المدرسون يمثلون دور المربي والمعلم والمنشط. والتلاميذ، منهكين بالمحافظ الثقيلة وساعات الدرس الطويلة والمسافات البعيدة بين المدرسة والبيت، يمثلون دور النجباء المتجاوبين مع الدرس. والتلفاز يذيع نتائج الامتحانات ويمثل دور المطمئن لتطور مستوى أبناء الشعب.  والشعب مريض والأطباء يمثلون دور المعالج. والمحسوبون أقارب يمثلون دور المواظبين على زيارة القريب في المشفى. والمرضى يموتون ويحملون إلى ديارهم في سيارات يمثل بها سائقها كسيارة إسعاف. ويخرج أفراد عائلاتهم يصرخون ويندبون ليمثلوا دور المنكوب...

تمثيل في تمثيل في تمثيل... وأنا في حاجة إلى العيش ولو ليلة بعيدا عن هذه الخشبة الكبيرة. لذلك ، فقراري الرحيل قرار لا رجعة فيه.

 

حديث المهاجر من وطن المنفى:

الاغتراب والمنفى كلمات تتكرر في معاجم الدنيا وتثير في كل مرة الحنين إلى الأصل، إلى الوطن، إلى الأمل.

لكن أشنع أنواع الاغتراب هو أن تعيش غريبا في وطنك: حرا طليقا لكن لا أحد يعترف بجهودك، منفيا بين والديك وزوجتك وأبنائك وأقاربك وجيرانك... أن تعيش منفى الوطن بين أناس لا يتذكرون اسمك ولا يحتاجون معونتك ولا يرون في وجودك جدوى. هنا، أعلى درجات الاغتراب والنفي وأنا هارب منه.

 

حديث المهاجر من وطن حاسة السمع: 

 هنا أرض العمى. هنا أرض الآذان الطويلة. لا احد يرى. الكل يشغل حاسة واحدة: اسع. والويل لمن أصابته بحة أو فقد صوته!

 هنا الكل يسمع لأن الكل هنا مغمض العينين.

هنا، لا مكان للصمت والسكينة والتأمل والإنصات للذات...

هنا، لا مكان لأمثالي. ولذلك لا مناص لي من الرحيل.

 

حديث الطفل المهاجر من تسلط الكبار وظروف الكبار:

لا أفهم كيف يسول والدي لأنفسهم أن يرسلوني للمحطة الطرقية بصندوق وكرسي لمسح أحذية الغرباء والمسافرين. يأخذون مني محفظتي ويسلمونني صندوق مسح الأحذية:

- " هاك، يا ولدي، سير ترزق الله!"

هل أبواب الرزق موصدة إلا هذه الباب: مسح الأحذية؟ أصدقائي في المدرسة صباحا، وفي معهد الموسيقى مساء، وفي دار الشباب أيام عطلة نهاية الأسبوع، وفي الرحلات أيام العطل الكبرى... وأنا " سير امسح الصبابط!"

الإهانة!

وممن؟!

من والدي…

أنا فكرت طويلا في الامر: فإذا كانت الإهانة هي كل ما يوجد هنا، فلماذا لا أجرب العبور  إلى الضفة الأخرى لأحيا حياة أخرى؟ !

 

حديث المهاجر من وطن "كان" وأخواتها:               

هنا أرض ال" كان". الناس هنا يعيشون على الذكرى والأمس والعلاقات البائدة. الناس هنا تخلد الوهم وتقدسه. لا أحد ينظر إلى الأفق. لا أحد ينظر إلى أجنحة الطيور وهي ترسم حروف السعادة الغدوية. لا أحد يحلم. هنا، الحلم نكتة .  وأنا غير مستعد لأضحك غيري بأحلامي. ولذلك، أنا الآن اطلب الرحيل.

 

حديث المهاجر خوفا من "الانقراض":

في أوطان الناس الذين سبقونا في سلم التطور: إذا كنت تمتلك عقلا فإنك ستعيش عليه. وإذا كان عندك صوت جميل، فستعيش عليه. أو كانت عندك سواعد قوية ستعيش عليها. أو كانت عنك قدما ساحرة، فلسوف تعيش عليها...

أما هنا، فوالله لو توفرت فيك كل الشروط وكل القوى وكل المواهب، لوجدت نفسك تسابق أراذل القوم لتمد يدك ولسانك وأعضاءك الأخرى توسلا لمن احتكر كل شيء كي يستمتع بهذا المنظر: منظر زحف جحافل المتسولين نحو يده العليا التي تبقى إلى الأبد خير من اليد السفلى...

قانون البقاء يخيرنا بين الانقراض في المحيط الأصلي أو الهجرة إلى محيط جديد يكفل سبل النمو والبقاء.

أما أنا فقد اخترت الهجرة إلى المحيط الجديد . وها آنذا أعد الدقائق للعبور الكبير.

 

حديث المهاجر من وطن "الغفلة":    

لق احتملت أكثر من اللازم الحياة في أرض "اضرب على راسك!" و"الله يجعل الغفلة ما بين البايع والشاري" و "برق ما تقشع!" و "القانون لا يحمي المغفلين" ولو أن نصف العباد أميون والنصف الآخر تحت مستوى الفقر...

الشعارات تلو الشعارات والناس تلوكها اتباعا، دون ملل ودون وعي. الناس تلوك الشعارات القاتلة التي لا تؤمن بها لا سباع الطير ولا سباع البر ولا سباع البحر... وأنا لست مستعد للتعايش وقتا أطول مع سباع الإنس. أنا، هنا، أطلب النجاة بجلدي. أنا، هنا، أطلب الرحيل الكبير.

 

حديث المهاجر الهارب من سلطة المنبطح:

السلطة توجد حيثما وجدت علاقة غير متكافئة بين طرفين. وأهم تجلياتها: الفعل والخضوع. السلطة هنا ليست هي سلطة الدولة أو سلطة الرأسمال أو سلطة القبيلة أو سلطة العرق... إن السلطة، هنا، هي سلطة المنبطح: قاتل الأنبياء والفلاسفة والمبدعين والزعماء والمحررين...

فحيثما بزغ شعاع جديد بنور جديد، خرج المنبطح بشعاراته وتهديداته:

-" فين حدك؟ "

- " باراكة علينا من سخونة الرأس؟"

- " ما خصنا صداع مع أحد!"...

ولأن سلطة المنبطح خفية،

ولأن المنبطح يبطش ويفتك بوحشية لا يمكن مقارنتها بأي من رموز السلطة الأخرى،

 ولأنه لا صوت يعلو فوق صوت المنبطح...

فقد قررت الهجرة الكبرى.

 

حديث المهاجر من وطن الهجرة الدائمة:         

هجرة أم تهجير؟

أنا لم أختر هجرة أرضي لولا الجفاف والقروض والحياة دون ماء أو كهرباء بعيدا عن المشفى والصيدلية والحمام والمدرسة والمحطة والسوق...

في البداية، هاجرت وأسرتي الصغيرة إلى أقرب مدينة صغيرة مجاورة واكترينا بيتا صرنا نعمل جميعا من أجل تسديد متطلباته من ماء وكهرباء وإصلاح...

ثم هاجرنا إلى مدينة أكبر في جنوب البلاد حيث صرنا نسكن في مقر عملنا فأصبحت حياتنا عمل في عمل حتى بيعت الشركة ونحن ضمن بنود عقد بيعها إلى رب عمل جديد سرعان ما أعلن إفلاس الشركة وألقانا إلى الشارع وأغلق عليه باب الشركة.

بعد ذلك، هاجرنا إلى مدينة أكبر في الشمال حيث اشتغلت " دفاعا " في غرف نوم البدينين من أثرياء المدينة الذين صعبت البدانة قدرتهم على الاستمتاع بالجماع ...

ولأنني تنقلت في كل دوائر الهجرة من نواتها في الأرياف إلى أقصى اتساعاتها في كبريات مدن الشمال، فإنني أجد نفسي الآن منساقا إلى الدائرة الكبرى والهجرة الكبرى...

 

حديث المهاجر من وطن الإرادة المصادرة:

 الناس هنا بلا إرادة.

المشعود والساحر يمنح الإرادة للسذج والغفل والبله من الناس...

شيخ القبيلة يمنح الإرادة لبنات وأبناء قبيلته ...

رئيس الحزب ومالك مقراته والممسك بمفاتيحه يمنح الإرادة لمناضليه...

الإرادة التي يمكنها إحالة الإنسان إلى قوة بناءة أو مدمرة، هي، في الأصل، ملغاة. وأنا لا احتمل الحياة مع الدمى والعرائس.

كيف يمكنني أن أغير رأيي وأنا أشاهد بأم عيني كيف يصادر عراب الحزب حرية مناضليه ويحيلهم إلى أدوات بشرية تلوك ما حفظ لها من مبررات الطاعة: الظرفية غير المناسبة، الانضباط لقرارات الحزب، التاكتيك المرحلي...

 وكيف يمكنني أن أغير رأيي وأنا أشاهد بأم عيني كيف يحيل عراب الحزب المناضلين إلى مجرد خشيبات تصنع المعادلات، إلى مجرد أرقام للمزايدة في لحظات البيع بالمزاد العلني أو السري... وكيف يحيل عراب الحزب المناضلين إلى مجرد رهائن "ضاربين الصف" في دكاكين سياسية صغيرة الحجم، ضيقة الأفق، تفتح أبوابها على دورات أولمبية يتدفق خارجها المناضلون/ الرهائن بلافتات طويلة ومناشير كثيرة وحماسة يجهل  المناضلون/ الرهائن جدواها وبرامج سياسية مقتبسة بتصرف عن قصص "كليلة ودمنة" ...

كيف يمكنني أن أغير رأيي وأنا أرى بأم عيني الدمى دمى والعرائس عرائس؟

إنهم يسمون العمل المافيوي عملا سياسيا، والعصابة حزبا، والعراب أمينا عاما، والاختطاف استقطابا، والرهائن مناضلين، ولا حق للرهائن في الحرية الفردية...

فاشهد اللهم أني قد قلت وتطهرت قبل أن ارحل وأغيب.

 

حديث المهاجر من وطن " الانتحار":

هنا، كل شيء غال ما عدا حبال الشنق والأحزمة الناسفة وحقن السم. كل شيء غال: الفواكه واللحم والسكن والكتب... وأنا أريد أن أحيا. أنا عاشق للحياة. ولذلك، أنا راحل إلى حيث تشرق الشمس ولا تغيب. أنا راحل إلى حيث الإنسان هو أغلى كائن وكل الباقي في المتناول.

 

حديث المهاجر من ثقافة "حالة الطوارئ" :

حالة طوارئ. الحياة والموت في ظل حالة طوارئ.

 لم أعد أطيق حياة كهذه: جمود في جمود وتحفظ في تحفظ وخرس في خرس.

أعياد باردة يتصافح يومها الناس على عتبات البيوت، يغلقون الأبواب ثم يجلس الأب وزوجته وأبناءه يشربون الشاي ويأكلون الحلوى أو أمام المجمر يشوون اللحم السنوي. وفي المساء، بعد العصر، يبدأ طواف الشارع الرئيسي للمدينة في صمت: الإناث مع النساء، والأولاد مع الرجال. وقبل العشاء، ينتهي الطواف ويبدأ الانسحاب على أمل طواف آخر في عيد آخر...

أما في الحفلات، فأجواق موسيقية باردة تعزف لمدعوين ساهون. وفي جهة الحريم نساء تكترين لباسا جديدا أو باذخا وتهمس في آذان بناتهن أن يتحلين بالتعقل والحكمة والرزانة. وحتى إذا ما رقصن فليفعلن ذلك بأكتافهن وأرجلهن لأن بعض النساء الحاضرات جئن خصيصا للبحث عن زوجة لأبنائهن وهن يفضلن البنت العاقلة الرزينة الثابتة ولا يحبذن البنت اللعوب التي لا تكل من الرقص والضحك وتجاذب أطراف الحديث مع أي كان ... والنتيجة هي ان كل الحفلات، في هذه الأرض، هي حفلات باردة لدمى باردة تسيرهن أمهات مقاولات ...

برود في برود. وأنا أبحث عن دفء إنساني ينبعث من دفء قيمي.

هنا، أنا لم أجده. والآن، أنا مهاجر في سبيل البحث عنه.

 

حديث المهاجر من جحيم " التحريم ":          

الجميع يتسابق ليحرم ويمنع ويبطل حواسك وعقلك فلا تنظر ولا تسمع ولا تلمس ولا تشم ولا تذق... حتى إذا ما أصابك الشلل الكامل، تكالبوا عليك ليحددوا لك ما يسمح رؤيته وما يباح سماعه وما يحل لمسه وما يمكن تذوقه وما يستحسن شمه وما يليق الفكير فيه...

هنا ثقافة التحريم. كل الناس تتسابق على تحريم هذا أو تحريم ذاك. الجميع يحرم ومن لم يحرم شيئا فهو لا زال يؤسس لصياغة مقبولة لتحريم شيء لم يخطر على البال.

كل النقاشات والدردشات والفرفشات حول الحرام والمحرم والتحريم...

 تحريم في تحريم. لاءات في لاءات...  وأنا متعطش للاستماع  ببراءتي وطفولتي.

 

 حديث المهاجر من أرض "الإرهاب الوجودي":

أنا لست مهاجرا. أنا هارب بأعضائي.

 لم تعد لي سوى كلية واحدة أصبحت أخاف عليها من طمع الطامعين. أدخل بيتي قبل غروب الشمس. حتى إذا ما خرجت من البيت حرصت على صحبة الناس وسلكت المسالك المأهولة. أخشى أن أختطف وتسرق مني  كليتي المتبقية. خوفي صار وسواسا قاتلا، مرضا مزمنا...

لقد سرقت كليتي في إحدى العيادات. ولسرعة العملية، نسي الجراح المقص في معدتي. لكنها مجرد خدعة كي أعود إلى المشرط مرة اخرى، بعد فترة النقاهة، وأضع بين أيديهم كليتي الثانية أو إحدى خصيتي...

الإنسان، هنا، ينظر إليه كمجرد سلة أعضاء بشرية، مجرد قطع غيار وأنا أبحث عن مكان آمن، عن وطن آمن... وأنا مهاجر بحثا عن وطني ضالتي.

 

حديث الكاتب المهاجر من وطن صناعة الأمية:

لمن أكتب؟

من هو القارئ الذي سأتوجه إليه؟

العمال والفلاحين الأميين؟

أم الطلاب المنهارين؟

أم العاطلين الذين لا يملكون لا فلس ولا غد؟

أم الموظفين أسرى ومثلث العمل والسوق والشباك الأوتوماتيكي؟

أم أرباب العمل الذين نزل عليهم من السماء إلهام مالي دون إلهام معرفي؟

أم أكتب  لنفسي؟...

ثم لماذا أكتب؟

أأكتب لتجديد نظام العالم؟

أأكتب عن الحرية والعدالة؟

أي قيمة للحرية في مجتمع يحكمه الخوف من الفتنة؟

أي قيمة للعدالة في مجتمع ابتكر الرشوة للقضاء على كل العراقيل الإدارية ؟

ثم أين سأضع كتبي؟

على الرفوف البعيدة العالية في مكتبات كتب السحر الأحمر والأسود والأبيض؟ 

أم في دواليب المكتبات المدرسية تحت المساطر والأقلام الرصاص والأقلام الملونة والدفاتر والطباشير؟

أم عند الأكشاك بين مرجوعات صحف الأسبوع الماضي؟

أم على جنبات الرصيف مع صور الفنانين الملونة والمجلات الإيروسية؟

أنا حددت وجهتي: سأهاجر لأتنفس هواء القيم النبيلة والثقافات المتعددة والتاريخ غير المخصي وأتصالح مع ذاتي وجذوري وأكمل ديني/ حريتي..

 

 حديث المرأة المهاجرة من التحرش:

الرجال؟ أنا عرفت تسعة رجال.

ثلاثة ماتوا بين احضاني، وثلاثة طلقتهم، وثلاثة طلقوني... ومع ذلك، يعتقد بعض الرويجلين أنني محرومة وأنني قد ألين مع الوقت ومع الاستئناس بعباراتهم البائدة.

على مدار الساعة، أتعرض للتودد الذي يخفي تحته رسائل بأنني غير مصونة لأنني بلا رجل، غير محترمة لأنني بلا رجل، غير محمية لأنني بلا رجل...

وأنا الآن بينكم مستعدة للهجرة الكبرى إلى حيث يحترمني الآخر لذاتي وليس لوجود ذكر بجانبي.

 

حديث السياسي المهاجر من "سياسات اللعب":

لما انخرطت في العمل السياسي فقد فعلت ذلك لأجل العمل: العمل السياسي والعمل النقابي والعمل الحقوقي والعمل الثقافي... وقد كنت أشعر بامتلاكي لرأسمال رمزي يخول لي الدفع بمشاريع العمل إلى الأمام...

لكنني بدأت أشعر في أوج ممارستي  بأن الأمر في تحول مستمر. فما كان "عملا" صار مجرد "لعب". وما كان جدا صار مزاحا خالصا. وصار الناس يلوكون معاجم ممسوخة دون علم بأن المفاهيم الممسوخة تنتهي بمسخ أصحابها. وصار الجميع يتحدث عن اللعبة السياسية واللعبة الانتخابية واللعبة الديموقراطية... وربما تحدثوا مستقبلا عن اللعبة النقابية واللعبة الحقوقية واللعبة الثقافية واللعبة الدينية... إلا أنني لا أريد أن أجايل جيل المسوخ القادم. ولذلك، عزمت على الرحيل: لا بديل لي عن الهجرة.

 

 حديث الطالب المهاجر من التلاعب بالإرادات:

لم أعد أفهم.

 نجمع الوثائق ونحضر قاعة الامتحان لاجتياز مباراة، فينجح الذين غابوا عن الامتحان.

نعبئ الجيران على التصويت لهذا المرشح، فيفوز في الانتخابات ذاك المر