اشكالية الاصلاح في السياق الليبي

دراسة متفحصة لمشروع سيف الإسلام الإصلاحي:

"مـعا مـن أجـل ليبـيا الغـد"

إعـداد: قسم البحوث والدراسات ـ منـتدى ليبيا للتنمية البشرية والسياسية
أكتوبر 2006

تمـهــيد

منذ عدة سنوات وليبيا تعيش حالة من عدم الاستقرار ـ إن صح التعبير ـ الهيكلي والبنيوي وذلك رغم ما تشهده من إستقرار أمني وسياسي.

ويعود ذلك لدخول الدولة الليبية في مرحلة جديدة متعلقة بتحقيق بعض الاصلاحات والتحول إلى صورة أخرى من "العقد الإجتماعي" لم تتضح كل معالمها بعد.

ومنذ ذلك الحين يحاول الكثير من السياسيين والمراقبين والمحللين، وأجهزة الاستخبارات والرصد العالمية والاقليمية والمحلية، أن تتلمس الطريق الذي سوف يسلكه النظام الليبي بقيادة العقيد معمر القذافي نحو إرساء قواعد جديدة للعبة السلطة والحكم والسياسة في ليبيا.

ومما زاد في تعقيد المسألة الليبية ظهور ما يمكن أن نطلق عليه "ظاهرة سيف الاسلام" كأحد عوامل الدفع بحركة المجتمع الليبي نحو الإصلاح، في الوقت الذي لاتزال القوة الثورية التقليدية "المحافظة" تهمين على مراكز القرار ومفاصل السلطة وأدوات التنفيذ؟!

التصالح بين "الثورة" و "المجتمع"

ولذلك اعتبر بعض المراقبين أن "ظاهرة سيف الاسلام الإصلاحية" هي عبارة عن خطوة مدروسة بحكمة من قبل النظام السياسي هدفها إجراء أو تحقيق مصالحة بين الثورة الليبية ـ باعتبارها حدثا تاريخيا ومفهوما قيميا بغض النظر عن تجربتها في الممارسة السياسية على مدى 37 عاما ـ وبين الدولة والمجتمع والمواطن الذين أصيبوا جميعا بحالة من الإنهاك والاستنزاف والاحباط والإجهاد شديدة جدا، كنتيجة مباشرة للتجربة السياسية التي أفرزتها "الثورة". ويأتي ذلك انطلاقا من الشعور بالإخفاق (المعترف به الآن رسميا وعلى أعلى المستويات) في تحقق أهداف الثورة والمجتمع، وطموحاتهما وآمالهما التي كانت معقودة على ـ وعبر عنها ـ رجال الثورة في يوم 1 سبتمبر 1969، خاصة المتعلق منها بقضايا الرفاهية والتنمية والعدالة الاجتماعية.

في أغسطس الماضي ازدادت الظاهرة تعقيدا بعد أن شن سيف الإسلام القذافي هجوما كاسحا ومعلنا على مظاهر ورموز الفساد في البلاد، وهاجم الثقافة السائدة على المستوى الرسمي ـ وليس الشعبي ـ عندما طالب باستبدال ـ أو بتعبير أكثر دقة ـ الانتقال من...

·              نموذج (ماو تسي تونغ ـ الصين)... إلى نموذج (ليكواينو ـ سنغافورة)

·              ومن (الناصرية)... إلى (العولمـة)

·              ومن محاربة (البرجوازية)... إلى التحول إلى مجتمع (برجوازي)

·              ومن (الثورة)... إلى (الدولـة)....

وفي نفس السياق أكدت القوى الثورية ـ وعلى رأسها العقيد القذافي شخصيا ـ على التمسك بما تعتبره "القيم الثورية" التي قامت من أجلها "الثورة"، وعلى أن أعداء الثورة مصيرهم "السحق". وهنا بدأت تنشأ الاشكالية الحقيقية المتعلقة بالعلاقة بين "الثورة" و "الإصلاح".. وبين النظام الجماهيري والديمقراطية.. وبين حرية التعبير وسحق المعارضين.. وبين الماضي والمستقبل!!

وهكذا أصبح البعض ينظر إلى كل ما تنجزه حركة سيف الإسلام الإصلاحية ـ وإن كان بطريقة بطيئة وأحيانا غير ملحوظة ـ على أنه سيناريو مفتعل ومعد مسبقا، هدفه إشغال الناس ووسائل الإعلام، وإرضاء أطراف خارجية، والدعاية السياسية من أجل كسب الوقت واستمرار النظام السياسي القائم. ولكن هناك من اعتبرها خطوات متواضعة وأكيدة على طريق الإصلاح مع التساؤل حول مدى امكانية استمرار تلك الخطوات في نسق متسلسل ومتتابع، ومدى القدرة على ترجمتها إلى واقع؟

إشكالية الإصلاح في السياق الليبي

يدور النقاش والتباين في وجهات النظر بين جميع الأطراف المعنية حول تساؤل جوهري وعميق يمكن أن نعتبره المنبع الرئيسي الذي تصدر عنه كل المواقف والإختلافات حول مشروع الإصلاح الليبي.

التساؤل يقوم حول إمكانية نجاح سيف الاسلام في تحقيق مشروع إصلاح حقيقي في بقاء البنية السياسية للنظام الجماهيري القائم على ما هي عليه؟

فهناك فريق يفترض التعارض المطلق بين أي مشروع إصلاح حقيقي وبين البنية السياسية للنظام الليبي الحالي، ولذلك فإن وجود أحدهما يعني إلغاء الآخر.

بينما يفترض فريق آخر إمكانية قيام مشروع إصلاح حقيقي في ظل وجود البنية السياسية الحالية إذا وجدت الإرادة السياسية التامة والجازمة، من جهة، وإذا ما قام النظام بنفسه بإجراء عملية الإصلاح المنشود، من جهة أخرى. وهذا يعني قيادة سيف الإسلام، نجل العقيد معمر القذافي، لهذه العملية لأن هذه المعادلة سوف تحول دون تفاقم حالة التوتر وعدم الاستقرار التي تشهدها البلاد، وتجعل من الإنجازات الميدانية على أرض الواقع المعيار الأساس للحكم على مدى نجاح عملية الإصلاح أو فشلها.

وخلاصة القول أن مشروع الإصلاح وبنية النظام السياسي وظاهرة سيف الإسلام أصبحت في مجموعها تشكل ما يمكن أن نطلق عليه العناصر الأساسية لـ "إشكالية الإصلاح" في السياق الليبي. ونحتاج هنا أن نستطرد قليلا في الحديث عن العنصرين الأخيرين: النظام السياسي وظاهرة سيف الإسلام:

النظام السياسي

حتى هذه اللحظة يصر المواطن الليبي والمراقب الخارجي ألا ينظر إلى بنية النظام السياسي في ليبيا من خلال ما هو معلن عنه رسميا، وذلك لسبب بسيط وهو اعتقاد الجميع بأن الهياكل الرسمية للنظام الجماهيري تفتقد إلى الفاعلية والإقتدار السياسي.

وتمشيا مع تلك الفرضية، وباعتبار آخر التطورات والأحداث فضلنا التركيز على طبيعة وهوية النظام السياسي والقوى الفاعلة التي تمثل وتعكس تلك الطبيعة.

وأهم حلقة يمكن تتبعها في هذا السياق هي الحلقة الإعلامية. فهي بؤرة تصدير وترويج الخطاب الإعلامي (الرسمي) للنظام، أو ما يمكن أن نطلق عليه المصادر المخولة أو التي لها صلاحية تصدير الخطاب الإعلامي المتعلق بهوية وطبيعة النظام السياسي الليبي.

وهناك فارق كبير ـ وهو فارق نوعي وليس كمـيا ـ بين تلك الجهات الفاعلة والمتنفذة وبين وسائل وقنوات الإعلام الجماهيري.

ولم نجد أفضل من القوى التي اجتمعت في مدينة البيضاء يوم 31 أغسطس تحت سقف خيمة واحدة وبحضور العقيد القذافي شخصيا وذلك تحت مسمى "الفعاليات الثورية". ولا نعتقد بوجود ضرورة لاستشارة "عالم ذرة" كي يفسر لنا معنى تلك التسمية ومدى الرمزية السياسية التي تمثلها على أرض الواقع. وباختصار فإن تلك الفاعليات هي القوى الوحيدة التي تملك تحديد وتفسير معنى الثورة وطبيعة النظام السياسي. لقد أصبحت العلاقة بين النظام وبين تلك الفاعليات الثورية علاقة عضوية.

فكيف رأت تلك القوى في ليلة 31 اغسطس 2006 طبيعة وهوية النظام السياسي والذي يمثل من وجهة نظرهم التجسيد المادي الملموس لحقيقة الثورة؟ فلنستمع لما عبرت عنه بعض هذه الفعاليات في بياناتها الرسمية التي صدرت تلك الليلة:

·              الضباط الوحدويـون الأحـرار

"إن الطريق أمامنا واضح وهو التمسك بالمؤتمرات الشعبية والنقابات المهنية التي تثبت كل يوم أنها الهدف النهائي للجماهير الشعبية بمختلف أجناسها وأعراقها في كافة أنحاء العالم، وأن ندافع عن مكاسب السطلة الشعبية حتى لا يعود مجتمع الطبقة والمجالس النيابية وحتى تسقط إلى غير رجعة الأجرة والإيجار والإتجار والواسطة والرشوة والمحسوبية... وهذا يتطلب منا كشف وحرق كل جسور التي تؤدي إلى العودة إلى المجتمع القديم المنهار بفعل الثورة، وإن نستفيد من الفرصة التاريخية بوجود القائد صاحب النظرية لاستمرار الثورة وخلق ضمانات مستقبلية لأبنائنا من خلال الممارسة الفعلية الواعية للسلطة الشعبية رجالا ونساء".

·              "رفـاق القـائـد"

"اسمح لنا أيها القائد أن ننتهز هذه الفرصة لنؤكد لكم ولكل جماهير شعبنا أننا دوما على دربكم في انحيازنا للجماهير التي ننحني لها إكبارا ونعتز بأنتسابنا لها، درب الثورة الذي لا تراجع عنه ولا تفريط فيه حاضرا ومستقبلا، منهجا وعملا، وإن سلطة الشعب التي هي خيارنا وخيار جماهيرنا لا انحياز عنه ولا بديل لها فيه نهاية المطاف مهما حاول المشككون.. وتردد المترددون.. ودونها الموت ولأعدائها ريب المنون"...

"نؤكد على أنه لا ثورة بعد الفاتح، ولا سيد إلا الشعب، ولا مرجعية غير شريعة المجتمع، ولا قانون إلا ما صاغته وتصيغه جماهير المؤتمرات الشعبية الأساسية بإدرادتها الحرة".

·              اللجـان الثوريـة

·               "لا مناص من أن تصل الشعوب إلى السلطة حتما ولو بدرجات متفاوتة وعناوين مختلفة إلى أن تتحقق سلطة الشعب كما يعبر عنها الكتاب الأخضر، ولا سبيل غير العدالة الاجتماعية وتحرير الحاجات وكسر الاحتكار والاستغلال"...

·               "لنبدأ مرحلة جديدة الحكم فيها للشعب كل الشعب. لا حزب يحكمه ولا طائفة تتحكم فيه، والثروة كل الثروة للشعب، لا طبقة تستغلها ولا مجموعة تحتكرها"...

·               "إن إيدينا على الزناد كما كنا دائما، لقطع الطريق على أية محاولة غاشمة تمس سلطة الشعب أو ممارسة حزبية تستغل الظروف وترتد بنا إلى الوراء، وإن عدتم عدنا... وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا".

وقد صدر بيان مشترك باسم الفعاليات الثورية ككتلة واحدة، من أهم ما جاء فيه:

·               ""لتمسك الأبدي بالأخ القائد المعلم معمر القذافي قائدا تاريخيا لثورة الفاتح العظيم مجددين إيماننا بفكره واعتزازنا بقيادته"...

·               "فشل النظرية الحكومية من حكم الفرد والأسرة والقبيلة والحزب ومجموعة الأحزاب وكل إشكال النيابة والتمثيل"...

·               الفعاليات الثورية "تعلن عن استعدادها الدائم لمواجهة العملاء والانتهازيين من القوى المتخلفة الظلامية والرجعية، وتجدد التزامها بالدفاع عن سلطة الشعب الليبي وحريته"...

·               "ندعو كل أبناء الشعب الليبي من رجال ونساء والمثقفين والطلاب إلى الإنضمام للحركة الثورية لأنها حركة المستقبل التي تضمن بناء غد زاهر مشرق حر للشعب الليبي من أجل تطوير الحركة وتجذيرها وبناء سلطة الشعب بناء صحيحا".

*          *          *

المقتطفات أعلاه لا تترك مجالا للشك أو اللبس حول طبيعة هوية النظام السياسي الليبي والذي يتكون بشكل عام من "قاعدة صلبة" أطلق عليها الفعاليات الثورية وهي متمثلة في ست تشكيلات هي:

·              رفاق القائد

·              الضباط الوحدويون الأحرار

·              حركة اللجان الثورية

·              الحرس الثوري الأخضر

·              الحرس الشعبي

·              مواليد الفاتح

ولديها منهاج عمل يحدد مهامها يطلق عليه "الـبـطاقـة الخضراء".

ويتكون ايضا من "قاعدة رخوة" متمثلة في هيكلين رئيسيين هما:

·              المؤتمرات الشعبية

·              اللجان الشعبية

وهي "رخوة" لقدرتها على التكيف والتمدد والإنكماش في جميع الإتجاهات وكذلك تحمل الصدمات بمرونة كبيرة جدا. غير أنها ـ رغم ذلك ـ "قاعدة" وتحمل هذه الصفة طالما أخذت شكل المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية.

وكمثال على مدى مرونة ورخوة تلك القاعدة قدرتها على استيعاب التعديلات والتغييرات الإدارية والهيكلية والتنظيمية المتواصلة من حيث عدد المؤتمرات الأساسية وحجمها وإضافة "الكومونا" مؤخرا على بنيتها الأساسية، والتعديلات المتكررة على حجم اللجان الشعبية وعددها ومهامها... وكذلك إضافة جسم متكامل إلى تلك "القاعدة الرخوة" لم يوجد إلا في أواخر التسعينيات الماضية وهو "القيادات الشعبية الاجتماعية".

*          *          *

بعد هذا الإجمال والتصوير العام ـ غير المخل ـ لصيغة النظام السياسي الليبي وبنيته، يمكننا النظر والتدقيق في عملية الإصلاح نفسها التي يتصدى لقيادتها سيف الإسلام القذافي، وذلك من حيث إمكانية حدوثها وفرص نجاحها مع وجود تلك البنية السياسية أو تنقاضها... وبالتالي فشلها الحتمي.

·              سيـف الإسـلام.. (العامـل س)  (x-factor)

في الملتقى الأول للفعاليات الشبابية والذي تتكون عضويته من قرابة 400 ألف شاب من خلال نشاطهم في إطار ما يعرف بـ "المنظمة الوطنية للشباب الليبي" والمنعقد في 21 أغسطس في سرت... في ذلك الملتقى ألقى سيف الاسلام خطابه غير التقليدي الذي أعلن فيه عن مشروع متكامل للإصلاح تحت عنوان "مـعا من أجـل ليـبـيا الغـد".

وردت في خطاب سيف الإسلام نقطة جوهرية في غاية الأهمية وتحتاج إلى توضيح. حيث جاء ضمن خطابه أن "معمر القذافي بالنسبة لليبيين هو أبُ الجميع وقد عمل عشرات السنوات من أجل تكوين جيل الشباب". وذكر أيضا "أن هؤلاء الشباب سواعدهم وعقولهم وقدراتهم وكفاءاتهم سيعملون مع معمر القذافي من أجل تحقيق التغيير لصنع مستقبل ليبيا".

هذه الكلمات مختارة ومصممة بدقة، حيث أكد بها سيف الاسلام أنه يعمل ضمن النظام الجماهيري وملتزم بمبادئه وقيادته.

كما أراد أن يوصل رسالة مفادها أن العقيد معمر القذافي غير مسؤول عن الإخفاقات والممارسات الخاطئة من قبل القوى الثورية في الحقبة الماضية. وأكد على أن القوى الشبابية وهو شخصيا ملتزمون بالولاء لقيادة العقيد القذافي في المستقبل وذلك من تحقيق الإصلاح.

وأهم ما يفهم من حديث سيف الاسلام أنه في الوقت الذي يهاجم فيه الفساد ومن أشار إليهم ـ في أكثر من مناسبة ـ بعبارة "القطط السمان"، وممارسات القوى الثورية... ويحاول أن يضع مسافة كافية بينه وبينهم حتى لا يرتبط بما اقترفوه من كوارث في الماضي، فإنه في الوقت نفسه يؤكد ولاءه للنظام الجماهيري كفكرة ومبدأ وقيمة وكذلك ولاءه لقائده العقيد معمر القذافي.

إن هذا الفهم للقاعدة التي ينطلق منها سيف الاسلام كعامل رئيسي ضمن قوى الإصلاح لم يستقى من خطابه أمام القوى الشبابية وحسب، وإنما من خلال المتابعة والرصد الدقيق للكثير من أنشطته ومداخلاته وجهوده خلال السنوات القليلة الماضية التي برز فيها كعنصر من أنشط العناصر وأكثرها نفوذا في تركيبة النظام الليبي... وكذلك من خلال مصادر أخرى غير معلنة.

ومن خلال هذا الرصد والتحليل يمكن فهم بروز "ظاهرة سيف الإسلام الإصلاحية" من عدة زوايا، أهمها ما يلي:

·               "سيف الإسلام" نفسه بكونه إبن العقيد معمر القذافي زعيم النظام الحاكم في ليبيا منذ عام 1969 وقائد الثورة، وقدرته على تعبئة العديد من الشرائح الإجتماعية وأجهزة الدولة من أجل التصدي للعديد من الظواهر السلبية التي ارتبطت بالنظام ولمهاجمة الفساد العام والإستبداد، والتعبئة من أجل الإصلاح.

·               مرحلة "التحول" التي تمر بها ليبيا منذ عدة سنوات، وهي مرحلة غير تقليدية، خاصة من الناحية الأيديولوجية، على المستويين الداخلي والخارجي. وقد أفرز هذا التحول ـ غير المرشّد وغير المنظم بل والعشوائي في كثير من الأحيان ـ حالة من الفراغ السياسي ـ إن صح التعبير ـ ظلت تبرز شيئا فشيئا في غياب قوى سياسية أو إصلاحية أخرى مسموح لها أو قادرة أو مؤهلة للمشاركة في التوجيه والترشيد وتنوير الرأي العام أو الإستفادة من هذه الظروف للدفع بوتيرة الإصلاح.

·               السياق الاجتماعي والاقتصادي الذي تمر به البلاد وسيادة القلق في الشارع الليبي، وتشكل الرأي العام الليبي حول فكرة فشل المشروع الثوري السابق في تحقيق التنمية والرفاهية.

·               السياق الثقافي الذي يؤكد أن الشعب الليبي لا يميل إلى الراديكالية أو العنف في الوقت الذي يميل فيه إلى الحرية والتسامح والحرص على التكافل والترابط والتعاون بين أفراده وفئاته المختلفة.

·               السياق التاريخي المعاصر الذي يشعر فيه الكثير من الليبيين بأن الاجراءات الثورية "الإستثنائية" قد قمعت وسحقت وأرهبت الغالبية العظمى من أبناء الشعب ـ وخاصة الشباب وفئة الطبقة الوسطى وأصحاب المهن والحرف والأعمال الحرة ـ فثبطت عزائمهم ودمرت روح الإبداع والمبادرة لديهم. فبينما أخفقت القوى الثورية في معركتها مع أعدائها في الخارج أحرزت نصرا ـ مزيفا أو مشوّها ـ على الشعب الليبي ونخبه الواعية داخل البلاد. ولذا فعندما يأتي سيف الاسلام ويقدم وعودا بإعادة التوازن والكرامة والحرية والرفاهية إلى الحياة في ليبيا، لا بد من أن يجد ـ بالتأكيد ـ كثيرا من المؤيدين والمتفائلين والمتعاونين والمتعاطفين... وبعض النفعيين الانتهازيين كذلك.

تلك إذن هي السياقات والعوامل الأساسية التي تشكل الإطار العام الذي يمكن على ضوئه فهم "ظاهرة سيف الإسلام الإصلاحية".

·              خلاصـة مشروع سيف الإسلام الإصلاحي

القراءة المتفحصة للمشروع تجعل من الضروري التنبيه إلى أن سيف الإسلام لا يسعى إلى تغيير النظام السياسي في ليبيا أو العمل على تقويضه. فمشروعه الإصلاحي يغلب عليه الطابع التنموي والإقتصادي.

فهو يطرح رؤية لليبيا المستقبل تمتد حتى عام 2019، أي عند بلوغ "الثورة" عامها الخمسين (اليوبيل الفضي). وهذه الرؤية في حد ذاتها تؤكد أن عمل سيف الإسلام ـ إضافة إلى أنه طويل المدى ـ يتم ضمن النظام القائم ومن خلاله وليس في مسار موازٍ أو معاكس له. ويمكن اختزال المعادلة التي يتبناها سيف الإسلام ويقوم عليها مشروعه الإصلاحي في ما يلي:

"معا نحو ليبيا الغد" + مشروع الإستراتيجية الاقتصادية الوطنية = التحول (2019)

ويحتوي مشروع "ليبيا الغد" على مجموعة أهداف وبرامج في عدة مجالات وقطاعات حيوية أهمها:

·              التعليم

·              الصحة

·              أجهزة الأمن

·              المؤسسة العسكرية

·              القضاء

·              القطاع المالي

·              ملكية الأرض

·              قطاع السياحة

·              الإسكان والتخطيط العمراني

·              الإستثمار

·              الإعلام

هذا، بالإضافة إلى "المبادرة المليونية" التي تعهد بمقتضاها سيف الإسلام بتوفير جهاز حاسوب (كومبيوتر) محمول لمليون من تلاميذ المدارس في ليبيا.

ويسير المشروع يدا بيد مع "مشروع الإستراتيجية الاقتصادية الوطنية" الذي يمكن أن نعتبره الحلقة الرئيسية في مشروع "التحول" و "الإصلاح". ويقوم هذا المشروع على دراسة أعدت من قبل مجموعة من الخبراء والمتخصصين الليبيين والأجانب تقدمت بها مجموعة فوكس (Focus Group) الأمريكية إلى مجلس التخطيط العام الليبي في 9 فبراير 2006 تحت إشراف الأستاذ مايكل بورتر Michael Porter من جامعة هارفارد الأمريكية. ويمكن الإطلاع على الدراسة كاملة على موقع منتدى ليبيا للتنمية البشرية والسياسية على الرابط التالي:

http://www. libyaforum. org/images/stories//libya%20new%20dawn. pdf

انبثقت هذه الورقة من دراسة متعمقة لثلاث وثائق أساسية هي:

1.            "معا نحـو ليـبـيا الغـد": مذكرة من 90 صفحة من إعداد مؤسسة القذافي للتنمية التي يرأسها سيف الإسلام القذافي.

2.            "مشروع الاستراتيجية الاقتصادية الوطنية": النسخة الأصلية الكاملة وتقع في ما يزيد عن 200 صفحة.

3.            "مشروع الاستراتيجية الاقتصادية الوطنية": في صورتها المختصرة الصادرة ضمن مذكرة "معا نحو ليبيا الغـد".

ومن خلال دراستنا لهذه الوثائق المهمة نستطيع أن نؤكد أن فرضية وجود أي تعارض أو تناقض بين "ظاهرة سيف الإسلام الإصلاحية" والنظام السياسي الليبي هي فرضية خاطئة لا تستند إلى براهين أو أدلة مادية ملموسة.

وهذا لا يعني بالتأكيد حتمية نجاح المشروع. فهو ـ مثله مثل غيره من مشاريع الإصلاح القائمة في أي مكان من العالم ـ عرضة للنجاح، وللإخفاق كذلك. وربما توقف ذلك على عنصرين اساسيين هما الإرادة السياسية وآليات التنفيذ بما في ذلك الكوادر والعناصر البشرية التي ستتولى التنفيذ والإشراف عليه.

ولكن الخطأ أن يُحكم عليه بالفشل مسبقا لتصور أنه يتناقض مع توجهات أو سياسات النظام القائم أو يعمل على تقويضه، أو لكونه مسرحية هزيلة لكسب الوقت أو تحسين صورة النظام باعتبار أن الإصلاح سيؤدي حتما إلى تفكك النظام الحالي واختفائه.

أجل، قد يسقط النظام، ولكن لعوامل أخرى لا علاقة لها بمشروع سيف الإسلام الإصلاحي، ولا بحركة المجتمع الليبي نحو الإصلاح.

ومن وجهة نظرنا، نعتقد أن النظام لديه رغبة حقيقية في إحداث إصلاحات إقتصادية واجتماعية وإدارية، على أقل تقدير. ونرى أن لديه توجها واضحا لإعادة ترتيب البيت الداخلي الليبي في عدة مجالات لعل أهمها مجال حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والحريات العامة. ولكن الذي يصعب تحديده أو التنبؤ به هو المدى والدرجة والعمق الذي سيكون النظام قادرا على الذهاب إليها في العملية الإصلاحية.

ولعل الأهم من ذلك كله أن النظام (القيادة والنخبة الحاكمة) ليس على استعداد ـ لا اليوم ولا غدا ـ لتسليم زمام الأمور لغيره كائنا من كان... ولعله من السذاجة أن يتوقع منها التنازل أو التسليم أو التنحي. كما أن النخبة الحاكمة ليست على استعداد للتفريط في ما تتمتع به من سيطرة ونفوذ ومزايا، وإن أصبحت اليوم قابلة بدرجة أكبر من المشاركة والتقاسم مع الآخرين. أما وقد انطلقت العملية الإصلاحية وأصبح من الصعب إيقافها أو التراجع فيها، فإن الهم الأكبر للنظام أصبح هو السيطرة على مسيرة هذه العملية وأثارها وسرعتها كي لا تؤدي إلى تهديد النظام في أي من قاعدتيه "الصلبة" أو "الرخـوة"؟

إن مشروع سيف الإسلام الإصلاحي يحتاج إلى ضمانات رسمية حقيقية بأنه لن يتعرض إلى عرقلة أو إنحراف أو تحويل عن أهدافه الأساسية. ومن خلال متابعتنا لمجريات الأمور في ليبيا نعتقد أن هذه الضمانات قد قُـدمت وأن المشروع حصل على الاسناد والمباركة والمعاضدة من كل من "القاعدة الصلبة" و "القاعدة الرخوة" للنظام السياسي.

غير أن ذلك لا يعني عدم وجود قوى ذات مصالح تتضارب مع التوجهات الإصلاحية ومستحقات المحاسبة والشفافية، تسعى إلى احتواء عملية الإصلاح أو الإلتفاف عليها أو الإندماج فيها بنية قضها وفرقعتها من الداخل... ومن ثم الحد من أثارها وربما تمييعها بالكامل.

ولعل أهم مظاهر الدعم لمبادرة سيف الإسلام الإصلاحية ذلك التأييد العلني والمباشر من العقيد معمر القذافي شخصيا، وتبني كل المؤسسات والقوى المنضوية تحت عنوان "الفعاليات الثورية" المجتمعة في مدينة البيضاء تحت سقف خيمة الاحتفال بعيد الثورة في 31 أغسطس 2006.

وليس أوضح أو أدل على ذلك مما جاء في البيان الجماعي للفعاليات الثورية إذ يقول:

"نؤكد على المبادرة ـ مبادرة سيف الاسلام ـ التي طرحها الشباب وندعو المؤتمرات الشعبية صاحبة السلطة والسيادة لإقرارها وتسخير الامكانيات اللازمة لتنفيذها".

_____________

من اصدارات منتدى ليبيا للتنمية البشرية والسياسية

http://www.libyaforum.org

 

إغلاق النافذة