لغةتولستوي وديستوفسكي وبوشكين تتضاءل.... تعلم الكومبيوتر أفضل من صلاة نافلة.... ثقافةالعقل تبحث عن ملجأ بين الشعر والنثر.... آغاخان: تلاقي الشعوب بتعدد ثقافاتها.... مشاعر ساخنة في صناديق بريد عتيقة....
27/10/2006 - 04:40:25 م

رؤية لإستخدامات التحليل النفسي والطاقة الزائدة عند الاطفال

تشكيل ثقافة الاطفال من خلال الالعاب

فاضل الكعبي

بغداد

 

يؤدي اللعب دوراً مهماً وأساسياً في حياة الطفل بشكل عام، وفي أنماط تنشئته الثقافية بشكل خاص، وذلك لما يشكله اللعب من أهمية وضرورة في حياة الطفل ونشاطه العام، حيث تم اعتماد اللعب كحاجة أساسية من حاجات الطفل، وكقاعدة مهمة للكشف عن ميول الطفل ونوازعه الداخلية في نشاطه الذاتي، الذي يتخذ  من اللعب ممارسة ذاتية مطلقة لتنشيط دوافعه العقلية والنفسية والحركية والخيالية باتجاه تعزيز وجوده الاجتماعي والمعرفي والثقافي، وتغذية نموه المتواصل في كافة الاتجاهات، التي  تتيح له اثبات ذاته وشخصيته.. اذ  يصبح اللعب هنا الطاقة التعبيرية الكامنة للطفل، بعد ان يتخذ منه وسيلة واضحة من وسائله المتعددة للتعبير عن نشاطه الذهني والحركي والعقلي الذي يعكس ما يكمن في داخله من طاقة ودوافع وغرائز بكل حرية وصدق، مثلما هو- اي اللعب- في نتائجه الاخرى، وانعكاساته المتعددة، لا يخرج عن كونه وسيلة مهمة من وسائل توجيه ثقافة الطفل وتوضيح اتجاهاتها.. ان ظاهرة اللعب في حياة الطفل حقيقة ثابتة، وحالة ملازمة لنشاط الطفل وسلوكه في مراحله المتعاقبة، وهذه الحقيقة لا يمكن نكرانها او تجاوزها في التعامل مع حقيقة الطفل الانسانية وحتمية وجوده، التي لا يمكن فصل اللعب عن سماتها ومؤثراتها مثلما يذهب العلماء في تأكيدهم على "ان الطفل الذي لا يمارس اللعب يعد طفلاً فاقداً" للحياة، وهذه الحقيقة قد لا يعيها الكثير من الاباء في تعاملهم مع الطفل وكيفية الاستجابة لحاجاته الاساسية، ومنها حاجته إلى اللعب.. فالبعض من هؤلاء لا يضع أي اعتبار للعب في نظرته الجادة إلى الطفل، فيهمل من حسابه اساسيات هذا اللعب ودوره في أساليب التربية والتعليم.. والبعض الآخر يعي حاجة الطفل إلى اللعب فيستجيب لهذه الحاجة استجابة عشوائية دون وعي بماهياتها ونتائجها، وذلك من خلال تركه للطفل على هواه يختار ما يحلو له من ألعاب، دون أن يكون للاب أي دور في اختيارات الطفل وأسبابها، وكذلك فسحة للمجال الواسع، امام الطفل لممارسة العابه سواء التقليدية او الالكترونية بحرية مطلقة، دون متابعة او ارشاد، وفي الحالتين تكمن الخطورة.. حيث تبرز هناك الكثير من الاثار السلبية الواضحة لهذه الالعاب، على الطفل وعلى الاسرة وعلى المجتمع على حد سواء، عندما تتوضح نتائجها فيما بعد على هذه المستويات، خاصة بعد ادمان الطفل على ممارسة هذه الالعاب بشكل متواصل دون هادٍ او متابعة، وتشعبه بآثارها السلبية التي تنعكس على سلوكه وثقافته بوضوح...

من هنا ان هناك اتجاهين اساسيين للعب، اتجاه ايجابي واتجاه سلبي، يتصارعان في  محيط الطفل، ويأخذان مجالهما وتأثيرهما إلى شخصية الطفل وثقافته وسلوكه وانفعالاته الداخلية، بحسب ما تفرزه هذه الألعاب من مؤثرات ونتائج بطابعها الايجابي أو بطابعها السلبي، فلكل منهما وجهته وفاعليته الواضحة في توجيه ثقافة الطفل وسلوكيته، اما توجيهاً ايجابياً او توجيهاً سلبياً، فالاتجاه السلبي لالعاب الاطفال يوجه هذه الثقافة نحو العنف، الذي يقود إلى سيطرة النوازع الشريرة على النوازع الخيرة في سلوك الطفل، مما يعني ان هذا السلوك أصبح ارضاً خصبة لنمو ثقافة العنف في شخصية الطفل، وهذه الثقافة السلبية، المرفوضة اجتماعياً ونفسياً واخلاقياً وثقافياً، اذا ما تنامت في غرائز الطفل وسيطرت على قدراته وانفعالاته ووعيه، فانها بالتالي ستؤدي بسلوك الطفل وثقافته إلى الانحراف والجنوح والانفلات الاخلاقي وغير ذلك من الاثار والمخاطر التي تهدد سلامة الطفل والاسرة والمجتمع، وتشكل تهديداً خطيراً يهدف إلى تقويض ثقافة الاطفال في صميمها القيمي والواقعي... وامام هذا الحال لابد من وقفة عميقة امام اللعب ودوره في حياة الطفل، ودراسة هذا الجانب دراسة علمية جادة، وهذا يتطلب  من بين المسائل الكثيرة، ان نتعامل مع لعب الاطفال ولعبهم تعاملاً  جاداً وحقيقياً يميز بين اللعب الايجابي واللعب السلبي، والعمل على تعميق ما هو ايجابي وتنشيطه في واقع الطفل بشكل متواصل وفاعل، إلى جانب العمل الجاد على تشخيص اللعب السلبي وتحييده وإيقاف تأثيراته الخطيرة على حاضر الطفل ومستقبله، ليكون حاضر الاطفال ومستقبلهم في مأمن من مخاطر اللعب السلبي.. وعلى هذا الأساس جاء هذا المبحث ليدرس خواص اللعب وطبيعته واثره في ثقافة الاطفال، مع دراسته ومناقشته الكيفية العلمية التي من خلالها يمكن التمييز بين فوائد هذا اللعب وآثاره السلبية.. منطلقين بذلك من محاور عديدة تهدف إلى توضيح ماهية اللعب، وعوالمه بشكل مختصر، وتفاعلات ذلك في نشاط الطفل وسلوكه، وصولاً إلى الغايات الأساسية التي يهدف اليها المبحث في مناقشته لقضايا اللعب واثره في ثقافة الطفل..

وفي هذا المبحث نحاول تقسيم اللعب إلى اتجاهات متعددة، حسب طبيعته، ونتائجه، بين ما هو ايجابي، وما هو سلبي، وسندخل إلى واقع اللعب للكشف عن نماذجه وممارساته ميدانياً، بغية التحقق من حجم الفائدة الايجابية. وحجم الاضرار التي يخلفها اللعب السلبي على الطفل وثقافته.. وفي كل ذلك وغيره سنسعى إلى تحليل قضايا اللعب واتجاهاته، وصولاً إلى النتائج المتوخاة، ووضع المعالجات والحلول اللازمة التي تشكل هدفاً أساسياً من أهداف هذا المبحث...

وفي البداية لابد من التعرف على أساسيات اللعب والحاجة اليه وضروراته في نظر التحليل العلمي، كمدخل لمناقشة قضايا اللعب والالعاب التقليدية بشكل عام قبل الدخول في مناقشة الافرازات السلبية والتأثيرات الخطيرة التي تنتجها الالعاب الالكترونية بشكل خاص، واثر ذلك كله على ثقافة الاطفال وسلوك الطفل..

 

الحاجة إلى اللعب

يشكل اللعب حاجة اساسية من حاجات الطفل، اذ لايمكن ان ننظر إلى الطفل ونشاطه الطبيعي بمعزل عن اللعب والحاجة اليه، بل  بات من المؤكد ان هذه الحاجة وضرورتها تأتي في   الاولوية ضمن سلم الحاجات الأساسية للطفل، وذلك لان ممارسة اللعب تشكل اساساً لطاقة الطفل، وسمة بارزة في شخصيته وطبيعته الطفلية التي لا يمكن ان تسير وتنمو بشكلها الطبيعي دون ممارسة اللعب واشباع الحاجة اليه، ضمن ما هو متاح او ما هو مطلوب من هذه الالعاب..

لقد أكد (أفلاطون) في كتاب (القوانين) على أهمية اللعب وقيمته في عالم الطفل، مثلما شدد (ارسطو) على أهمية الحاجة للعب وضرورة تشجيع الاطفال على ممارسته، كونه يشكل اساساً لنمو قدرات الطفل العقلية والجسمية والنفسية والوجدانية، ومن خلال انشغال الطفل بهذه اللعبة او ميله لممارسة تلك الالعاب دون سواها، نستطيع ان نكتشف قدرات الطفل ونقيس ميوله واتجاهاته ونشاطاته السلوكية والدرامية والابتكارية والاجتماعية ومجمل ما ينتجه الطفل في تلك المممارسة من حركات وافعال ما نتصل بالنتيجة إلى قياس مواهب الطفل وبعض سماته الابداعية وغير ذلك..

ان اللعب بطبيعته وعوامله وأساليبه مثلما يرى الدكتور محمد العطار (ينمي  مهارات التواصل والتفاعل مع البيئة المحيطة، ويزيد من قدرة الطفل على التعبير الخلاق والابداع، كما انه يتيح له مساحة من الحرية للتعبير عن نفسه في اطار مقبول اجتماعياً وممتع له وللمحيطين به.. وممارسة الاطفال للعب هو استهلاك لطاقات الطفل وتوجيهها إلى البناء لا الهدم.. لذلك فاللعب من الاشياء الاساسية في حياة الطفل، فهو يعبر عن حاجته إلى الاستمتاع أو السرور او اشباع الميل الفطري إلى النشاط والترويح، كما انه ضرورة بيولوجية لبناء شخصية الطفل المتكاملة، مثلما هو يعد وسيلة الكبار لكشف عالم الطفل ووسيلة الطفل للتعرف إلى ذاته وعالمه.. ويكاد اللعب ان يكون الوظيفة الرئيسية للطفل، حيث يقضي فيه معظم اوقاته فيأخذ اللعب مكانة مهمة في العملية التربوية، لما يقدمه من فوائد، فهو الجسر الذي يصل بين الطفل والحياة، وهو نواة تتمحور حولها حياته المستقبلية، وهو طريقة لضبط سلوك الطفل وتصحيحه)...

لقد تم تأكيد ضرورة اللعب وأساسياته والحاجة اليه في حياة الطفل لكافة مراحله، وخاصة مرحلة ما قبل المدرسة التي تصبح فيها حاجة الطفل إلى اللعب حاجة ملحة، فخلال ذلك يحاول الطفل عن طريق اللعب تقليد الاخرين ومحاكاة الاشياء في محاولة منه لا ثبات قدراته وتنميتها فمن خلال اللعب (يمكن أن يتقدم نمو الطفل في جوانبه الجسمية والعقلية والانفعالية والاجتماعية والحركية، حيث يعتبر اللعب وسيلة لاستغلال ما لدى الطفل من طاقة زائدة وتوجيه هذه الطاقة وجهات بناءة. ففهي العامين الاولين وحتى من الثالثة يكون اللعب فردياً استجابة لحاجة الطفل ورغبته في اشباع بعض  حاجاته ويتعلم الطفل أثناء اللعب بعض الأساليب والأنماط السلوكية والاجتماعية، مثل اصول اللعب، ومراعاة ادوار الآخرين، واحترامه لافكارهم وتظهر عنده روح التعاون ويكون علاقات وصداقات جديدة، ويتعرف على المثيرات الاجتماعية التي تتخلل اللعب، ويقل لعبه مع نفسه، ويبدأ لعب البنين يتمايز عن لعب  البنات)...

وبشكل عام بات من الواضح، والذي لا يخفى على احد أهمية اللعب وحاجة الطفل اليه، ولكن ينظر الكثير إلى اللعب على انه مجرد ممارسة ذاتية او جماعية للتسلية والمتعة واشغال الفراغ، ويخفى عليهم فوائده العلمية الكثيرة التي  لا عد لها ولا  حصر، فاللعب إلى جانب اهدافه في تنمية قدرات الطفل المختلفة فهو يهدف إلى (تجديد الطاقة اللازمة للنشاط، واتقان الاشارات وبناء المهارات، وارضاء الدوافع والحاجات واكتساب القدرة على التعلم وتنمية ادوات الترميز، والتعبير عن الميول والرغبات، والتمكن من مواكبة الخبرات وتنمية القدرة على الفهم وتدريب الحواس على التعقل وتوفير الابداع والتفكير المستقل.. والانتقال من الفردية السالبة إلى الجماعية الايجابية، كما يمكن للطفل ان يكتسب قيماً انسانية كثيرة مثل: العدالة والمساواة والمحبة والحرية.. وهو وسيلة اعداد الطفل للحياة، حيث يؤدي إلى نمو عملية الادراك الاجتماعي، ويساعد على الحد من مشاعر الغضب والغيرة والعدوان، ويخلص الكثير من الاطفال من الخوف والخجل والقلق وسوء  التربية، ويمكن من اشباع حاجة الطفل إلى المرح والسرور والرشاقة، وينمي القدرة على التخيل من السأم والضجر والملل).. وإلى جانب ذلك هناك اهداف اخرى عديدة للعب لا نريد التشعب في  مناقشتها، والتعرض اليها هنا.. والمهم في هذا الامر اننا ادركنا اساسيات الحاجة الملحة للعب..

 

قراءة سريعة في نظريات اللعب

وانطلاقاً من الادراك الواسع لاساسيات اللعب والحاجة اليه فقد اخذ اللعب دوراً كبيراً وأساسياً في تحليل شخصية الطفل وتفسير نشاطه وقياس  قدراته وميوله بشكل علمي يعد توسع الاهتمام باللعب ودوره، فبرزت في هذا الاتجاه عدة نظريات لعدد من العلماء- خاصة علماء النفس والتربية والاجتماع- وضعت اللعب في دائرة اهتمامها العلمي الدقيق، بعد تفسيره علمياً.. وكان من ابرز هذه النظريات:

1- نظرية التحليل النفسي لسيجموند فرويد.

2- النظرية السلوكية لسكنر.

3- نظرية الاستجمام والتلاويح للازاروس.

4- نظرية الطاقة الزائدة لفردريك شيلر وهربرت سبنسر.

5- نظرية الاعداد للعمل والحياة لكارل جروس.

6- النظرية العقلية والمعرفية لجان بياجيه.

7- النظرية التلخيصية لستانلي هول.

ان هذه النظريات وغيرها من النظريات التي درست اللعب وفسرته، تدفعنا إلى الاعتقاد الاكيد بأساسيات اللعب وأهميته في فهم النشاط العام للطفل ودراسته، في ضوء الاختبار والتحليل العلمي   الذي أكدته هذه النظريات في مفاهيمها ومقاييسها وتفسيراتها... فنظرية التحليل النفسي تنطلق في تفسيرها للعب من مبدأ "اللذة والالم" حيث يذهب (فرويد Freud) إلى ان اللعب يساعد على التخفيف مما يعانيه الطفل من قلق داخلي، وذلك لان اللعب تعبير عن رغبات دفينة.. ومن هنا يحاول (فرويد) أن يصل إلى الدوافع التي تدفع الاطفال إلى اللعب، حيث يعتقد ان ممارسة الطفل للعب تأتي تعبير عن خبرة مؤلمة، ولذلك يمكن ان يكون تكراره للخبرة المؤلمة عن طريق اللعب مصدراً للذة من نوع آخر لكنه، مع ذلك مصدر  للحصول على اللذة عن طريق مباشر.. وبنفس الاتجاه يقول: (مهما استزدنا في دراسة لعب الاطفال، فلن نستطيع أن نصل إلى ما يمكن ان يؤدي بنا إلى رأي  حاسم يقطع ترددنا بين هذين الرأيين.. نشاهد ان الاطفال يكررون في لعبهم كل ما كان له اثر كبير  في حياة الواقع، وهم بذلك يخففون من قوة هذا الاثر، حتى لكأنهم بهذا يسيطرون على الموقف، غير انه من الواضح، من الناحية الاخرى، ان لعبهم بأكمله يتأثر كله برغبة ملحة تؤدي دورا مهما   في الطفولة، الا وهي الرغبة في ان يكونوا كباراً، وان يتمكنوا من فعل ما يفعله الكبار، فلو ان طبيباً فحص حنجرة احد الاطفال او اجرى عليه عملية جراحية صغيرة لكانت هذه بالطبع ذكريات اليمة، لكن الطفل سرعان ما يتخذها موضوعاً لالعابه، وهو يستمد من هذا متعة ولذة تتآتى من ناحية اخرى لا   ينبغي علينا اغفالها، ذلك ان الطفل اذ يترك موقفه السلبي الذي ادى إلى وقوع الالم به ويتخذ موقفاًايجابياً يدفعه إلى ان ينزل في اللعب بطفل آخر مثل ما نزل به هو- قبل ذلك- من اوجاع، انما هو ينتقم لنفسه من زميله في اللعب نيابة عن الطبيب وما اوقعه به)... هذا يعني ان هناك رغبة ملحة بممارسة الخبرة السابقة وتكرارها، من قبل الطفل لدى ممارسته للعب، والاندفاع إلى هذه الممارسة.. ومع ذلك فهناك دوافع اخرى إلى جانب دافع التكرار لتلك الخبرة كما يعتقد (فرويد) في جانب آخر حيث  يذهب في قوله على انه (ينبغي ان نلاحظ انه من النادر ان نشاهد مظاهر اجبار التكرار في شكل خالص نقي، دون ان يختلط به وتتعاون واياه بعض الدوافع الاخرى.. ولقد المعنا من قبل فيما يتصل بلعب الاطفال إلى مختلف التفسيرات التي يمكن ان نفهم على ضوئها نشوء الاجبار، ذلك لانه يلوح: ان اجبار التكرار يرتبط في لعب الاطفال ارتباطاً وثيقاً بالاشباع العاجل لاحد الدوافع النظرية، ذلك الاشباع الذي يؤدي إلى المتعة والرضا، ومن الواضح ان المقاومة التي تصدر عن "الانا" في سبيل استمساكه الشديد بالكبت، تسرق في استغلال ظاهرات التحويل،حتى لكأن اجبار التكرار، الذي يحاول العلاج التحليلي  ان ينتفع به، قد وقع في حبائل الانا الذي يتعلق تعلقاً شديداً بمبدأ اللذة)... فمبدأ اللذة عند الطفل غير ما عليه مبدأ اللذة عند الراشد.. وهذا ما يفسر لنا الحاح الطفل على تكرار  الخبرة التي شعر باللذة من خلالها مرات عديدة.. مثلما يذهب (فرويد) في تأكيده على ان الاطفال لا يشبعون من تكرار خبراتهم اللذيذة ولايتهاونون في الحاحهم على وجوب تكرارها تكراراً   دقيقاً، فالصغار لايكلون ابداً من سؤال الكبير أن يعيد لعبة كان قد ارشدهم اليها او لعبها معهم وهم لا يتركونه وشأنه الا اذا كان قد انهكه الاعياء وعجز عن مواصلة اللعب.. واذا انت كنت قد اخبرت طفلاً بحكاية لطيفة فانه قد انهكه الاعياءوعجز عن مواصلة اللعب.. واذا انت كنت قد اخبرت طفلاً بحكاية لطيفة فانه يصر على سماعها منك مرة بعد مرة، مفضلاً اياها على اية حكاية جديدة، ثم هو يشترط اشتراطاً لا هوادة فيه ان الاعادة لابد ان تكون دقيقة مضبوطة، فإذا اقترف الحاكي جريمة التغيير قام الصغير بإصلاح ما اقترفه الكبير،، الذي قد  يكون الدافع الى اقترافه  جريمة التغيير رغبة في الحصول على رضا الصغير، ولا شيء في هذا يناقض مبدأ اللذة، فمن الواضح ان التكرار، أي اعادة الخبرة بالشيء الواحد، هو في نفسه مصدر للمتعة واللذة)...

هذا ما ذهبت اليه نظرية التحليل النفسي، اما النظريات الاخرى فقد ذهبت في تفسيرها للعب إلى غير ذلك.. نعرض له باختصارشديد هنا..

بالنسبة للنظرية السلوكية فقد ركزت اهتمامها باللعب على اثر البيئة في هذا اللعب، حيث يذهب اصحابها إلى ان تنشيط اللعب وازدهاره في واقع الطفل يتطلب بالدرجة الاساس استثارة البيئة المحيطة بالطفل واتصاله بالاقران واستسحان الاباء لممارسة اللعب واخضاعه لقواعد التعلم التي  تبرز من بينها الدافعية والتدعيم والمحاكاة.. مثلما اشار (سكنر Skiner) و(دولار وميللر Dollard & Miller) و(باندورا Bandura) في تأكيدهم على (ان الوفاء بالاحتياجات الجسمية هو الدافع القوي والاساسي وراء اللعب، وان النشاط الحيوي في اللعب هو استجابة لهذا الدافع، وسلوك الاطفال في   اللعب   يميل إلى التكرار بفضل التدعيم الذي يتلقاه، فإذا كوفئ السلوك فسوف يميل الطفل إلى تكراره، واذا تم تجاهله او عقابه فمن المرجح ان يقل تكراره)...

وفي نظرية الاستجمام والتوريج فينظر للعب على انه ترويج لطاقات الطفل العضلية والعصبية، وما اللعب الا وسيلة لاستعادة النشاط الذهني ووسيلة للترفيه والتسلية والرياضة، ومن خلال اللعب تتاح الفرصة لراحة الطاقة المرهقة للطفل.. حيث يرى (لازاروس Lazarus) ان وظيفة اللعب الأساسية هي راحة العضلات والاعصاب من عناء الاعمال".. وقد واجهت هذه النظرية جملة من الانتقادات والاعتراضات على مفاهيمها حول اللعب.. خاصة فيما يتعلق بوصفها للعب وتفسيره على انه فرصة لراحة الطاقة المرهقة.. فالطفل يمارس الالعاب  بشكل عام وطاقته بكامل نشاطها قبل ان يتسلل اليه الارهاق وينشد إلى الراحة...

اما نظرية الطاقة الزائدة فهي على العكس من نفسير نظرية الاستجمام والتوريج حيث تشير إلى ان وظيفة اللعب الأساسية تكمن في قدرتها على التخلص من طاقة الطفل الزائدة، وان اللعب كما يذهب (فردريك شيلر F. Shelar) و(هربت سبنسر H. Spencer) إلى ان الطفل في حياته يحتاج إلى ممارسة اللعب كنشاط لتقليل طاقته، بوصف اللعب نشاطا واضحا يعمل على التنفيس عن الطاقة الزائدة..

وهذه النظرية هي الاخرى واجهت الكثير من الاعتراضات، وذلك لان اللعب نشاط عام يمارسه كل الاطفال ولا يختصر على الاطفال من أصحاب الطاقة الزائدة..

وتنطلق نظرية الاعداد للعمل والحياة في تفسيرها لظاهرة اللعب من الدافع الغريزي للطفل، فترجع حاجة الطفل إلى اللعب إلى دوافع اساسية في النشاط الغريزي، مثلما يرى (كارل جروس Karl Gross) الذي يعزي الدافعية إلى اللعب دافعية تأتي بايعاز من الاستعداد الغريزي للحياء  والعمل وتمثل هذا الاستعداد في الواقع الذي يمثله نشاط اللعب عند الطفل.. اما في النظرية العقلية والمعرفية فينطلق تفسيرها للعب من دوافع عقلية ومعرفية على ان اللعب من وجهة نظرها يعد مقياساً للنمو العقلي والمعرفي للطفل.. حيث وصف (جان بياجيه J. Piaget) اللعب كانعكاس للعمليات العقلية والمعرفية في النشاط اليومي  للطفل وسلوكه، وان اللعب يعكس طريقة تفكير الطفل واستعدادات مرحلته العمرية واللعب في رأيه يسهم بشكل كبير في تنمية قدرات الطفل العقلية والمعرفية ويدفعه إلى توسيع مداركه وتنشيط قدراته بشكل متواصل.. حيث يمر اللعب بمراحل ثلاث اساسية تشهد تطور النمو المعرفي للطفل اولها المرحلة الحسية الحركية وتسمى مرحلة اللعب   التدريبي وثانيهما مرحلة ما قبل العمليات وتسمى مرحلة اللعب الرمزي، والمرحلة الثالثة بحسب تقسيم (بياجيه) هي مرحلة العمليات العيانية او المحسوسة في واقع الحياة.. وهذه المراحل التي وصفها (بياجيه) تأخذ على عاتقها الخطوات التتابعية للتطور في النمو العقلي والمعرفي للطفل خلال ممارسته للعب في نشاطه اليومي، وحسب قدراته في مرحلته العمرية.. وتنظر النظرية التخليصية إلى اللعب على انه تلخيص لمجمل نشاطات الكائن البشري عبرالتاريخ الانساني، حيث ترجع اللعب وصوره المختلفة إلى النشاطات الوراثية، وما تقدمه للاجيال المتعاقبة من مهارات ونشاطات وصور من موروثات الحياة متجاهلة المبتكرات الحديثة للعب ونشاطه الذي يندفع بدوافع التطور البيئي والعقلي في استحداث الاساليب والانشطة المبتكرة للعب، فلم تشر إلى هذا الاتجاه مثلما تشير إلى الاتجاهات السابقة للعب مثلما يذهب (ستانلي هول Stanly Hill) في رأيه على ان الطفل لدى ممارسته للعب فانه في هذه الممارسة يلخص الاعمال السابقة التي حفظها التاريخ على مر العصور.. وبشكل عام فان ما جاءت به هذه النظريات من آراء ومفاهيم يقترب بعضها او يبتعد في تفسيره العميق لظاهرة اللعب، يشكل جدلاً واسعاً في النظر إلى ماهية اللعب، وهذا يعني اننا امام اراء متعددة ومختلفة، كل واحد منها ينظر من زاوية خاصة، ومن قياس معين، وهذا الحال لا يدع امامنا مجالاً للمفاضلة والاختيارين هذه النظرية او تلك، بغض النظر عن شمول هذه النظرية او تلك على المعنى العام للعب، او حصول بعض المواخذات او الاعتراضات على بعض ما طرحته هذه او تلك من النظريات.. وسنكـــمل الحديث في مجال آخر من مجالات اللعب.

 

 

aynews

ayat

 

 

تصويت
اي العواصم تستحق ان تحمل صفة عاصمة الثقافة العربية في الوقت الحاضر؟
القاهرة
الرباط
تونس
بغداد
عمان
ا لرياض
ابوظبي
دمشق
بيروت



Send email