http://www.rezgar.com/ - الحوار المتمدن


الشعر العراقي الحديث : قراءة اجتماعية

جمال علي الحلاق

2006 / 5 / 31

النص العربي للكلمة التي القيت في مهرجان سدني للكتاب في استراليا يوم الأحد 28 / 5 / 2006 ، وقد ترجمها الى الانجليزية والقاها نيابة عني الجميل محسن بني سعيد

لمحة تأريخية سريعة

تتّخذ هذه الدراسة تأسيس دولة العراق عام 1921 بداية لها ، ففيه استعاد كيانه بعد احتلال دام قرابة ( 25 ) قرنا ، إبتدأ مع سقوط بابل على يد كورش عام 539 ق.م ، ثم تواصل من قبل اليونانيين ، فالفرس ، فالعرب ، إنتهاء بالعثمانيين ، لم يكن التحرر كاملا فقد جاء تحت غطاء إنجليزي ، وبملك ليس عراقيا . إستمر الى عام 1958 وعلى أثر انقلاب عسكري إبتدأ ما يسمّى الآن جمهورية العراق .

الاحتلال الطويل جعل التراث العراقي متماهيا مع الآخر المحتل ، فمرّة كان تراثا فارسيا ، ومرّة عربيا ، أو تركيا ، أو إنجليزيا ، فليس غريبا أن يكون هناك صراع بين هذه التكوينات بعد الانعتاق ، خصوصا وأنه تمّ عسكريا ، وما يجري في العراق منذ عام 2003 ليس إلا تكريسا لهذه الثقافات عبر احتلال أمريكي غير متحضّر .

لأن اليقين لا يؤسس مجتمعا مدنيّا ، كان التأسيس تنظيما للعلاقة مع الآخر / الغرب ، وبداية للخروج الى الاحتمال ، لذا كان لحظة تأريخية لفتح نافذة الحوار ، إلا أن دخول اليقين الشيوعي عام 1934 عرقل حركة تغيير الذهنية .

فقد اليقين الديني قدرته على أن يكون حلا إجتماعيا في مناطق الجنوب حيث طغيان الاقطاع ، وازدياد نسبة الفقراء ، فلما ظهر اليقين الشيوعي وكان نافذة لحلول إجتماعية ممكنة هرول الجنوب إليه ، مما شكّل تهديدا للمؤسسة الحاكمة يومها ، لأنها كانت مفصل إرتباط بين الاقطاع والرأسمال ، لذا سارعت الى تأثيث الشارع بتيّار علماني ، محاولة منها في ضرب اليقينين الديني والشيوعي معا ، تجلّى ذلك عبر ظاهرة إستقطاب العقل العراقي الى المركز ، وتفعيله ، فظهر ( تأريخ الإلوهية ) لمصطفى الدملوجي ، ( مهزلة العقل البشري ) لعلي الوردي ، ( مقدمة في تأريخ الحضارات القديمة ) لطه باقر ، و( فلسفة التأريخ ) لنوري جعفر . إلا أن قيام الجمهورية بانقلاب عسكري ، والقضاء على التيّار العلماني بتبنّي اليقين الديني مرّة ، أو الشيوعي مرّة ، ثم ركوبها اليقين القومي ، سرعان ما دفع الدولة بعيدا عن المدنية ، وهكذا قضت الجمهورية على المجتمع المدني في العراق .

لم يكن مفهوم الشعب قد تبلوّر في أذهان الناس ، كانت هناك ديانات وطوائف وقوميات ، وقد إنتبه الملك فيصل الاول بعد (12) عاما من تأسيس الدولة لهذه المشكلة ، إلا أن تراكم الحروب الاقليمية ، وهيمنة الدكتاتورية فيما بعد كرّست مفهوم ( الشعب ) ، وما يحدث الآن في العراق هو إعادة تكريس مفهوم ( الاديان ، الطوائف ، والقوميات ) .

اللحظات الاجتماعية للشعر العراقي الحديث

1- لحظة تأسيس الدولة العراقية


في بداية القرن الماضي خرج الشاعر العراقي من شرنقة المكان ، واكب اللحظة التي هو فيها ، وأعلن وقوفه بعيدا عن السقف الديني والقومي الى جانب الانسان ، يمكن تلمس ذلك عبر نص كتبه محمد رضا الشبيبي رثاء لغرقى التايتنك عام 1912 .

كل شيء يحدث ببطء ، يستغرق وصول رسالة من بغداد الى لندن ( 37 ) يوما ، كان ذلك صبيحة دخول الانجليز عام 1917 ، كان الشعر يقود الشارع ، وبإمكان قصيدة ان تخلق صخبا هائلا ، لم يكن المجتمع قد خرج بعد من ذهنية اليقين الديني ، ومع هذا فإن الشبيبة واكثرهم ممن تخرّج من كلية الحقوق في استانبول ايام الدولة العثمانية دفعوا بدفة الحياة سريعا تجاه المدنية .

زامن التأسيس انتشار مفهوم " الادب العصري " ، وكان اتجاها يدعو الى تبنّي آليات الحضارة الجديدة بشكل كتابي جديد ، وقد جعله ( رفائيل بطي ) عنوانا لأشهر كتبه عام 1922 .

كان جميل صدقي الزهاوي ، وهو اهم اقطاب لحظة تأسيس دولة العراق يسانده معروف الرصافي يرفعان شعار حرية المرأة ، كان الأول يطالبها بخلع الحجاب ، وكانت اخته ( اسماء ) أول سافرة في بغداد .

لم يقف هذان الشاعران عند حرية المرأة ، بل شنّا حربا على الكثير من المفاهيم الاجتماعية المنغلقة ، كتب الزهاوي ( ثورة في الجحيم ) وهو نص طويل تهكم فيه على العقل الديني الخرافي ، الأمر الذي جعل أئمة المساجد يطالبون بقتله باعتباره كافرا ، فلما استدعاه ملك العراق ليستكشف حقيقة الأمر ، قال الزهاوي : أردت أن أقيم ثورة على الارض فعجزت فأقمتها في السماء .

كانا معلمين ، وقد مارسا معا دورهما كمعلمين في الكتابة الشعرية - سمّي أغلب شعر الزهاوي ب ( الشعر التعليمي ) - فتحا مضامين جديدة لحظتها ، كان المغزى منها الانفتاح على ثقافة الآخر ، محاولة في إعادة ترميم الحياة الإجتماعية ، تحدّثا عن وسائل النقل والاتصال في الغرب ، أفرد الرصافي قصيدة ليصف رحلة في قطار ، ولم يكن القطار جزءا من الثقافة العراقية يومها ، بينما كتب الزهاوي قصائد عديدة يبدي فيها دهشته أمام الكهرباء ، حتى انه رثى أديسون عام 1931 وتساءل كيف يعقل أن يدخل الله رجلا - أطفأ ليل العالم - الى النار لمجرد انه يختلف معنا في الرأي أو في الدين ؟

كتبا الشعر باشكال متعددة ، كالشعر المنثور أسوة بأمين الريحاني ، لكنه لم يشكّل ذائقة لكليهما ، وكتب الزهاوي قصائد من الشعر المرسل ، تكون القصيدة على بحر واحد بقوافي مختلفة ، كان ينظر الى القافية باعتبارها الذنب الذي ينبغي تجاوزه وفقا لمنظور النشوء والارتقاء . ومع هذا فقد كان أغلب شعره على الشكل التقليدي ، بمضامين اجتماعية جديدة .

مات الزهاوي عام 1936 ، والرصافي عام 1948 . وكان الجواهري امتدادا لهما في شكل الكتابة ، لكنه كان أكثر شاعرية منهما ، وأقلّ ثوريّة .

2- لحظة استقطاب العقل العراقي


مع انتهاء الحرب العالمية الثانية بدأت هجرة جنوب العراق الريفي ، وغربه البدوي الى المركز / بغداد ، صاحبها تهجير اليهود منها ، وكانوا يشكّلون سدس أهلها عام 1948 .

كانت هجرة الجنوب هربا من بطش الشيوخ بعد أن تتابعت سنوات القحط . كانوا يزرعون الشلب ، إلا أن غيوم الجراد أكلت مواسم عديدة ، فتراكمت الديون ، وتعالى طغيان الشيوخ بأخذ النساء رهائن ، بل أن أحدهم دقّ وتدا في دبر فلاح .

أمّيين ، دفعهم الخوف الى بغداد طمعا في العمل والنجاة . كثافة الاعداد النازحة وتهجير اليهود - الذين كان لهم الثقل الأكبر في الهوية المدنية - خلخل توازن القوى الاجتماعية ، وسرعان ما انحرف الميزان الى كفة الجنوب الريفي والغرب البدوي ، لذا سارع المثقف المدني في بغداد الى استقطاب العقول العراقية الفاعلة كردة فعل ليس إلا .

في هذه اللحظة تحديدا ظهر ( بدر شاكر السيّاب ) رائد قصيدة التفعيلة القادم من البصرة ، وجاء ( حسين مردان ) رائد قصيدة النثر المركّز مشيا الى بغداد ، بعد أن ذهب لاستقطابه اليها جماعة من شبابها الثوري كان من بينهم جواد سليم رائد فن النحت في العراق .

خضع ( مردان ) لمحاكمة على أثر طبع ديوانه الأول ( قصائد عارية - 1949 ) ، وكان قد استخدم فيه النمط التقليدي في الشكل ، إلا أن المضامين كانت كسرا للأخلاق الجينية ( الموروثة ).

هدم السيّاب قداسة الشكل في القصيدة التقليدية ، وتجلّى ذلك في ديوانه ( انشودة المطر – 1955 ) ، بينما أحدث ( مردان ) خلخلة في ذائقة الأذن التقليدية حين نسف الموسيقى واتجه الى الشعر فقط ، تجلّى ذلك في ديوانه ( العالم تنّور – منتصف الستينات ) .

كان ( مردان ) أكثر جذرية في التغيير من كل مجايليه من الشعراء ، إلا أن المجتمع العراقي كان مغلّفا بأخلاقيات صدئة ، فانحسر تأثير نصوصه على النخب المثقفة جدا ، ورسخ في الذاكرة الثقافية العامة كسلوك مغاير ، كان وجوديا صرفا في مجتمع لا يؤمن بالذات الفردية ويحتاج دائما الى أبطال يتطابقون معه ، " لا يتحدث عن الشعر إلا الآلهة ، بودلير وأنا " هكذا صرخ مرّة في جلسة نقدية رافضا كل ما قيل فيها . ذاتيته المطلقة جعلت الأحزاب تبتعد عنه ، الأمر الذي جعل من ثورته مشروعا مؤجلا ، بينما الميول الإجتماعية لدى السيّاب جعلت الشيوعيين يرفعونه كلافتة ، لكنه سرعان ما خلع يقينهم مرتديا اليقين القومي ، كان لهذه الانتماءات التأثير السريع في انتشار نصه ، وتبنّيه كذائقة جديدة تواكب التغييرات الاجتماعية ، وكان الى جواره من مجايليه نازك الملائكة ، عبد الوهاب البياتي ، بلند الحيدري ، ثم تناسل النص .

لقد كرّست الأحزاب اليسارية ( نص التفعيلة ) ، وكان خمول بعضها في العراق سببا في خمول ذكر شعرائها .


بينما اللاحزبية هي التي كرّست ( قصيدة النثر ) في ثمانينيات القرن الماضي ، إلا أنّ الثمانينيين كتبوا نصا نثريا مستوردا ، ولم يلتفتوا الى تجربة حسين مردان . أستطيع القول أن ( جان دمو ) القادم الى بغداد من كركوك في نهاية الستينات ، كان امتدادا مثاليا له في الكتابة والسلوك .

3 - لحظة تهجير العقل العراقي

بعد حرب دون معنى مع إيران دامت ثمان سنوات ، دخل الجيش العراقي بقرار دكتاتوري الى الكويت عام 1990 ، وبمحاولة انتحارية أيّد الشارع العراقي هذا الدخول ، كان الدخول يعني حربا أخرى مع ثلاث وثلاثين دولة بزعامة أمريكا ، كانت الحرب نافذة الشعب للخلاص من الدكتاتورية ، إلا أن ما حدث كان صدمة مرعبة للعراقيين ، لقد خذلهم العالم ، فبعد أن تمّ إنقاذ الدكتاتور في اللحظة الأخيرة بمعونة أمريكية ، أصدر مجلس الأمن الدولي قرارا لا أخلاقيا بمحاصرة شعب أعزل إلا من اليأس .

شعب في قفص ، تهطل عليه أمطار الخذلان من الجهات كلها ، فتنمو عالية أشجار اليأس ، واكب النمو انهيار اليقين الشيوعي فانهار دين نصف الناس ، هكذا فجأة ، العالم يقف على ساق واحدة ضدّنا .

تحوّلت الذائقة العراقية الى حزن ريفي بربابة بدوية ، هكذا فقدت بغداد هويتها الأولى ، وانهار المجتمع المدني تماما . من هنا بدأ تسرب العقل العراقي الى الخارج ، العقول الفاعلة تبحث عن خلاص لها بالهجرة ، وفي عشر سنوات كانت الحصيلة خمسة ملايين عراقي مهاجر .

الأميّة ، السرطان ، الكآبة تخيّم على سماء العراقيين في الداخل ، اصفرار وجوه الناس ينمو على الجدران أيضا ، كان الموت أكثر مشهد يتكرّر في الحياة اليومية ، كنا " رئة تسعل بوجه تابوت " كما تقول الشاعرة كولالة نوري .

من هذا النضوب الحياتي ، انبثق الشعراء التسعينيون وكانوا في أغلب الأحيان باعة أرصفة ، رأوا في سنوات قليلة ما يمكن ان يحدث في قرون طويلة ، كما لو أن الواحد منهم عمّر مئات السنين ، وعليه أن يقول كل شيء في لحظة واحدة .

حين يجوع الإنسان يفقد حاسة السمع ، ثم تضمحل الحواس الأخرى ، كانت النصوص التسعينية تولد في مجتمع أصم ، وكان الشعراء بلا نافذة مؤسساتية أيضا ، قال أحدهم في حوار صحفي : " نحن جيل بلا قراء " ، وكردة فعل لكل أنواع التحجيم خلقوا كتاب الإستنساخ ، الذي سرعان ما تحوّل الى ظاهرة اجتماعية ، ففي أقل من خمس سنوات كان هناك ما يقارب المئة وخمسين كتابا مستنسخا بلا موافقة مؤسساتية في أسوء لحظة دكتاتورية . بعض هذه الكتب ( طبع بموافقة الشاعر / الإهداء : الى النعجة دولي : صعادات ) ، أو ( طبع بموافقة أمي : طز / طالب السوداني ) ، أو قد يضع الشاعر رقم موافقة وهمية على غلاف كتابه كما فعل الشاعر ( حسين علي يونس ) . وليس اعتباطا أن تأتي عنوانين المجاميع الشعرية عاكسة مفردات الحياة اليومية ( لصوص : فرج الحطاب ، أحزان وطنية : عبد الأمير جرص ، خيانات عريضة : سليمان جوني ، أخطاء : مهدي القريشي ، خطر : محمد الحمراني ، نفايات : حسين علي يونس ) .

في خضم اليأس الإجتماعي ظهر بيان ( الرؤيا الآن : فرج الحطاب – جمال الحلاق ، عام 1997 ) ، ليعلن خروجه على المؤسسة بدءا " إن ما يتقوقع من التجارب الشعرية ضمن إطار أيديولوجي يموت وينتهي بموت من هتفت له ، وتبقى التجارب الشاملة " ، وليعلن خروجه على أنماط الكتابة أيضا ، لذا اعتبرته المؤسسة يومها جرثومة على الثقافة العراقية ، لأنه اتكأ على حقيقة خراب الشارع العراقي ، وكان قريبا جدا من نبض الحياة اليومية " ها هي الذاكرة القديمة تتحطم ، وعلاقتنا العاطفية مع الأشياء تأخذ بعدا آخر ... الشوارع ، الجسور ، البنايات ، الأصدقاء ... ها هي ذكريات الأمس تفصلها عنا آلاف السنين الضوئية ، كل شيء يتحول الى لا شيء ... ولذا نحتاج الى بوصلة ومراع كي نفرش عليها ذهولنا " .

" لا سامع سواي " ، من هنا جاءت نصوصهم نثرية ، في غاية الاختزال والكثافة ، منفتحة على التأويل ، نصوص تقول الشعر فقط ، المعنى هو الموسيقى في النص ، وهو ما يراه القارىء ، إنها محاولة في النفاذ من براثن الاستبداد . لقد قال الشعراء حقيقة الخراب كلها عبر كلمات قليلة أشبه بما يكتب على شواهد القبور ، كانت التوابيت ملء البصر ، وكانوا يخرجون من بطون التوابيت على حد تعبير الشاعر فرج الحطاب .

كانت نصوصهم صرخات هائلة في وجه الوقت ، محاولة في تبرير وجودهم ،
" أخيرا إلتقط ذاته " أحمد سعداوي
" أنقذوا أسماكنا من الغرق " رعد زامل
" نحن الذين لا مدافن لنا ،
سنظل أحياء الى الأبد " سليمان جوني
" آثامي لها مرتكبون عدّة ،
لم أفلح أن أكون ،
واحدا منهم " عباس اليوسفي


http://www.rezgar.com/ - الحوار المتمدن