القطاع العام في سورية …من الحماية إلى المنافسة

الدكتور عارف دليلة

 

1- في مفهوم القطاع العام والموقف منه:

تأسيساً على المنهجية التي نهجت عليها في دراساتي السابقة عن القطاع العام[1] أؤكد وجوب عدم الخلط بين "القطاع العام"  و"الاشتراكية"  فالاشتراكية نظام اجتماعي اقتصادي كامل. له أساسه الاقتصادي وبنيانه الفوقي الخاص به. أما القطاع العام فهو ظاهرة اجتماعية اقتصادية، جزئية، موضوعية. ولدت مع ولادة الدولة وتستمر معها. بغض النظر عن طبيعة النظام الاجتماعي-الاقتصادي القائم فالدولة ظاهرة اجتماعية معقدة. نشأت مع ظهور التمايز الاجتماعي، وبالتالي الصراع الاجتماعي القبلي أو القومي أو الطبقي. حاملة في ذاتها منذ ولادتها طابعاً تناقضياً مزدوجاً: فهي، من جهة، مؤسسة اجتماعية ذات وظائف عمومية، تؤديها لصالح مجتمعها بشكل عام. ومن جهة أخرى هي جهاز طبقي تهيمن عليه الطبقة المهيمنة اقتصادياً. المالكة الرئيسة لوسائل الإنتاج، سواء في الشكل الخاص للملكية. أو في الشكل الجماعي للملكية (ملكية مجموع الطبقة المهيمنة)، مع بقاء غالبية المجتمع المالكة، أو المالكة لملكيات صغيرة أو متوسطة مبعثرة، أكثرية خاضعة ومستغلة من قبل الطبقة المهيمنة، والدولة بصفتها الطبقية هذه، على اختلاف درجة حدة هذا الطابع الطبقي من نموذج إلى آخر، تقوم بوظائف خاصة لتكريس مصالح الطبقة الضيقة التي تمثلها وتتماهى بها. على حساب وظائفها العمومية المفترضة تجاه المجتمع ككل.

وإضافة إلى التمييز بين القطاع العام والاشتراكية يجب التمييز بين مصطلحي "القطاع الحكومي" و"القطاع العام" من حيث المضمون فمصطلح "القطاع الحكومي" يشير إلى شكل الملكية دون أن يفيدنا في شيء في معرفة مضمون هذه الملكية،أي نوع المصلحة التي تتحقق من خلالها. هي مصلحة الحكومة، أو السلطة الحاكمة، كأشخاص طبيعيين، أو كبنية طبقية، أم مصلحة المجتمع بشكل عام حاكمين ومحكومين؟ أما مصطلح "القطاع العام" فإنما يشير إلى الارتباط بالوظائف العمومية التي تؤديها الدولة. كشخصية اعتبارية. في خدمة المجتمع. ومصطلح "القطاع العام" يكشف عن الانحراف عندما تقوم السلطة العامة بتسخير هذا القطاع لتلبية مصالحها وحاجاتها الخاصة. بما يتناقض مع طبيعة العمومية. وبما يتناقض مع ما تتطلبه الوظائف العمومية المناطة بالدولة تاه المجتمع.

وعلى أساس هذا التمييز طرحنا منذ محاضرتنا في ندوة الثلاثاء عام 1996 مقولة "الخاص في العام والعام في الخاص" لنعبر بـ "الخاص في العام" عن الحالة التي يكون فيها الشكل الحقوقي العام للملكية مظهراً لمضمون مناقض، خاص أي عندما تستخدم الملكية الحكومية لخدمة أشخاص السلطة وشركائهم فحسب. وفي هذه الحالة يظهر القطاع الحكومي عاماً في شكله الحقوقي فقط. لكنه خاص في مضمونه الاقتصادي الاجتماعي. وتظهر الدولة كجهاز طبقي مجرد، كسلطة خاصة منشقة إلى درجة التضاد عن قاعدتها الاجتماعية. أما "العام في الخاص" فقد قصدنا به أن يعتمد الخواص في نشوئهم وشروط وجودهم واستمرارهم وتعاظمهم اعتماداً أساسياً على استغلالهم للدولة، أو على قيام السلطة بتسخير المصالح الحكومية. مستخدمة قوى الدولة الاقتصادية والسياسية وغيرها لخدمة الخواص وتأمين نمائهم عن طريق الامتيازات والإعفاءات والاستثناءات والتجاوزات التي تتيحها لهم، وفي الحالتين نكون أمام حالة "خصخصة الدولة" ، أي غياب طابعها العمومي وطغيان الطابع الخاص عليها، سواء منظوراً للسلطة كأشخاص طبيعيين أو كمؤسسة اعتبارية. وكدور ووظائف فالقطاع الخاص في هذه الحالة يكون خاصاً في شكله الحقوقي فقط، بينما يكون عاماً في أصله ومصدر حياته ونمائه، أي في مضمونه الاجتماعي-الاقتصادي.

ولا يفوتنا أن نحذر هنا، كما حذرنا في محاضرتنا السابقة، من استخدام لمصطلح "القطاع الخاص" لجمع جميع الفاعلين الخواص في سلة واحدة مستغلاً أولئك الذين ينشأون ويعملون ويتطورون بالجهد والإنتاج وحسن الإدارة، الذين نطالب دائماً بتوفير شروط العمل الطبيعية لهم وتخليصهم من العقبات الموضوعية أو المفتعلة التي تعيق عملهم، وذلك للتغطية على أولئك "الشطار" الذين لم يتعودوا الاستثمار والمخاطرة والإنتاج الجاد وإنما اقتصروا دائماً على التكسب بالوسائل الملتوية واستغلال العلاقات الزبائنية مع البيروقراطيين الفاسدين لتناهب المصالح العامة وتفصيل القرارات والامتيازات والاستثناءات والإعفاءات على مقاساتهم المشتركة، ليحققوا ثروات خيالية بأسهل مما تستطيع المافيات وتجار المخدرات تحقيقه، وذلك على حساب تقدم الاقتصاد الوطني وحقوق جميع المواطنين، وفي كثير من الأحيان نهب القطاع العام.

إن الموقف العلمي من القطاع العام هو الموقف الذي لا يرى في القطاع العام غير ما يمثله حقيقة، وهو قيام الدولة بوظائفها التي تقوم فيها، مع توسيع هذه الوظائف لتشمل النشاط الاقتصادي أحياناً أو تركها للخواص أحياناً أخرى، ولذلك بتأثير من عوامل داخلية وخارجية مختلفة.

هذا المفهوم العلمي للقطاع العام يخلو من عبادة الأشكال، كتقديس الشكل العام للملكية بحد ذاته أو معاداة الشكل الخاص للملكية بحد ذاته، وينطبق بدلاً من مضموم الملكية أي من قدرة هذا الشكل أو ذاك على تحقيق الصالح العام، كما يخلو من المبالغة في إضفاء صفات على القطاع العام ليست من صلبه، بالضرورة، مثل اعتباره صفواً للاشتراكية أو الدفاع عنه، أو محاربته، بصفته هو الاشتراكية ذاتها، في الوقت الذي يجري فيه تجاهل السمات الأخرى الجوهرية للنظام الاشتراكي، مثل سيطرة المنتجين على وسائل إنتاجهم بدلاً من أن يكونوا، كما في الإقطاعية أو الرأسمالية، قطعة لحمية ملحقة لها، ومثل إقامة الديمقراطية السياسية لمجموع الشعب، الديمقراطية الحقيقية لا الشكلية وحسب، وبشكل عام إقامة الشروط المادية والمعنوية للتفتح الحر للشخصية الإنسانية.

إن هذا المفهوم العلمي للقطاع العام يحدد ليس فقط ذلك الموقف من القطاع العام الذي يرى أن وظيفة هذا القطاع لا تتحقق بمجرد الشكل العام للملكية بل بمقدار ما يتحقق من هذه الملكية من صالح عام لمجموع شعب[2]. وإنما يحدد أيضاً الموقف من المواقف الأخرى من القطاع العام والمصالح الكامنة لأصحاب هذه المواقف حيث يكشف مقدار الخداع والتضليل في الكثير من مواقف التمسك بالقطاع العام والدفاع عنه باعتباره فقط شكلاً حقوقياً عاماً للملكية هذا في الوقت الذي يمارس فيه أصحاب هذه المواقف من انتهازيين تحريفيين أو أعداء عضويين للقطاع العام والتي تقلب مضمونه رأساً على عقب، إذ تحوله من مصدر استقرار وسعادة ورفاه للعاملين فيه، أولاً، وللمجتمع على العموم إلى عبء ثقيل يدفع العاملون فيه، أولاً والمجتمع من بعدهم، ثمناً باهظاً لبقائه واستمراره بينما تذهب القيمة المضافة المنتجة فيه إلى حسابات وجيوب الطغمة التي تكون قد توزعته إقطاعات فيما بينها، تتناهبه بكل ما تبتدع من وسائل مجربة أو مستجدة بدءاً من لحظة إنشائه وحتى تزويده بمستلزمات الإنتاج من آلات ومواد وكل ذلك يكلف أكبر من القيمة الحقيقية، وكذلك استجرار منتجاته واقتسامها بدون قيم أو بقيم يحددون طرق سدادها وفق أهوائهم، وحتى تسليط من هم غير أهل للمسؤولية على إدارة شؤونه أو العمل فيه. دون اعتبار لشروط الخبرة والكفاءة، أو الالتزام بجودة الأداء أو تقويم أو محاسبة على نتائج الأعمال، وهكذا إلى تساقط أشجار النخيل، تباعاً أو دفعة واحد.

فمن هم أنصار القطاع العام الحقيقيون. وما هي المواقف المخلصة الصادقة في دعم القطاع العام تمكيناً له من أن يكون اسماً على مسمى. وأن يؤدي الوظائف العمومية التي تخدم مصالح الشعب. وتحقق التقدم الاقتصادي؟

بدايةً، نؤكد  أن القطاع العام ليسوا، بالضرورة، فقط من الاشتراكيين أو الذي يعتبرون موقفهم في التمسك بالقطاع العام وتطويره تمسكاً بالنظام الاشتراكي، فقد يكونون كذلك، وقد لا يكونون، وذلك بقدر ما يعتبر القطاع العام. حسب مفهومنا أعلاه، تعبيراً عن الطابع العمومي الكامن في الدولة أي دولة، فقد يكون الطابع العمومي للدولة طاغياً على وظائفها لدرجة تغيب عندها هذه الوظائف خدمة المصالح الشخصية الخاصة لأفراد معينين أو لفئة من الناس على حساب المجتمع. وقد يكون الطابع العمومي أقل من ذلك إلى هذه الدرجة أو تلك، ولكن قد يصل الأمر إلى غياب الطابع العمومي للدولة بصورة شبه كلية، كما أشرنا سابقاً، وتظهر الدولة عندها كمؤسسة خاصة، في الجوهر، وعندها تكون عملية خصخصة الدولة وقطاعها العام قد أنجزت وبدون إعلان!.

إن الأنصار الحقيقيين للقطاع العام، هم فقط أولئك الذين يدافعون عن المصلحة العامة المتحققة في القطاع العام. والمتمثلة بما يؤديه من فوائد للعاملين فيه أولاً، وللمجتمع والدولة ككل ثانياً، أو العاملين فيه وللمجتمع والدولة معاً. ودون أن تكون خدمة المجتمع والدولة على حساب العاملين في القطاع العام، وبالأحرى دون أن يسخر القطاع العام لتحقيق مصالح خاصة معينة على حساب مصالح العاملين فيه ومصالح المجتمع والدولة معاً.

إن أسوأ أشكال الدفاع عن القطاع العام هو الخطاب السياسي الذي يتمسك بشكله الحقوقي فقط فليس شكل القطاع العام غاية بذاته، بل وسيلة لتحقيق غايات أخرى، والسؤال الرئيس هو هل يمكن الارتقاء بالقطاع العام من شكل تكريس أو تعميق عبودية الناس للشروط العادية لوجودهم. وهو الدور الذي يؤديه في ظروف الجمود والتخلف والركود، إلى وسيلة لتحقيق الشروط افضل للانتقال من مملكة الضرورة إلى مملكة الحرية، والتخلص من الاستلاب الاقتصادي والسياسي؟

إن الهدف الأول لخصوم القطاع العام الظاهرين والمستترين هو إيصاله إلى حال التردي يقلب موقف العاملين فيه، قبل غيرهم، من التمسك به باعتباره موئل رزقهم وأمانهم إلى العمل مع أعدائه في التعجل بانهياره باعتباره أصبح وسيلة لاستعبادهم واستغلالهم. وذلك عندما يجدون أن الملكية العامة قد تحولت إلى قاعدة لنظام عقيم فاسد وطفيلي عاجز عن تبريز وجوده بتحقيق التقدم الاقتصادي والرفاه الاجتماعي للطبقات الكادحة ولمجموع الشعب.

إن الشعب، والعاملين في القطاع العام، لا يقومون بمهمة حماية القطاع العام انطلاقاً من موقف إيديولوجي يقدس الشكل العام للملكية، أو التزاماً بشكل سياسي أو بتوجيه سياسي محدد، وإنما بالاقتناع المدعم بالحقائق المادية الملموسة بأن القطاع العام ضرورة ووسيلة لتحقيق الرفاه والأمان لهم ولأبنائهم من بعدهم كما لا يمكن أن يتحقق لهم في غيابه.

ولكي تنشأ بيئة اجتماعية وحريصة على القطاع العام لا بد من إحداث تغيير نزعي في طبيعة شخصية العاملين في القطاع العام، بتحويلهم من مجرد "قوة عاملة إلى ذوات حرة" من موضوع الاستغلال إلى سلطة حقيقية تمثل موقفاً إيجابياً فاعلاً يمارس اتخاذ القرار فيما يخص نوعية حياتها، إنها دمقرطة الإدارة على مستوى المؤسسة وعلى مستوى المجتمع، وذلك بجعلها نابعة من القاعدة ومسؤولة أمامها.

إن التغير النوعي في موقف العاملين من عملية العمل بشكل خاص، وفي علاقتهم بمصير مؤسساتهم بشكل عام لا يتحقق إلا بإشراكهم في ملكية وسائل الإنتاج ونتائج أعمالهم، وتحمل مسؤولياتهم ثواباً أو عقاباً، ومن هنا فإن "الإدارة بالأهداف" التي لا تمس إلا البنية الفوقية لن تحقق أي أثر يذكر سوى إضاعة الزمن وإعطاء قوى العطالة والفساد فرصة سماح إضافية لتعطيل الإصلاح الحقيقي وزيادة تكاليفه، فالتغيير الإيجابي يحتاج إلى قلب شخصية العاملين من شخصية سلبية إلى شخصية إيجابية ذات مسؤولية ومصلحة في التطوير، ولا تحتاج إلى سلطة لإكراهها على القيام بمسؤولياتها على الوجه الأفضل، فالإصلاح يحتاج إلى تغيير نوعي في طريقة ارتباط المنتجين بوسائل إنتاجهم وبالمؤسسة التي ينتمون إليها. ولقد أدرك الرأسماليون هذا أكثر من الاشتراكيين البيروقراطيين الذين اعتمدوا على نظام العمل السلطوي الأحادي الاتجاه، ولقد استوعب الصينيون والفيتناميون الدرس ففتحوا في السنوات الأخيرة باب المشاركة في ملكية المشروعات الحكومية أمام العاملين في المشروع وحتى أمام الشعب، وكنت قد اقترحت إشراك العاملين في الملكية وتوزيع نسبة بسيطة من أسهم الشركة عليهم دون مقابل في البداية ثم زيادة هذه الملكية تدريجياً عن طريق مراكمة الأرباح السنوية. وبالتالي تحويل العاملين إلى جمعية عمومية للمساهمين يشاركون، حسب نسبة ملكيتهم، في اختيار عدد أعضاء مجلس الإدارة يتناسب مع نسبة ملكيتهم في رأس المال ومحاسبتهم ووضع خطط العمل ومتابعتها، وذلك في "مشروع النقاط الخمس لإصلاح القطاع العام" من خلال محاضرتي في ندوة الثلاثاء عام 1992 بعنوان: "القطاع العام ودوره في التنمية" بل وتقدمت بمقال إلى "البعث الاقتصادي" (استجابة لنداءاتها حين صدروها للاقتصاديين للكتابة فيها) أقترح فيه شكلاً قانونياً جديداً للشركات المساهمة الرأسمالية يحقق دمقرطة الإدارة الرأسمالية، ويعطي الاعتبار لجميع فئات المساهمين مهما بلغت مساهمتهم ويمكنهم من إيصال ممثليهم إلى مجلس الإدارة، وذلك كتعديل جوهري للشكل الحالي الذي يمكن عدداً محدوداً فقط من المساهمين من احتكار الإدارة والتصرف برؤوس أموال عشرات آلاف المساهمين المستبعدين قانوناً من إمكانية المشاركة في الإدارة وقد أسميت هذا النظام "الرأسمالية العربية[3]".

2- بيئة عمل القطاع العام: القطاع العام محكوم وليس حاكماً

لا يجوز الحكم على ظاهرة محكومة، تابعة، إلا من خلال معرفة مضمون بينها وبين حاكمها أو متبوعها والقطاع العام ليس ظاهرة اجتماعية اقتصادية مستقلة بل هو محكوم بالسلطة التنفيذية بصورة مباشرة من خلال الأشخاص الطبيعيين الذين تختارهم له، ومن خلال القوانين والأنظمة والقرارات والتوجيهات التي تصدرها لهم ومختلف الأتاوات التي تفرض عليه.

إن الملاحظة البارزة فيما يخص إدارة الاقتصاد والمجتمع التي تمارسها السلطة التنفيذية هي أننا شهدنا في العقود الماضية ثباتاً في الإدارة السياسية العليا، وعلى العكس، تنوعاً واختلافات واسعة في أساليب الإدارة العامة التنفيذية، وذلك بقدر الاختلاف في الخصائص الشخصية لرجالها، مما يشير إلى طغيان الطابع الشخصي في الإدارة على المحددات العلمية الموضوعية، وإلى اختلال توازن السلطات وضعف مؤسسة الدستور والقانون، وذلك إلى درجة يصح معها القول إننا بحاجة إلى باحثين في علم تحليل الشخصية والسلوك أكثر من حاجتنا إلى باحثين اقتصاديين اجتماعيين، إذا أردنا التنبؤ بما سيفعله رجال الإدارة العامة أو لتفسير ما فعلوه، هذا ما يدفع بعض الباحثين الأجانب في دراستهم للتطور الاقتصادي –الاجتماعي في سورية خلال العقود الماضية إلى التركيز على شخصية متخذي القرار وعلى كيفية اتخاذ القرار في الممارسة الواقعية إلى درجة تسمية هذه العملية بـ "الاقتصاد السياسي لسورية" كما فعل الباحث الألماني المستعرب "فولكر بيترس" في كتابه الذي صدر قبل عدة سنوات تحت نفس العنوان.

إن الاختلافات الواسعة في الأداء والنتائج، مثلاً، بين حكومتي النصف الأول من الثمانينيات والتسعينيات لا يمكن استقراؤها من مجرد متابعة الخطاب الرسمي، وهذه ملاحظة هامة أخرى لذلك فإن الباحثين لا يتوقفون عند الخطاب الحكومي الرسمي للحكومات السابقة، لأنهم يجدون فيه منسوخات خطاب واحد لا يستطيع المتتبع له التعرف من خلاله على خصائص الواقع الاقتصادي-الاجتماعي في اللحظة المعينة والذي يفترض أن الحكومة تنطلق منه لتعمل على تطويره وتحسينه.

فالخطاب الحكومي في مجال إدارة الاقتصاد والمجتمع كان هو نفسه في الأحوال الجيدة كما في الأحوال السيئة وفي ظروف الحرب كما في الظروف العادية، على مبدأ "مستورة والحمد لله!" لكن النتائج العملية كانت تختلف وتتناقض ما بين حكومة وأخرى أكثر بكثير مما لو كان تبادل الحكومة حزبان متعارضان. يمكن تمييز شيئين ثابتين فقط هما منهج الإدارة الاقتصادية، وسوء الأداء الاقتصادي، الذي جعل الحصائل الاقتصادية، على اختلافها الكبير في الشكل، متفقة في الجوهر، ويكفي برهاناً على ذلك أن نقول أن متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي على مدى عشرين عاماً وأن مستوى الأجر الحقيقي قد انخفض بدلاً من أن يتضاعفا مرتين على الأقل كما حصل في بلدان أخرى لا تتمتع بما تتمتع به سورية من إمكانات وميزات! وهذا يعني أن النمو الاقتصادي لم يواكب حتى نمو السكان، وكأن حكوماتنا قد استجابت لنداءات نادي روما الشهيرة التي أطلقها في السبعينيات إبان الأزمة الاقتصادية العالمية لضرورة وقف النمو (Zero Growth)  أو النمو صفر، محملة شعبنا مسؤولية حماية مستقبل البشرية من الفناء!

والمشكلة في الخطاب الاقتصادي لم يكن يخضع لأي مراجعة أو مساءلة، لا عند صياغته ولا عند متابعته هذا إذا كان يخضع لأي متابعة على الإطلاق، وإذا حصل وجاء الخطاب في المناسبات على الوقائع والأرقام فإنه كان شغوفاً بالتدليل على الإنجازات بالأرقام الإحصائية بالأسعار التضخمية الجارية ليبين بأن ما يفعلونه يقارب المعجزات والخوارق، والتي لا تستطيع أن تقلل منها الحقائق المعاكسة المعاشة على أرض الواقع، لقد أصبح المواطن يشتهي ويتشوق أن يسمع خطاباً بسيطاً يقول له: أشرقت الشمس، غربت الشمس، جاء الربيع، ذهب الشتاء، انخفض الإنتاج ارتفع الإنتاج، ازداد التهريب، اتسع الفساد، حوصر الفساد، ارتفعت المسروقات، استرجعنا المسروقات ميزانية الدولة وليس إلى جيوب البعض! إننا أصبحنا نعتبر حتى هذا الخطاب الفطري البدائي "تقدماً علمياً" يشار إليه بالبنان! هذه هي بعض ملامح بيئة عمل القطاع العام في المراحل المنصرفة من حياته، ولا يمكن تفهم أوضاعه والحكم على وقائع سير أعماله إلا من خلال الأخذ بالاعتبار لخصائص هذه البيئة التي تحكمه وتنعكس عليه.

ولكننا شئنا أم أبينا دخلنا في الألفية الثالثة للميلاد والتي ستؤرخ بتقويم جديد اسمه عصر العولمة والإنترنت ومع ميلاد التقويم الجديد لا يمكن الاستمرار بالحديث بلغة العصر السابق، كما أن الحديث بعد الهجرة بلغة الجاهلية وبعد المسيح بعقيدة اليهود لم يعد جائزاً، وبغض النظر عن رؤيتنا للعولمة والإنترنت فإن نمط الحياة، أو "نحلة المعاش" حسب تعبير ابن خلدون، بدأت نشهد انقلاباً نوعياً مقارنة بجميع نحل المعاش التي عرفتها البشرية في عمرها السابق، وإن أحداً لا يستطيع التنبؤ بما يحمله هذا الانقلاب من مفاجآت لجميع مناحي الحياة خلال السنوات القليلة القادمة، فكيف إن يوم عصرنا لعام من الزمن الذي مضى!

أمام هذه الحقيقة الجارفة لا بد من تصعيد التساؤلات الملحة حول الوقائع المحيطة بنا، وحول مستوى استعدادنا للتعامل مع العالم في وضعيته الراهنة والمستقبلية، والمكانة التي نتوقعها لأنفسنا في قطار هذا العالم بخلاف تلك المكانة التي انشغل البعض بحجزها لأنفسهم في المركبات الخلفية من قطار العولمة تاركين شعبهم يراوح في مكانه في خضم الفقر والتخلف الناجم عن سلوكياتهم وممارساتهم المستهترة بالمسؤوليات التي أوكلت إليهم على مدى سنوات طويلة لم يشعروا خلالها للحظة واحدة أنهم وشعبهم يركبون مركباً واحداً إما أن ينجو معاً أو يغرقوا معاً.

إن المهمة الأعظم التي تواجهنا في العصر الجديد هي إيجاد سبل الخروج من حالة غياب الوعي وموت الإحساس بالزمن وضرورات المواكبة، والتخلص من مرض التبلد الذهني تجاه كل ما ترتبه تساؤلات وتحديات هذا العصر من واجبات ومسؤوليات. وتعبئة للإمكانات المادية وللطاقات البشرية، ولكن كيف يمكن ذلك والناس مشحونون للعمل ضد أنفسهم، بوعي وبدون وعي، والأمر سيان لديهم بين الصواب والحق وبين الخطأ والباطل. وكيف يمكن ذلك والناس يرفضون أن ينظروا إلى غير وجوههم في المرآة. ويرفضون أن يصغوا إلى غير صوتهم، أو الاعتراف ببشر غير بشرهم، أو الاقتناع بأن لا تناقص إطلاقاً بين صالحهم الخاص والصالح العام حتى عندما يكون ثمن الصالح الخاص ليس الانتقاص من العام فحسب بل دمار العام كله.

3- سمات هامة لاقتصادنا ولقطاعنا العام يجب التوقف عندها:

من الإحصائيات الرسمية استقينا بعض المعطيات التي ترسم لنا بعض الملامح الهامة للاقتصاد السوري المعاصر وللقطاع العام والسياسات الاقتصادية الحكومية:

1- تضاعف الإنتاج الإجمالي 120.6مرة بالأسعار الجارية ما بين 1970-1997، 4.5 مرة بأسعار 1995 الثابتة مما يشير إلى الأثر الكبير للتضخم. والذي يعبر عنه الخفض الضمني للناتج المحلي الإجمالي والذي بلغ حسب تقرير البنك الدولي لعام 19908-1999 (المعرفة من أجل التنمية) 15.3% سنوياً في الفترة 1980-1990 و8.7% سنوياً في الفترة 1990-1997، ويعبر بهذا المؤشر عن معدل التضخم.

2- انخفاض الإنتاجية في الاقتصاد الوطني ويستدل على ذلك من ارتفاع نسبة الاستهلاك الوسيط في الإنتاج الإجمالي من 38% عام 1980 إلى 44% عام 1990 ولتستقر عند 42% في التسعينيات، وبالمقابل انخفاض نسبة الناتج المحلي الصافي من 61% من الإنتاج المحلي الإجمالي لعام 1980 إلى 54% عام 1995 ولتستقر عند 56% في التسعينيات، مما يشير إلى تردي مستوى الأداء الاقتصادي معبراً عنه بالقيمة المضافة المتناقصة. وانعدام أثر التجديد والتطوير في لقاعدة المادية-التقانية للإنتاج.

3- ضآلة نسبة اهتلاك رأس المال الثابت في الناتج المحلي الإجمالي وتبلغ 2% فقط (وبالقيمة بأسعار 1995 الثابتة بلغ التكوين الرأسمالي في الاقتصاد الوطني 155 مليار ل.س. منها 58 مليار ل.س. فقط اهتلاك آلات وتجهيزات) وذلك لعام 1997 وهو مؤشر من مؤشرات الاقتصادات المتخلفة والذي يعكس ضعف القاعدة المادية-التقانية للإنتاج، وضعف الادخار القابل للاستثمار. كما يشير إلى ذهاب الاستثمارات الجديدة إلى المشروعات الجديدة وإهمال تجديد رأس المال الثابت في المشروعات القائمة، مما أدى إلى انخفاض الإنتاجية وارتفاع تكاليف الإنتاج وتدهور القدرة التنافسية في جانبي السعر والنوعية للإنتاج الوطني.

4- انخفاض الاستثمار في الفترة 1986-1999 بشكل ملموس عم مستواه في الفترة السابقة من الثمانينيات والسبعينيات مع بعض الارتفاع في النصف الأول من التسعينيات، والتراجع في النصف الثاني من التسعينيات.

5- انخفاض نصيب الاستثمار العام في مجمل الاستثمار من 67.5% عام 1970 و66.3% عام 1985 إلى 42.6% عام 1990 و43.5% عام 1995، ليرتفع إلى 58.9% عام 1997 وذلك مقابل ارتفاع الاستثمار الخاص من 32.5% عام 1970 إلى 33.6% عام 1985 وإلى 57.4% عام 1990. ولكنه لينخفض إلى 56.5% عام 1997 وإلى 41% عام 1997، رغم انخفاض الحجم المطلق للاستثمار العام في النصف الثاني من التسعينيات.

6- الاعتماد شبه الكامل في تمويل الاستثمار على عجز ميزان التعامل مع العالم الخارجي، أي الموارد الخارجية، إذ أن إجمالي الاستهلاك يتقارب مع إجمالي الناتج المحلي الإجمالي، وذلك منذ 1970 حتى أواسط التسعينيات حيث أصبح الاستثمار يمول إلى حد كبير من فائض الناتج المحلي عن الاستهلاك، أي من الادخار المحلي. بعد تناقص التمويل الخارجي من جهة، وانخفاض معدل الاستثمار نفسه، من جهة ثانية، ونتيجة لتخفيض الاستهلاك الناتج عن انخفاض معدل الدخل الفردي والأجور.

7- وإن المؤشر الذي يعبر عن التأثير المركب للمؤشرات السابقة هو معدل النمو، ويبين الجدول التالي معدل النمو السنوي في الاقتصاد الوطني وفي قطاعاته الثلاث.

معدل النمو السنوي الإجمالي والقطاعي للناتج الحلي الإجمالي (%)

1987-1990

1981-1986

1966-198

1953-1965

البيان

3.5

1.5

8.7

6.7

معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي العام

-2.3

-1.4

4.8

3.6

معدل النمو في القطاع الزراعي

11.8

0.6

12.2

9.2

معدل النمو في القطاع الصناعي

-1.5

2.9

9.0

8.2

معدل النمو في قطاعات الخدمات

ملاحظة: 1953-1965 محسوبة بالأسعار الثابتة لعام 1963، من المجموعة الإحصائية لعام 1972

          1966-1990 محسوبة بالأسعار الثابتة لعام 1985، من المجموعة الإحصائية لعام 1992.

وحسب تقرير البنك الدولي المذكور أعلاه بأن معدل النمو السنوي خلال الفترة 1980-1990 (1.5%) سنوياً وارتفع خلال الفترة 1990-1996 إلى 6.9% سنوياً مع الإشارة إلى أنه بلغ خلال عامي 1996-1997 (2%) سنوياً، وحسب بعض التقديرات كان خلال عامي 1998-1999 أقل من 1% سنوياً. مع وجود تقديرات أخرى تقول أنه كان سالباً.

8- إن البنية القطاعية للاقتصاد السوري لم تشهد تطوراً يوحي بأي تقدم نوعي على مدى العقود الثلاثة السابقة كما تشير بيانات المجموعة الإحصائية عن تطور أنصبة القطاعات الاقتصادية في الناتج المحلي الإجمالي:

تطور أنصبة القطاعات الاقتصادية من الإنفاق على الناتج المحلي الإجمالي (%)

1997

1990

1980

1970

القطاع

30

30

32

33

الزراعة

14

13

7

10

الصناعة والتعدين

5

4

8

5

البناء والتشييد

22

25

26

26

تجارة الجملة والمفرق

13

10

7

9

النقل والموصلات والتخزين

5

4

5

5

المال والتأمين والعقارات

2

2

3

3

خدمات المجتمع والخدمات الشخصية

9

12

12

9

الخدمات الحكومية

فمن أرقام الجدول السابق يتبين أن التغير الأهم كان من نصيب قطاع النقل والمواصلات والتخزين الذي ارتفعت نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي من 9% عام 1970 إلى 13% عام 1997، وكذلك الصناعة والتعدين: من 10% عام 1970 إلى 14% عام 1997، ويرجع السبب الأهم في ارتفاع نصيب قطاع النقل والمواصلات إلى تركيز الاستثمارات الناجمة عن قانون تشجيع الاستثمار لعام 1991 في قطاع النقل حتى انتقلنا من أزمة النقص إلى أزمة الفائض في وسائل النقل والشحن والتي ينتج عنها ارتفاع تكلفة وهدر كبير للموارد. وأما السبب الأهم لارتفاع نصيب قطاع الصناعة والتعدين فهو الارتفاع الكبير في إنتاج النفط في التسعينيات. ولكن دون أن ينعكس ذلك إيجابياً بأس شكل لا على الاستثمار ولا على مستوى المعيشة بل مع التردي المتزايد في هذين المؤشرين كما رأينا.

9- نتيجة السياسات الاقتصادية الجديدة تغيرت أنصبة كل من القطاعين العام والخاص ي الإنتاج الصناعي والناتج الصناعي المحلي الصافي، كما تبين الأرقام التالي (بالأسعار الجارية، مليار ل.س.):

تطور أنصبة كل من القطاع العام والقطاع الخاص في الإنتاج والناتج المحلي الصافي

صافي الناتج المحلي الإجمالي للصناعة

الإنتاج الصناعي

البيان

مجموع

قطاع خاص

قطاع عام

مجموع

قطاع خاص

قطاع عام

 

18.1

9.1

5.6

0.5

 

3.2

3.4

0.2

-

 

14.9

5.7

5.4

0.5

 

39.8

31.2

6,6

2.0

 

88

8.4

0.4

-

 

31.00

22.8

6.2

2.0

1985

مجموع الصناعة

صناعة تحويلية

صناعة استراتيجية

ماء وكهرباء

 

141.3

50.9

86.0

4,4

 

28.0

27.2

0.8

-

 

113.3

23.7

85.2

4,4

 

367.3

239,1

102.5

25,7

 

115.8

114.4

4

-

 

251.5

124.7

101.1

25.7

1996

مجموع الصناعة

صناعة تحويلية

صناعة استخراجية

ماء وكهرباء

من بيانات الجدول أعلاه نلاحظ ما يلي:

أ‌-    تضاعف القطاع العام في الإنتاج الصناعي بالأسعار الجارية ما بين عامي 1985-1996 بمقدار 8.13 مرة، بينما تضاعف نصيب القطاع الخاص 13.15 مرة أي أنه كان ينمو بمعدل 1.62 مرة معدل نمو القطاع العام. وبما أن القطاع الخاص لا يشارك في الصناعة الاستخراجية والماء والكهرباء. فقد تركز نموه في الصناعة التحويلية حيث ارتفع نصيه في إجمالي الإنتاج الصناعي للصناعة التحويلية من 27% عام 1985 إلى 48% عام 1996 مقابل انخفاض مصيب القطاع العام من 73% إلى 52%.

ب‌-  أما نصيب القطاع العام في صافي الناتج المحلي الإجمالي للصناعة التحويلية (بالأسعار الجارية) فقد ارتفع من 14.9 مليارل.س. عام 1985 إلى 113.3 مليار ل.س. عام 1996. أي أنه تضاعف بمقدار 7.6 مرة، بينما ارتفع نصيب القطاع الخاص في صافي الناتج المحلي للصناعة التحويلية من 3.2 مليار ل.س. إلى 28.00مليار ل.س. أي أنه تضاعف بمقدار 8.75 مرة. ولكن بسبب تركز القسم الأكبر من صافي الناتج المحلي في الصناعة الاستخراجية التي يسيطر عليها القطاع العام فإن نصيب القطاع الخاص في صافي الناتج المحلي للصناعة التحويلية ارتفع بمعدلات أكبر بكثير من معدل نمو نصيب القطاع العام. ففي عام 1985 كان نصيب القطاع العام في صافي الناتج المحلي للصناعة التحويلية 80.8% مقابل 19.2% للقطاع الخاص، واصبح نصيب القطاع العام عام 1996 حوالي 46.5% مقابل 53.5% نصيب القطاع الخاص، أي أن نصيب القطاع العام عام 1996 قد خسر 52.5% من نسبته عام 1985، بينما تضاعف نصيب القطاع الخاص بمقدار 2.8 مرة خلال الفترة.

إن الأرقام السابقة تحمل إشارات بليغة إلى وجود أزمة شديدة في الصناعة التحويلية للقطاع العام. بل إن الأزمة أشد مما تعكسه الأرقام، مع العلم أن الأرقام عن حجم القطاع العام تكون قريبة من الواقع بينما الأرقام عن حجم القطاع الخاص تكون، لأسباب لا يجهلها أحد أقل من الواقع.

وهكذا، بنتيجة ارتفاع معدل نمو صافي الناتج المحلي الإجمالي للقطاع الخاص عن معدل نمو مثيله للقطاع العام بنسبة 60%، كما رأينا في الفقرة السابقة. فإن نصيب الناتج الصافي للقطاع العام في الصناعة التحويلية ينخفض بنسبة 52.5% بينما يزداد نصيب الناتج الصافي في القطاع الخاص للصناعة التحويلية بنسبة 280%، وذلك خلال الفترة بين 1985-1996. وهذا ما يدعو إلى الاستنتاج بالانخفاض الكبير في الإنتاجية في القطاع العام، وأن القطاع العام في الصناعة التحويلية لا يمكن أن يكون قد حقق ربحية بل خسائر مستمرة وفق هذه المؤشرات، إلا أن ذلك لم يمنع وزارة المالية من سحب ما تعتبره حقها من قيمة إنتاجه على شكل فوائض موازنة وفوائض سيولة، حسبما تقدرها بنفسها! ودون أن ينشغل أحد في البحث عن أسباب الأزمة مكن اجل معالجتها، بل مع الاستمرار في طمسها من أجل التسريع في استفحالها!.

ومن الأسباب الرئيسة المؤدية إلى تناقص الوزن النسبي للقطاع العام وارتفاع الوزن النسبي للقطاع الخاص في الصناعة التحويلية. وصدور قانون تشجيع الاستثمار لعام 1991. وإلغاء بعض الاحتكارات التي كانت للقطاع العام. مثل صناعة النسيج وصناعة الدواء وغيرها، وهو تطور لا بد منه، ولكن الأمر غيرالمعقول هو تحويل الإنتاجات التي يجري وقفها أو التوقف عن دعمها في القطاع العام إلى الاحتكارات الخاصة وبقرارات إدارية، بحجة توفير خسائر القطاع العام التي لم تكن غالباً إلا خسائر مقررة إدارياً، وبالأخص بالأسعار التخسيرية التي كانت تفرضها الحكومة على منتجاته وبتحميله الأتاوات الأخرى الكثيرة، وبالمقابل جعل تلك الاحتكارات الخاصة رابحة جداً بسبب إفلات أسعارها، بل ونوعيات منتجاتها من الرقابة، مع تأمين الحماية لها في سوق محلية مغلقو، بل وإعفائها من الرسوم والضرائب، وأكثر من ذلك بالنسبة للشركات المشتركة إعفاؤها حتى من تحويل حصة الدولة من أرباحها عن نسبة ملكية الدولة في رأسمالها لتترك هذه الأموال بتصرف كبار مساهميها، كما فعلت الحكومة السابقة التي كانت تتصرف بحقوق الشعب تصرف المالك بملكه!

10-    نقص الإنفاق الاستثماري الفعلي عن الإنفاق التقديري: إضافة للأسباب السابقة، إضافة إلى تناقص كفاءة الإدارة ازدياد انتشار الفساد الإداري وتناقص الإنتاجية الأسباب المعروفة، هناك سبب هام آخر يرجع إلى سياسة الحكومة الاستثمارية خلال الفترة المنصرمة والتي حرمت الصناعة التحويلية في القطاع العام من تجديد رأس المال الثابت رغم التجريف الكثيف لسيولاته النقدية إلى الميزانية الحكومية، ودون مراعاة شروط تجديد الإنتاج فيها، لا الإنتاج الموسع، ولا حتى الإنتاج البسيط ورغم التضييق في الإنفاق الاستثماري التقديري للقطاع العام، إلا أن الاستثمار الفعلي كان دائماً يقل بنسبة كبيرة عن الإنفاق التقديري، وكان ذلك كما أكدنا مراراً في محاضرات سابقة، من الأهداف غير المعلنة لسياسة تأخير الموازنة إلى أواسط العام، (وموازنة عام 1999 إلى مطلع 2000؟!) رغم ما في تلك من مخالفة دستورية وقانونية، حيث ينص الدستور والقانون المالي الأساسي أن تصدر الموازنة عن مجلس الشعب قبل بدء السنة الجديدة.

ويتبع تأخير الموازنة إنقاص الإنفاق الفعلي عن التقديري بنسبة كبيرة، كما تبين الأرقام التالية:

 

مجمل تكوين رأس المال الثابت في القطاع العام حسب الموازنة التقديرية والميزانية الفعلية

(بالأسعار الجارية، مليار ل.س.)

فعلي

تقديري

السنة

0.64

140

1970

3.71

5.85

1975

9.02

14.31

1980

13.26

19.44

1985

19.97

24.30

1990

76.40

74.8

1995

76.01

91.47

1996

95.47

108.70

1997

؟

119.60

1998

رغم أن الأرقام أعلاه تبين الانخفاض الملموس للإنفاق الاستثماري عن الإنفاق الفعلي الاستثماري المقدر وهو من أهم أسباب توقف النمو الاقتصادي، إلا أمن مما يضاعف الأثر السلبي على الإنتاج والناتج الصافي هو أن الإنفاق الاستثماري الفعلي أخذ في التسعينيات يتركز بشكل متزايد في القطاعات الخدمية (بشكل خاص في الكهرباء) ويتناقص في قطاعات الإنتاج المباشر، وذلك بعد أزمة الكهرباء الشهيرة المفتعلة في الثمانينات والتي استغلت أسوأ استغلال للإثراء الخاص، بحيث أم انخفاض الاستثمار الفعلي عن التقديري في القطاعات الإنتاجية أكبر بكثير مما تعكسه الأرقام الإجمالية عن الصناعة ككل، المبينة أعلاه.

وتظهر الأرقام التالية تواضع رأس المال المتراكم المستثمر في الصناعة، حيث ارتفع طبقاً للمجموعة الإحصائية لعام 1998، من 56مليارل.س. عام 1986 إلى 164 مليار ل.س. عام 1997. وإننا لا نستخدم هذا الرقم هنا إلا بحذر بالغ، وذلك لأننا لا نملك مقابل هذا المجموع التراكمي لرؤوس الأموال المستثمرة في الصناعة قيم الاهتلاك الحقيقي، هذا إضافة إلى انخفاض المستوى لهذه الأرقام بسبب عدم وحدة المحتوى القيمي لليرات السورية الجارية المحسوبة بها، والذي تعرض إلى انخفاض شديد في أواخر الثمانينيات.

ولهذا قلنا، أثناء مناقشة مسألة الإدارة بالأهداف (أثناء محاضرة الأستاذ محمود سلامة حول الإدارة بالأهداف في هذه الندوة) إنه لا يمكن تطبيق نظام الإدارة بالأهداف قبل إجراء دراسة اقتصادية ومحاسبية علمية لكل شركة على حدة تتحدد بنتيجتها القيمة الحالية السوقية لرأس المال الاجتماعي الموضوع تحت تصرف إدارتها والعاملين فيها والتي بدون تحديدها لا يمكن الركون إلى أية حسابات تجريها هذه الشركات حالياً للتكاليف، وبالتالي، للأرباح أو الخسائر المتحققة لديها وطالما أن القيمة الحالية لرأسمالها غير معروفة لدينا، فكيف نحكم بالتالي على نتائج أعمالها وكيف نطبق مبادئ الإدارة بالأهداف عليها[4]؟

11-    وبخصوص تطور الوزن النوعي لفروع الصناعة التحويلية في الإنتاج الصناعي فإننا نلاحظ التطورات التالية (مليار ل.س. بالأسعار الجارية):

تطور الوزن النوعي لفروع الصناعة التحويلية في الإنتاج الصناعي

1996

1985

الفرع الصناعي

%

الإنتاج

%

الإنتاج

28

7

17.6

5,5