الأسرة التونسية الحديثة بعد نصف قرن من الاستقلال
أيّة علاقة للتشريع بالواقع؟

د. الحبيب الدرويش
أستاذ علم الاجتماع بجامعة صفاقس
نائب رئيس الجمعية التونسية لعلم الاجتماع

تمهيد:

تجمع جلّ الدّراسات والأدبيات المتعلقة بالأسرة على اعتبارها الشكل الأساسي والأبرز من ضمن أشكال التنظيم الاجتماعي فهي خلية إنسال وإنتاج وإعادة إنتاج une cellule de procréation de production et de reproduction ولعلّ هذا ما عناه عالم القانون والإجتماع الفرنسي Paul Bureau (1866-1923 ) عندما اعتبر الأسرة الخليّة الأساسية التي تشكّل الإنسان في كليته قبل خروجه للمجتمع.

من هنا تتأتى أهمية دراسة العائلة التي تمثّل وعاء لرصد السلوكات والتمثّلات الاجتماعية وفهم طبيعة العلاقات بين الأفراد من الجنسين، فهي بهذا المعنى مفتاح فعلي لولوج المجتمع.

إنّ البحث في مسار إعادة توزيع الأدوار داخل الأسرة التونسية الحديثة يندرج ضمن مباحث سوسيولوجيا التحوّلات Sociologie des mutations التي تبحث في مسائل التغيّر والحراك ومسارات التحديث ... . ويمكن القول إن الإهتمام بالأسرة كموضوع بحث سوسيولوجي لم يبرز في تونس إلاّ انطلاقا من الثمانينات من القرن العشرين، أمّا قبل هذه الفترة (وإذا استثنينا كتاب الطاهر الحدّاد " امرأتنا في الشريعة والمجتمع سنة 1930) فقد كان الاهتمام منصبّا حول قضايا التنمية والمؤسّسة والتعاونيات الفلاحيّة والطبقات الاجتماعية 1.

ويعتبر هذا الاهتمام المتأخّر بالأسرة وليد التحوّلات اللاّفتة التي مست مختلف أبعادها وجعلت منها موضوعا سوسيولوجيّا مثيرا من مثل التغيّر الذي لحق حجمها وشكلها وبنية العلاقات داخلها.

وفي هذه الورقة محاولة للبحث فيما ترتّب عن هذه التحوّلات من حركة متنامية داخل الأسرة التونسية الحضريّة منها والريفية تنحو إلى إعادة توزيع الأدوار بين أفرادها أزواجا كانوا أم أبناء، تقنيتنا في ذلك الملاحظة المباشرة وبعض المقابلات التي أجريناها مع أفراد من الجنسين حاولنا من خلالها تحسّس تمثّلاتهم للأدوار والمكانات والعلاقات داخل أسرهم، هذا إلى جانب اعتمادنا على معطيات إحصائية وفرتها الجهات الرسميّة المتخصّصة.

I - الأسرة التونسية في تجارب البناء الوطني:

عملت الدّولة التونسية فجر الاستقلال على سنّ قوانين وتشريعات تهدف إلى تغيير وضع المرأة وصورة الأسرة في المجتمع التونسي، واتّخذ الخطاب السياسي منحًى إصلاحيّا تحديثيّا يقوم على إيديولوجية تحييد الأطر التقليديّة وتقليص نفوذها لصالح الكيان الصاعد ونعني به الدّولة، وتبعا لذلك تراجعت تلك الكيانات الاجتماعية التقليدية ممثّلة في العروش والعائلات الممتدّة لتصبح الدّولة الفاعل الرئيس في مسرح الحياة الاجتماعية والمعيل الأساسي للشرائح الاجتماعية الواسعة وهو ما أفضى بدوره إلى فقدان العائلة الكبيرة لوظائفها التي كانت تتولاّها سابقا والمتّسمة باندماج كل أفرادها فيما يعرف بالاقتصاد المنزلي وتتحوّل بالتالي إلى وحدة أصغر تتّكل على الدولة في جلّ احتياجاتها وتتميّز بطابعها الاستهلاكي معتمدة أكثر فأكثر على ما ينتجه القطاع الصناعي من "معلّب" وجاهز 2.

والمفارقة أنّ خيار مركزيّة فعل الدولة في المجتمع وما ترتّب عنه من التزام بتحمّل أعباء مختلف الفئات الاجتماعية رافقه خيار ثانٍ تجلّى منذ بداية السبعينات من القرن الماضي يتمثل في نهج الاقتصاد الحرّ الذي يقوم على مبدإ تملصّ الدّولة من الأعباء الاجتماعية في مجالات العائلة وغيرها ما أدّى إلى ارتباك وضعيّة العائلة في المدينة والريف خاصّة أمام نفور الشباب من الفلاحة وإقبالهم على الهجرة والنزوح إلى المدن ( في سنة 1956 كانت الفلاحة في تونس تشغل 72 % من اليد العاملة النشيطة في حين لا تشغل حاليّا إلا أقلّ من 25 % ) وبذلك أخذت بنية العائلة تتبدّل من الاتّساع والتّعاون إلى الاستقلال و التذرّر الأمر الذي أثّر في قدرتها الإنتاجية وزاد من تبعيّتها للدّولة.

و منذ الثمانينات من القرن العشرين بدا خطاب الدّولة التونسية ينحو إلى تحميل المسؤوليّة لمختلف شرائح المجتمع والعائلة خصوصا من خلال دعوتها إلى معاضدة دور الدّولة والتخلّي عن سلوك الاتّكالية مشجّعة على الانخراط في مشاريع عائلية صغرى. تعيد إلى الأذهان سمات العائلة الممتدّة، من هذه المشاريع نذكر مشروعي " العائلة المنتجة" و"الحديقة العائلية" وغيرهما من المشاريع المحكومة بمنطق عائلي والمتاحة لكلا الجنسين.

نحن إذن أمام اهتمام رسمي بالدّور الاقتصادي للأسرة التونسية الحديثة، لكنّ هذا التوجّه لا يفسّر لوحدة مسار التحوّلات وإعادة ترتيب الأدوار وتوزيعها في الفضاءيْن الاجتماعي والأسري، ذلك أنّه توجد عوامل أخرى أفضت إلى بروز المرأة في وضع تبدو فيه أقلّ تبعية للرّجل حتّى وإن لم يرتق هذا الوضع إلى مرتبة الشراكة التّامّة.

لقد انطلقت محاولات النهوض بأوضاع المرأة والأسرة بتونس منذ صدور كتاب الطّاهر الحدّاد في الثلاثينات من القرن الماضي مرورا بمجلة الأحوال الشخصية (1956) وصولا إلى الإجراءات والتشريعات التي تتالت بعد الاستقلال وهي تصبّ في اتّجاه السعي إلى تخفيف الأعباء الأسرية عن المرأة وتعزيز حضورها في دائرة الفعل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي ، و في الجدول اللاّحق جردٌ لأبرز هذه المحطّات التشريعية والمؤسّساتية:

التشريع / المؤسّسة

التاريخ

التشريع / المؤسّسة

التاريخ

- تأسيس جمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية.

1989

- صدور كتاب الطاهر الحداد " امرأتنا في الشريعة والمجتمع".

1930

- إحداث مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة

1990

صدور مجلّة الأحوال الشخصية و تأسيس الإتحاد القومي النسائي التونسي (الاتحاد الوطني للمرأة التونسية حاليا)

1956

- تأسيس الجامعة الوطنية للنساء الفلاحات.

- تأسيس الغرفة الوطنية لصاحبات المؤسّسات

1990

- رفع السنّ الأدنى للزّواج من 15 سنة إلى 17 سنة.

1964

- إقرار إجبارية التعليم للجنسين من السنّ السادسة إلى سنّ 16 سنة.

1991

- ترخيص الإجهاض بداية من الطفل الخامس.

1965

- تأسيس الجمعية التونسية للأمهات.

1992

- إحداث البرنامج الوطني للتنظيم العائلي.

1966

- إحداث وزارة شؤون المرأة والأسرة.

1993

- ترخيص الإجهاض دون تحديد لعدد الأطفال.

1973

- إحداث لجنة وطنية للنهوض بالمرأة الريفية.

2001

- تأسيس الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات.

- تأسيس جمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية

1989

إنّ قراءة في هذه المحطات التشريعية والمؤسّساتية وغيرها من الإجراءات المتّصلة بأوضاع المرأة و الأسرة في تونس تمكّن من استخلاص مؤشّرات ثلاثة ستلعب دورا في تغيير صورة الأسرة في المجتمع التونسي الحديث.

-1 - السلوك الإنجابي :

مع اتّباع سياسة تحديد النّسل منذ أواسط الستينات وإعطاء المرأة حقّ الإجهاض تغيّرت تدريجيّا القيم الخاصّة بالإنجاب وهو ما أثّر في حجم الأسرة وأدّى إلى تخفيف الأعباء عن المرأة فإذا كان مؤشّر الخصوبة (عدد الأطفال لكل امرأة) في حدود 7.15 سنة 1966 فقد انحدر شيئا فشيئا ليصل إلى حدود طفليْن لكل امرأة سنة 2002. *

كذلك أفضت التطورات في مجال النهوض بالمرأة وفي المجال الصحّي إلى إجتثاث فكرة "القدرالييولوجي" للنساء Le destin biologique des femmes كمصادر للإنسال des sources de procréation وصارت المرأة تبعا لذلك قادرة على التخطيط لحياتها الأسرية ومتحكّمة في عدد الأبناء الذين تريد إنجابهم وتعزّزت بذلك عملية التواصل والتشاور بينها وبين زوجها.

2 - تعميم التعليم وإجباريّته للجنسين :

مكّن هذا التوجّه المرأة من الدخول تدريجيا في مسار حراك اجتماعي صاعد، فنسبت الأمية انخفضت في صفوف النساء الإناث البالغات 10 سنوات فما فوق - حسب بيانات المعهد الوطني للإحصاء- من 96 % سنة 1956 إلى 32.5 % سنة 2002، أمّا عن توزيع الطلبة حسب الجنس فقد كانت نسبة الطلبة الإناث من مجموع الطلبة سنة 1990 في حدود 38.3 % لتصل سنة 2003 إلى 55.1 %**

. و يمكن القول إنّ هذه الأرقام تنبئ عن أدوار جديدة ومكانات ستكتسحها المرأة في المجاليْن الأسري والاجتماعي.

- 3- خروج المرأة للعمل و المشاركة في الفعل :

لقد مكّن ولوج المرأة سوق الشغل ودخولها في مؤسسات المجتمع والدّولة (العمل الجمعياتي- تحمل المسؤوليات الإدارية والسياسية) من تغيير المشهد التقليدي الذي كان يقوم على مبدإ تقسيم جنسي للوظائف والأدوار. كما حدثت تحوّلات في علاقات الهيمنة التي كانت مرتبطة بالجنس والسنّ (هيمنة الذكر على الأنثى والكبير على من هو أصغر منه)، ولم يعد الزّوج / الأب هو المسؤول الوحيد عن تسيير المؤسّسة العائلية والمتصرّف الوحيد في مواردها الاقتصادية، إذ استبدلت سلطته باتجاه تقاسم المسؤوليات والقرارات العائليّة.

ويمكن القول إنّ عمل المرأة قد مثّل متغيّرا مؤثرا في قلب علاقات السلطة بين الزوجين خاصّة في الأسر الفقيرة حيث يمثّل دخْل المرأة من عملها مصدرا أساسيّا لكسب قوت الأسرة وبالتالي مصدرا لسلطتها وتعزيزا لفعلها وحضورها في اتخاذ القرارات.

نفهم إذن من خلال ما تقدّم أنّه ثمّة جملة من العوامل الموضوعية التي أفضت إلى حدوث تحوّلات في بنية الأدوار داخل الأسرة:

- منها ما هو تشريعي حيث تدخّلت مجلة الأحوال الشخصية لتغيير صورة العائلة التونسية التي كانت مندرجة ضمن الأطر التقليدية، من خلال تركيزها على حقوق المرأة الماديّة والمعنوية ( منع تعدد الزوجات، منع الطلاق التعسّفي والزّواج المبكّر، الحدّ من مركزيّة سلطة الزّوج، الحدّ من تبعيّة المرأة لزوجها ...)، هذا التشريع المدعوم من قِبل خطابٍ سياسي مثّل مبدأ النهوض بالأسرة و تحقيق تكافؤ الفرص بين الجنسين لديه خيارا مجتمعيّا ثابتا.

- منها ما يتعلّق بارتفاع نسب التمدرس وخروج المرأة للعمل.

هذه العوامل أفضت بدورها إلى بروز ظواهر أخرى دالّة من مثل تضاؤل الفارق العمري بين الزوجين والتقارب الثقافي والمعرفي مع ما يعنيه ذلك من تنوعٍ في الشخصيّات والرؤى يساعد على الإفلات من نماذج الثقافة التقليدية الناهضة على التماثل، فتراشح الآراء والأفكار بين الزوجين يعطي إمكانات أرحب للأسرة الحديثة كي تشتغل وفق ما تقتضيه متغيّرات المحيط سواء فيها يتّصل بتنشئة الأطفال أو التعامل مع بقية الظروف المتجدّدة.

لكنّ الأسئلة المطروحة في هذه الورقة، هل التشريعات والأرقام المقدّمة آنفا كافية لوحدها لإعطاء صورة عن واقع الأسرة التونسية الحديثة؟ أم أنّ المسألة مرتبطة أيضا بالثقافة المجتمعية و بتمثّلات الأفراد من كلا الجنسين للأدوار والمكانات داخل المجتمع؟ بمعنى آخر، كيف يبدو توزّع الأدوار داخل الأسرة التونسية في مستوى الممارسة والمعيش اليومي؟

II ترتيب الأدوار داخل الأسرة التونسية الحالية

إذا سلمنا بوجود مساحات مشتركة في الأدوار بين الزوجين في الأسرة التونسية الحديثة بفعل التحوّلات المشار إليها من مثل رعاية الأبناء، القيام بالأعمال المنزلية و برمجة أوقات الترفيه فإنّه يمكن القول إن مجالات تدخّل المرأة في شؤون المنزل مازالت أوسع من مجالات تدخل الرّجل. فالبيئة الاجتماعية لم تتخلّ بعد عن ذلك التنميط التقليدي لحقل الحياة المنزلية والعلاقات بين الجنسين. مع ما يعنيه ذلك من ترسّخ ثقافة تبخس من كفاءة المرأة وتمنعها من إثبات ذاتها فعليّا، ولعلّ هذا ما عنته الباحثة المغربية "فاطمة المرنيسي" يقولها "إن الحديث عن العائلة والحياة الجنسية والحب هو كلام عن الثقافة، وليست المرأة إلا رمزا من رموزها" 3.

وبالإمكان ونحن نتناول مسألة ممارسة الأدوار في المعيش اليومي للأسرة التونسية اعتماد السجلاّت الآتية:

•  توزّع الأدوار بين الزوجين

•  اتخاذ القرارات داخل الأسرة

•  مناخ العلاقات بين الآباء والبنين

-1 - توزّع الأدوار بين الزوجين:

تفيد الملاحظات المباشرة للمعيش الاجتماعي لبعض الأسر التونسية والمقابلات التي أجريناها مع بعض الأزواج والزوجات إلى أنّ توزيع الأدوار مازال يقوم إلى حد كبير على ثنائية الداخل والخارج، فالأنشطة والأعمال مقسّمة على أساس جنسيّ، والمرأة مازالت تتحمّل لوحدها الشأن الدّاخلي في البيت حتى وإن كانت تعمل وتساهم في الدّخل الاقتصادي للأسرة.

بمعنى آخر، إنّ مشاركة المرأة للرّجل في العمل خارج المنزل لم يرافقه اتجاه الرّجل نحو مساعدة المرأة في الداخل وهذا يعود إلى طبيعة الثقافة الاجتماعية السائدة التي لم تترسّخ فيها بعد ظاهرة قيام الرّجال ببعض الأعمال المنزلية.

بالتعبير السوسيولوجي الحديث، يمكن القول إنّ الموروث الثقافي الاجتماعي بخصوص مسألة العلاقة بين المرأة والرّجل مازال موروثا محكوما بمنطق المجتمع الذكوري وبتعبير عالم الاجتماع الفرنسي "دوركايم" مازال هذا الموروث يمثّل واقعا اجتماعيا قاهرا un fait social contraignant للمشرّع والجماعات والأفراد الذين يرغبون في إحداث تغييرات في هذا المجال، فالحتمية الاجتماعية حتمية متعنّتة، تقف أمام التغيير 4.

لكن تجدر الإشارة إلى أنّ الدراسة الميدانية كشفت وجود تفاوت في مواقف الرجال من مسألة مساعدة زوجاتهم، وهذا التفاوت يبدو فيه متغير التّعليم مؤثرا، إذ نجد لدى الأزواج المتعلّمين قناعة بضرورة مساعدة زوجاتهم خاصة إذا كنّ من العاملات.

ويمكن القول إن المساهمة المرتفعة التي تبذلها المرأة في الشؤون المنزلية قد أثرت في مستوى مساهمتها في المجال الاجتماعي وحتّى في مستوى أدائها المهني بالنسبة إلى المرأة العاملة، وتوجد من بين النساء من اضطررن إلى الانقطاع عن العمل أو الدراسة بفعل الأعباء العائلية وضغوط الزوج.

2- اتّخاذ القرارات:

يمكن للباحث أن يرصد فرقا بين التشارك في اتّخاذ القرارات بما هو فكرة وقناعة وبين هذه العمليّة بما هي سلوك معيش مجسّد في الحياة العائلية 5 ويجوز القول إنّ مسألة اتّخاذ القرار داخل الأسرة تختلف عن وضعية تقسيم الأدوار المشار إليها آنفا، هذا الاختلاف يمكن إرجاعه إلى متغيّر مؤثر وهو عمل الزوجة إذ يتّسع التفاوت في حجم المشاركة في اتخاذ القرارات بين المرأة العاملة و المرأة التي تكتفي بشؤون المنزل، فالزوجة العاملة التي تنفق جانبا كبيرا من مرتّبها في نفقات المنزل تتوفّر على سلطة أكبر تمكّنها من مشاركة الرجل في اتخاذ القرار وحتى المبادرة به، في حين تكتفي المرأة غير العاملة بهامش من التصرّف لايتعدّى الإنفاقات اليومية.

ولكن لا يجب المغالاة في الحديث عن هامش السلطة الذي تتمتّع به المرأة العاملة داخل أسرتها ذلك أنّ بعض القرارات المصيريّة ( مثل شراء مسكن أو اختيار مقرّ الإقامة أو تزويج إحدى البنات) تبقى بأيدي الرجال وتتجاوز الزوجات ، ههنا نعود إلى تأثير الثقافة والبيئة الاجتماعية، فسلوك الزوج في الأسرة التونسية مازال ينحو إلى الإبقاء على علاقات التفوّق بينه وبين قرينته des rapports de supériorité .

إنّ تناول مسألة الأدوار والمكانات والوظائف داخل الأسرة لا يجب أن يقتصر على النظر في وضعية المرأة وشكل العلاقات التي تربطها بزوجها ذلك أن هناك طرفا ثالثا يكون في الغالب مؤثّرا وهو طرف الأبناء فماذا عن مناخ العلاقات بين الآباء والبنين داخل الأسرة التونسية الحديثة؟

- 3- مناخ العلاقات بين الآباء والبنين:

إذا كانت الأسرة تُعدُّ بمثابة الحوض الوجداني الذي تتشكّل فيه شخصية الطفل الناشئ من خلال التفاعلات التي تتمّ فيها، فإنّ التنشئة تتأثّر بمناخ العلاقات القائمة بين أفراد العائلة التي ينتمي إليها.

و اعتبارا إلى أهمية الأسرة في بناء المجتمع المتوازن و المتماسك، فقد عمِل التشريع التونسي على تنظيمها بما يوفّر لها أسباب الاستقرار و النماء آخذا في الاعتبار التحوّلات العالمية في مجالات الأسرة و الطفل و حقوق الإنسان عموما.

ويمكن القول إنّ أوائل التسعينات من القرن الماضي قد شهدت تحوّلا منهجيّا في معالجة القضايا المتّصلة بالأسرة من خلال انخراط تونس في اتّفاقية حقوق الطفل سنة 1991 أو تنقيح بعض فصول مجلّة الأحوال الشخصية بمقتضى القانون عدد 74 لسنة 1993 بهدف تعزيز مكانة المرأة و تحقيق مزيد من المساواة بين الزوجين في تسيير شؤون الأسرة و رعاية الأبناء أو كذلك إصدار مجلّة حماية الطفل سنة 1995 الهادفة إلى وضع منظومة متكاملة من التشريعات و الآليات لدعم حقوق المرأة و الطفل داخل الأسرة و المجتمع. و تمكن عمليّةُ رصدٍ لشكل العلاقات السائدة بين الأبناء من الجنسين وآبائهم وأمّهاتهم من الوقوف عند تطوّر إيجابيّ نسبيّ من خلال الاتّجاه نحو تكريس ثقافة الحوار والتعاون وهو ما يعني تراجع بنية السلطة التقليدية الأبوية الموروثة التي كان ينحصر دور الأبناء فيها في تلقّي ما يُلقَى عليهم من أوامر ونواهيَ.

ولعلّ الليونة التي يبديها الآباء تجاه أبنائهم من الجنسين تفسّر حدوث حالات من الاستبدال الاجتماعي conversion sociale حيث يتحوّل الابن إلى موقع المسؤول عن اقتصاد الأسرة خاصّة إذا تعلق الأمر بمؤسسة عائليّة صار الابن يتحمّل فيها المسؤولية الأولى التي تخلّى عليها أبوه لفائدته. كذلك يتحوّل الابن أحيانا إلى موقع المسؤول عن تنشئة والديْه وتعليمهم مقتضيات السلوك العصري، يحدث هذا خاصة في الوسط الريفي و داخل بعض الفئات الشعبية حيث يميل الأبناء الذين تعلّموا في المدن واشتغلوا بها وانفتحوا على ثقافة معيشية أخرى إلى غرس مثل هذه الثقافة في سلوك آبائهم وأمهاتهم ( فرض أنماط من اللباس وأساليب من الكلام خاصّة إذا انخرط الابن في علاقة صداقة أو مصاهرة مع إحدى العائلات الحضريّة أو الميسورة...)

إجمالا يمكن القول إن محاولة ترصّد مناخ العلاقات المنعقدة بين أفراد العائلة التونسية الحديثة وأساسا بين الزوجين وبين الآباء والبنين تسمح بتبيّن مجالات التلاقي بين القديم والحديث، و تكشف مؤثّرات التحديث الاجتماعي على وضع المرأة و شكل العلاقات الأسرية و عمليّة التنشئة.

إنّ التلاقي بين القديم و الحديث في وضع الأسرة التونسية الحاليّة يؤشّر عن إمكانية وجود تواصل بين الأزواج كما بين الأجيال متأسّس على ثقافة الحوار و تبادل القيم و الأفكار و الرؤى من أجل خلق توازن داخل نسقٍ عائليٍّ ناهضٍ على علاقات تكامليّة قائمة على مبدإ التوزيع العادل للأدوار و مشاركة الزوجين في أخذ القرارات و تصريف شؤون الأسرة، هذه المشاركة التي لا يمكن فرضها على المجتمع لأنّها دُربة معيشيّة و مسار من التكيّف الثقافي الذي تؤطّره التشريعات و تعاضده المؤسّسات الرسمية.

**************************

1Voir : Ben Salem (lilia) : La famille en Tunisie Questions et hypothèses, in, structures familiales et rôles sociaux (collectif), CERES éditions, Tunis, 1994, p 14.

2صلاح الدّين بن فرج: السياسة العائلية بتونس: حدود التكامل بين التشريع والممارسة، مقال منشور ضمن: الهياكل العائلية والأدوار الاجتماعية ( جماعي) سراس للنشر، تونس 1994، ص 19.

المصدر: المعد الوطني للإحصاء *

** المصدر: وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والتكنولوجيا.

3Fatima MERNISSI : Lamalif n°106 ; Juin

4محمود الذوادي: قراءة سوسيولوجية لقضايا النشوز والشاق والطلاق بين الزوجين في القرآن ضمن: الهياكل العائلية والأدوار الاجتماعية مرجع مذكور ص 67

5المنصف المحواشي: العائلة والفرد وممارسة المقدّس من خلال حركة التحديث الاجتماعي في تونس، حالة مدينة المكنين، مقاربة سوسيو- أنتروبولوجية، أطروحة دكتوراه في علم الاجتماع، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس، 2000- ص 466.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org