اختزال العناصر.... لأريد كفناً من هذا العالم.... أجواء طليقة تمتزج بالعاطفة والتاريخ.... عُصْفُورَةُ النّارْ ومُهْرَةُ الشّعْرِ الأصِيلَة.... العالمية تكمن في قدرة الشاعر على ملامسة أحاسيس القراء....
21/08/2006 - 10:17:54 ص

للموت والحب سريرٌ واحد

تداخل وإنفصال بين وقوع الحدث وزمن السارد والمؤلف

عبدالكريم يحيى الزيباري

العراق

 

بينما ابتدأ الطاهر بن جلون روايته تلك العتمة الباهرة بعبارة(لطالما فتشت عن الحجر الأسود الذي يطهر روح الموت) .تقول مستغانمي (إن الحب والموت يغذيان وحدهما كل الأدب العالمي، فخارج هذين الموضوعين لايوجد شيء يستحق الكتابة)  لا بأس بهذا الكلام لكنَّها تسخر الموت في خدمة الحب، وتنحسر مساحة الموت كثيرا وتضيق لصالح الحب، لتعطينا صورة إنقلابية تحتاج إلى تعويض، فخليط الحب والموت هو موضوعة مستغانمي الرئيسية في كلِّ عباراتها وليس نصوصها فحسب، وهذا يقودنا إلى استجلاء المعادلة التالية التي ترتكز عليها في نصوصها:

الموت + سرير = الحب + سرير.......................مقدمة صغرى

2(سرير) + الحب = الموت ..............................مقدمة كبرى

الحياة(حب الموت) = سرير .................................نتيجة

والموت في المقدمة الكبرى يستدعي سريراً لتعويض النقص الطارئ في صورته، وهذه المعادلة هي المنشور الذي تمرُّ من خلاله صور مستغانمي في ثلاثيتها العجيبة(ذاكرة الجسد-فوضى الحواس-عابر سرير)وهي خلاصة سرد نصوصها كافة، ففي رواية ذاكرة الجسد تتخلى الكاتبة عن أنوثتها لترتدي قناع الرجل الرواي، خالد بن طوبال بطل الروايات الثلاث، المناضل والفنان الجزائري الذي قطعت يده أثناء حرب التحرير الجزائرية، وكأنَّها وهي تناضل ضد سلطة الرجل الذكورية، تسقط في فخ سلطة أخرى تحاول صياغة إمرأة من نمط خاص وهي(حياة ابنة سي الطاهر)بطلة الروايات الثلاث، التي ترضى أن تتزوج من أحد سماسرة الثورة. وفي قراءة - لـرواية عابر سرير -  نتبين أنَّ ثلاثية مستغانمي من أهم دوال العصر الحديث التي ستسهل على الأجيال القادمة الوقوف على درجة الانحطاط التي وصلَ إليها الجنس البشري، الابنة البارة لروح العصر، قبلته كما هو بسلبياته وأضافت إليه بعض التوابل، وفي لحظة من لحظات الوعي البشري، ونتيجة وهم الإغراء، صارت جميع الدوال المنبثقة من كلمات النص تعمل كوحدات فعالة تطوعت في خدمة نظام معجمي جنسي ينتمي إلى لغة جنسية محددة بزمن محدد سنرمز لها بـ(ل)، وحتى لو نجحَت الكاتبة في تجميع عناصر الإثارة والإغراء، فلن يمنعنا ذلك من محاولة قراءة مختلفة لهذه التمركزات التي تمثل قوة النص في قفزة خارج(ل).

الكاتبة تؤسطر نفسها من خلال محاولة أسطرة للواقع اليومي المعاش، ومن أهم معطيات دريدا نقد التمركز، فلكل تركيب مركز، وكل تركيب قابل للتفكيك، والنص تركيب، فهو قابل للتفكيك، ومركز النص يختلف عن تمركزه، فالمركز مهم لتفعيل حركة الدوال كالنواة في الذرة، والتمركز إضفاء مركزية وهمية لمن هو ليس بمركز، أي صورة كاذبة لحركة الدوال، ولمستغانمي عدة مراكز وتمركزات في نصها تتناقض مع الواقع والذات، تمركزها حول حقيقة أنَّها ترفض أن تمتدح نفسها وبصورة كامنة أوحت لقارئها بأنَّها أسطورة روائية، وترفض أن تُقرأ كأنثى، فاختارت السارد ذكراً في ثلاثيتها، وتمركزت حول جسد المرأة وشهوتها للرجل، ومن خلال تمركزها حول هموم الشعب الجزائري أثبتت نرجسيتها العالية، وبينما هي تمتدح الرئيس الأسبق

أحمد بن بيلا تمركزت حول وهم وطنيتها، وبينما هي تعتز باللغة العربية تمركزت حول أنَّ العقل العربي لن يخرج من بين الأفخاذ وهو يستبيح الخيانة بأنواعها كافة من الزوجية إلى الوطنية.

1-     كتابة الجسد والصورة المتوحدة

(كتابة الجسد) مصطلح يشير إلى تلك الكتابة النسائية المنطلقة من الجسد، والمصطلح أطلقته جوليا كريستيفا عام 1974 في كتابها(ثورة اللغة في الشعر).

لا يوجد نص يخلو من سارد، إذن لا يوجد نص يخلو من شيء من السيرة الذاتية السيرة الذاتية للسارد التي لا بدَّ لها من الظهور في نصوصه، كبعض الأسماك التي تخرج بين الفينة والأخرى إلى السطح، فعلاقة النص بالكاتب كعلاقة النائم بالحلم.

والسردُ أبو السارد، لأنَّ سرّ السارد يكشفه السرد الذي يسردهُ، وتنبثق منه الكثير من الصور التي مرَّت بالكاتب في حياته.

إطار الصورة

والسارد سواء بضمير المتكلم، كأن يقول(كنا جالسين في المقهى)فيتبادر إلى الذهن فوراً أنَّ السارد مصاحبٌ للحدث المسرود وموجود داخل إطار الصورة، أم يقول(كانوا جالسين في المقهى)فالسارد هنا خارج إطار الصورة لكنه مصاحب للحدث، أو يسرد الحدث عن طريق خطابات ورسائل شخصية أو حوارات مملة ومطولة، وفي أول جملة من الفصل الأول من رواية عابر سرير(كنّا مساء اللهفة الأولى عاشقين في ضيافة المطر رتبت لهما المصادفة موعداً خارج المدن العربية للخوف-ص9.)بهذه الجملة اختصرت الأحداث كلها التي تدور حول مركزية صدفة اللقاء في باريس. وهو بالضبط ما حدثَ في بداية  الفصل الثاني من ذاكرة الجسد(لم يكن القدر فيه هو الطرف الثاني، كان منذ البدء الطرف الأول، أليس هو الذي أتى بنا من مدنٍ أخرى من زمنٍ آخر وذاكرةٍ أخرى، ليجمعنا في قاعةٍ بباريس، في حفل افتتاح معرض للرسم)، هذا ملخص للثلاثية، عاشقان يلتقيان مصادفة في معرض للرسم، يا للهول هذه المصادفة تتكرر ثلاث مرات، وفي كل مرة ينبثق منها نص روائي طويل، ثلاثية تتجاوز الألف صفحة تدور حولها. الضمير نا من بنا نائب عن نحن، وفي الفصل الثاني من عابر سرير(تذكَّرتُ هذه الحادثة عندما بلغني أنّني حصلتُ على جائزة العام-ص27)تاء الفاعل من فعل الماضي تذكرت،  وفي الفصل الثالث(كنّا في خريف كأنَّه شتاء-ص51)وبدأت الفصل الرابع (برغم درايتي بعدم حضوره، ذهبتُ لحضور افتتاح معرضه الفردي-ص81)وبدأ الفصل الخامس(اشتريتُ باقة ورد وقصدته-ص105)والسادس(ثمَّ جاءت..كان آخر مكان توقعت أن تراني فيه هو باريس-ص182)لماذا لأنَّ باريس بلدةٌ عالمية ممنوعة على أولاد المَلْحَة حتى في أحلامهم وسيسعدون بالقراءة عنها أيَّما سعادة، وجميع السرديات الشهيرة بدأت بذكر شرقي يهاجر إلى لندن أو باريس، فيثبت لهم رجولته بفالوسه الذي لا يملك غيره، كما في(عصفورٌ من الشرق/توفيق الحكيم)و(موسم الهجرة إلى الشمال/الطيب صالح)هذه الفكرة داعبت حلم العقل الجماعي للشرق، وفي الفصل السابع(كنتُ شارداً بها خلف زجاج الترقُّب حين فاجأني برقُ طلَّتها-ص203)وأستاذة اللغة العربية والفرنسية تناست أن كلمة طلتها مضاف إليه وبالتالي يجب أن تكسر اللام بعلامة الجر ولا تنصبها كما فعلت، وفي الثامن والأخير(بعدها أقلتني إلى المطار-ص283)، السارد ذكر والكاتبة أنثى لا تريد أن تقرأ كأنثى كما صرحت، والسارد ضمير المتكلم-الأنا-ولطريقة السرد هذه عدة مآخذ، أهمها:

1-     لحظة قول الإنسان أنا، فإنَّه يكون قد ابتعد عن الحقيقة شبراً، وتحول إلى آخر، يحاول الهرب من مأزقٍ ما، وكلما أطال ابتعد أكثر، وسرد ضمير المتكلم، طريقة بالية حبست الرواية التقليدية في أسرها طيلة القرن الثامن عشر.

2-     لا يقدر المؤلف أن يتوارى عن ذهن القارئ، حتى وإن بدَّل الجنس، كأن يكتب الذكر بلسان امرأة والمرأة بلسان ذكر كما حدث في عابر سرير، وبالتالي فقد يؤاخذ في الأفكار التي يطرحها والإيديولوجيات التي يعتقدها وإن ساقها على لسان غيره، حيث سيكون تدخله صارخاً ومباشراً في تسيير الأحداث.

3-     قد يسقط كاتب النص أو كاتبة النص في فخ السيرة الذاتية، وهو ما حدث ربما في عابر سرير.

4-     لن ينفصل زمن وقوع الحدث عن زمن السارد وعن زمن المؤلف، بينما بفضل الضمير هو نحصل على خيارات أوسع بكثير تتعلق بزمن الحدث الذي هو زمن المؤلف والسارد.

5-     لن يمنح القارئ رؤى متغيرة، فالرؤية ستكون من جانب ضمير المتكلم الذي غالباً ما سيضيف على شخصه صفات مثالية، فهو الأب المثالي، والزوج الوفي، والصديق المخلص، والكريم السخي، والشجاع البطل، والعالم المثقف، وإن ذكر بعض السلبيات، فستكون إيجابيات، وسيعطي لقارئه صورة بالغة النقاء والذكاء وأكثر احتراماً من الجميع، ولا بدَّ أن يتميز بصفات السوبرمان وشارلوك هولمز الذي يحصل على معلومات دقيقة مما ينحدر بالنص وفق رغبة السارد إلى أوضاع غريبة ومناقضة يصعب تصديقها أو تخيلها.

6- إن أغلب عمالقة السرد بدأوا بكتابة سيرهم الذاتية، فمنهم من استأسر داخل هذا الإطار ومنهم منْ انطلق خارج ذاته، ومعظم روايات وقصص نجيب محفوظ مستوحاة من حياته الشخصية مع بعض التغييرات باعترافه لكننا لا نعثر على سطر واحد فيها يدل على ذلك.

*(السارد الأول-السارد الثاني-السارد الثالث)السارد الأول هو المؤلف، والثاني هو سارد النص، والثالث هو القارئ، والقارئ والمؤلف يستميتان في محاولة إثبات الاختلاف بينهما، فالقارئ لن يستمتع بالنص إلا بعدم تصديق أنَّ المؤلف يختلف عن السارد في النص وأنْ لا علاقة له به من بعيد ولا من قريب، كمن يشاهد فلماً هوليـودياً مرعباً لن يشعر برعب حقيــــقي ما لم يتناسء حقيقة وجود المصـور خلف الصورة المرعبة التي يلتقطها دماغه.

2-مثلث مستغانمي

ربما كان لكل نص ثلاثة محاور وهو(ما فعله جولدمان في كتابه الإله الخفي..لقد تكشفت له في مسرحيات راسين بنية متكررة من المقولات(الله-الإنسان-العالم) بينما مستغانمي تغرق في بنية متكررة تدور حول الجنس، وهو(أشبه بالحديث عن(المرحلة المصيّة)التي تشيع في شعر نزار قباني مثلاً وتتجلّى على نحوِ ما تصور المرحوم فؤاد دوارة ذات مرة في إلحاح الإشارة إلى النهود والحَلَمَات والأعضاء الجنسية للمرأة) .ولكل صورة مركز تجري عليها عملية انزياح ثلاثية الأبعاد(displacement):

* (الموت-الحب-السرير) لكل كلمة ضلع في المثلث متساوي الأضلاع، والذي يمثل بداية الشكل المنشوري، فراش الموت هو فراش الحب(ليست المهانة أنْ أكون في هذا الوضع، إنمَّا في كوني هنا أضاجع الموت في سرير، قصدتُ السرير دوماً لمنازلة الحب-عابر سرير-ص  171)إنسان يموت وفي لغة (ل)يضاجع الموت، ويضاجع الطعام والشراب والهواء والعمل، فالركيزة، حصيلة وهي إنسانٌ ضجوعٌ مضجاعٌ يضاجع كلَّ شيء!!! وهذا المثلث هو الإطار الذي يحصر ثلاثية مستغانمي، وهكذا فإنَّ البؤرة التي تدور عليها لغة رواية عابر سرير، هي الموت والحب والسرير:الموت =س، الحب =ص، السرير =ع، م =محيط الدائرة: س ص ع م  ل :     س =ص =ع/  م=س+ص+ع/    م= س3  ل

(حياة بطلة الرواية-أحلام الكاتبة)تكون وفق هذه النظرية قد عاشت ثلاث أو عشر مرات كشخصية روائية.

 -انوثة الكاتبة-أنوثة اللغة-أنوثة البطلة حياة)ثلاث(أنوثات) لكل منها ضلع في المثلث الثاني متساوي الأضلاع وهذا المثلث الثاني يقابل المثلث الأول من جهة نهاية الشكل المنشوري، أي:(س =ص =ع ل ) رغم أنَّ الكاتبة قد قالت في حوار أجرته معها مجلة زهرة الخليج:(أنا أريد أن أحاكم ككاتبة بدون تاء التأنيث وأن يحاكم نصي منفصلا عن أنوثتي، ودون مراعاة أي شيء.)لكنها نجحت بفضل تاء التأنيث، لذا تشتاق إلى قيمتها بدون تاء التأنيث، ولهذا كان بطل الثلاثية وراوي القصة رجل، لكن لو كانت الكاتبة رجلاً هل كان نصها سيأتي بهذا الشكل والمضمون؟ ولو أنَّ قباني لم يعشق النساء؟ ولو أن عجلات السيارة كانت مربعة؟ ولو أن الكاتبة لم تمتلك صفات الأنثى لما كانت عابر سرير ولا ذاكرة الجسد.

وهي تتأرجح بين فكرتي الحياة والموت كتبت نصها، وهو مثلث قائم الزاوية(الحياة-أحلام مستغانمي-الموت)، تمثل هبة الحياة الضلع المحصلة، والحياة والموت الضلع المقابل والمجاور للزاوية القائمة، أحلام = س، (بطلة القصة حياة)الحياة = ص، الموت = ع/ وحسب نظرية

فيثاغورس، في المثلث قائم الزاوية مربع المحصلة  س^2 = ص^2 + ع^2  ل فـ(حياة-أحلام-س)تكون وفق هذه النظرية قد عاشت حياةً مضاعفة في الشخصيات التي ابتدعتها.

(الأب الروحي-العشيق-الرئيس  ل) ذكريات كثيرة عن فحولة الأب الحقيقي ورجولته، وبتوارث ذاكرة الأجيال السابقة، يعلن الأب عن خياناته ويبوح لأولاده بها، أفعاله تتوارث عبر الذاكرة، يورثها عبر خلايا الجسد إلى أطفاله، وهو ما أثبته علم الجينات، والأب في الرواية، سواء  في صورة مشوهة لبطل مجاهدي الجزائر وهو يجاهد على سريره مع نساء متلفعات عل سرير زوجته بدعوى أنَّ المجاهدين يتنكرون بزي النساء، أو بصورٍ أخرى من تيار الوعي، والعشيق تارةً رسام عاشق وأخرى مصور عاشق، وذكريات متناثرة عن الرئيس النسر الذي عانى الكثير من أجل الاستقلال، وفي المجلد الرابع من الغصن الذهبي لفريزر(يرى روهايم أنَّ نواة الأسطورة هي الموت وتمجيد الأب الأول) .

(الروح-اللوغوس-الجسد ل) (الجسد-الجنس-اللذة ل)وعكس هذا التسلسل كان نسق النص، فانتقلت من التمركز حول الجسد الأسبق إلى التمركز حول الروح المعطلة لتفعيلها إلى التمركز حول اللوغوس الفاقد السلطة، وتفكيكية دريدا فندت أسبقية التمركز حول الصوت والكلام phonocentrism لصالح التمركز حول الكتابة graphocentrism وانتقل تمركز النص من الجسد bodycentrism إلى العقلlogocentric الواقع تحت سيطرة الجسد ثم إلى الروح soulcentrism وتمركزات الكاتبة هذه أبعدت القارئ عن عمد برياح قوية من الغواية والإغراء عن الكثير من المعاني التي من الممكن استخلاصها خارج دائرة ل

(ذاكرة الجسد-فوضى الحواس-عابر سرير)الرواية الأخيرة اختصرت الأولى والثانية، هذا إن لم نقل أعادتهما مع تغييرات طفيفة، وخير تلخيص لرواية عابر سرير، مقطع للشاعر أودن في قصيدته(العصر الجديد)حيث يرمز للقوى النفسية بالقوى المقهورة:(فَرِحَتْ القوى المقهورة/أنْ غَدَتْ حرة مرئية، وبلا تبكيت/أطاحت بالأبناء الذيـــــن ضلوا السبيل/واغتصبت البنات/وأصابت الآباء بالجنون)  الرواية خليط من عناصر تكررت في كل النصوص عنصر الحب، وعنصر الجنــــــس، وعنصر الايدولوجيا، وبعض التوابل من القومية والوطنــــــية في الثورة الجزائرية، بأبطالها ومجرميها ولصوصها ومستغليها.

 

صورة مستغانمي الأسطورة:

من أين جاءت شهرة الروائية؟ كيف طبعت ذاكرة الجسد عشرون طبعة؟ هل حدث ذلك مصادفة؟ هناك صورة محتملة وهي أنَّ كل طبعة طبعت 100-500 نسخة، ويقول نزار قباني على الغلاف(قرأتُ رواية ذاكرة الجسد لأحلام مستغانمي وأنا جالس أمام بركة السباحة في فندق سامولاند في بيروت. بعدَ أن فرغتُ من قراءة الرواية، خرجت لي أحلام من تحت الماء الأزرق، كسمكة دولفين جميلة، وشربت معي فنجان قهوة وجسمها يقطرُ ماءً..روايتها دوختني. وأنا نادرا ما أدوخ أمام رواية، وسبب الدوخة أن النص الذي قرأته يشبهني إلى درجة التطابق فهو مجنون، ومتوتر، واقتحامي، ومتوحش، وإنساني، وشهواني.. وخارج على القانون مثلي) ، الوصف أعلاه جاء من شيخٍ ودَّع شبابه، والتقى بهِ فجأةً يخرج من تحت الماء الأزرق، والأسطورة قد تعني معانٍي حقيقية تختفي خلف دوالها الصورية والساذجة، وهذا الاختفاء يستوجب عملية بحث وتقص، ولولا اختفاء هذه المعاني، لصارت الأساطير كياناً قائماً بحدِّ ذاته وليس وسيلة أو رسالة من مهرجان التخلف، فالأسطورة نتيجة للتخلف، فهناك من سينظر إليَّ بغضب بسبب قراءتي المختلفة لما هو مقدس عنده، فالروائية ذات ست عشرة طبعة يجب أن لا تنالها ولو لمسة نقدية رقيقة، وشنَّ أفلاطون هجومه على الشاعر بوصفه خالق أساطير، وقال في محاوراته(الإسكافي إسكافي وعامل البناء عامل بناء، والجندي جندي، ولا نريد لأحدٍ أن يكون كل هذا في نفس الوقت لذا توجب أن نكرم الشاعر ونرشه بالعطور على باب المدينة ونقول له أن لا يعود لأنه لا مكان له بيننا)وحيث كانت السذاجة الاجتماعية تأسطر كل شيء من موديلات الملابس مروراً بجمال جسد راقصة، وصولاً إلى القائد الخالد مروراً بمصطلحات نقدية مُعاد تصنيعها، والرواية متأسطرة في مخيلة القرّاء من فرط الدعاية والاهتمام، وعندما غاب المفكر حضر الصنم، وحيثما ظهرت الأسطورة سقط المجتمع وسقطت بعده الدولة، فعمر بن الخطاب(رض) منع الصحابة من مغادرة المدينة إلا بأذن خاص منه، لئلا يتأسطروا فيستميلوا الناس، كما تأسطر بعضهم بعد ذلك، وسقطت أثينا ذات الديمقراطية الأسطورية بإعدامها سقراط عدو الأسطورة ورمز العلم، واحتل العراق بأسطرة قائده، الذي غيَّبَّ ربع المفكرين، وهربَ الربع الآخر، واشترى من بقية العلماء والأدباء أذهانهم فلم يفكروا في شيء إلا في عظمته وفي ابتداع ألقاب تليق بمقامه، وقال عنه الأمريكان(أقوى رجل في الشرق الأوسط)  وعلقت عليه رئيسة اتحاد نساء العراق منال يونس قلادة فيها 99 اسماً لتقترب صورته من الإلوهية، فاحتل العراق بسقوط التمثال، ورغم المخاطر نجد المثقف الحقيقي عزيز السيد جاسم يقدم لنا(إدانة واضحة للشعراء الغواة والمتقلبين والمداحين والمتكسبين والثرثارين والذين يقولون مالا يفعلون ويذكر أفلاطون في محاوراته تأثير الشاعر الفاسد الذي يجِّمل للحاكم مساوءه)  وعابر سرير سقطت تحت التأثير المباشر لما سبقها(ذاكرة الجسد-فوضى الحواس)ولم تكن سوى لوحة دعاية ضوئية للرواية الأولى، لا بل أعادت نفس الأحداث والشخصيات أيضاً، ففي ذاكرة الجسد، السارد بضمير المتكلم، خالد، تبدأ علاقته بالحبيبة الكاتبة حنين في معرضه الشخصي الأول حيث لقاءهما الأول، والكاتبة حنين هي حياة في عابر سرير وخالد هو زيان، واللقاء الأول مع شخص آخر يتقمص شخصية خالد، ويتم في معرض شخصي ولكنَّه ليس الأول، لأنَّ خالد قد صار منذ ذاكرة الجسد رساماً شهيراً، والعنوان كان دالاً مباشراً وصريحاً لكلِّ أحداث الرواية، و(إنَّ الإيقاع الدلالي للأحداث يتشبث ببعدي(الذاكرة / الجسد)منذ بداية الرواية إلى نهايتها) ، تكرار لولا الإغراءات لكانَ أكثر من ممل، وكذلك تتحدث عن فوضى الحواس(وأقع فجأةً بين حاجاته على نسخة من كتاب فوضى الحواس تبدو منهكة لفرط تداولها نسخة بدون إهداء من الأرجح أن يكون اشتراها-عابر سرير-ص 245) متداولة تعني شهيرة، استخدمت الجسد الإنساني المخلوق بأحسن تقويم كوسيلة للمتعة واللذة التي ستؤول إلى ما آل إليه الطعام الذي تناولناه بالأمس،ويا(للروث المقدس ) .

ولا تفتأ تحاول أسطرة الروائي الجزائري كاتب ياسين، صاحب رواية(نجمة)  وملخص رواية نجمة:(رشيد والأخضر ومراد ومصطفى..أصدقاء أربعة يشغلهم الحب الذي يحمله الأربعة لامرأة واحدة وهي نجمة زوجة كامل..هي ابنة امرأة فرنسية اختطفها عشاق أربعة على التوالي..أبرزهم أبو رشيد وسي مختار، بدأت حياتها في أحشاء أمها ذات ليلة قضاها الأخيران معها في مغارة اقتاداها إليها معاً، ثم عُثر في صباح اليوم التالي على جثة أبي رشيد في المغارة ذاتها، ويتابع رشيد سي مختار في حلِّه وترحاله لكنه لا يريد قتل الرجل الذي يظنُّه قاتل أبيه ليعرف منه حقيقة نجمة، وتنمو بين الرجلين أواصر صداقة أشبه ما تكون بعلاقة الأب بابنه، إضافةً إلى إنَّ سي مختار لا يجهل أنَّهُ أبو كامل أيضاً ولم يستطع أن يمنع زواج كامل من نجمة زواج سفاح لأنَّها أخته من أبيه خوفاً من افتضاح مأساتها، ويحجُّ الرجلان إلى مكة ويفشي السي مختار السر إلى رشيد، ويقرر الاثنان أن يخطفا نجمة من زوجها كامل الذي هو أخوها لأبيها، ويقودانها إلى جبلٍ منيع يصعب الوصول إليه، وفي النهاية يسجن مراد لقتله صهر السيد أرنست لأنَّه رآه ينهال ضرباً على الخادمة الجزائرية بدون رحمة ويوقف رشيد لفراره من خدمة العلم الإلزامية، وينقطع مصطفى لكتابة مذكراته ويعود رشيد إلى مسقط رأسه في قسنطينة وطيف نجمة يتراءى للأربعة دون انقطاع، فكلهم يحبها بطريقة خاصة، شيءٌ غير مصرَّح به يجعلها مركزاً وهذا المركز استعارته مستغانمي في شخصية حياة.

قدَّم الروائي كاتب ياسين صورة مزيفة للجزائري(بعد الاستقلال) الجائع الفارغ من أية كرامة أو مبادئ إنسانية، يقتل ويغتصب ويزني ويسرق ويذهب إلى الحج، وهذه الصورة هي التي يريد أن يقرأها القارئ الفرنسي، والرواية نشرت باللغة الفرنسية، والجميع يحب نجمة المظلومة لأنَّها تمثل فرنسا أمل الجزائر الوحيد في حياةٍ كريمة، وكذلك مستغانمي قدمت باريس كقبلة أحلام الجزائريين.

تقول مستغانمي(في 29/10/1989 مات كاتب ياسين، حدث زلزال في الجزائر ولكن نشرة الأخبار ذلك المساء كانت تتضمن فتوى بثتها الإذاعة الوطنية أصدرها المفتي محمد الغزالي رئيس المجلس الإسلامي لجامعة قسنطينة ومستشار الرئيس بن جديد آنذاك يعلن فيها أنَّ مثل هذا الرجل ليس أهلاً لأن يواريه تراب الجزائر ويحرم دفنه في مقبرة إسلامية ..كانت نكتته الأخيرة أن تعطلت سيارة البيجو 504 التي كانت تنقل جثمانه-عابر سرير-ص162-163).

فساد الإنسان يسبق فساد اللغة، وفساد اللغة يتبعهُ فساد الصورة، مما يؤدي إلى تسويف دور اللغة وتحويلها إلى تابع في خدمة الرغبات الثانوية كالمال والمتعة والسلطة والإطراء والمديح المبطن، ويستمطر النفاق كبديلٍ عن الحقيقة، كمعظم أفلام هوليود التي تظهر الرجل الأمريكي سوبرمان ورامبو وكوبرا وفي كل نهاية يضحي البطل الأمريكي بحياته لإنقاذ امرأة لا يعرفها ويضع سلاحه أرضاً لأنَّ الطرف الآخر يهدد بقتل الرهينة.

وغابت أصالة الناقد فظهرتْ-عابر سرير- كرواية عظيمة قدَّمت الخطيئة في أبهى صورها، الخطيئة كضرورة من ضروريات الحياة لا كشيء مخجل يندي له الجبين خزياً وعاراً، الخطيئة كمتعة ولذة فحسب، وغالباً ما يخجل كتاب المتعة من تدوين أسمائهم(كتاب صدر في لبنان عام 1991 عنوانه-المعجم الجنسي من لسان العرب-لكنه لا يحمل اسم المؤلف مما يعني أنَّ العمل لا يليق باسم الفاعل وهو مما يستحي المؤلف منه..وجاءنا كتاب ألف ليلة وليلة غفلاً من اسم مؤلفه)  وقدمت خطاباً كان نزار قباني في أمسِّ الحاجة إليه خاصةً وهو في أواخر حياته، ليطمئنَّ على المسيرة التي بدأها، وعلى الراية التي تهرأت على الأرض وتمزقت، رواية مغوية كإعلان البيبسي والسكاير المستوردة وتعالوا إلى حيث المتعة تعالوا إلى عالم مارلبورو.

- مَنْ سيكون السيد؟

لا أحد ينكر العلاقة الوثيقة بين طبيعة اللغة الجنسية(ل) وطبيعة اشتغال الذهن البشري(ب)، وثقافة العصر(ع)ففي القرن الثامن عشر وصل الأمر(أن يكيل رجال الدين المديح لرواية باميلا من على منابرهم ويقارنونها بالإنجيل إلا إن فضيلة باميلا ليست هي التي نالت المديح بل رفضها بيع عذريتها بأي ثمن سوى الزواج) كان هذا في عام 1741. فمن هو السيد اليوم؟ (ل)أم(ب)أم(ع)؟

للإجابة على هذا السؤال يجب التمييز بين ثقافة عصر وعصر آخر، وبين نص تجاري تسويقي مشوق ومغر ناتج عن صناعة محترفة، ونص عفوي صادق وبين بنية دلالية عميقة للغة وبنية سطحية تتعلق بموضوعة واحدة(الجنس) تتشكل حبساً وسجنا للدوال، وبكلمات مختلفة هو ما سألت عنه أليس(إنَّ المسألة هي ما إذا كان بوسعك أن تجعل للكلمات ذاتها معانٍ مختلفة؟وقال همبتي دمبتي:مَنْ سيكون السيد؟هل هي الكلمات التي نستخدمها أم نحنُ الذين نستخدمُ هذه الكلمات؟)  ومستغانمي تجيب عن السؤال صراحة في رواية (فوضى الحواس) فتقول:(يحدث للغة أن تكون أجمل منا، بل نحن نتجمل بالكلمات، نختارها كما نختار ثيابنا، حسب مزاجنا ونوايانا) والكثير من الناس تتحكم ثيابهم بمصائرهم، كالذي خرج على قومه في زينته، وجيوشه تجري من تحته، رافضاً أن يرتدي درعاً ضدَّ الرصاص، لئلا تتأثر أناقته، فما أغنَتْ عنه جيوشه، وتتابع قائلة(هنالك أيضا، تلك الكلمات التي لا لون لها ذات الشفافية الفاضحة كامرأة خارجة توا من البحر، بثوب خفيف ملتصق بجسدها إنها الأخطر حتما لأنها ملتصقة بنا حد تقمصنا) حدَّ استعبادنا تقصد، فالإنسان الملتصق بشيء حدَّ التقمص، يقال عنه مجنون أو به مس، وهناك مجنون ليلى، وهناك مجنون إحدى الممثلات الهوليوديات، ونحن بصدد كاتب هو مجنون اللغة، كما تقول-عن نفسها-(ما الذي صنع من تلك المرأة روائية تواصل في كتاب مراقصة قتلاها-عابر سرير-ص16) فكيف لا نحب أن نكون من قتلاها ما دامت ستأسطرنا في رواية بعد أن تقرأنا(ولذا مات بوشكين في نزال غبي دفاعاً عن شرف قدمي زوجة لم تَكُنْ تقرأه-عابر سرير-ص11)غوايةٌ كبيرة، أنْ يشعر الإنسان البسيط أنَّه سيقرأ ويتحول إلى أسطورة، ففيهما متعة الجسد والروح، وارتباط الأسطورة بالتفكير وارتباط ل بـ ط برابط نفسي يشبه ارتباط الظلمة بالنور، من اختمار الأساطير وتفنيدها يشرق نور الحقيقة، ومستغانمي تؤسطر محاولة إزالة سيادة الإنسان لترَّسِخ سيادة الكلمات واللغة على النص.

- حبس الدوال في صور مكررة:

الاستنساخ عيبٌ كبير ومأخذٌ على المبدع، لكن عندما استنسخت السيدة مستغانمي، وعجنت روايتها ذاكرة الجسد مستخرجةً منها روايتين طويلتين، تحول العيب إلى فضلٍ عظيم وبراءة اختراع، وها هو الناقد زهير غانم يقول:(ويكون للروائية الكاتبة فضل استظهار النيكاتيف أو البوزيتيف... كما استنساخ أبطالها في عابر سرير) ، ويقول ناقد آخر وهو الدكتور عادل فريحات (وقد لعبت الروائية أحلام مستغانمي في روايتها فوضى الحواس لعبة فنية تستند إلى المقولة السابقة، إذْ أنهضت من بين السطور بطل روايتها الأولى ذاكرة الجسد وراحت تمارس معه مغامرة عشقية خيالية رامزة...) التكرار والاستنساخ يسميان هنا لعبة فنية، وهذا صحيح نوعاً ما، كما لو قلنا عن القدح نصف الفارغ نصف ملآن، لكننا نعني شيئاً آخر، ويستطرد الناقد(وكان هاجس (أحلام مستغانمي) في روايتيْها المدروستين هنا الحديث عن تاريخ الجزائر المعاصر، مُقارنة الحاضر بالماضي، مُلاحظة صيرورة هذا التاريخ زمناً للفساد والبؤس والقتل والذبح الأحمق المجنون، جاعلة من (حياة) بطلة "فوضى الحواس" صورة للجزائر التي تروم الاتحاد بماضيها، والإخلاص لتاريخها الثوري البهي، لذا أحبت (حياة) بطلاً من أبطال الثورة بوصفه رمزاً للإخلاص، وخانت، وهي العاقر، زوجها العميد (سي مصطفى) بوصفه رمزاً للغدر بالثورة) حياة وهي تخون زوجها تتجسد رمزا للوفاء، فزوجها المسؤول رمز الغدر، وخيانته نوعٌ حداثوي من الوفاء، وتستمر (حياة) في عابر سرير بالخيانة والتلذذ بها، مع المحافظة بالتأكيد على أنَّها رمز الوفاء والجهاد والنضال، وانتقد الدكتور عبدالله محمد الغذامي الشيخ النفزاوي وكتابه (الروض العاطر في نزهة الخاطر) انتقادات لاذعة وبالمقابل امتدح ابن القيم الجوزية وكتابه روضة المحبين ونزهة المشتاقين الذي قال عنه(إنَّه لا يلغي الجسد ولا يحتقره ولا يستخدمه كوسيلة شبقية شهوانية عابرة)..

ويأتي على النقيض التام من تصورات النفزاوي التي تقلص الجسد وتجرده من قيمه المعنوية والإنسانية وتجعله مجرد أداة شبقية تنحصر في شبقيتها كل الدلالات والمعاني)  فلماذا امتدح مستغانمي إذن؟ هل كانت مجاملة؟ أم ركوباً للموجة؟ أم ماذا؟...والله أعلم؟رغم أنَّ مستغانمي ذهبت أبعد مما ذهب إليه الشيخ النفزاوي قاضي الأنكحة، حيث أثبتت بنصوصها أن عقل النساء بين الأفخاذ، وهو ما أورده النفزاوي في الحكاية الأولى من كتابه الروض العاطر-ص137 (حكي أنَّ امرأةً يقال لها المعبرة، وكانت أحكم أهل زمانها وأعرفهم بالأمور، قيل لها:-أيتها الحكيمة، أينَ تجدنَ العقل مَعشر النساء؟قالت:-بين الأفخاذ)وهذه الحكاية هي نقطة ارتكاز الغذامي في نقد النفزاوي، ولو نقد كتاب(عودة الشيخ إلى صباه)لكان أقرب إلى الصواب، لأنني قرأت كتاب النفزاوي ووجدت فيه بعض المنافع ففي باب مضار الجماع يقول النفزاوي(النكاح واقفاً يهدُّ الركائب ويورث الرعاش والنكاح على جنب يورث عرج النسا، والنكاح على الفطر قبل الأكل يقطع الظهر ويقلل الجهـــــد ويضعف البصر والنكاح في الحمام يورث العمى وضعف البصر وتطليع المرأة على الصدر حتى ينزل المني وهو ملقى على ظهره يورث وجع القــــلب وإن نزل شيء من ماء المرأة في إحليل الرجل أصابه الأرقـــان وهي القتلة وصدّ الماء عن النزول يورث الحصى ويعمل الفتق) ونجد في كتاب النفزاوي من مثل هذه النصائح الكثير.

 

 

aynews

aykr

 

 

 

تصويت
هل يقوى المبدع العراقي كاتباً وفناناً على التمتع بحرية الابداع في ظل نفوذ المليشيات وتحت سلطتها؟
نعم يستطيع بلا قيود
نعم يستطيع اذا تحاشى التعرض لها
لايستطيع التمتع بحريته مع وجودها



Send email