|
تطور حركة المرأة في
المجتمع الليبي بين التمكين
والتفعيل
دراسة
توثيقية
د. آمال سليمان محمود
العبيدي
قسم
العلوم السياسية- كلية الاقتصاد
جامعة
قاريونس
'
مقدمة:
بالرغم
من كثرة الدراسات التي تناولت دور المرأة في
المجتمع الليبي، خاصة تلك التي اهتمت بقضية عمل
المرأة ومساهمتها في سوق العمل، إضافة إلى
المشاركة السياسية لها، والمرأة المسلحة وكذلك
الدراسات التي اهتمت بقضايا التحديث والتنمية،
وتغير الاتجاهات نحو دور المرأة في المجتمع
الليبي. إلا أن دراسة موضوع حركة المرأة في ليبيا
ومحاولة رصد نشأتها وتطورها في ظل التفاعلات
التاريخية التي حدثت في المجتمع عبر الفترات
الزمنية المختلفة، والتي استهدفت الجوانب السياسية
والاجتماعية والاقتصادية، تعتبر من أصعب الموضوعات
التي يمكن التطرق اليها، كما أنها لم تحظ باهتمام
الباحثين على عكس الحركات الاجتماعية الأخرى
كالحركة العمالية
على سبيل المثال، و ذلك قد يعود إلى جملة من
الأسباب التي يمكن ذكرها على النحو
التالي:
أولا:
إشكالية منهاجية؛ تنبع من طبيعة المفهوم نفسه أي
مفهوم الحركة بصفة عامة وما يكتنفه من غموض، حيث
استخدمت الأدبيات المختلفة مفهوم الحركة
الاجتماعية ليرمز إلى جماعات الضغط أو الحركات
الدينية والعقائدية والتي تهدف إلى تغيير القواعد
والقيم السائدة. كذلك ما يتعلق بمفهوم الحركات
النسائية والتي عرفت بأنها” مجموعة
من الحركات الصغرى التي تنبعث من سلسلة من ردود
الفعل التلقائية المنظمة وغير المنظمة من جانب
الآلاف من النساء“،
وفقا لهذا المفهوم فإن حركة المرأة في ليبيا اتخذت
شكل مبادرات فردية قامت بها مجموعة من النساء
وبشكل تلقائي غير منظم في فترة ما، وذلك في سبيل
تعزيز وضع المرأة والدفاع عن حقوقها.
ثانيأ:
لعب العامل الأيديولوجي الرسمي منذ عام 1969 دورأ
هامأ في التجربة الليبية فيما يتعلق بتعزيز وضع
المرأة، وتمكينها وتفعيل دورها، وانعكس ذلك في
طبيعة العلاقة بين الدولة والمرأة كإحدى فئات
المجتمع التي أولتها الأيديولوجية الليبية إهتماما
خاصا. حيث نتج عن ذلك وجود فجوة بين الأطروحات
الفكرية لقضايا المرأة والجوانب التنفيذية
أوالتطبيقية المعززة لدور المرأة في
المجتمع.
ثالثا:
نقص المعلومات والبيانات التي تعكس دور وتطور حركة
المرأة، ولعل ذلك ناتج عن غياب التوثيق بصفة عامة
والتوثيق التاريخي لحركة المرأة بصفة
خاصة.
رابعا:
غياب المراكز البحثية المتخصصة التي تهتم بدراسات
المرأة ورصد تطور حركتها، والاهتمام بكل ما له
علاقة بقضاياها.
وبصفة
عامة فإن المتتبع لتطور أوضاع المرأة في ليبيا لا
ينبغي أن يغفل طبيعة التغيرات الاجتماعية
والاقتصادية والسياسية التي أثرت أو ساهمت في هذا
التطور. وعليه فإن هذه الدراسة هي محاولة
استكشافية، تهدف إلى التعرف على وجود حركة المرأة
وتاريخها في ليبيا، وماهية الأسس التي ساهمت في
تكوين هذه الحركة أو ساهمت في تطويرها، إضافة إلى
ماهية إتجاهات هذه الحركة إن وجدت، وما هي العوامل
التي تأثرت بها. وفي هذا الإطار فإن الدراسة ستركز
على طبيعة الطورات التي حدثت في المجتمع الليبي
عبر الفترات التاريخية المختلفة والتي انعكست بشكل
مباشر على تطور حركة المرأة في ليبيا، كذلك تتطرق
الدراسة إلى تطور أوضاع المرأة الليبية من خلال
التركيز على خمس فترات زمنية هي فترة الحكم
العثماني، وفترة الحكم الإيطالي، وفترة الإدارتين
البريطانية والفرنسية، ثم فترة الحكم الملكي
وأخيرا فترة قيام الثورة منذ عام 1969 وحتى الوقت
الراهن. كذلك تبرز الدراسة أثر العامل الأيديولوجي
على تغير الاتجاهات نحو دور المرأة في المجتمع
خاصة منذ عام 1969. وأخيرا تتناول الدراسة الجوانب
التقييمية لدور المرأة في المجتمع الليبي من خلال
الأوضاع القانونية، ومن خلال المشاركة في العمل
السياسي وخاصة في عملية صنع القرار،كذلك من خلال
مشاركتها في سوق العمل، ثم من خلال تقلدها للمناصب
القيادية المختلفة إضافة إلى المناصب
القضائية.
اولا: هدف و منهاجية
الدراسة:
هذه
الدراسة هي محاولة استكشافية لتتبع والتعرف على
وجود و تطور حركة المرأة في ليبيا، من خلال
التحليل الوثائقي لأدبيات الموضوع خاصة ما يتعلق
بالتطور التاريخي لأوضاع المرأة، كذلك يعتمد الجزء
الأساسي من هذه الدراسة وهو المتعلق بتقييم دور
المرأة وتطور أوضاعها في المجتمع على أحد تقنيات
البحث المساعدة والتي تعتمد على التركيز الجماعي
على فئة أو فئات محدودة (Focus
Groups) وهو أحد
الأساليب الكيفية المساعدة التي تستخدم لاستكشاف
توجهات الأفراد سواء عن طريق المقابلة المباشرة أم
عن طريق الهاتف.
أما
في إطار هذه الدراسة فقد استخدم هذا الأسلوب، وذلك
من خلال التركيز على مجموعتين من المهتمات بشؤون
المرأة والمنخرطات في العمل النسوي، حيث تم
اختيارهن بطريقة عشوائية وتتضمن كل مجموعة سبع
مشاركات، وقد تمت مناقشة الجوانب المتعلقة بوجود
حركة المرأة وتطورها وكذلك تقييم
دورها.
تعتمد
هذه الدراسة مفهوم حركة المرأة وهو على النحو
التالي: هي مجموعة المبادرات الفردية والجماعية
التي قامت بها النساء وبشكل تلقائي غير منظم في
فترات تاريخية مختلفة، وذلك في سبيل تعزيز وضع
المرأة والدفاع عن حقوقها.
ثانيا: المجتمع
الليبي: نظرة تاريخية
عامة:
إن
المتتبع لتطور أوضاع المرأة في ليبيا لا يمكنه أن
يتجاهل طبيعة التطورات والتغيرات التي حدثت في
المجتمع الليبي عبر الفترات التاريخية المختلفة،
والتي لعبت دورأ حاسما في التأثير على البيئة
الاجتماعية والثقافية والبنى السياسية
والاقتصادية. عليه فإن فهم الخلفية التاريخية
لليبيا يساعد على فهم العوامل والعناصر التي أثرت
وساهمت في تحديد الأسس التي ساهمت في تطوير حركة
المرأة.
تاريخيا
خضعت ليبيا كغيرها من أقطار الوطن العربي للحكم
العثماني منذ عام 1551، وظلت كذلك حوالي أربعة
قرون حتى الغزو الإيطالي عام 1911، وإن تخلل هذه
الفترة خضوع ليبيا للأسرة القرمانلية التي أعلنت
قيام ملكية مستقلة استمرت من 1711 إلى 1835.
احتل
الإيطاليون ليبيا عام 1911، واستمر احتلالهم حوالي
ثلاثة عقود، وبعد عقد من سيطرة الإدارتين
البريطانية والفرنسية، أصبحت ليبيا دولة مستقلة
وذلك في 24 ديسمبر 1951، تحت رعاية الأمم المتحدة.
عرفت الدولة الجديدة بداية باسم المملكة المتحدة،
وبعد ذلك أصبح اسمها المملكة الليبية. في عام
1969، ساهم المدخل العسكري في تغيير نظام الحكم
ونتج عن ذلك إلغاء الملكية، و قيام الجمهورية
العربية الليبية لتبدأ بعد ذلك حقبة جديدة من
التاريخ السياسي الحديث لليبيا.
ووفقأ لذلك يمكن القول بأن هناك جملة من العوامل
ساهمت عبر مراحل مختلفة في التأثير على طبيعة
المجتمع الليبي والتي يمكن ذكرها على النحو
التالي:
أولا:نتيجة
لخضوع ليبيا لاستعمار العديد من القوى الأجنبية
عبر الفترات التاريخية المختلفة، فإن ذلك أثر على
التجربة السياسية والثقافية خاصة ما يتعلق بنظم
التعليم، والتي بدورها أثرت على طبيعة دور المرأة
واتجاهات المجتمع الليبي تجاه هذا
الدور.
ثانيا:
لعبت العوامل الاقتصادية دورا حاسما في تشكيل
التاريخ الليبي. فليبيا حتى الخمسينيات كانت مثالا
جليا للفقر العام في صورته المتطرفة، وذلك كما
وصفتها دراسة أجرتها الأمم المتحدة.
وكما وصف (Higgins) ليبيا في
فترة ما قبل 1952 بأنها "النموذج الأصلي للبلد
المتخلف"،
حيث بلغ متوسط دخل الفرد 30 دولارا في السنة عام
1951 و 100 دولار عام 1960.
ثالثا:
كان لاكتشاف النفط في أواخر الخمسينيات أثر كبير
على تغير أوضاع الاقتصاد الليبي، والتي بدورها
انعكست على البنية الاجتماعية. فالتغير الاقتصادي
ساهم في بروز فئات جديدة لها طموحاتها ومطالبها
للحصول على أدوار للمشاركة في العملية السياسية
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ساهم التغير
الاقتصادي في بروز الظاهرة الحضرية (الانتقال من
الريف إلى المدينة). تلك الظاهرة التي نتج عنها
زيادة عدد سكان المدن بشكل واضح؛ فبينما كان حوالي
80 بالمئة من الليبيين يعيشون في الأرياف يمارسون
مهنتي الزراعة والرعي فإنه بحلول 1967 كان ثلثا
السكان في ليبيا يعيشون في المدن والمناطق
الحضرية، مما نتج عن ذلك زيادة الطلب على الإسكان
والخدمات الصحية، إضافة إلى توسع وزيادة الفرص
التعليمية. ولقد كان التقدم في المجال التعليمي
واضحا ومؤثرا،
خاصة بالنسبة للمرأة الليبية التي اعتبرت من
الفئات الجديدة التي ساهم التعليم في توعيتها
وخروجها للعمل.
رابعا:
أصبح التعليم أحد أهم العوامل التي ساهمت في تشكيل
الثقافة السياسية المعاصرة في ليبيا، حيث
ارتبط النظام التعليمي عبر الفترات التاريخية
المختلفة ارتباطا مباشرا مع النظام الاجتماعي
والاقتصادي والسياسي. فقد كان للتعليم كقناة رسمية
للتنشئة السياسية والاجتماعية دور هام في تغيير
أنماط القيم واتجاهات الأفراد في المجتمع خاصة تلك
المتعلقة بدور المرأة في المجتمع.
ثالثا: تطور أوضاع
المرأة في المجتع الليبي- مدخل
تاريخي:
إن
محاولة التعرف على وضع المرأة الليبية لا يمكن أن
يتم بمعزل عن الاحداث والتغيرات الاجتماعية
والسياسية والاقتصادية التي مرت بها ليبيا خلال
فترات تاريخية مختلفة. فيما يتعلق بهذا الجانب،
ولغرض الدراسة سيتم تقسيم مراحل تطور أوضاع المرأة
في ليبيا إلى فترات شبيهة بتلك التي ينقسم إليها
التاريخ العام للبلاد، وهي خمس فترات زمنية هي:
فترة الحكم العثماني، وفترة الحكم الإيطالي، وفترة
الإدارتين البريطانية والفرنسية، ثم فترة الحكم
الملكي، وأخيرا فترة قيام الثورة منذ عام 1969
وحتى الوقت الراهن.
الفترة
الأولى : 1835-1911:
على
الرغم من أن فترة الحكم العثماني لليبيا امتدت من
1551 إلى الاحتلال الإيطالي في عام 1911، يمكن
القول بأن تأثير هذه الفترة انعكس بشكل واضح على
طبيعة الثقافة التقليدية السائدة في المجتمع خاصة
تلك المتعلقة بالمرأة، وبصفة عامة يمكن القول بأنه
لم تتوفر أية معلومات عن دور المرأة في المراحل
الأولى للحكم العثماني لليبيا،وعليه سيتم التركيز
على المراحل المتأخرة للحكم والتي بدأت بعد انتهاء
حكم الأسرة القرمانلية في ليبيا عام
1835.
وعلى
الرغم من أنه لم يكن للمرأة دور في المجتمع خلال
تلك الفترة، إلا أنه يمكن رصد وجودها من خلال تتبع
تطور النظام التعليمي في العهد العثماني، وفي هذا
الإطار يمكن القول بأن التعليم في تلك الفترة
اعتمد على التعليم الديني بدرجة خاصة، وخلال
المراحل الأولى كانت أبرز مراكز التعليم في ليبيا
هي مؤسسات دينية تمثلت في الكتاتيب والزوايا.
وكذلك فقد عانى التعليم من محدودية المناهج وغياب
فرص التعليم أمام الإناث، مما يعكس التمييز
المجتمعي الأوسع بين الذكور والإناث. ورغم إنشاء
مدرسة رشدية (إعدادية) واحدة للبنات في طرابلس،
إلا أن الهدف من إنشائها كان منع بنات ضباط
الحامية التركية من الالتحاق بالمدارس الأجنبية،
أي أن تلك المدارس لم تكن مفتوحة للجميع مما يعكس
نخبوية التعليم في هذه الفترة. وعلى الرغم من
تأسيس جمعية نسائية تحت اسم "جمعية النسوان
العثمانية الخيرية" كان الغرض منها هو تهيئة أمهات
المستقبل حيث يدخل في هذه التهيئة التعليم بصفة
خاصة،إلا
أن ذلك لم يوسع قاعدة التعليم بالنسبة
للمرأة.
وبصفة
عامة لم يقم النظام العثماني بإدخال نظام تعليمي
أكثر حداثة إلا في القرن التاسع عشر، حيث كان
الدافع الأساسي وراء ذلك هو توفير موظفين للدولة،
أي للإدارة البيروقراطية والجيش. كما أن التعليم
ظل حكرأ على النخبة التي تمتلك الموارد الاقتصادية
الضرورية لتمكين أبنائها من الدراسة، وكان بروز
تعليم النخبة خاصة في مجال التعليم العالي يمثل
وسيلة إعداد لهم ليكونوا جزءا من نظام
الدولة.
أما
فيما يتعلق بمشاركة المراة في العمل، فيبرز دور
المرأة البدوية أكثر وضوحا من قاطنات المدن، وذلك
من خلال مشاركتها في الرعي والزراعة، وإن برز دور
المرأة بشكل محدود في العهد العثماني الثاني من
خلال عملها في الغزل والحياكة وصناعة الحصر خاصة
في مناطق نالوت وطرابلس ومصراته. ففي تلك الفترة
تعتبر المغزولات إحدى صادرات طرابلس الغرب والتي
تبلغ حوالي الف جنيه استرليني كل عام.
ويبدو أن اهتمام المرأة بالعمل في مجال الغزل
والحياكة والنسيج هو انعكاس لوضعها الاجتماعي، حيث
أن ممارسة هذا العمل لا تتطلب الخروج من البيت وهو
ما يتناسب مع طبيعة الثقافة السائدة في المجتمع
الليبي خلال تلك الفترة والتي تتعلق بمسألة خروج
المرأة.
الفترة
الثانية: 1911-1943:
تمثل
فترة الحكم الإيطالي، 1911-1943، الفترة الرئيسة
الثانية، ويمكن تقسيم الفترة الإيطالية إلى
مرحلتين أساسيتين تبدأ الأولى من 1911 إلى أكتوبر
1922 (فترة الانقلاب الفاشي في إيطاليا)، والثانية
من 1922 وحتى هزيمة الإيطاليين في الحرب العالمية
الثانية عام 1943.
خلال
فترة الاحتلال الإيطالي، عملت الحكومة الإيطالية
على زيادة عدد المدارس في جميع انحاء البلاد، وكان
الهدف الرئيس لإقامة هذه المدارس هو تعليم اللغة
الإيطالية ونشر الثقافة الإيطالية بين الطلاب، حيث
كان ذلك جزءا من مشروع الطلينة
الاستعماري
من أجل خلق ليبيين موالين لروما.
ولقد بذلت الحكومة الإيطالية جهودا كبيرة من أجل
توفير مدارس للحضانة ومدارس ابتدائية وثانوية
وفنية، كما أنشأ الإيطاليون مدارس عربية كان لها
هدف مزدوج وهو اجتذاب الطلاب العرب لتعلم الثقافة
الإيطالية، إلى جانب تعليم الطلاب الإيطاليين
اللغة العربية، مما سيساعد الإيطاليين على السيطرة
على ليبيا.
أما
فيما يتعلق بتعليم المرأة فقد ساهمت المدارس
اليهودية التبشيرية في تعليم البنات التطريز
وأشغال الأبرة و ما يلزمها في إدارة البيت مما جذب
بعض العناصر الوطنية. وبصفة عامة فقد بلغ ما أنشأه
الطليان من المدارس في ليبيا حتى عام 1939 تسعين
مدرسة تضم 9433 تلميذا و1055 تلميذة.
وقد بلغ عدد التلميذات في متصرفية طرابلس العامة
624 طالبة، وفي متصرفية
مصراتة
130 طالبة، وفي متصرفية بنغازي 192 طالبة، وفي
متصرفية درنة 70 طالبة، وفي مناطق الجنوب 39
طالبة.
وفي
إطار تعليم البنات افتتحت في عام 1936 مدرسة
للبنات المسلمات في طرابلس وأعد بها قسم داخلي
تأوي اليه البنات من مختلف مناطق ليبيا، كما اسند
أمر هذا المعهد إلى سيدات إيطاليات وعربيات. كما
أنشئت مدرسة للممرضات المسلمات في يناير 1936، حيث
انتسبت إليها في نفس العام 25 طالبة. وكان الهدف
من إنشاء هذه المدرسة ليس لتهيئة المرأة للعمل في
مهنة التمريض رسميا، بل السعي إلى غاية أخرى وهو
نشر لمبادئ الصحة والإسعاف الصحي بين القبائل
والمراكز الصغيرة،
وقد بلغ عدد الطالبات عند نهاية السنة الأولى 73
طالبة.
ومن
خلال تحليل الأرقام وملامح التعليم المتعلقة
بالمرأة في هذه الفترة، يلاحظ أن انخراط الليبيين
وإقبالهم على التعليم في المدارس الإيطالية لم
يبرز إلا بعد انتهاء حركة المقاومة الشعبية. حيث
لم يكن هناك إقبال من الليبيين في تلك الفترة على
التعليم الإيطالي، ويرجع ذلك إلى جملة من
الأسباب
أولا:
لانشغال الليبيين بالحرب والمقاومة ضد إيطاليا،
ثانيا:
لعدم ثقة الأهالي في نوعية التعليم الذي كان يقدم
في المدارس الإيطالية. وانعكس ذلك في محاربة
المواطنين الليبيين للنظام التعليمي الإيطالي
وسياسة الطلينة خلال السنوات الأولى من الاحتلال،
إضافة إلى رفضهم إرسال أبنائهم إلى المدارس
الإيطالية خشية أن يفقدوا ديانتهم الإسلامية
وثقافتهم وتقاليدهم.
و
كانت ردة فعل سكان ليبيا تجاه "الطلينة"
القسرية قد تمثلت في فتح أكبر عدد من الكتاتيب
والمدارس القرآنية، التي تم تمويلها من ثرواتهم
الشخصية، من أجل تعليم الأطفال الليبيين، والحفاظ
على دينهم ولغتهم وتراثهم الثقافي عن طريق هذه
المؤسسات. ولعل
ذلك عزز ما يمكن أن نسميه بقوة
الطرد الحضاري
للمجتمع مما نتج عنه خلق وتعزيز الثقافة
المقاومة.
ومن خلال الإحصاء التقريبي لهذا النوع من المؤسسات
خلال سنوات 1930-1933، وجد أن عدد تلاميذها بلغ
10738 تلميذا، ففي بنغازي وحدها على سبيل المثال،
كان يوجد ثلاثون كتابا بها نحو سبعمائة تلميذ.
تأسيسا
على ما سبق، فإن دور المرأة الليبية كان يبدو أكثر
وضوحا خلال فترة الاحتلال الإيطالي من خلال
مشاركتها في حركة المقاومة؛ ويبرز دورها في الصفوف
الخلفية للمجاهدين حيث كانت تقوم بالإستطلاع،
وتساهم في عملية إمداد المجاهدين بالتموين والمياه
وتقديم العون للجرحى والمصابين ورفع الروح
المعنوية للمقاتلين، وفي عملية الاتصال ونقل
المراسلات بين المجاهدين، كما شاركت المرأة في نقل
أخبار العدو ورصد حركاته وتحركاته. ففي
هذا الإطار وصف أنور باشا (وهو أحد الضباط الأتراك
الذين شاركوا في مرحلة المقاومة ضد الاحتلال
الإيطالي في برقة) في مذكراته دور رجال القبائل
ومشاركة المرأة على النحو التالي:
"كان
لكل مجموعة تتكون من خمسة عشر مقاتلأ من قبيلة
واحدة، خيمة واحدة ينامون فيها ويرأسهم عريف أو
نائب عريف يعينه شيخ القبيلة. وكان يخصص لكل خيمة
امرأة تقوم بخدمة الجنود وعمل ملابسهم وإعداد
الطعام لهم أثناء راحتهم وحمل الماء والطعام
اللازم للمقاتلين في ميدان المعركة، إلى جانب
إثارة همم الرجال أثناء المعركة وتضميد جراح
المصابين ورثاء الشهداء منهم وذكر محاسنهم. وقد
كان في معسكري عين أبي منصور والظهر الحمر عدد من
المجاهدات يتراوح ما بين 450 إلى 500 مجاهدة"
ولعل
الدور الإستثنائي الذي قامت به المرأة الليبية
خلال هذه المرحلة يبدو طبيعيا في مواجهة الخطر
الخارجي المتمثل بمشاركتها في حرب التحرير الشعبية
ضد الاحتلال الإيطالي، إلا أن هذا الدور سرعان ما
تلاشى بعد انتهاء الحرب، وأصبح دورها محدودا جدا
في مرحلة ما بعد التحرير. ويمكن القول هنا بأن ذلك
شبيه بأوضاع المرأة في حركات التحرر الأخرى،
وينتهي دورها بانتهاء فترة المقاومة، حيث تترك
ترتيبات مرحلة إرساء قواعد الدولة الوطنية ومرحلة
ما بعد التحرر أو الاستقلال للرجل.
الفترة
الثالثة: 1943-1951:
بعد
هزيمة إيطاليا عام 1943 وانتصار الحلفاء في الحرب
العالمية الثانية، خضعت ليبيا للإدارتين
البريطانية والفرنسية، حيث خضع إقليما برقة
وطرابلس لبريطانيا، وخضع إقليم فزان لفرنسا. ولعل
من أبرز المشاكل التي واجهت ليبيا في تلك الفترة؛
اختلاف النظم الإدارية والاقتصادية
والتعليمية.
وبصفة
عامة يمكن ملاحظة العديد من التطورات الجوهرية
خلال هذه الفترة، وأهمها:
أولا:
انتشار الإدراك بأهمية التعليم بين السكان
الليبيين بصورة أوسع، حيث بذل الليبيون جهدهم من
أجل توفير فرص التعليم لأطفالهم. مما نتج عن ذلك
تزايد المطالب بإعادة فتح المدارس التي أغلقت خلال
الحرب.
ثانيا:
حصلت الإناث على فرص أعظم للتعليم عن ذي قبل، ونتج
عن ذلك إنشاء الإدارة البريطانية لعدد من المدارس
لتعليم البنات، بلغ مجموعها في سنة 1948 أربع عشرة
مدرسة، حيث بلغ عدد طالباتها 1459.
وارتفع
عدد الطالبات في المدارس الحكومية ليصل في سنة
1951 إلى ثلاثة آلاف فتاة، بما في ذلك طالبات كلية
تدريب المعلمات التي أفتتحت في مدينة طرابلس في
أوائل 1951. حيث كان عدد الطالبات عند افتتاح
الكلية 28 فتاة، تتراوح أعمارهن بين 12 و 15 سنة.
وفي شهر أكتوبر من نفس السنة، زاد هذا العدد فأصبح
88، وقد الحقت بالكلية مدرسة إبتدائية لثلاثمائة
من التلميذات الفقيرات، بقصد تدريبهن على التعليم
وتشرف على دار المعلمات مديرة فلسطينية و7 مدرسات
فلسطينيات.
أما
عن تعليم البنات في برقة خلال هذه الفترة، فقد
أفتتحت مدرستان مع افتتاح مدارس الأولاد في كل من
بنغازي ودرنة، ثم أفتتحت الثالثة بالمرج، ولقد تم
تدريب ثلاث مديرات لمدارس البنات بمصر، وتولت كل
منهن إدارة مدرسة.
في
عام 1946 بلغ عدد الطالبات في بنغازي 888 تلميذة،
أما عدد المدرسات فقد بلغ 25 مدرسة.
خلال هذه الفترة تم الاستعانة بالليبيات في مجال
الإدارة التعليمية، حيث عينت السيدة حميدة محمد
طرخان (المعروفة بحميدة العنيزي)، وهي من مواليد
بنغازي 1892، كأول مديرة لأول مدرسة للبنات في عهد
الإدارة العسكرية البريطانية. السيدة العنيزي كانت
قد استكملت دراستها في تركيا وبعد عودتها سنة
1912، رفض والدها السماح لها بالعمل في مدارس
العهد الإيطالي، ولكنها فتحت بيتها لتعليم مبادئ
القراءة والكتابة، ولتحفيظ القرآن الكريم، ولتعليم
التطريز والحياكة.
كانت السيدة العنيزي تعمل بنشاط واسع وكأنها جمعية
بفرد، في وقت لا توجد فيه جمعيات، حيث ساهمت
بمجهوداتها في تشجيع النساء والأخذ بأيديهن للتعلم
واقتحام مجالات العمل المناسبة.
كما كانت تحاول جاهدة اقناع أولياء الأمور لإدخال
بناتهم المدارس وتكملة تعليمهن الثانوي والجامعي
في وقت كانت التقاليد تمنع الفتاة عن الخروج لطلب
العلم والاختلاط. وبصفة عامة فإن أبرز ملامح هذه
الفترة:
أولا:
مهدت هذه المرحلة لخروج المرأة للعمل خاصة في مجال
التدريس، وبرز ذلك من خلال تزايد أعداد المعلمات
الإناث، وإن اقتصر تعليم وخروج المرأة على النخبة
في المجتمع.
ثانيا:
ساهمت ظاهرة الهجرة العكسية إلى الوطن من قبل
المهاجرين (الذين هاجروا من ليبيا إلى الأقطار
العربية في أثناء الاحتلال الإيطالي) في زيادة
نسبة الوعي تجاه تعليم المرأة ودورها، من خلال
تأكيد العائدين على فائدة تعليم البنات، واشتراك
المرأة في الحياة العامة.
الفترة
الرابعة: 1951-1969:
تمثل
هذه المرحلة فترة الاستقلال الذي تم في 24 ديسمبر
1951، وذلك تحت رعاية الأمم المتحدة، وكانت إيذانا
لتكوين دولة جديدة هي المملكة الليبية المتحدة ثم
أصبحت فيما بعد المملكة الليبية. من خلال تطور وضع
المرأة خلال هذه الفترة يمكن ملاحظة أن التعليم
ساهم بشكل واضح ومؤثر في خروج المرأة. وبشكل عام
اعتبرت الحكومة الليبية في هذه الفترة أن التعليم
يمثل تحديا قائما ومستمرا، فكان من بين الخطوات
الأولى التي تبنتها هي سن إصدار قانون التعليم رقم
5 عام 1952. حيث منح هذا القانون حق التعليم لكل
شخص وجعل التعليم إلزاميا لجميع الأطفال، ذكورا
وإناثا.
ومن
هنا أصبح الوالدان ملتزمين بإرسال أطفالهم إلى
المدارس، ولقد استفادت الإناث من ذلك بدرجة أكبر
من الذكور، على الرغم من أن أعداد البنات في
النظام التعليمي كانت أقل من الذكور خلال فترة
الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. وقد يرجع
ذلك إلى الزواج المبكر للإناث.
خلال
هذه الفترة، كان دور المرأة في قوة وسوق العمل
محدودا جدا باستثناء الفلاحة. وعلى الرغم من أن
اللوائح الحكومية لم تميز ضد المرأة في الوظائف،
فإن المرأة لم تكن تمتلك مؤهلات ومهارات تلك
الوظائف، نتيجة لذلك فإن: "المرأة
كانت مؤهلة للوظائف التي لا تتطلب تدريبا كبيرا،
والتي يمكن القيام بها في مناطق منفصلة. وهكذا
كانت المرأة في الغالب تعمل كعاملة في البيوت أو
كعاملة نظافة في المكاتب".
خلال
الخمسيينات والستينيات من القرن الماضي، أثرت
مجموعة من القوانين واللوائح على دور المرأة في
المجتمع من الناحية النظرية، فعلى سبيل المثال،
نالت المرأة حق اختيار زوجها من سن السادسة عشرة
وحق طلب الطلاق مثل الرجل. كذلك حصلت المرأة على
حق المشاركة في السياسة من خلال منحها حق التصويت،
وحق شراء وبيع العقارات، وحق إنشاء الروابط
والجمعيات النسائية، التي بدأت تتكون في المراكز
الحضرية الرئيسة.
وعلى الرغم من أن المرأة قد تحصلت على هذه الحقوق
من حيث المبدأ، فإن معظم هذه الحقوق كانت من
الناحية العملية، حقوقا على الورق فقط. حيث استفاد
عدد قليل من النساء من هذه الحقوق، واستمرت النساء
في عدم المشاركة في الأنشطة اليومية مقارنة
بمشاركة الرجال.
وبصفة
عامة يمكن القول بأن نشاط المرأة في هذه المرحلة،
هو نشاط قلة أو نشاط نخبة، اعتمدت فيه المرأة على
الريادة والمبادرات الفردية في مختلف الجوانب التي
ساهمت فيها هذه القلة من أجل توسيع دائرة المشاركة
في جميع المجالات. فمن أبرز النشاطات التي تم
رصدها خلال هذه الفترة:
1. تأسيس
الجمعيات النسائية في ليبيا:
خرجت
إلى حيز الوجود في سنة 1954 أول جمعية نسائية في
ليبيا في مدينة بنغازي سميت (جمعية المرأة
الخيرية)، تكاتفت فيها مجموعة من سيدات المجتمع
(ليبيات وعربيات مقيمات في ليبيا)، على رأسهن
صاحبة الفكرة السيدة حميدة العنيزي، التي ترأست
الجمعية. وكان تأسيس هذه الجمعية يهدف إلى النهوض
بالمرأة ثقافيا واجتماعيا ومعنويا، ولكن في حدود
الإمكانيات غير المتيسرة آنذاك وفي غياب التشجيع
من الهيئات الرسمية ومن المجتمع بشكل عام، وقد غلب
على الجمعية الطابع الخيري، حيث أخذت على عاتقها
مساعدة الأسر الفقيرة، كما سعت إلى إقامة حملات
خيرية وحفلات ترفيهية لصالح نزلاء الملاجئ
والمستشفيات، إضافة إلى تعزيز الوعي العام للمجتمع
وذلك من خلال زيارة البيوت وتحريض الأهالي ومحاولة
إقناعهم بضرورة تعليم بناتهم.
وتشجيع المرأة للإنخراط في الجمعية ونشاطاتها،
والتي منها دورات متعاقبة لتعليم فن التطريز
والحياكة، والطبع على الآلة الكاتبة، والتدبير
المنزلي، والموسيقى. إضافة إلى اهتمامها بالمشاركة
في رعاية الأطفال اليتامى.
وفي عام 1964 تم الاعتراف بالجمعية رسميا من قبل
الدولة وأصبحت هيئة اعتبارية لها لوائحها ونظامها
الأساسي وأطلق عليها منذ ذلك الحين (جمعية النهضة
النسائية).
كما تم افتتاح عدة فروع من الجمعية في بعض المدن
الأخرى، حيث تكونت جمعية النهضة بمدينة درنة في 6
مايو 1965.
أما اختصاصات هذه الجمعية فلم يحد عن دور الجمعية
الأم وهو الاهتمام بتدريب المرأة على فنون الحياكة
والتفصيل والطهي، إضافة إلى إقامة حفلات خيرية
لصالح الفقراء والأسر المحتاجة ومعاضدة المؤسسات
الخيرية وزيارتها.
ولرسوخ
ونجاح نشاط الجمعية تمكنت مؤسستها السيدة حميدة
العنيزي، ومن خلال دعوتها وسعيها من تكوين أول
إتحاد نسائي في ليبيا وهو "الإتحاد النسائي
الليبي" عام 1965، وقد شاركت المرأة الليبية من
خلال هذا الإتحاد في الكثير من المؤتمرات داخل
وخارج ليبيا، كما ساهمت في العمل على فتح مدارس
مسائية للبنات وكانت أول من دفع بالفتاة الليبية
للعمل في مجالات عمل جديدة مثل الإذاعة، والصحافة،
والبريد،و التمريض وغيرها.
ومن
بين الجمعيات النسائية التي تأسست في 16 أبريل
1967، جمعية المرأة العاملة وهي جمعية أهلية تحت
إشراف وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ومقرها
مدينة طرابلس.
كان تأسيس الجمعية يهدف إلى؛ رعاية وحماية أطفال
المرأة العاملة وذلك بتأسيس مقر يمكن أن يتسع
لقسمين-داخلي وخارجي، وذلك حلا لمشاكل المرأة
العاملة وتشجيعها على الاستمرار في عملها، وكذلك
القيام ببرامج ترفيهية كالرحلات والحفلات للسيدات
اللاتي حرمن منها، إلى جانب استقبال أطفال النساء
غير العاملات في القسم الداخلي.
2. مخرجات
حقل التعليم:
كان
التعليم من أبرز العوامل التي ساهمت في خروج
المرأة، وإن اعتبرخروج المرأة للعمل لا يذكر
مقارنة بالدور الذي لعبه الرجل، ويمكن القول إن
حقل التدريس قد لاقى إقبالا كبيرا من قبل المرأة،
عزز ذلك زيادة عدد الطالبات اللاتي التحقن بمعاهد
المعلمات.
أما
على مستوى التعليم العالي، فقد تم تأسيس جامعتين
رئيستين في طرابلس وبنغازي في الخمسينيات من القرن
الماضي، وقد تم تشجيع دخول المرأة للجامعة، فبدأت
الجامعة الليبية بأعداد بسيطة من الطالبات ثم
ازداد هذا العدد خلال الفترات اللاحقة لتأسيس
الجامعة..
3. مجال
الإعلام والصحافة:
السيدة
خديجة الجهمي إحدى رائدات العمل الإذاعي والصحفي
في ليبيا، درست في المدرسة الإيطالية في بنغازي
خلال السنوات 1931 وحتى 1936 في بنغازي، واصلت
بعدها دراستها الثانوية في القاهرة، عادت بعدها
لتعمل في مجال التدريس لمدة ثمان سنوات ثم اشتغلت
بالإذاعة الليبية سنة 1956. ازداد اهتمامها بالعمل
الصحفي فيما بعد، ترأست بعد ذلك تحرير مجلة المرأة
التي ظهر أول عدد منها في 10 يناير 1965، كانت
فكرة إنشاء مجلة خاصة بالمرأة قد انبثقت عن وزير
الإعلام والثقافة في ذلك الوقت الاستاذ خليفة
التليسي، بعد استماعه لبرنامج ركن المرأة بالإذاعة
والذي تقدمه السيدة خديجة الجهمي، وذلك حتى تتاح
للمرأة فرصة التثقيف الذاتي.
في
مجال الإعلام، يمكن ذكر أسماء بعض السيدات اللاتي
ساهمن أيضا قبل الإستقلال في الكتابة في الصحف
المحلية، منهن السيدة زعيمة الباروني، السيدة
خديجة الجهمي، السيدة مرضية النعاس، والسيدة حميدة
البراني، والسيدة نادرة العويتي. أما في مجال
الإذاعة فقد اقتحمت مجموعة من السيدات هذا المجال
منهن السيدة خديجة الجهمي، السيدة نجية الطرابلسي،
السيدة حميدة بن عامر، وكذلك السيدة حليمة الخضري،
السيدة ثريا الفقي.
الفترة
الخامسة:1969-حتى الوقت
الراهن:
تعتبر
هذه المرحلة من أهم مراحل تاريخ ليبيا الحديث،
وذلك نتيجة للتحولات السياسية والاقتصادية
والاجتماعية التي شهدها المجتمع الليبي خلال هذه
الفترة منذ قيام الثورة في 1 سبتمبر 1969. ويبرز
تأثير هذه المرحلة على المرأة من خلال التغيرات
المختلفة في السياسات المتعلقة بالمرأة، حيث سعت
هذه السياسات إلى تمكين المرأة من المشاركة في
بناء البلاد. مع ذلك، فإن أيديولوجيا النظام التي
ترتكز على الكتاب الأخضر، أكدت في الوقت ذاته على
الاختلافات الجسمانية والبيولوجية بين الذكر
والأنثى، وأن هناك دورا لكل منهما يتناسب وطبيعته.
كذلك اهتمت الأيديولوجيا من خلال الكتاب الأخضر
بالأسرة كوحدة اجتماعية، حيث كان هناك احترام كبير
لدور المرأة كأم، وكان من المفترض أن تكون المرأة
مسؤولة بالكامل عن تربية الأطفال، وأكد العقيد
معمر القذافي على هذه الفكرة قائلا: "إن بني
الانسان لا تصلح له وتناسب طبيعته وتليق بكرامته
إلا الأمومة الطبيعية...أي أن (الطفل تربيه
أمه).
من
حيث المبدأ، لم يرفض الكتاب الأخضر عمل المرأة،
ولكن اقتصره على الحقول التي تناسب طبيعتها. وفي
هذا الإطار يؤكد معمر القذافي على أن:
"المسألة
ليست أن تعمل المرأة أو لا تعمل فهذا طرح مادي
سخيف- فالعمل يجب أن يوفره المجتمع لكل أفراده
القادرين عليه والمحتاجين له رجالا ونساء ولكن ان
يعمل كل فرد في المجال الذي يناسبه...وأن لا يظطر
تحت العسف أن يعمل ما لا يناسبه.
من
أبرز النجاحات التي تحققت خلال هذه الفترة دور
السياسة التعليمية خاصة تجاه المرأة، فقد جعل
القانون التعليم إلزاميا حتى المستوى المتوسط
"الإعدادي". نتيجة لذلك، ازداد عدد مدارس البنات
في جميع أنحاء البلاد بعد 1969. ولقد أثر تزايد
مستوى التعليم بين النساء خلال السبعينيات على عدة
مجالات أخرى من حياتهن التقليدية. وكان هذا ملحوظا
في انتشار ظاهرة نزع الحجاب بين النساء، خاصة في
المناطق الحضرية، وفي تزايد خروج النساء للأسواق
وقيادتهن للسيارات والسفر خارج البلاد بدون مرافق
من الذكور، وشجعت المرأة على المشاركة النشطة في
الحياة السياسية ضمن إطار النظام السياسي الليبي
(المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية). كذلك، تم
تشجيع المرأة على تشكيل لجان ثورية تعمل ضمن
إطاراللجان الثورية مع تركيزها على تعزيز أدوار
المرأة السياسية والإدارية.
منذ
بداية الثمانينيات، قام النظام بتقديم عدد من
الأفكار والسياسات الجديدة لتشجيع المرأة على تولي
مكانة أكثر بروزا داخل المجتمع.
أولا:
أصبح على جميع الليبيين من الذكور والإناث
الانخراط في التدريب العسكري العام إذا كانوا
لائقين صحيا، ونصت المادة 3 من القانون رقم 3 على
أن العلوم العسكرية هي إحدى المواضيع الرئيسية
التي يجب أن يدرسها الطلاب في جميع المستويات
التعليمية بعد الابتدائي. وكان إلزاميا على جميع
الطلاب من الذكور والإناث إرتداء الملابس العسكرية
والقيام بالتدريبات يوميا. وقد تقررت منذ عام
1990، الخدمة العسكرية بعد التخرج لمدة سنة وفقا
لأحكام القانون رقم 3 المتعلق بالشعب المسلح،
وعدلت فيما بعد لمدة ثلاثة أشهر، أما الإناث فكان
عليهن تطبيق الخدمة الوطنية لمدة ثلاثة
أشهر بعد التخرج في أية مؤسسة أو مجال
مدني.
ثانيا:
تم تشجيع النساء على الإنخراط بالكلية العسكرية
للبنات، التي انشئت عام 1979، وتمنح خريجات هذه
الكلية رتبة ملازم عند التخرج.
ثالثا:
تم تعزيز الوضع القانوني للمرأة عبر السنين، فقد
تم إلغاء القانون 176 لسنة 1972 المتعلق بحقوق
المرأة في الزواج والطلاق، وحل بدلا منه القانون
رقم 10 لسنة 1984، الذي صاغه مؤتمر الشعب العام
بناء على قرارات المؤتمرات الشعبية الأساسية. ولكن
نظرا لغياب المرأة عن المؤتمرات الشعبية الأساسية،
على الرغم من تشجيع النظام، فلقد تأثر القانون
بوجهات نظر الذكور الذين كانوا يعارضون أي تغير في
وضع المرأة. ولكن بعد ذلك، تم تعديل بعض مواد هذا
القانون بصدور القانون رقم 22 لسنة 1991. وكان
الغرض من التغييرات في قانون الزواج والطلاق إعطاء
المرأة وضعا أفضل وحقوقا أقوى داخل الزواج. لم يعد
مسموحا للرجل، وفقا للمادة 23 من القانون رقم 22،
أن يتزوج زوجة ثانية إلا بموافقة زوجته الأولى أو
بإذن من المحكمة.
رابعا:
تم تشجيع المرأة منذ بداية التسعينيات، على
المشاركة في النظام القضائي، ولم يكن في السابق
يسمح بقبول النساء كقاضيات لأسباب ثقافية، ومنح
القانون رقم 8 لسنة 1989 المرأة حق تولي مناصب
القضاء، بنفس الشروط التي يخضع لها الرجال، وشملت
هذه الوظائف مناصب القضاة والمدعين العامين ووكلاء
النيابة، وتم تعيين النساء لهذه
الوظائف.
خامسا:
إنضمام ليبيا إلى جميع المواثيق والعهود
والبروتوكولات الدولية والإقليمية التي تقرر
المبادئ والسياسات المختلفة لمشاركة المرأة وضمان
حقوقها، كما ارتبط ذلك بالتشريعات المحلية التي
تسعى إلى تمكين المرأة وتفعيل دورها في المجتمع،
كالوثيقة الخاصة بتقرير حقوق المرأة الصادرة في
1997، وكثير من القوانين المسيرة للنشاط الاقتصادي
والتي تشترط حصول المرأة على نسبة لا تقل عن 20%
من الرخص المتعلقة بممارسة الأنشطة الاقتصادية.
سادسا:
تم تشجيع المرأة على تولي مناصب في النظام
السياسي، إلا أن مشاركتها في السياسة والشؤون
العامة لا تزال محدودة مقارنة بدورها في الأنشطة
الأخرى ومقارنة بدور الرجل في هذا المجال. على
سبيل المثال، تم تصعيد ست نساء فقط في
أمانة مؤتمر الشعب العام (شؤون المرأة والشؤون
الاجتماعية في مؤتمر الشعب العام)، واثنين فقط إلى
اللجنة الشعبية العامة في (التعليم، الثقافة
والإعلام) خلال الفترة 1977-2003. وتم تعيين عدد
صغير من النساء كأمينات (سفيرات) لبعض المكاتب
الشعبية في الخارج (السفارات).
سابعا:
أدخل
النظام في ليبيا عددا من التنظيمات والمفاهيم التي
تستهدف الترويج لدور "المرأة الجديدة"، ومن أهمها
اللجان الثورية النسائية، والحرس الثوري النسائي،
والراهبات الثوريات، الفعاليات النسائية، ومكاتب
فتاة الجماهيرية بالروابط الطلابية، والروابط
الشبابية. أدت هذه التنظيمات والمفاهيم إلى دخول
بعض النساء الليبيات ضمن حلقة النخبة، ولكن لم تلق
بعض هذه الأفكار قبولا بين النساء على مستوى
القاعدة، ولا بين الغالبية العظمى من الليبيين
بصفة عامة، وعلى وجه الخصوص، اعتبرت فكرة الراهبات
الثوريات فكرة غير مقبولة.
في
منتصف الثمانينيات، أصبحت أنشطة الإسلاميين في
ليبيا أكثر بروزا وعلى الرغم من تبني النظام
لسياسات وإجراءات مختلفة للسيطرة عليهم، فلقد
ازداد عدد الإسلاميين، خاصة بين الجيل الأصغر سنا،
بما في ذلك النساء. ولقد أثر ذلك على اتجاهات
الجيل الجديد من النساء اللائي تمت تنشئتهن تجاه
الأيديولوجيا الثورية وقيمها، فانتشرت ظاهرة
التحجب، خاصة بين طالبات الجامعة، وتزايدت خلال
التسعينيات، وهاجم العقيد القذافي الحجاب في
العديد من خطاباته، وأكد أنه على المرأة أن تحمي
نفسسها بالتعليم، ويجب أن تكون لها هوية ذاتية
قوية، وأن تثق في قدرتها على أداء المهام التي
كانت محجوزة تقليديا للرجل.
على
الرغم من جهود النظام في عرض أيديولوجيته وسياساته
حول المرأة، فإنها لم تتول مسؤولية كاملة داخل
المجتمع. وكان دور المرأة محدودا مقارنة بما
استهدفته السياسات المختلفة لتعزيز دور المرأة.
فلا يزال عامل الثقافة التقليدية يلعب دورا حاسما
في منع المرأة من أن تكون عضوا نشطا في المجتمع،
على الرغم من تواجدها الشكلي والموسمي الذي يفتقر
إلى التنظيم، مما يقلل فعالية هذا الوجود الذي كان
نتيجة لأجواء التعبئة السياسية والتحريك الجماعي
الموسمي.
رابعا: العامل
الايديولوجي وتغير الاتجاهات نحو دور
المرأة:
منذ
سبعينيات القرن الماضي، كان وضع المرأة ودورها في
المجتمع أحد أهم القضايا الاجتماعية المهيمنة في
أيديولوجيا النظام في ليبيا، وذلك من أجل تمكينها
وتفعيل دورها في المجتمع في مواجهة وجهات النظر
والاتجاهات التقليدية التي لا تزال جزءا من
الثقافة السائدة، وتمثل هذه التوجهات التقليدية
تحديا عظيما لعملية التغيير داخل المجتمع.
ومن
بين القيم التقليدية التي لا تزال تشكل اتجاهات
الأفراد في المجتمع العربي بصفة عامة والمجتمع
الليبي على وجه الخصوص، والتي تؤكد دونية المرأة
منها على سبيل المثال: المرأة ضعيفة ذهنيا وجسديا،
المرأة جميلة ورقيقة ومزاجية، المرأة رمز للجنس
ومصدر للعار، مكان المرأة البيت، وأعمال البيت هي
وظيفة المرأة، ومن العار على المرأة ألا تتزوج،
فسيادة تلك القيم ساهمت بشكل كبير في إقصاء
واستبعاد المرأة إلى وقت قريب من ممارسة دورها في
المجتمع
وبصفة
عامة يمكن القول بأن النظام في ليبيا حاول تغيير
قيم واتجاهات الجيل الجديد تجاه المرأة عن طريق
استخدام النظام التعليمي وأدواته المختلفة مثل
المناهج والمقررات الدراسية. مع ذلك، فإن الرسالة
التي نقلتها هذه الأدوات عن المرأة كانت في
البداية ضمن إطار القيم التقليدية، فإلى وقت قريب
كانت أكثر الأفكار تكرارا وانتشارا في كتب القراءة
خاصة في مرحلة التعليم الأساسي، تلك التي تعكس
الدور التقليدي للمرأة كأم وزوجة،
وكان هناك تركيز أقل على السياسات الرسمية الأخرى
حول المرأة. ويمكن تفسير ذلك أولا:
بأن لجان تثوير المناهج كانت مهتمة بالتركيز على
الإنجازات السياسية والاقتصادية للنظام أكثر من
تركيزها على تثوير دور المرأة، ثانيا:
من الممكن أن النظام كان يأمل في أن يعطي الأولوية
للبرامج العملية لإقحام المرأة في السياسة
والأنشطة المختلفة في المجتمع (على سبيل المثال،
المشاركة في المؤتمرات الشعبية وفي النظام
القضائي) بصورة أكثر من إيلائها لتغيير وجهات نظر
الأفراد حول دور المرأة في المجتمع.
وفي
إطار ما سبق ذكره يمكن القول بأن دور النظام في
تغيير توجهات الأفراد تجاه المرأة في المجتمع، تم
اختباره من قبل الباحثة في دراسة استطلاعية شملت
500 مبحوث من طلاب وطالبات الجامعة.
أما القضايا التي شملتها صحيفة الاستبيان التي
غطتها الدراسة فهي: المساواة في الحقوق الانسانية
بين الرجال والنساء؛ دور الرجل والمرأة داخل
الأسرة؛ تولي النساء وظائف تتضمن سلطة على الرجال؛
مشاركة المرأة في شؤون الحكم والسياسية، عمل
المرأة في الجيش؛ وبعض القضايا الاجتماعية كزواج
المرأة من غير الليبيين.
أما
فيما يتعلق بنتائج الدراسة المسحية فقد تبين أنه
قد تم نقل أيديولوجيا النظام بدرجة كبيرة من
النجاح في مجال حقوق المرأة، خاصة عن طريق
السياسات العملية للنظام تجاه دور المرأة في
المجتمع، حيث أظهر الطلبة الليبيون الذكور اتجاهات
تقدمية حول مسألة الاختلافات بين الجنسين، والتي
عبروا عنها من خلال إجاباتهم باستثناء قضايا
السلطة.
يبدو
أن المبحوثات الإناث في الدراسة المشار إليها،
كانت لهن وجهات نظر نسوية قوية وذات توجهات أكثر
قوة نحو المساواة بين الجنسين، ولم يكن لدى
الغالبية العظمى من الذكور والإناث أية مشكلة في
قبول مبدأ المساواة في الحقوق الإنسانية بين
الجنسين، وكانت إحدى الاختلافات الجوهرية بين
الذكور والإناث من ذوي التوجهات الإسلامية. فمن
الواضح أن التعبير عن الإنتماء للإسلام يعني شيئا
مختلفا تماما بالنسبة للرجل عنه بالنسبة للمرأة.
فبالنسبة للنساء، فإن الإسلام والحقوق النسائية
يسيران معا، أما بالنسبة للرجال، فإنهما ليس
كذلك.
مع
ذلك، تجدر ملاحظة أنه في الوقت الذي أكدت فيه
غالبية الطلاب على مبادئ الحقوق المتساوية للنساء،
فإن ذلك لا يعني التحول بالضرورة إلى سلوكيات
فعلية. فعندما يتعلق الأمر بأمور الأسرة، والسلطة
في الوظيفة، والمشاركة في القوات المسلحة،
والأدوار السياسية للنساء، فإن غالبية المبحوثين
من الذكور أكدوا على القيم التقليدية، وكانت
النساء أكثر تأكيدا على المساواة في هذه الأمور
العملية، ومن المثير للاهتمام على وجه الخصوص أن
الإناث اللائي يعتبرن الإسلام المصدر الرئيس
للهوية أيدن بصفة عامة حقوق المرأة.
تبين
الاختلافات بين الجنسين أن أيديولوجيا النظام حول
المساواة بين الجنسين قد التقطها الذكور والإناث
بصور مختلفة، فعلى الرغم من أن أقلية من الرجال
توافق على التطبيق العملي، فإن الأغلبية تؤيد
المساواة من حيث المبدأ فقط. أما بالنسبة للإناث
فقد كان هناك التزام أقوى بالتطبيقات الحقيقية
الصادقة، وينبغي القول هنا، إن الواقع في ليبيا
يتطابق مع موقف الذكور، فالإناث يشاركن بدرجة أقل،
كما أن لهن قدرة أقل على فرض تطبيق هذه
القضايا.
خامسا:
تقييم دور
المرأة في المجتمع
الليبي:
يمكن
القول بأن أهمية هذا الجزء من الدراسة هو محاولة
رصد للجانب الحقيقي أو الفعلي لتطور حركة المرأة.
فاستنادا إلى نتائج الدراسة المشار اليها والتي
تناولت دور المرأة في المجتمع، كانت أحدى القضايا
التي تناولتها هو وصف المبحوثين للوضع الحالي
للمرأة في المجتمع الليبي، حيث سئل المبحوثون عما
إذا كانت المرأة تمتلك حاليا حقوقا كافية، فتبين
من النتائج أن 69 بالمائة من المبحوثين يوافقون
على ذلك.
ولعل من المهم الإشارة إلى الاختلاف فيما يتعلق
بهذه المسألة بين الإناث الحضريات والإناث
الريفيات، حيث تبين أن الإناث الحضريات يطمحن إلى
زيادة حقوقهن داخل المجتمع، بينما تدرك الإناث
الريفيات حدود توقعاتهن، إلا أنه ينبغي ملاحظة أن
النساء في المناطق الريفية تعمل بالتساوي في كثير
من الأحيان مع الرجال في العديد من الأنشطة خاصة
الأنشطة الزراعية.
وفي
إطار تقييم دور المرأة وحركتها في المجتمع الليبي،
فقد تم الاعتماد على إحدى تقنيات البحث المساعدة،
والتي تعتمد على التركيز الجماعي على فئة أو فئات
محددة (Focus
Groups)، .وذلك
لاستكشاف توجهات الأفراد عن طريق المقابلة
المباشرة أو عن طريق الهاتف.
وعليه
فإن هذه الدراسة أعتمدت هذا الأسلوب، وذلك من خلال
التركيز على مجموعتين من المهتمات بشؤون و قضايا
المرأة بصفة عامة، حيث تم اختيارهن بطريقة
عشوائية، وتضمنت كل مجموعة سبع مشاركات لمناقشة
الجوانب المتعلقة بتقييم دور المرأة في المجتمع. وكان
تقييم حركة المرأة ودورها في المجتمع الليبي من
خلال العينة على النحو التالي:
1.
رغم
الإنجازات التي تحققت للمرأة على المستوى الرسمي
والذي تمثل في سن القوانين المعززة لدور المرأة في
ليبيا والتي تسعى إلى تمكين وتفعيل دورها، تبرز
مشكلة جهل المرأة الليبية بحقوقها القانونية،
والسبب في ذلك
الجهل يعود إلى غيابها وعدم مشاركتها في عملية صنع
القرار على الرغم من إتاحة الفرصة لها لتشارك من
خلال مؤسسات صنع القرار في ليبيا وهي المؤتمر
الشعبي الأساسي، ما يفسر عزوف الذكور أيضا عن
المشاركة في العملية السياسية، وكذلك عدم الاعتقاد
بدرجة التأثير في عملية المشاركة السياسية، ذلك
يجعل من المشاركة السياسية نشاط قلة فقط، مما يثير
كثيرا من التساؤلات حول تفعيل وتطوير مؤسسات وبنى
وهياكل المشاركة في العملية السياسية في
ليبيا.
2.
ما تم
إنجازه على مستوى التشريع فيما يتعلق بقضايا
المرأة لم يكن نتيجة التطور الذاتي والداخلي
للعلاقات الاجتماعية، مما جعل الالتزام بتلك
التشريعات وتطبيقها أمرا شكليا، زاد ذلك في توسيع
الفجوة بين الواقع وما هو
معلن.
3.
ندرة
مشاركة المرأة وتقلدها للمناصب السياسية على مستوى
السلطة التشريعية والتنفيذية، حتى وإن تم الدفع
بها لبعض المواقع فإن تواجدها لا يتجاوز الشؤون
الاجتماعية والتعليم والبحث العلمي. ذلك يعكس
هامشية دور المرأة. كما أن ذلك يؤكد عدم تمثيل
المرأة في العديد من المجالات بما يتناسب مع
النسبة التي تحتلها في عدد السكان أو مستوى التحاق
المرأة بالتعليم بجميع مراحله.
,وما يؤكد
ذلك عمليا أنه منذ 1977
تقلدت 5 سيدات فقط منصبا في أمانة مؤتمر الشعب
العام، وهي شؤون المرأة أو الشؤون الاجتماعية منذ
سنة 2000. اما
على مستوى اللجنة الشعبية العامة، فقد ضمت
التشكيلات المختلفة للجنة الشعبية العامة منذ 1969
سيدتين فقط، تقلدتا: أمانة التعليم والبحث العلمي،
والإعلام والثقافة والتعبئة الجماهيرية.
4.
محدودية
دور المرأة في العمل النقابي وإن كان وجودها في
النقابات ملزما لانتسابها المهني لإحدى فئات
العمل، إلا أن حضورها لم يترجم في مراكز اتخاذ
القرار، وهذا يترجم غياب المرأة عن نشاطات العمل
الأهلي ومؤسسات المجتمع المدني بصفة عامة.
5.
.لعل فكرة
انخراط المرأة في مجال القضاء والنيابة من أهم
الأفكار، إلا أنه يمكن القول بأن مساهمة المرأة في
السلطة القضائية تبدو هزيلة مقارنة بدور الرجل في
هذا الجانب، ناهيك عن النظرة التقليدية التي تأخذ
من الدين ستارا للتقليل من أهمية هذا
الإنخراط.
6.
في إطار
الانتقال بالمرأة في ليبيا إلى طور التفعيل، تم حل
و الغاء الاتحاد العام للجمعيات النسائية،
والجمعيات النسائية بمختلف المناطق، وذلك بحجة أن
المرأة في ليبيا هي جزء وشريك في معظم المؤسسات
كمؤسسات صنع القرار وهي المؤتمرات الشعبية. إضافة
إلى أنه لا يوجد فصل بين الرجل والمرأة، وان
الثورة أعطت المرأة حقوقها ومن هنا لا حاجة لوجود
إتحاد نسائي للدفاع عن المرأة. وإن أي قضية تخص
المرأة ينبغي أن تطرح في المؤتمرات الشعبية.
في هذا الإطار تم تشكيل مؤتمرات شعبية نسائية في
معظم المناطق، فكل مؤتمر شعبي للذكور يقابله مؤتمر
شعبي للإناث، استمرت الفكرة لمدة سنتين ثم الغيت
على أساس أن الرجل والمرأة ينبغي أن يكونا في
مؤتمر واحد.
وفي التسعينيات من القرن الماضي برز الاهتمام
بنشاط المرأة من خلال أمانة مؤتمر الشعب العام عن
طريق أمانة شؤون المرأة أو الشؤون الاجتماعية فيما
بعد، وعلى مستوى المؤتمرات الشعبية حيث استحدثت
أمانة شؤون المرأة أو الشؤون الاجتماعية. وهو منصب
تتقلده النساء في مختلف المؤتمرات. ويمكن القول
بأن ظاهرة عدم إستقرار وإلغاء ودمج كثير من
المؤسسات ومنها المؤسسات التي تسعى إلى تدعيم دور
المرأة أدى إلى ترك فجوة على مستوى القاعدة .
فبعد أن تم إلغاء الجمعيات النسائية صدر القانون
رقم (20) لسنة 2001 بشأن تنظيم الجمعيات النسائية.
ووفقا لهذا القانون أننشئت جمعيات نسائية تتكون من
النساء بالمؤتمرات الشعبية الأساسية والمواقع
الخدمية والانتاجية.إضافة إلى تكوين رابطة
الجمعيات النسائية بالشعبية من أمانات الجمعيات
النسائية بالمؤتمرات الشعبية. وكذلك تكوين الاتحاد
العام للجمعيات النسائية من أمانات روابط الجمعيات
النسائية بالشعبيات.
7.
على الرغم
من محاولة إدماج المرأة وإقحامها في مختلف
المجالات، إلا أن المشكلة تكمن في غياب الصلاحيات
والاختصاصات الممنوحة لها أسوة بما يتمتع به الرجل
من اختصاصات.
سادسا: ملاحظات
ختامية:
من خلال
تتبع تطور حركة المرأة في ليبيا عبر الفترات
التاريخية المختلفة يمكن إبراز الملاحظات
التالية:
1.إن
التطورات والتغيرات التي حدثت في المجتمع الليبي
عبر الفترات التاريخية المختلفة، والتي لعبت دورأ
حاسما في التأثير على البيئة الاجتماعية والثقافية
والبنى السياسية والاقتصادية، كانت من ضمن العوامل
والعناصر التي أثرت وساهمت في تحديد الأسس التي
ساهمت في تطوير حركة المرأة في ليبيا.
2. اتسم
نشاط المرأة بالطابع الريادي، الذي لا يتجاوزه إلى
حركة فاعلة تكتسب وجودها من تطورها التاريخي الذي
يعتمد على التواصل والاستمرارية والاستقرار.
3. غلبة
الطابع الأيديولوجي على حركة المرأة في ليبيا خاصة
منذ ثمانينيات القرن الماضي، حيث انعكس ذلك على
البنى المختلفة التي استهدفت نشاط المرأة، لتتحول
بعض تلك البنى إلى أدوات تبشيرية دعائية أكثر من
اهتمامها بالقضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية
التي تخص المرأة.
4.
غياب التعاون وغياب الاتصال والتواصل بين
القياديات على المستوى الرسمي والقاعدة العريضة،
إضافة إلى هيمنة الفرد الواحد على النشاطات
المختلفة والمتعلقة بنشاطات المرأة المختلفة والتي
تأخذ طابعا موسميا، مما جعل الكثيرات من النشطات
في هذا المجال يفقدن الوسط الذي يعملن
به.
المراجع
أولا:
العربية:
|