|
إجتِهَادات الشَيخ
التُرَابي...
«عَوْدٌ
عَلىَ بِدءِ» |
المحجوب
عبد السلام
منذ عقود ظل الشيخ
الترابي يطرح
رؤيته في
تجديد الفكر الإسلامي
وفق إطار كلي
أصولي،
أتاحته له
ثقافته
الفقهية
الشاملة
وتخصصه في
القانون
الدستوري
المقارن
وعمله
السياسي الناشط
في مجالاته كافة.
فهو صاحب رؤية
متكاملة في
تجديد علم
أصول الأحكام
أو (أصول الفقه)
كما يسميه
الدارسون، لم
تكن تتيسر له
لولا نشأته
الخاصة
وخبرته
الواسعة وخلواته
الممتدة في
أغوار
المحابس
والسجون، وهو
أمر لم يتجدد
في التاريخ
الإسلامي منذ
الإمام الشاطبي
(صاحب
الموافقات)،
إذ قدم
أطروحته
المتكاملة في
الأصول منذ العام
1977 وظل يعبر
عنها في جملة
مساهماته
النظرية
والعملية:
(قضايا الوحدة والحرية
1980، تجديد أصول
الفقه 1981،
تجديد الفكر الإسلامي
1982، الأشكال
الناظمة لدولة
إسلامية
معاصرة (قطر 1982)،
تجديد الدين
1984، منهجية
التشريع 1987،
وعلى ذات منهجه
الذي يؤصل
الشورى
سبيلاً
للعلم، فقد بسط
أطروحته في
(تجديد أصول
فقه الأحكام) على
جملة من
العلماء
والمختصين
إبان توليه منصب
وزير العدل 1979 -
1983، وظلت الحلقات
تعقد بمكتبه
بديوان
النائب العام
وتدير
المداولة
والحوار حول
المراجعة الشاملة
للأصول التي
حوتها 80 صفحة
خرجت من سجن
كوبر بعد سنوات
الإطلاع
والمدارسة والحوار
في الداخل.
ومهما تكن
تلك الأطروحة
ملتزمة مناهج
الأصول
ومصطلحات
الفقه والقانون
فإن جذورها
ممتدة في عبرة
سيرة التاريخ
الإسلامي
وأصول دورة
الإحياء والبعث
ثم الخمول
والموت أو
النهضة والفترة،
التي توالت
على المسلمين
في الفكر والعمل
منذ ميلاد
الرسالة وحتى
آخر أجيال المسلمين،
بل وتقارن ذلك
إلى دورة
تاريخ التجديد
والبـِلـَى
في سيرة مشهور
الأديان الكتابية
السماوية لا سيما عبرة
تاريخ اليهود
والنصارى على
سنة القرآن
الذي يكاثف
ذكرها
تصويباً لجليل موعظتها.
فالإجتهاد
في الأصول
-فضلاً عن
الفروع- هو ما
دعا إليه غالب
علماء حركة الدعوة
والبعث
المعاصرة،
وصدرت عنهم
بذلك كثير من
المساهمات
والأطروحات،
وخصصت الأعداد
الأولى من
مجلة «المسلم
المعاصر» التي
إستهلت
صدورها العام
1980 في الدعوة لهذا
الهدف الكبير
وجاءت الدعوة
بأقلام أكبر
الرموز (يوسف القرضاوي،
جمال الدين عطية،
محي الدين
عطية، أحمد
كمال أبو
المجد، عبد
الحليم أحمد
أبو شقة... إلخ)،
إلا
أن الدكتور
حسن الترابي
ظل أكثرهم
مقاربة لهذه
الدعوة
وأوسعهم
شمولاً
وتأصيلاً لمواضيعها.
وإذ أن لكل
فكرة سياقاً
ومناسبة يخل بها
ويضرها أن
تبتر عنه أو
تجرد منه أو
تؤخذ إلى سياق
آخر، فإن
الأفكار
الأصولية
يسيئها ويخل بها مرض
التنطع والتفريع
والتجزئة
الذي أصاب
المسلمين -كما
أصاب اليهود والنصاري-
، وتعرضت بوجه خاص
-بوجه خاص-
مساهمات
الشيخ
الترابي وإجتهاداته
الكبيرة
لكثير من التشوية
بأسباب من هذه
الأدواء،
التي قد تتوهم
الخطر الأكبر في
الصغائر
والفروع لإختلال
فقه
الأولويات
عندها، أو
التي تتنطع
بدوافع ونيات
يشوبها في
الغالب خطل
عظيم، إذ تخلط المواقف
الإجتماعية
والسياسية
التي تميز بين
المفكر الذي
يبسط إجتهاده
العلمي للمداولة
الحرة والرأي
المسئول وبين
قائد الحركة
السياسية الذي
يلتزم مواقف
حزبه كما يلتزمها
سائر
الأعضاء، ولا
تلزم آراؤه
الفكرية حزبه ولو
كان حزباً
إسلامياً يوحد
السياسة إلى
سائر شعاب
الإيمان، بل ان الحرب
السياسية قد
تدفع بدوائر الإستخبار
المغلقة عن
سعة حركة
الفكر
والحوار والإجتهاد
الحر
لِتـُخَلـِّط
الأحاديث العلمية
ولو مشفوعة
بِأسماء
منسوبة إلى المشيخة
والعلم
ولكنها
مسكونة
بالغيرة والحسد
وعقد النقص
وشهوات
الشهرة
والرئاسة والجاه.
كما محض
الغزالي
الإمام مجلده الأول
في الإحياء
لأمراض (طبقة)
المُفتين والعلماء
-شفاهم الله.
فقد نشر
الشيخ الترابي إجتهاده
حول عودة
المسيح -عليه
السلام- العام
1982 في بحث -أصولي
كذلك-
لقىَّ
حظاً واسعاً
من النشر داخل
السودان
وخارجه بعنوان
(تجديد الدين)
«قـُدم في المنتدى
الفكري
بجامعة
الخرطوم ونشر
في مجلة جماعة
الفكر
والثقافة
الإسلامية
وظل
ينشر منذ ذلك
التاريخ»،
يقول الترابي:
«وفي بعض
التقاليد الدينية
تصور عقدي بأن
خط
التاريخ
الديني بعد
عهد التأسيس
الأول ينحدر
بأمر الدين إنحطاطاً
مضطرداً لا
يرسم نمطاً
دورياً، وفي
ظل هذا الإعتقاد
تتركز آمال
الإصلاح أو
التجديد نحو
حدث معين مرجو في
المستقبل يرد
أمر الدين إلى
حالته المثلى
من جديد. وهذه
عقيدة نشأت
عند
اليهود وإعترت
النصارى،
وقوامها إنتظار
المسيح يأتي
أو يعود عندما
يبلغ الإنحطاط ذروته
بعهد الدجال
قبل أن ينقلب
الحال بذلك الظهور،
ولعلها تحريف للبشريات
التي جاءت في
الوحي القديم
بمبعث عيسى ثم
بمبعث محمد
عليهما السلام.
وقد إنتقلت
العقيدة بأثر من
دفع
الإسرائيليات
إلى
المسلمين، ولا
يزال جمهور من
عامة
المسلمين
يعولون عليها في
تجديد دينهم،
وفشوها هو
الذي أغرى كثيرين
من أدعياء
المهدية أو
العيسوية، وبعضهم
تحركه نية
صادقة
للإصلاح
والتجديد لكنه
بثقافته
التقليدية
وبتربية العامة الذين
يخاطبهم لا
يجد وجهاً
لشرعية
الخروج على
القديم إلا
بحجة المهدية
النهائية. ولعل تلك
العقيدة هي
التي ألهت
المسلمين عن القيام
بعبء الإصلاح
وأقعدتهم في
كثير من حالات الإنحطاط
المستفز،
مرجئة
ينتظرون صاحب
الوقت. ومهما
يكن فإن منطق
العقيدة القرآنية
حول تاريخ
الدين لا يتيح
مجالاً بعد
النبي الخاتم لإنتظار
عاقبٍ يستأنف النبوة
أو ينسخ من
الشريعة
السماحة التي
تغري أهل
الكتاب على
المؤمنين، بل
هدي
القرآن لخلف
المؤمنين إن
رأوا تغيراً
أحالهم إلى
فسادٍ و ذلٍ
أن يردوا ذلك
إلى
تـَغَيـُر
ما بأنفسهم
فيتوبوا إلى
الله فيتوب
عليهم
بالصلاح
والعزِ». إنتهى.
وإذ يبدو
الهم الأصولي
الفقهي والإجتماعي
التاريخي
بيناً في
قراءة الشيخ
الترابي المتجددة
للنصوص وفق
السنن والسير
في عبرة أهل
الكتاب وعبرة
المسلمين
والتي تجلت عبر
مللهم ونحلهم وشققتهم
شيعة وسنةً
إلى اليوم،
فإن البحث في
نزول المسيح
أو خروج المهدي
حفلت بها
المباحث
الإسلامية من
لدن إبن
خلدون (في
المهدي
أربعين
حديثاً كلها ضعيفة
- «المقدمة») إلى اوان دورة
التجديد التي
حمل لواءها
رشيد رضا وأستاذه
محمد عبده:
يقول الشيخ
(رشيد رضا
-مجلة المنار،
المجلد 28، ص 756):
«إن الأحاديث
الواردة في نزول
عيسى عليه
السلام كثيرة
في الصحيحين
والسنن
وغيرهما
وأكثرها
واردة في أشراط الساعة
وممزوجة
بأحاديث
الدجال وفي
تلك الأشراط
لا سيما
أحاديث
الدجال
والمهدي إضطراب وإختلاف
وتعارض كثير،
والظاهر من
مجموعها أنه
يظهر في
اليهود أكبر
دجال عُرف في تاريخ
الأمم فيدعي
أنه المسيح
الذي ينتظره
اليهود
فيفتتن به
خلق كثير، وفي
آخر
مدته يظهر
المسيح الذي
هو عيسى بن
مريم ويكون نزوله
في المنارة
البيضاء شرقي
دمشق ويلتقي
بالمسيح
الدجال بباب
(لَد) بفلسطين
وهناك يقتل
المسيح
الصادق
المسيح
الدجال بعد
حروبٍ طويلة
تكون بين
المسلمين
واليهود،
فنزول عيسى
عقيدة أكثر
النصارى وقد حاولوا
في كل زمان
منذ ظهر
الإسلام بثها
في المسلمين،
وممن حاولوا
ذلك بإدخالها
في
التفسير وهب
بن منبه الركن
الثاني بعد
كعب الأحبار
في تشويه
تفسير القرآن
بما بثه من
الخرافات). إنتهى
حديث الشيخ
رشيد رضا الذي
لا يختلف في قراءته
وتأويلاته عن المغازي
التي أشار
إليها النص
السابق للشيخ
الترابي.
أما الذين
يستعظمون نقد كتاب
البخاري
وكتاب مسلم
كأنه الكفر البواح
فقد أصابتهم
شعبة أخرى من
شعاب أمراض التنطع
والجهل
والغفلة وخلط
الأولويات
-فقد دخلت خيل
نابليون
الأزهر
والمسلمون ممسكون
بهما- تلتبس
عليهم علوية
القرآن وحفظه
وعصمته دون أي
كتاب آخر.
وأشير في هذا المقام
فقط لتيسير
الأمر على
الباحثين
المجدين إلى
تعليق الشهيد
سيد قطب على
حديث البخاري
ومسلم في
السحر الذي
أصاب النبي
(صلى الله
عليه وسلم)،
يقول سيد قطب:
«وقد
وردت روايات
بعضها صحيح ولكنه
غير متواتر أن
لبيدا بن
الأعصم سحر
النبي (صلى
الله عليه
وسلم) في
المدينة قيل
أياماً وقيل
أشهراً حتى
كأنه يخيل
إليه أنه يأتي
النساء وهو لا
يأتيهن وحتى يخيل إليه
أنه فعل الشئ
وأنه لم يفعله
في رواية:
ولكن هذه الروايات
تخالف أصل
العصمة
النبوية في
الفعل والتبليغ
ولا تستقيم مع
الإعتقاد
بأن
كل فعل من
أفعاله وكل
قول من أقواله
سنة وشريعة
كما أنها
تصطدم بنفي
القرآن عن الرسول
(صلى الله
عليه وسلم)
أنه مسحور». (في
ظلال القرآن،
المجلد
الأخير -
تفسير سورة
الفلق)، وهو
نفس رأي الشيخ
محمد عبده الذي
وكّد أن مكية
المعوذتين تنفي
عنهما أية
علاقة
بالأحاديث
الصحيحة التي
تربطهما بالسحر
المزعوم على
النبي (صلى
الله عليه وسلم).
إن الإجتهاد
الإجتماعي
الأكبر
للدكتور حسن
الترابي هو
مساهمته الفذة
في
تحرير
المرأة
المسلمة وفق
أصول القرآن
وأصول السنة
والسيرة، بعد
أن إستلبت
شعار
(التحرير) مناهج
الفكر الغربي
وأصول فلسفته
المادية الإجتماعية،
وحاولت مسخ
المرأة المسلمة
في الأخرى
الغربية.
فالشيخ
الترابي الذي
أسس بجلاء
أطروحته عن
المرأة على أصل
التكليف
المستقل لكل
مؤمن كما هو
لكل مؤمنة
والمتماثل
لكليهما وفق
ظرفه وحاجته، بعد
أن عُزلت
المرأة
المسلمة
قروناً بأثر
طغيان
التقاليد على
السنن وألحقت
تبعاً للرجل
وأهملت عن كل
كسب في العلم
أو العمل. وقد
صدرت النسخة
الأولى من
كتابه المعروف
(المرأة بين
تعاليم الدين
وتقاليد المجتمع)
في العام 1974
بعنوان آخر (رسالة
المرأة)، وورد
في تلك النسخة
بالذات حديث
(أبي داؤود)
عن أم ورقة
التي أذن لها
الرسول (صلى
الله عليه
وسلم) في
إمامة أهل بيتها
في الصلاة.
وهو ذات
الموقف الذي إلتزمه
في كتابه
الأخير
«السياسة
والحكم»
الصادر عن دار
الساقي في
العام 2003 ضمن
أطروحة أكثر
شمولاً، يقول
الترابي في فصل
(سلطة الإمارة
والتنفيذ
والإدارة): «الشرط
الثاني الذي
كتبه التاريخ
على الفقه كأنه
حكم قاطع خالد
هو الذكورة
لولاية الأمارة
العليا، وقد
سبق البيان أن
الذكر والأنثى
في أصول الدين
وتكاليفه
سواء، الفضل
لمن آمن وعمل
صالحاً.
وأنهما لهما
في سياق أسرة
الزواج قسمة
تكاليف
متعادلة كلاً بما
فضله الله على
الآخر،
وأنهما في إطار
السياسة في
شركة موالاة
أمراً بالمعروف
ونهياً عن
المنكر أو مصابرة
ومهاجرة
وجهاداً وأيما
ولاية على أمر
عام، ولأن
الله فاضل ومايز
بينهما
لتأدية وظائف
زوجية ووالدية
قد يخف
التكليف أو
يشتد بعد
البوح السواء
حتى لا يعوق
في أيهما ما
هو مهيأ له».
ثم يقول
الترابي في
ذات
السياق:
«ولكن فقهاء
أحكام
السلطان لم
يتركوا تولية
المرأة أمراً
لتقدير شورى المسلمين
يصرفونه غير
مناسب، بل
منعوه بحكم شرط
الذكورة
خالداً
وبعضهم عمم
الحكم لأيما
ولاية أو
قضاء، وقليل
من أباح لها
ولاية القضاء
خصومات
جنائية أو
تعاملية وولايات
العمالة
الصغرى التي
عرفت منذ سنة
عمر بن الخطاب
مع الشفـّاء،
وغالبهم منع إمامة
الصلاة رغم
الحديث الذي ولاها
الإمامة وهي
أهل وأولى بها»
(السياسة
والحكم ص 286).
وللذين
لا يعرفون
سُنة عمر بن
الخطاب مع
الشـَفـّاء فقد
وَلاها
شيئاً من أمر
السوق. وأما
الحديث الذي
أورده أبي داؤود
في كتاب
الصلاة، باب
إمامة النساء:
عن
عبد الرحمن
بن خلاد
عن أم ورقة أن
الرسول (صلى
الله عليه
وسلم) لما غزا
بدراً قالت له:
يا رسول الله إئذن في
الغزو معك
أمَرِض
مرضاكم لعل
الله يرزقني الشهادة.
فقال لها قري
في بيتك فإن
الله عز وجل
يرزقك
الشهادة
وكانت تسمى
الشهيدة،
وكانت قد قرأت القرآن
فأستأذنت
النبي (صلى
الله عليه
وسلم) أن تتخذ
في دارها مؤذناً
فأذن لها. قال عبد
الرحمن وكان
الرسول (صلى
الله عليه
وسلم) يزورها
فجعل مؤذناً
يؤذن لها
وأمرها أن تؤم
أهل بيتها،
فأنا رأيت مؤذنها
شيخاً كبيراً.
(إنتهى
الحديث).
فإجتهاد الشيخ
حسن الترابي
كما حملته
كتبه الموثقة
قديم قبل عقود
من صلاة
الدكتورة
«آمنة ودود» في
أميركا، قد
يوافي رأي
الإمام
الطبري في
جواز الإمامة
الكبرى
للمرأة أو رأي إبن
حزم الظاهري
في جواز إمامة
المرأة
لزوجها إذا
كانت أحفظ منه
وأقرأ
للقرآن، وقد يوافي
رأي الأستاذ
أبو الأعلى المودوي
صاحب كتاب
(الحجاب)
الشهير في
أواخر العقد الخمسين
الماضي عندما
أيّد ترشيح
الحاجة فاطمة
جناح شقيقة
القائد
الباكستاني
محمد علي جناح
على قائد الإنقلاب
المشهور يحيي
خان، وأوضح أن
شرطي الإمامة
هما الدين والذكورة
وأن الدين
أولى وأن
الحاجة فاطمة
تستوفي شرط
الدين وإن لم
تستوف شرط الذكورة،
وأن يحيي خان
يستوفي شرط
الذكورة ولا
يستوفي شرط
الدين ودعا
أنصاره من ثم للتصويت
لها. وهو -كذلك- إجتهاد لا
علاقة له
بالمشروع
الأميركي
الصهيوني، كما
سارع منخذلة
الشيوخ ممن
حاولوا (إعادة
إكتشاف
العجلة وفق
السنة).
فالمشروع
اليميني الديني
الأميركي
يؤمن بعودة
المسيح ويرى
في قيام دولة
إسرائيل
معجلاً
لأوانه
ولخراب اليهودية
من ثمّ... أو كما إستخفت
الإثارة
الصحفية
آخرين
فانتحلوا لإجتهاد
الشيخ وصفاً
(الصلاة
المختلطة)،
فرأي الشيخ الترابي
حول صف الصلاة
واضح قديم لمن
يبتغي الحق دون
الإثارة وفي
أشد كتبه إنتشاراً
وشهرة، يقول
الترابي في
كتاب المرأة
بين
تعاليم
الدين
وتقاليد
المجتمع ص16،
طبعة مركز دراسات
المرأة: «ولا
ينبغي أن
يزدحم الرجال
والنساء بحيث
تتقارب
الأنفاس
والأجساد إلا
لضرورة عملية
كما في الحج
وحيثما وجد
الرجال
والنساء في
البيوت أو
الطرقات أو المجالس
العامة يجب أن
تتمايز
الأوضاع شئٌ
ما. لذلك
تمايزت
الصفوف في
الصلاة لأن في
صفها يتراص الناس
مقاماً
ومقصداً ولأنها
موضعٌ يتوخى
فيه التجرد
الشديد من كل صارف
عن ذكر الله.
وقد إتخذ
الرسول (صلى الله
عليه وسلم)،
باباً خاصاً
للنساء (أبو داؤود): وقد
روى البخاري
عن أم سلمة رضي
الله عنها
قالت: كان
رسول الله
(صلى الله عليه
وسلم) إذا قام
النساء حين
يقضي تسليمه
يمكث هو في
مقامه يسيراً
قبل أن يقوم) إنتهى.
إن غالب خطاب
الشيخ حسن الترابي
ومحاضراته
العامة قدمت
في معاهد
العلم العليا
والجامعات،
إلى جمهور
يُقدر فيه درجة
أرقى من العلم
والثقافة،
فجاءت أغلبها
تصوب نحو
كليات
المعاني
وأصول القضايا،
إلا أن غالب
الموضوعات
التي شاعت في
أحاديث
الناس، كانت
في مساحة
الأسئلة التي
تتاح
للحاضرين بين
يدي المحاضر،
وأفصحت كذلك
عما يشغل
جمهورنا حتى
المثقف عن أمهات
القضايا
والأسئلة
وعبرت عما شاب
فكرنا من قصور
وتجزئة وذرية
(كما يصف مالك
بن
نبي العقل
المسلم
المعاصر في
كتاب مشكلة
الأفكار في العالم
الإسلامي
وكتاب مشكلة الثقافة
وكتاب وجهة
العالم
الإسلامي
وكلها مباحث
جليلة في هذا
الباب)، كما
عبرت عما يخالط
نفوسنا من
نفاق ورياء.
فحديث
الذبابة أو
حادثتها
الشهيرة جاءت
في سؤال لسائل بعد
محاضرة عن
(تجديد أصول
فقه الأحكام)
بجامعة محمد
بن سعود في
مدينة الرياض السعودية
في العام 1978،
وكانت
الإجابة في
سياق مباحث
أصول العلم
الديني
الشرعي وأصول العلم
الديني
الطبيعي
ومساحات الإجتهاد
فيهما، وهي
قضية ظلت تطرح
في كتب الأصول
والفقه
والمقاصد من
قديم وحديث
(الرسالة
للشافعي، ورد
واصل بن عطاء المعتزلي حول
حجية المعقول
على المنقول،
وأبو عبيدة القاسم
بن سلام صاحب
كتاب الأموال
242هـ
،
وحجة الله
البالغة للكندهلوي).
وكذلك ما
يعرف بموضوع
(زواج المسلمة
من
الكتابي) جاء
في سياق رد
على سؤال
لمسلمة أميركية
حديثة عهد
بالإسلام،
أسلمت دون زوجها
وهي تطمح في
إسلامه،
وبينهما
الأولاد والأموال
والبيوت
والشركات،
وكان ذلك في محاضرة
في مؤتمر حول
الأسرة
بمدينة «لارسنغ»
بولاية «ميتشيغن»
العام 1980، ولم
يقطع الشيخ
فيها برأي
ولكنه قلـَّب
لها وجوه فقه
المسألة كما
يعرفها جيداً
ودعاها للتفكير
المستقل في
قضايا مجتمع
جديد يشبه مجتمع
الإسلام
الأول الذي
كان ينتقل نحو الإسلام
وليس مثل حاضر
مجتمعات
المسلمين المستقرة
في الإسلام
أباً عن جد. فالترابي لا
يحيط رأيه
بأية قداسة
ولا يسميه
فتوى، بل هو
يعتبر كل فتوى
إجتهاد
أو وجهة نظر، ورأيه
للمسلمة
الأميركية هو
نفس الإجتهاد
الذي أقره
المجلس
الإسلامي
الأوروبي في العام
2003م، وطلب
الشيخ يوسف القرضاوي
أن تذيل
الفتوى
بتقديره
الشخصي وشكره للدكتور
حسن الترابي،
الذي سمع منه
هذا الرأي قبل
عقدين وأنه عثر
عليه بعد ذلك
في
كتاب (إعلام
الموقعين لإبن
القيم).
أما القضية
التي يطلق
عليها (حد
الردة) فقد جاءت بعد
محاضرة
بجامعة
الخرطوم (حول
قضايا تطبيق
الشريعة) في
العام 1979،
تحديداً من
تلامذة الفكر
الجمهوري
الذين إستنكروا
إجتهاد
الشيخ
الترابي
(المرتد ردة
فكرية بحتة لا
يقتل)،
وأصدروا في
ذات ليلة
المحاضرة كتيباً
يحمل عنوان
(الترابي يخرج
على
الشريعة
باسم تحكيم
الشريعة) وهو
-على أية حال-
الرأي الذي
يتبناه غالب
رموز الفكر الإسلامي
المعاصر (من
المستشار
سالم البهنساوي
إلى راشد الغنوشي
مروراً
بالدكتور محمد
سليم العوا
والدكتور طه
جابر العلواني)
ويخالفون به
جمهور
الفقهاء القديم.
وكما اضطربت
بالجاهلين
والمرجفين الإجتهادات
التأصيلية
الفقهية
للشيخ الترابي،
إضطربوا
إزاء مصطلحه
الأصيل ولغته
الفذة
العميقة ولم
يقدروا سعيه
المجتهد في سبيل لغة
(فصيحة
جميلة)، أو
كما قال في
مقدمة كتابه المصطلحات
السياسية في الإسلام:
«أصاب
المسلمين
بؤسا في فقه
حياتهم السياسية
ومقاصدها
ووسائلها
ونظمها وعلاقاتها،
وأخذت بعض
الكلمات التي
تشير بأصولها
الصرفية إلى
توحيد ديني
عام لكل شعاب
الحياة، تطور
إلى دلالة
خصوص يحصر
عمومها إلى
محدود. فكلمة
(فقه) -مثلاً-
كان
معناها
الفهم العميق
لآيات الله في
كتاب التنزيل،
ثم على الفهم
الساذج في ذلك
لا
يبلغ حكمة
الله، ثم على
الحفظ بغير شئ من
الفهم».
ومن ذلك ما
توهمه البعض
أن
مصطلح
(التوالي)
الذي جانب به
الشيخ
الترابي
الظلال غير
التوحيدية
لكلمة
(التعددية)،
فظنوه
تحايلاً إبتدعه
لمنع الأحزاب
في دستور 1998،
وهو مصطلح
استعمله في كتاب
(الإيمان -
أثره في حياة
الإنسان،1973)
و(بحث الإسلام
والدولة
القطرية، 1983)،
وكتاب (الحركة
الإسلامية في
السودان،
التطور،
الكسب،
المنهج، 1989)،
وهو ذات الأصل الذي
استعمله
اللبنانيون
بغير كثير حرج
وهم يقسمون
ساحتهم
السياسية إلى موالاة
ومعارضة. كما
ظن آخرون أن
مصطلح (الإجماع
السكوتي)
الذي تداول
حوله فقهاء الأصول
منذ القرن
الثاني
الهجري من نحت
الدكتور
الترابي، وإن
كان هو من
بعثه واستعمله
في سياق
العملية الإنتخابية
المعاصرة
بعضاً من نهجه
في تأصيل
اللغة وبث الحياة
في مصطلحاته
الدقيقة
المهجورة.
إن تفاصيل
رؤية الشيخ
حسن الترابي
لجملة هذه
القضايا، مظانها
الحقة هي
أدبه المكتوب
وكتبه
المنشورة،
والتي يتعهدها
قليل من الباحثين
اليوم
بالدراسة
المعمقة
ويعكفون عليها
جماعات، كما كان
الحال في سالف
عهد
الحركة
الإسلامية
السودانية،
أو كما هو اليوم
في بعض مدن
أوروبا
(السياسة
والحكم 527 صفحة،
التفسير
التوحيدي
للقرآن
المجلد الأول
942 صفحة،
المصطلحات
السياسية في الإسلام
83 صفحة، أصول
فقه الأحكام
«تحت التحرير»،
الأعمال
السياسية
الكاملة «تحت الطبع»
500 صفحة وغيرها).
إن النظر
الموضوعي
يؤكد أن الشيخ
حسن الترابي
أقل
الناس حاجة
لأصوات
السمعة
والشهرة فقد
بلغ صيته
الآفاق وهو
اليوم مرجع
وقدوة، ورغم العمر
الممتد الذي
قضاه محاضراً
ومخاطباً وكاتباً،
فهو أقل
العلماء
المفكرين
ميلاً إلى
التفريع
وتكثيف الشواهد
أو إلتماس
الأسماء أو
نظم العنعنات،
سوى كثافة
ظاهرة غالبة
لآيّ القرآن
في أدبه
المكتوب، وأن
تناول إجتهاده
والتفاعل معه
يقتضيان مسئولية
أكبر لا تجدي
معها الأخبار
الصحفية التي
تلتمس
الإثارة،
فالترابي
المفكر العظيم
لا يبسط الريب
والشكوك
وإنما يقدم عصارة
علم كبير
وإطلاع مثابر مصابر
ودراسة مجتهدة...
لو أنهم
يعلمون، لو
أنهم يقرأون.
الصحافة
8/1/2006