الإنفاق الإنمائي العام والخاص في سوريا

د.دريد درغام

تطرقت ندوات الجمعية إلى كثير من أساسيات الاستثمار والتمويل والنظام الضريبي. لذا نعتقد أن تكرار ما ذكر من أفكار سيصبح حشواً لا ينفع إلا بزيادة حجم المجلد السنوي للجمعية. في محاضرتنا الحالية لن نكرر استعراض النظريات، وإنما نحاول إضافة بعض النقاط عسى أن تفيد في زيادة فهم بيئة الاستثمار وتشخيص مشاكله في الاقتصاد السوري. ومن هنا نطرح بعض التساؤلات عن كيفية تطور وخصوصية هذا الاقتصاد. ثم نتساءل عن تأمين مصادر التمويل في هذا الاقتصاد: هل هي كافية؟ هل يمكن تجميعها؟.. كما نتساءل عن كيفية استخدام هذه المصادر وآجال الاستثمارات الممولة وفاعليتها، وملاءمتها لطموحات التنمية. ونحاول أن نجيب على معظم هذه الأسئلة من خلال نظرة شمولية تأخذ بعين الاعتبار المتحولات الاقتصادية محلياً وعالمياً.

خصوصية الاقتصاد السوري:

حسب الفترات الزمنية، نجد في الاقتصاد السوري ارتباطاً وثيقاً بين تدفق الأموال والمساعدات على القطاع العام وبين تذبذب الاستثمارات الخاصة واختيار القطاعات التي تم توظيفها فيها. ولو حللنا السياسات الاستثمارية التي طبقت في سوريا منذ الستينات وحتى الآن لوجدنا ما يلي:

الستينات: تميزت بترسيخ سياسة الإصلاح الزراعي وبعمليات التأميم المتكررة التي ترافقت بتسرب رؤوس الأموال إلى خارج القطر.

السبعينات: يمكن تسميتها فترة "النبضة" البترولية حيث ارتفعت أسعار النفط واستفادت سوريا كثيراً م ن المساعدات والأموال القادمة من الخليج، وتم توظيفها في استثمارات عامة ضخمة وطموحة، أدت إلى تزايد كبير في معدلات النمو. كانت تلك الفترة محاولة لترسيخ مفاهيم دولة الرفاه التي تؤمن التوظف الكامل وتحافظ على قوة شرائية معقولة لمواطنيها. ولكن التمويل الأساسي لهذه الاستثمارات اعتمد، كما يقول د.عصام الزعيم، "على مصادر خارجية لرؤوس الأموال من الدول العربية الخليجية (ومؤسسات التمويل التنموية العربية بدرجة أقل) ورأس المال التقاني أي المعونة الفنية من الدول الاشتراكية التي كانت قائمة، وذلك خلال السنوات 1975-1985". واقترنت فترات النمو والرخاء الاقتصادي "بتدفق المعونات المذكورة" واقترنت سنوات الركود "بانقطاعها".

الثمانينات: تميزت بالصدمات البترولية المعاكسة التي نجم عنها انخفاض حاد بأسعار البترول، فتقهقرت المساعدات الخارجية (من 1.5 مليار $ وسطياً في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات إلى 300 مليون $ في أواسط الثم انينات). وتركز الاستثمار في السبعينات في مشاريع خاصة بالبنية التحتية وطموحة، لكنها لم تهتم بما فيه الكفاية بإنتاج سلع أو خدمات قابلةٍ للتبادل بالمفهوم التجاري (أي لم تكن قادرةً على توليد إيرادات لاحقة تعوض النقص الذي سيحصل عند انخفاض الوفرة المؤقتة بالموارد). لذلك سرعان ما عانت البلاد من أزمة اقتصادية حادة، تمخض عنها تخفيض سعر الليرة وانخفاض حاد بالقوة الشرائية وارتفاع معدلات التضخم (وتذكرنا الأعراض السابقة بالتناذر الهولندي Dutch Disease).

التسعينات: بعد الاكتشافات البترولية الهامة في نهاية الثمانينات، وبعد التغيرات التي حدثت في المعسكر الشرقي، ومع تجدد المعونات، وإصدار القانون رقم 10 عاد القطر ليشهد دورة نمو جديدة. ولكن تبين أن ذلك النشاط لم يكن على مستوى الطموحات، خاصةً وأنه ترافق مع انقطاع "المعونة الفنية الاشتراكية والمعونة المالية الخليجية عملياً" منذ 1995 ـ 1997، وترافق أيضاً مع سياسة انكماشية من قبل الحكومة. ومنذ عدة سنو ات بدأت تظهر ملامح أزمة اقتصادية حقيقية تجلت ببطالة كبيرة وبتراجع في المؤشرات الاقتصادية.

وفي ظل المعطيات الجديدة، لا بد من أن تترافق المرحلة القادمة بخطة تنمية مختلفة جذرية، عما كان عليه الحال في العقود السابقة، سواءً بطرق التمويل أو بسبل توظيف الموارد المالية.

يمكن تناول موضوع الاستثمار في سوريا من زوايا مختلفة (أصول ـ مطاليب، خاص ـ عام، رسمي مخطط ـ لا رسمي وعشوائي، عقيم ـ منتج، داخل الوطن ـ خارج الوطن، استثمار حقيقي ـ استثمار مالي، ربحية نقدية ـ ربحية اجتماعية…). ومع أن دراسة كل من هذه الثنائيات تستحق تكريس الوقت والجهد، وفيها الكثير من متعة البحث العلمي، إلا أننا لن نضيع الوقت القصير المتاح، في تناول كل هذه الثنائيات فرادى، فنحن نعتقد بوجود تداخل كبير فيما بينها. ونظن بأننا سنتمكن من التعريج ـ بطريقة أو بأخرى ـ على أغلبها مهما كانت زاوية البحث المنتقاة. لذا فإننا نقترح تناول الاستثمار من خلال المحورين الآتيين:

تمويل المشاريع الاستثمارية:

تسود، في أغلب الدول ا لنامية، الفوارق الصارخة في الثنائيات المعروفة (حضر وريف، ذكور وإناث، إنتاج يدوي ومكننة، قوانين وضوابط رسمية وممارسات موازية وأسواق سوداء،..). كما تسود الظاهرة التي أسماها رونالد ماكينون "الكبت المالي" الذي يخلق بنى تمويل غير رسمية وغير مجدية. وتساهم هذه البنى بشكل كبير في تغييب المعلومات الضرورية للتخطيط وتؤثر على فاعلية السياسات الاقتصادية المتبعة. وسنقوم بعد قليل بمعالجة هذه البنى غير الرسمية مع بعض التفصيل. وسنركز الآن على جوانب حيوية في عمليات التمويل الرسمية.

البنى التمويلية الرسمية:

تنقسم البنى التمويلية إلى نوعين الرسمية منها (المصارف وغيرها من المؤسسات المؤطرة أصولاً) وغير الرسمية التي تنتشر بشكل كثيف في البلدان النامية. وقد جرت العادة على تقسيم مؤسسات التمويل الرسمية إلى نوعين حسب طريقة التمويل، فما يلي نعرضهما بشكل تبسيطي. فالتمويل غير المباشر يعني تدفق فوائض بعض الوحدات الاقتصادية لتمويل وحدات أخرى تعاني من العجز وذلك بالمرور عبر جهات وسيطة متخصصة (دور المصارف التقليدي في تجميع ا لادخار من أصحاب الفوائض والقيام بعملية التحويل في نوعية المخاطر والآجال لتوفير المبالغ الكبيرة لأصحاب المشاريع وذوي العجوزات المالية) . أما التمويل المباشر فيقصد به تلك الآلية التي تضطلع بها الأسواق المالية، حيث يتم تمويل العجوزات مباشرةَ وذلك بالاكتتاب على أسهم أو سندات.

وقد تحدثت الكثير من المراجع عن دور المؤسسات التمويلية الرسمية، وما يمكن أن تلعبه الأسواق المالية من دور في عملية التنمية المقترحة. ولن نكرر هنا ما ورد في العديد من محاضرات الجمعية التي تناولت موضوع الإصلاح المصرفي. وإنما سنحاول التعليق على بعض ما ورد فيها أو في بعض الصحف، عسى أن يكون في الملاحظات التي سنوردها مساهمة في تلمس آلية جديدة في التفكير والبحث العلمي.

نقتصر في تحليلنا الموجز على المصارف، ونترك قطاع التأمين لدراسات أخرى. لقد هدفت السياسة المصرفية منذ الستينات، من خلال التأميم وتخصيص المصارف، إلى توجيه الموارد المصرفية وفق خطة الدولة الاقتصادية والاجتماعية، فهل تمكنت البنية المصرفية السورية من تحقيق أهداف الخطة العامة للدولة؟

نذكر في البداية بأنه، رغم الحق المتاح للمصرف المركزي بممارسة عمليات السوق الحر عن طريق شراء وبيع السندات القصيرة والمتوسطة والطويلة الأمد، تحول عوامل عديدة (ومنها غياب السوق النقدية والمالية في القطر) دون استخدام هذه الأدوات.. وقد تم تثبيت غالبية معدلات الفائدة في المصارف المتخصصة منذ 1 شباط 1981 دون اعتبار لمستوى التضخم وبالتالي لخطر ديمومة معدل الفائدة الحقيقي السالب خلال سنوات عديدة (بينما أصبح حالياً موجباً!). وساهم ذلك في عدم تفعيل معدلات الفوائد كسلاح هام في السياسة المصرفية؛ وافتقدت السياسة النقدية المستقلة. من خلال الشكل 1 نجد أن التجارة هي المستفيد الأساسي من القروض.

الشكل 1: توزيع القروض المصرفية حسب القطاعات (ملايين الليرات)

المصدر: جدول 9/15، المجموعة الإحصائية-المكتب المركزي للإحصاء

وتشير النشرة الربعية لمصرف سوريا المركزي إلى التداخل في الاعتمادات الممنوحة بحيث أن جزءاً هاماً من اعتمادات القطاع التجاري يذهب في الواقع إلى القطاعين الزراعي والصناعي.

ويغلب على التمويل المصرفي السوري الصبغة القصيرة الأمد، فالمصرف التجاري السوري هو الأكثر أهمية (المهيمن في عمليات الإيداع والتسليف)، وأغلب تسليفه قصير الأمد. ويشير الشكل 2 لتركيبة القروض المصرفية في سوريا حسب طبيعة المستفيدين منها.

الشكل 2: توزيع القروض المصرفية حسب الملكية

المصدر: جدول 11/15، المجموعة الإحصائية-المكتب المركزي للإحصاء

من خلال الشكل 2، نجد أن معظم القروض المصرفية تذهب للقطاع العام. وقد يفسر ذلك من خلال الدور المهم الذي يلعبه هذا القطاع في ت نمية الاقتصاد الوطني. كما أن المصارف كانت تحصر تمويلها بالقطاع العام، وتتشدد في شروط التسليف للابتعاد عن مشاكل الديون المشكوك بتحصيلها. ولكن يبدو أن المصارف السورية تعاني فعلياً من هذه المشكلة. وقد ذكرت جريدة تشرين أن ديون المصرف التجاري على القطاع العام قد وصلت الآن إلى 174 مليار ليرة (منها 80 مليار على مؤسسة الحبوب ومبلغ أقل بقليل على مؤسسة الأقطان). ولكن هل بقي الاستثمار العام هو الأكبر بحيث يبرر تكريس أغلب التمويل المصرفي من أجله؟

عندما ننظر إلى تزايد حجم الاستثمارات الخاصة في الاقتصاد الوطني فإننا نجد أن الاستثمارات الخاصة كانت منذ نهاية الثمانينات وحتى سنة 1996 أكبر من الاستثمارات العامة. ومع ذلك بقي أغلب التمويل المصرفي للقطاع العام (الشكل 3).

الشكل 3: الاستثمارات العامة و الخاصة (مليون ل س ثابتة، سنة الأساس 1995)

المصدر: جدول 37/16، المجموعة الإحصائية-المكتب المركزي للإحصاء

ومنذ عام 1996 يشهد القطر انخفاضاً في حجم الاستثمار الخاص (بسبب الركود الاقتصادي) بينما يزداد العام. وقد يُعزى السبب في ذلك إلى استثمارات البنية التحتية وخاصة في الكهرباء والمواصلات.

وتؤدي عدم كفاية تسهيلات القطاع الخاص المصرفية إلى إجباره على الاعتماد على أمواله الخاصة أو على مصادر التمويل غير الرسمية مثل شبكات الأهل والأصدقاء، أو على خدمات بعض المصارف اللبنانية أو الأوروبية. وبغياب مصادر التمويل، وفي ظل القوانين الضريبية الحالية، وضعف الرؤيا الاقتصادية الواضحة على الأمد البعيد، يتوجه القطاع الخاص إلى المشاريع ذات الربحية السريعة (وذات الطابع التجاري). وتسبب توجيه التمويل المصرفي لتغطية العجوزات، وتمويل الشركات العامة المتعثرة، بلعب دورٍ كبيرٍ في تخفيض حجم تمويل صغار المتعاملين والمواطنين، فانخفض الطلب الكلي في السوق المحلية. كل ذلك يجعلنا نتساءل عن إمكانية وجدوى التوجه إلى زيادة الدعم المصرفي للقطاع الخاص.

ارتباط النمو بين البنية الاقتصادية والتمويلية:

نقترح الآن القيام بدراسة بسيطة حول الارتباط بين النمو الاقتصادي (مقاساً بالناتج المحلي الإجمالي الجاري) والنمو المالي مقاساً بنسبة الكتلة النقدية إلى الناتج المحلي الإجمالي (الشكل 4).

الشكل 4

المصدر: المجموعات الإحصائية.

نلاحظ أن النمو الاقتصادي الاسمي في سوريا، يتم بشكل شبه مستقل عن النمو في البنية التمويلية. فقد ساهم تدفق العملة الصعبة ورؤوس الأموال في السبعينات والإنفاق العام المكثف في زيادة النمو النقدي إذ شكلت الكتلة النقدية ما يقارب 30% في 1970 لتصل إلى جوار 40% عام 1981 ثم تسارعت بحدة لتصل إلى ما يزيد عن 65% عام 1985. ثم بدأت النسبة بالتناقص التدريجي بينما حافظ الناتج على تزايده الظاهري، وك ل ذلك يذكرنا بالتناذر الهولندي الذي تحدثنا عنه.

ولو قمنا بعملية التحليل مع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي (أسعار 1987 حسب إحصائيات البنك العالمي)، لوجدنا أن الكتلة النقدية كانت تشكل باستمرار ما يقارب 40% من الناتج المحلي الإجمالي بين عام 1973 و1981، أي بقدر زيادة الكتلة كان الناتج يزيد، وهي الفترة التي شهدت استثمارات عامة ضخمة وطموحة (ولكن لم تترافق بتشييد بنى تمويلية أو إنتاجية قادرة على الاستمرار عند انقطاع تدفق الأموال الخارجية). ولكن ما إن بدأت رؤوس الأموال القادمة من الخارج بالانخفاض، تباطأ النمو الاقتصادي بحدة وبدأ اللجوء إلى الإصدار النقدي فارتفعت النسبة إلى أكثر من 65% كما أشرنا سابقاً. وتميز النصف الثاني من الثمانينات بتقلبات وبضائقة اقتصادية خانقة عانى منها الاقتصاد السوري بشدة. ويكفي النظر إلى الجزء الأيمن من المنحني في الشكل 5 لمعرفة التذبذب الذي حدث في الانسجام بين سياسة التمويل والنمو الاقتصادي.

الشكل 5

المصدر المجموعات الإحصائية وجداول البنك العالمي

لقد وصلت سوريا إلى الوضع الاقتصادي الحالي بشكل شبه مستقل عن تطور حقيقي للبنية المصرفية التي لم تتحسن قدرتها على تعبئة الادخار المحلي وتوظيفه. وجدير بالذكر أن ضعف الحلقة المصرفية ليس حالةً خاصةً بسوريا وإنما هو الحالة العامة لمعظم الدول النامية التي تنتشر بها حلقات التمويل غير الرسمية، وتعاني مما يسميه ماكينون الكبت المالي. في الحقيقة، يبقى التحليل السابق (لعلاقة النمو الحقيقي بالنمو التمويلي) منقوصاً في ظل انتشار بنى تمويل غير رسمية. وهذا الأمر ينقلنا إلى مناقشة هذه البنى بقليل من التفصيل، خاصةً وأن القليل من الأبحاث قد توجهت للتمعن في هذه الظاهرة وآثارها على الاستثمار والنمو الاقتصادي في سوريا.

البنى التمويلية غير الرسمية Informal finance:

نسمي الحلقة المصرفية وكل منظومات الد فع المالي الخاضع لقواعد منظّمة وفق القانون بالحلقة الرسمية. تلعب المصارف دوراً رئيسياً في هذه الحلقة. وتتميز البلدان النامية بوجود نوعين من الحلقات النقدية (حلقة نقدية مزدوجة). يتم من خلال الحلقة الأولى (المصرفية) تسديد أغلب تعاملات القطاع العام وبعض تعاملات القطاع الخاص، وتتعلق الثانية بالأوراق النقدية المتداولة خارج المصارف. ويساهم في أهمية الحلقة الثانية حقيقة دفع معظم الرواتب والأجور والتعويضات بالأوراق النقدية. تحاول الحلقة الأولى استعادة هذه الأوراق من خلال الشركات والمؤسسات ليعاد حقنها بالاقتصاد.

وكانت الحلقة النقدية المزدوجة المشار إليها من مميزات الاقتصاد الاشتراكي. ويكمن الخطر في اعتماد هذا النوع من الحلقات في احتمال توجه جزء مهم من السيولة النقدية لتمويل الأسواق الموازية أو السوداء. وهنا نذكر تساؤل الدكتور د.أكرم الحوراني عن الطريقة التي استطاع بها القطاع الخاص في سوريا تمويل وارداته، خاصة أن الصادرات لم تتجاوز 35% منها. ويستنتج أن التمويل قد تحقق من الأسواق غير النظامية مما أسهم في تخفيض سعر الليرة، فضلاً عن "شراء الأراضي والعقارات كتسديد محلي للمدفوعات الخارجية بالقطع". يُشكِّل ذلك تسرباً هاماً لمصادر التمويل ويعقد إمكانية التحكم فيها أو توجيهها وفقاً لمقتضيات المصلحة العامة.

أما الخطر الآخر فنختصره بالإشكالية التالية: يؤدي اقتصار التعامل مع النظام المصرفي على جزءٍ من التبادلات المالية للمؤسسات العامة أو للشركات الخاصة وعلى عدد قليل نسبياً من المواطنين، وتنفيذ الجزء المتبقي بالأوراق النقدية، إلى إرباكات كبيرة على مستوى التخطيط الاقتصادي. تستطيع الدولة معرفة كمية الأوراق المطروحة في البداية، ولكن يصعب عليها في الحلقة المزدوجة معرفة الاستخدامات الحقيقية لهذه الأموال أو عدد مرات استخدامها (سرعة دورانها)، لا بل سيصعب جداً إعادتها إلى الحلقة المصرفية خاصةً في ظل معدلات الفائدة السالبة والأنظمة الضريبية المتخلفة. بمعنى آخر تحتاج الدولة إلى معلومات موثوقة لتحديد الإصدار النقدي الملائم. ويؤدي غياب المعلومات الدقيقة إلى التخمين أكثر من اليقين في كمية الإصدار، فيزيد خطر الضغوط التضخمية أو الانكماش الاقتصادي.

ويؤكد د.أك رم الحوراني في محاضرته على أن وجود 75% من السيولة في التداول خارج المصارف يدل على ضخامة النشاط غير المراقب، ويخفض من قدرة الحكومة على توجيه الاقتصاد. ونظن بأن عدم توفر المعلومات اللازمة للتخطيط الاقتصادي المتوسط والبعيد الأمد، هو الذي يدفع البعض حالياً لاعتبار الخطط الخمسية كتمارين أكاديمية.

وسيتعذر، في حال اعتماد الحلقة النقدية المزدوجة، تجميع الادخار الإجمالي واستخدامه في مشاريع كبيرة وفاعلة. ويؤدي الازدواج النقدي إلى إضعاف هذا الادخار الذي يتوزع على حلقات غير رسمية مبعثرة، نادراً ما تتعاون فيما بينها، مما يؤثر بالضرورة على حجم الاستثمارات المنفذة، ويخلق أجواءً يصعب معها تنفيذ مشاريع طويلة الأمد. ذكرت الدراسات الكثير من أشكال التمويل غير الرسمي المنتشرة بكثرة في الدول النامية. ولكننا سنكتفي بذكر أهم ما قد نلاحظه في بلدنا:

وتكمن صعوبة دراسة الحلقات غير الرسمية في عدم توفر المعطيات عنها فهي مشرذمة، وتتنوع حسب المناطق والأحياء والتقاليد. وهذا ما يجعل مقاربتها أمراً بالغ الصعوبة. ولكن من المؤكد أن القطاع الخاص في أغلب الدول النامية يعتمد في عملياته عليها وعلى التمويل من خلالها. وهنا نذكّر بأهم أسباب انخفاض مستوى إيداع القطاع الخاص في المصارف السورية:

وفق التخطيط المركزي الذي اعتمدته سوريا بعد التأميم في الستينات، تقوم الحكومة بتجميع كل الفوائض المالية من الشركات العامة. فهي تحصل بالإضافة للضرائب على الأرباح وفوائض السيولة بغية إعادة توزيعها حسب الخطة العامة. إلا أن السياسة الانكماشية تؤدي إلى خفض الاستثمار. "ولا يخفى على أحد حجم الخسائر التي تلحق بالاقتصاد الوطني نتيجة عدم الإنفاق على الاستثمارات الجديدة في القطاع العام".

يؤدي عدم كفاية الادخار الاختياري ونقص إنتاجية القطاع العام وزيادة متطلبا ته ومتطلبات التنمية إلى لجوء الدولة لمصادر تمويل أخرى (المساعدات وإرساليات العمال في الخارج لذويهم ورؤوس الأموال الأجنبية وزيادة الضرائب والإصدار النقدي). وهنا لا بد من التذكير ببعض الملاحظات الضرورية حول إمكانية الاعتماد على هذه المصادر.

تدل أغلب الدراسات على انخفاض حجم مساعدات العمال السوريين في الخارج المقدمة إلى ذويهم، وذلك مقارنة مع الفترات السابقة. ويضاف إلى ذلك حقيقة الضعف النسبي في حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في العالم النامي (باستثناء بعض القطاعات مثل الاستخراجية).

ولفهم طبيعة الموارد في الموازنة السورية يمكن العودة لمحاضرة الدكتور محمد جليلاتي في ندوة الثلاثاء الاقتصادي في 29/2/2000. ونؤكد على أن عدم كفاية التمويل ومحدودية ريع الثروات الباطنية (واحتمال نضوبها)، قد يدفع لاعتماد الإصدار النقدي المتزايد، مع ما يرافق ذلك من إرباكات اقتصادية ومخاطر تضخمية.

ويستدعي التزايد المستمر والمقلق في ديون الحكومة والقطاع العام الاقتصادي التفكير التفكير ملياً في إيجاد حلولٍ لها. ولننظر في الشكل 6 إلى ديون وودائع الدولة في المصرف المركزي وديون وودائع القطاع العام الاقتصادي في المصارف المتخصصة.

الشكل 6 (الأرقام بملايين الليرات)

المصدر: المجموعات الإحصائية جدول 6/15 وجدول 7/15 والنشرة الربعية للمصرف المركزي

نلاحظ التزايد السريع في مديونية الحكومة والقطاع الاقتصادي العام منذ بداية التسعينات (وبنفس النسبة تقريباً). والأمر المستغرب هو تزايد ودائع الدولة بحيث أصبحت مساوية لديونها في المصرف المركزي، بينما لم يستطع القطاع العام القيام بنفس الأمر في المصارف المتخصصة. تمكنت الحكومة خلال أقل من عشر س نوات من زيادة ودائعها خمس مرات. بينما لم ترتفع ودائع القطاع الاقتصادي العام إلا بمقدار الضعف. ويؤكد العديد من الاقتصاديين على صعوبة معرفة الحجم الحقيقي لديون سوريا الداخلية أو الخارجية، أو حتى حجم الخدمة السنوية لهذه الديون. ويبقى قائماً دوماً خطر تحميل الأجيال القادمة عبء تزايدها المستمر! وقد ذكر د.نبيل مرزوق في بحثه المقدم لندوة الثلاثاء الاقتصادي (11/4/2000) أن حجم الديون السورية قد وصل في عام 1997 إلى 20.8 مليار دولار. ولو عدنا إلى المصادر الخارجية في تقدير الديون الخارجية لسوريا، لوجدنا تزايد مستمراً بالديون خاصة القصير الأمد منها (انظر الشكل 7).

الشكل 7: الديون الخارجية في سوريا (ملايين الدولارات)

المصدر: جداول ديون العالم: التمويل الخارجي للدول النامية، المجلد الثاني، منشورات البنك العالمي، واشنطن، 1996

ولو صدقت هذه الأرقام، لوجدنا العبء المترتب على سوريا في تسديد فوائد سنوية تتجاوز مليار دولار، وذلك بغض النظر عن تسديد الأقساط! وبغياب الأرقام الرسمية، يمكن أن نشك بأن المستثمرين الكامنين في الخارج، لا بد وأن يبحثوا، عند رغبتهم بالاستثمار في سوريا، عن المعلومات لتقييم توقعات المردودية والمخاطر. وبغياب المصادر الرسمية للعديد من المعلومات، ومنها الديون، قد تؤدي جداول البنك العالمي، المشار إليها أعلاه حول الديون، إلى تخويف المستثمرين من ضخامة خطر الاستثمار في سوريا عند مقارنة خدمة الديون المترتبة سنوياً مع إمكانياتها!.

وقد ترافقت الزيادات السريعة بمديونية سوريا الخارجية مع زيادات تضخمية خاصة في نهاية الثمانينات. ونلاحظ في السنوات الأخيرة تناقص التضخم الظاهري في سوريا وبلوغه مستويات متدنية في بعض القطاعات. ونحن نعتقد بأن ما تعاني منه سوريا هو تضخم "حبيس أو مقيد أو مكبوت" يستفحل باستمرار طالما نستمر بضبط العرض بتحديد الأسعار (سيؤدي رفع دعم الأسعار عن الخبز مثلاً إلى زيادة تضخمية) وقد ينخفض أو يزيد عند رفع إجراءات الحماية (بغية تخفيض عرض الألبس ة، تم إيقاف بيع الملابس المستعملة"بالة"). من جهة أخرى، يتم ضبط جهة الطلب (بشكل قسري) عن طريق انكماش سياسة التسليف وتقييد الأجور وتناقص عدد فرص العمل المعروضة سنوياً. وقد لجأ الاتحاد السوفييتي إلى هذا المزيج من أجل ضبط التضخم، وكلنا يعلم كيف ازدادت معدلاته بشكل كبير بعد الانفتاح. ونعتقد بأن إحدى المشاكل التي ستعاني منها سوريا تكمن في اختيار أفضل السياسات لمعالجة "انفلات" هذا التضخم الحبيس.

لا يمكننا مقارنة البنية المصرفية، وتطورها وانتشارها في الغرب على مدى قرون طويلة، مع البنى المصرفية الحديثة العهد في العالم النامي. ولا نظن بأن المشكلة تقنية فقط! ففي العقود الماضية كانت المصارف الغربية تعمل بالطريقة اليدوية وبإمكانيات تقنية أقل بكثير مما يتوفر حالياً في مصارفنا. ومع ذلك فقد نجحت تلك المصارف الغربية في تحقيق الربحية وفي توفير المعلومات وفي مواكبة النمو الاقتصادي المكثف في تلك العقود. وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه بالرغم من عدم اعتماد البورصات وأسواق المال بمعانيها الموسعة، فقد تمكن العديد من الدول الأوروبية ومنها فرنسا ( حتى الثمانينات) من تمويل نموها الاقتصادي وبشكل مقبول جداً، وذلك عن طريق المصارف وبآلية اقتصاد الديون (التمويل غير المباشر). كما نشير إلى أن المصارف وشركات التأمين من أهم "لاعبي" البورصة. ولا نعتقد بإمكانية نجاح مشروع البورصة في بلدنا قبل أن يسبقه إصلاح مصرفي وضريبي جذري يعيد النظر في الكثير من المنهجيات والقوانين التي لم تعد تتلاءم وتطلعات اقتصادنا… كل ذلك يدفعنا للقول بأنه، رغم أهمية الاستفادة من التقدم التقني الحالي، فإن مشكلتنا ليست تقنية وإنما هي مشكلة ثقافية وعلمية تتطلب التفكير ملياً في حقيقة المشاكل وفي ترتيب أولوياتها وفي توظيف الأموال المتوفرة بأفضل ما يمكن لمواجهة التحديات المستقبلية.

توظيف الاستثمارات وتقييم أدائها:

يتم، من الناحية الأكاديمية المبسطة التركيز على تابع الإنتاج من حيث كونه متأثراً بشكل أساسي برأس المال (أراضٍ وآلات ومواد أولية..) وبالعمل. وهذا النوع من التوابع يسمى بتوابع الإنتاج ذات النمو الخارجي Croissance exogène ، بحيث لا يمكن أن يحصل زيادة فعلية في النمو على الأمد الطويل إلا من خلال العوامل الخارجة عن هذا النموذج مثل زيادة عدد السكان أو حصول تقدم تقني... ومنذ الثمانينات، هناك تيار جديد يدعى تيار النمو الداخلي Croissance endogène، وهو تيار يحاول أن يدرس العلاقة بين الإنتاج والعوامل التي أصبحت من داخل النموذج، وذلك بأخذه بعين الاعتبار عوامل كانت توضع جانباً وتعتبر خارج مجال الدراسة. نذكر من هذه العوامل: التراكم المعرفي، البنية التحتية، أنظمة التعليم والتدريب…

أظهرنا أعلاه محدودية مصادر التمويل المتاحة للقطاع العام (بسبب نقص إنتاجيته بالإضافة للخلل الموجود في الأنظمة الضريبية..) وكذلك القطاع الخاص (بسبب اعتماده على البنى التمويلية غير الرسمية المتميزة بعدم الفاعلية وبسبب اعتماده على أساليب الإدارة التقليدية…). في الفقرات التالية، نحاول أن نناقش عدداً من المواضيع المتعلقة بنوعية الاستثمارات في سوريا ومدى انسجامها مع نمو اقتصادي مستديم ومستقر. عند تناول موضوع الاستثمار، يتم التركيز على الاستثمار المادي. أما نحن فنتناول بالإضافة إليه الاستثمار في صناعة الإنسان، و"الاستثمار" في التخلي عن بعض الاستثمارات، والاستثمار في صياغة البيئة الملائمة لتشجيع الاستثمار (قوانين وأنظمة وتوفير آليات موثوقة لتحصيل المعلومات…). نظراً لتشعب محاور الاستثمار، نركز فيما يلي على المواضيع الآتية: مؤشرات من الموازنة والاستثمار السكني ، الاستثمار في التعليم ومدى نجاح السياسات التعليمية (التسرب المدرسي)، الحوسبة، بعض الاقتراحات الجديدة في مجال قوانين التحفيز للاستثمار وتبني رؤية نقدية مجددة..

بعض المؤشرات في الموازنة:

يظهر الشكل 8 حجم الإنفاق العام الجاري والإنمائي في الموازنة السورية.

الشكل 8: الإنفاق الجاري والإنمائي في الموازنة السورية

المصدر: الموازنات التقديرية - وزارة المالية

رغم التزايد الظاهري المستمر للإنفاق الاستثماري العام، إلا أنه لم ين عكس إيجاباً بما فيه الكفاية، حتى الآن، على الإنتاجية أو النمو أو توفير فرص العمل. ويكمن السبب في ذلك في تضافر العديد من العوامل نذكر منها: غياب السياسات الضريبية والنقدية الواضحة والتي تضمن وجود مناخ استثماري مشجع فعلياً، واتباع سياسة انكماشية (واضحة في التسعينات). ويكفي النظر إلى الشكل 9 لرؤية الاختلاف الكبير بين الإنفاق الكلي المخطط له والفعلي في كل من القطاعات العامة الرئيسية:

الشكل 9: (الاستثمار الفعلي- المتوقع) \ المتوقع


المصدر: الموازنات التقديرية وقطع الحسابات الصادرة عن وزارة المالية

نلاحظ بوضوح التباين بين الإنفاق المتوقع والفعلي خاصة في مجال البناء والصناعات التحويلية (ينفق أقل من 60% مما هو متوقع أو مخطط له). وقد وصل مجمل الاستثمارات المتوقعة عام 1999 إلى 121.8 ملياراً ولم يُنفذ من ها حسب د.عدنان سليمان سوى 62 مليار ل س. ويساهم تأخير صدور الموازنة في تخفيض الإنفاق، وهو ما تثبته الأرقام والأشكال الواردة في هذه المحاضرة. ولكن يبدو أن هناك بوادر توجهات جديدة للإسراع في إصدار الموازنات في مواعيدها المقررة.

قطاع التربية

أما عند التمعن بتفاصيل الاستثمارات العامة لبعض القطاعات كالتربية مثلاً (الشكل 10)، فإننا نجد أن مجموع الاستثمارات في التربية (بدون التعليم الفني والتحاد الرياضي) قد انخفضت بشكل ملحوظ، وأصبحت استثمارات الاتحاد الرياضي أكبر بكثير من الاستثمارات في التعليم العام. كما نلاحظ تزايداً مستمراً في الاستثمار بالتعليم الفني.

الشكل 10: الاستثمارات في التعليم الفني والعام وفي الاتحاد الرياضي العام

المصدر: الموازنات التقديرية وقطع الحس ابات الصادرة عن وزارة المالية

ونعتقد، رغم أهمية الرياضة، بأن هناك ضرورة في تخصيص جزء من استثماراتها في إنشاء مكتبات أو مخابر مجهزة جيداً في المدارس، خاصةً وأن الاستفادة من المنشآت الرياضية للاتحاد العام الرياضي تكون محصورة في المدن الكبيرة. أي أن معظم إنفاق الرياضة الاستثماري عبارة عن استثمارات غير قابلة للتقسيم (أي أنها تتميز بتوزعها على استثمارات متكاملة مثل مدينة رياضية أو صالات أو نوادي…) تتمركز في المناطق أو المحافظات الرئيسية ولا تستفيد المناطق النائية منها فعلياً. وهنا لا بد وأن نذكر دوماً بالفرق بين ما هو متوقع وما يتحقق فعلاً.

قطاع الصحة

يمكن فهم تراجع الخدمات الصحية العامة من خلال الاطلاع على إجمالي استثمارات وزارة الصحة (إدارة مركزية) ومختلف المشافي المذكورة ضمن بنود الموازنة العامة (الشكل 11).

الشكل 11: الاستثمار المتوقع في القطاع العام للصحة

المصدر: الموازنات التقديرية - وزارة المالية

لقد انخفضت الاستثمارات "المتوقعة" في هذه الفعاليات بحدة عام 1997 لتعود عام 1999 إلى مستواها عام 1993. وعندما نذكر مرة أخرى بالفروق الحادة بين ما يخطط له وما يُنفق فعلياً، وبالتذكير بالتزايد السكاني، قد نجد شيئاً من فهم حقيقة تردي الخدمات الصحية العامة.

قد يكون مفيداً القيام بنفس التحليل لباقي القطاعات (التعليم العالي، والمجالس البلدية،…). ولكن سنرجئ الأمر لمقالات أخرى، بانتظار توفر المعلومات والإحصائيات الضرورية.

الاستثمار السكني:

لو عدنا قليلاً إلى الثمانينات وأخذنا الاستثمار في دور السكن (الشكل 12).

الشكل 12: المساحة السكنية الجديدة في سوريا بآلاف الأمتار المربعة

المصدر: المجموعة الإحصائية، جداول البناء والتشييد

نلاحظ هنا كيف لعب القطاع العام دوراً مهيمناً في السبعينات في قطاع السكن. وترافقت زيادة استثماراته السكنية في تلك الفترة بزيادة مشابهة (ولكن أقل) من قبل القطاع الخاص والتعاوني الذي حافظ في النصف الأول من الثمانينات على نفس مستوى الاستثمار تقريباً، بينما تراجع القطاع العام عن دوره المهيمن في ذلك القطاع وعاد منذ النصف الأول من الثمانينات إلى تلك المستويات التي كان ينفذها في بداية السبعينات. وحافظ على تراجعه حتى بداية التسعينات. كما خفض القطاع الخاص والتعاوني من استثماراته السكنية بشكل ملحوظ بسبب الأزمة الخانقة التي عصفت بالبلاد في منتصف الثمانينات. وهكذا تجمعت العوامل اللازمة لنشوء فقاعة المضاربة في قطاع البناء، ومن أهم هذه العوامل:

أدت الزيادات المطردة في الأسعار إلى تنشيط حركة الاستثمار في البناء واستمرت الأسعار في الارتفاع، بسبب اجتماع العوامل الملائمة لتشكل فقاعة المضاربة، إلى أن وصلت إلى مستويات لا سابق لها. وقد تم تصحيح الأسعار بتضافر العديد من الآليات، ومن أهمها:

  1. كان الكثير قد جمدوا رؤوس أموالهم في أبنية سكنية بانتظار تحقيق أرباح المضاربة المنشودة، ولكن وجود الفرص المغرية البديلة (انظر أدناه) دفع بالكثيرين لتصفية استثماراتهم وتفضيل الفرص الأخرى (سمح القانون رقم 10 بفرص استثمارية مغرية يمكن من خلاله ا تحقيق أرباح أكبر من المضاربة في دور السكن، بسبب فتح أبواب الاستيراد تحول الاهتمام بشكل كبير من الاستثمار في دور السكن إلى الاستثمار في السيارات (وخاصة الميكروباصات الجديدة)، جامعي الأموال). وأدى ذلك إلى زيادات كبيرة مفاجئة في عرض دور السكن وإلى انخفاض الطلب عليها لأن الراغبين بشرائها (وأغلبهم من الميسورين) قد فضلوا الاستثمار في تلك الفرص البديلة.
  2. نمو سريع لظاهرة جامعي الأموال التي تسببت "بشفط" السيولة المتوفرة لدى الطبقة المتوسطة والفقيرة. ولم يتم كبح هذه الظاهرة كما ذكرنا إلا عام 1994.
  3. تزايد السكن العشوائي غير المنظم والذي لم يُؤخذ بعين الاعتبار في الأرقام الرسمية. فتسبب الأمر في زيادة العرض وانخفاض أسعار دور السكن النظامية.

التعليم والتنمية المستقبلية:

للوهلة الأولى تدعو إحصائيات المدارس الإعدادية والثانوية إلى الابتهاج. فهذه المدارس لم تعد مكتظة بالطلاب كما في السابق، حيث أن وسطي الطلاب للمدرسة الواحدة قد انخفض من 445 عام 1987 إلى 324 عام 1998. وفي نفس الفترة انخفض وسطي الطلاب من 37 طالب للشعبة الواحدة إلى 34 طالباً. ولكن هل هذه هي الحقيقة؟

تخفي الإحصاءات العديد من المشاكل، منها عدم الانتباه للتشتت (التباين)بين مختلف المناطق أو أنواع التعليم. لننظر لاختلاف تزايد المدارس عن الطلاب (شكل 13).

الشكل 13

المصدر: المجموعة الإحصائية ـ المكتب المركزي للإحصاء، وإحصاءات التعليم والامتحانات في وزارة التربية

ملاحظة: المحور اليميني للمدارس والأيسر للطلاب

في الشكل 13 نكتشف تناقصاً حاداً في طلاب الثانوية العامة، ونلاحظ أن زيادة الطلاب في التعليم الفني المقابلة غير كافية للحفاظ على نفس نسبة تزايد النشاط التعليمي الثانوي في فترة الثمانينات. كما أن هذه الزيادة لا تتوافق مع الزيادة المتسارعة في نفس الفترة لطلاب الإعدادية. مما يشكك في تناقص الزخم التعليمي عما كان عليه.

وجديرٌ بالذكر أن عدد طلاب المرحلة الإعدادية والثانوية العامة قد تزايد بنسبة 18% فقط بين عام 1985 وعام 1998؛ بينما تزايدت المدارس في نفس الفترة بنسبة 61%. وزاد طلاب الثانوية الفنية بنسبة 106% بينما زاد عدد مدارسها بنسبة 325%. جدير بالذكر أن بعض المدارس العامة تم تحويلها إلى مدارس فنية ومهنية. ونظراً لعدم توفر المعطيات عما تم تحويله أو بناءه أو استئجاره من مدارس فنية ومهنية جديدة، فإننا ننبه إلى الارتياب الكامن أو المحتمل في الأحكام الواردة في محاضرتنا.

الشكل 14: عدد المدارس وعدد الطلاب

ملاحظة: الرموز المصمتة لأعداد المدارس الإعدادية والثانوية، وأما المفرغة فهي لأعداد الطلاب.

المصدر: إحصاءات التعليم والامتحانات في وزارة التربية

من خلال هذين الشكل 14، نجد بوضوح أنه برغم التزايد البسيط، وأحياناً التناقص شبه المستمر في أعداد الطلاب، فإن سياسة بناء المدارس لم تتوقف وأحياناً بشكل كبير جداً. وهنا نود التنويه إلى أن سياسة بناء (أو استئجار) المدارس حالياً تتسبب بتفريغ بعضها وإجبارها على تخفيض عدد شعبها، مما يجعلها متخمة بالكوادر التدريسية غير الفاعلة فعلياً، فتزداد النفقات الثابتة ويزداد العبء على موازنة الدولة. ويتسبب تفريغ المدارس من أعداد كبيرة من طلابها (وبالتالي من بعض شعبها) باضطرار الأساتذة للتنقل أسبوعياً بين أكثر من مدرسة (وذل ك لاستكمال نصابهم التدريسي من عدد الساعات المطلوب). وغني عن القول ضعف الرواتب الحالية للأساتذة وحالتهم المعيشية المتدنية. ويتسبب تنقلهم بين أكثر من مدرسة بنفقات نقل إضافية تزيد من تذمرهم من أوضاعهم. ويتسبب كل ذلك بتنامي إهمال التعليم (من قبل المعلمين) ضمن الدوام الرسمي، وينصب اهتمام المعلمين على المهن الموازية أو على الدروس الخاصة (للتعويض وتأمين الحد الأدنى للمعيشة).

وهنا نتساءل، أليس من المنطقي التفكير في عملية التنسيق الحثيثة بين المناطق المتجاورة (داخل المحافظة أو بين المحافظات) بحيث تدرس إمكانية استبدال افتتاح بعض المدارس بشراء حافلات تقوم بنقل الطلاب مجاناً يومياً من وإلى مقاعد الدراسة؟ وقد يكون في ذلك وفر في النفقات (يمكن توظيفه في زيادة الأدوات المخبرية والتجهيزات الحديثة في الاتصالات والمعلوميات وغيرها) وتأمين إرث فعلي في العملية التدريسية في كل منطقة. فمع افتتاح كل مدرسة جديدة، سيحتاج الأمر لأجيالٍ ريثما تصقل خبرة الأساتذة وتتأمن التجهيزات اللازمة للعدد الكبير من المدارس. ويزداد وضوح ظاهرة تفريغ المدارس من الطلاب وانتشار البطالة المقنعة بين الأساتذة في المناطق النائية ضمن المحافظة وفي المناطق الحدودية مع المحافظات الأخرى وخاصة في المحافظات ذات الفعاليات الاقتصادية الضعيفة (الرعوية أو الزراعية).

ننتقل الآن لاستعراض نسب التسرب المدرسي. يوضح الشكل 15 عدد المتسربين من المراحل الدراسية المختلفة.

الشكل 15: التسرب المدرسي في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية

المصدر: المجموعة الإحصائية ـ المكتب المركزي للإحصاء، وإحصاءات التعليم والامتحانات في وزارة التربية

وقد اعتمدنا في عملية التقدير على فكرة إضافة الناجحين من كل مرحلة أدنى، إلى تعداد الطلاب في المرحلة، ثم بطرح الناجحين منها، نحصل على العدد النظري الواجب ملاحظته في السنة اللاحقة. والفرق بينه وبين العدد المرصود من قبل وزارة التربية يعبر عن التسرب. ولكن يجب التنويه إلى أهم الفرضيات التي لجأنا إليها (إهمال وفيات الأطفال، إهمال هجرة الأهل خارج القطر، إهمال نسبة المسجلين من غير السوريين، إهمال ظاهرة الطرد من المدرسة.). وبقصد التبسيط لم نرغب بالدخول في العديد من التفاصيل (تسجيل الأحرار في الشهادات الإعدادية والثانوية يؤثر على طرق الحساب ومتابعة الأجيال، وهنا قد يكون من المفضل المتابعة عن طريق الأجيال (المنهجية التي اتبعناها في محاضرة "التعليم والبطالة" في ندوة سيما الاقتصادية الأولى في السنة السابقة).

من الشكل 14 نجد أن التسرب من المرحلة الابتدائية مستقر بجوار نسبة 7%. وقد يعود السبب في ذلك إلى بعض التساهل في النجاح خلال هذه المرحلة. وتظهر نتائج إنجاح الطلاب غير المبرر في النسب المرتفعة في التسرب في المرحلة الإعدادية حيث ارتفعت النسبة من جوار 12% في بداية الثمانينات إلى ما يزيد عن 20% في التسعينات (26% عام 1995). وأما في المرحلة الثانوية فمن الصعب ضمن المعطيات المتاحة تقدير التسرب، فهناك الكثير من الجهات المعنية بالتعليم الثانوي (العامة والفنية والمهنية التاب عة لوزارة التربية وجهات أخرى مثل فندقية، تمريض، سلكية وهناك أثر كبير للتحول في التوجهات التعليمية نحو التعليم الفني والمهني (قرار رئيس مجلس الوزراء 15/3/1988) على نتائج الدراسات. ونظراً لعدم توفر المعطيات فقد تجنبنا تقدير التسرب في صفوف التعليم الثانوي الفني والمهني (رغم تأكيد العديد من المطلعين على ارتفاع نسبته فيه).

وقد يكون من المفيد دراسة التسرب في كل صف على حدة حيث تدل الإحصائيات على أن أغلب التسرب يتم بين الصف السادس والسابع حيث يخرج وسطياً 30% من الطلاب الذين يتوجب فيهم التسجيل في الصف السابع. كما نجد أن المستوى الثاني بالتسرب يتعلق بالطلاب المرشحين للتسجيل في الصف التاسع إذ يتسرب وسطياً أكثر من 21% منهم خارج النظام التعليمي. ثم نجد أن 15% تقريباً ممن يتوجب بهم التسجيل بالصف الثامن يتخلون عن الدراسة. وأخيراً نجد أن عدد من يتسرب في المرحلة الابتدائية ضعيف نسبياً (أقل من 5%).

وإننا نذكر بأن ظاهرة انتشار المعاهد الخاصة لتعليم نفس المواد التي تعلمها المدارس الرسمية تشكك في الثقة بالنظام التعليمي ا لحالي، ويمكن أن نضيف عليها ذلك الانتشار الكبير لظاهرة الدروس الخاصة في المنازل. وهذه المظاهر تستحق البحث العلمي كي نتبين ما إذا كانت هذه المعاهد والدروس الخاصة تتكامل مع النظم التعليمية الحالية أم أنها بديلةً عنها.

هناك شبه إجماع على عدد فرص العمل الواجب توفيرها سنوياً (200 000 فرصة عمل). وبالنظر إلى نسبة التسرب المشار إليها، أي أكثر من ربع الطلاب لا يتجاوزون المرحلة الابتدائية (أي ما يزيد عن 200 000 سنوياً)؛ نجد أنهم إن لم يكونوا أميين، فهم في أحسن الأحوال ملمين، وتصعب أقلمتهم مع التقنيات الحديثة. من هنا تأتي أهمية التساؤل حول طبيعة طالبي العمل القادمين (ذكور أم إناث، أميون أم متعلمون..). وجدير بالذكر أن التعليم مرتبط بشكل كبير برواتب وحوافز الأساتذة. ويتسبب ضعف رواتب المدرسين (بما فيهم أساتذة الجامعات) بمستويات تعليم متدنية. وعند وصول بعض الخريجين غير الأكفاء إلى المناصب التدريسية في المدارس، يتناقص الأمل برؤية أجيال متعلمة. ويزداد الخطر مع تدني المستويات المعيشية للأهل بما فيهم خريجي الجامعات. ويدخل الاقتصاد في حلقة مفرغة.

ونأمل أن يكون في الأرقام أعلاه، مؤشراتٌ مفيدة قليلاً ومحرضةٌ على التفكير في نوعية التحديات القادمة والاستثمارات المطلوب التعاقد عليها وفي أي القطاعات؟

الاستثمار والحوسبة:

هناك إشكالية من طبيعة مختلفة تتعلق بعملية الحوسبة والأتمتة المحتملة في الشركات السورية. يقال حالياً وبكثرة أن الأمية الحقيقية هي جهل التعامل مع الحاسوب. وأن من لم يتقن الحاسوب فلن يكون له عملاً!

إذا قبلنا أن هذا الشرط لازمٌ، فهو بالتأكيد غير كافٍ للحصول على فرصة عمل. وستلعب عوامل كثيرة دوراً سلبياً في استقرار الاستثمار السوري في مجال المعلوميات أو السلع البديلة. من أهم هذه العوامل نذكر:

أهمية نظرة نقدية شاملة ودائمة:

نعتقد بأنه يتوجب على أي سياسة استثمارية أن تأخذ بعين الاعتبار ديمومة النمو وتوفير فرص العمل المستقرة وضمان التوازن المالي العام على الأمد البعيد. إذا أخذنا نتائج القانون رقم 10 نجد العديد من السلبيات التي أدت إلى توجيه أغلب المشاريع إلى الفعاليات ذات الربح السريع والقصير الأمد، وهو أمرٌ مفهومٌ في ظل النظم الضريبية المطبقة وكثرة النفقات غير المباشرة الناجمة عن الروتين و غيره من الظروف الأخرى التي تخفض من الثقة المتبادلة بين الاقتصاد الوطني والمستثمرين الكامنين. ومن المفيد التذكير بأداء القطاع الخاص في ظل القانون رقم 10. فقد "تركز 75% من إجمالي عدد المشاريع في أربع محافظات رئيسية هي دمشق وريفها 43% وحلب 24% وحمص 8%. كما غلب على هذه المشاريع الطابع الفردي، إذ بلغ عددها 572 مشروعاً، والشركات التضامنية 397، وشركات التوصية البسيطة 320. في حين بلغ عدد الشركات المحدودة المسؤولية 96، والشركات المساهمة 54 شركة، والشركات المشتركة المساهمة 8، والشركات المشتركة المحدودة المسؤولية 2فقط. أما من حيث عدد فرص العمل التي أتاحتها هذه المشاريع فقد كانت بحدود 30 ألف فرصة عمل"؛ وليس ما يزيد عن مائة ألف المتوقعة في الأرقام الرسمية الأولية. ولو تمعنا في إحصائيات وزارة الصناعة لوجدنا التباين الحاد بين تعداد المشاريع المشمولة بالقانون 10 وعدد ما نُفذ منها، مما يُؤكد على ضعف القدرة على جذب الاستثمارات.

1995

1994

1993

1992

 

83

155

152

295

عدد مخطط

43

27

20

21

عدد منفذ

42.9

80

39.7

45.8

رساميل مخططة (مليار ل س)

4.9

2.3

1.8

3

رساميل منفذة (مليار ل س)

وهذه النتيجة تدفعنا لمناقشة البيئة الاستثمارية بشكل عام وإعادة النظر في طرق التحفيز الاستثماري.

أهمية تنويع الحوافز الضريبية

نحن نستغرب الإصرار الدائم على التحفيز بتطبيق إجراءات الحماية المستديمة، أو بالإعفاء الكامل من الضرائب. ففي ذلك تخفيض لفرص تحسين تنافسية الصناعات الوطنية، و إنقاص كبير لموارد كامنة في الموازنة، لا يمكن الاستغناء عنها لسنوات إلا بشروط أكثر واقعية. نعتقد بوجود العديد من الطرق المعروفة عالمياً في تحفيز الاستثمارات. وتنتج طرق التحفيز من خلال القراءة الموضوعية والمتجددة للواقع الاقتصادي المحلي والخارجي، ومن إعادة النظر في القوانين والأنظمة المطبقة. ونذكر من الحوافز تغيير طرق حساب الاهتلاك.

تؤثر طرق حساب الاهتلاك على حجم الأرباح وبالتالي تساعد في تحقيق الوفر الضريبي. وعلى سبيل المثال يمكن للشركة، باعتماد الاهتلاك المتناقص، أن توفر الكثير من الضرائب (خاصة بوجود معاملات اهتلاك مرتفعة). وهذا سيزيد من قدرتها على التمويل الذاتي في السنوات الأولى؛ وهو الأمر الذي تحتاجه معظم الشركات البازغة. ولكن إن لم تستمر في نشاطها الاستثماري فإنها ستقع سريعاً تحت وطأة الضرائب. وهنا نجد أنه بقدر ما تواصل الشركة استثماراتها، فإنها تحقق وفورات ضريبية. وما إن تتوقف عن نشاطها الاستثماري حتى تبدأ بدفع الضرائب. وهذا يعني أن الاستثمارات الجديدة في ظل هذه الشروط لن تكون إلا من نصيب الشركات ذات الإنتاجية العالية. عند اتباع هذا النوع من الحوافز، قد تخسر الدولة الضرائب المستحقة ولكنها تعوضها بطرق عديدة منها:

ولكن هل يصح دوماً هذا الكلام؟ وهل يكفي اعتماد بعض طرق التحفيز، كالاهتلاك المتناقص، لتحقيق استثمارات مرتفعة وفاعلة؟

الجواب بالتأكيد بالنفي، إذ تكمن المشكلة الحقيقية في عدم ثقة المستثمر بالمناخ الاستثماري العام، وخاصةً بالأنظمة الضريبية أو المصرفية، مما يدفعه لتزوير الأرقام في نفقاته (بالزيادة) وفي إيراداته (بالنقصان). وقد يرى البعض الحل من خلال متابعة حثيثة لمختلف هذه الشركات والقيام بالتحليل المالي الجدي للأرقام، بحيث تكشف حالات التزوير بسهولة نسبية.

ونحن نعتقد بأنه مهما تكن الإجراءات المقدمة والتحديث في التقنيات المتبعة، لا تكمن المشكلة فقط، في نقص المحاسبة ومعاقبة المقصرين. بل نعتقد بأنه رغم أهمية المعاقبة، إلا أن الحل الحقيقي لا نتلمسه إلا بإصلاح شامل بما فيه الأنظمة الضريبية والمصرفية، وبحيث يترافق باقتراح ميثاق عمل مشترك بين الحكومة وأرباب العمل وممثلي العمال، وذلك بحثاً عن أفضل الطرق للوصول إلى الوضوح والعدالة والمحاسبة. وبتنفيذ هذه المهام، يمكن ضبط الحسابات، وتشجيع دور التحليل المالي، ودراسات الجدوى الجادة، وعندها يمكن أن نجد أجواء مقبولة لتحقيق أرباح موضوعية ومستديمة وعادلة لجميع الأطراف. وهنا نذكر بأن سوريا لم تستطع جذب أكثر من 0.4 مليار دولار من مجموع الاستثمارات العربية الخاصة البينية، بينما استطاعت بقية الدول العربية جذب 1.2 مليار دولار من الاستثمارات السورية (28% في الإمارات و25% في السعودية، و17% في الكويت، و16% في لبنان) وذلك خلال الفترة 1985-1998.

كنا قد تحدثنا عن الفرق بين المستثمر الفرد والمستثمر كدولة تهتم بالصالح العام. وهنا نؤكد على أن تشريع القوانين عبارة عن استثمار بحد ذاته. فقوانين تحفيز الاستثمار تستحق أن تُسبق بدراسات جدوى تتنبأ بآثارها على الاقتصاد على الأمد البعيد. ويكفي التذكير بما حققته مختلف قوانين الاستثمار الحالية من هجرة من الريف إلى المدينة، وما تسببت به من إرباكات في التخطيط العمراني وفي شبكة المياه والكهرباء والصرف الصحي، فضلاً عن تأثيرها على تخطيط التعليم والصحة…

في محاضرته عن المياه (16/5/2000)، تعرض د.شبلي الشامي لمشكلة شح المياه خاصةً في حوض دمشق التي تعاني كثيراً من هجرة ريف-مدينة، وتركزت اقتراحاته على جهة "عرض" المياه. أما نحن فإننا نعتقد بأن جزءاً كبيراً من الحل يكمن في جهة الطلب. نحن بحاجة إلى إعادة النظر في السياسات الاقتصادية التي تنطلق من الأمر الواقع وتحاول إيجاد الحلول. نحن بحاجة إلى استقراء السياسات اللازمة لتنفيذ الهجرة المعاكسة عن طريق تشجيع الاستثمارات في الأرياف وفي المحافظات ذات النمو الضعيف. وسيساعد ذلك في تخفيف حجم الطلب على المياه في حوض دمشق.

نعتقد بضرورة التركيز على قوانين جديدة تخلق أجواء أكثر صحية، وتدفع باتجاه الهجرة المعاكسة من المدينة إلى الريف، وتحاول تصنيع المناطق الواعدة وذات الإمكانيات القادرة على التخفيف عن المدن الكبيرة مثل دمشق وحلب وحمص. وهناك أهمية قصوى لتبسيط الإجراءات الإدارية وتوحيد الجهات المسؤولة عن ترخيص الاستثمارات. وقد يكون في ما يُقال عن المناطق ال صناعية في الدول المجاورة وعن تبسيط الإجراءات ومحاربة الروتين فيها (يكفي يوم واحد في مصر لإنهاء إجراءات الاستثمار الأولية)، خير تفسير على هجرة الاستثمارات باتجاه هذه الدول، وأكبر دليل على نقص تنافسية سوريا في هذا المجال.

التأقلم مع المتغيرات التقنية

كنا قد نبهنا إلى أهمية التفكير النقدي والخلاق تجاه العديد من السياسات الاستثمارية، خاصةً في ظل المتغيرات المحيطة والسريعة على المستوى المحلي والدولي. ومن هنا تطرح تساؤلات عديدة نذكر منها:

الخاتمة:

نظن أن المشكلة الأساسية هي في السياسات الاقتصادية المتبعة. فهي التي تقود باتجاه المشاريع الواعدة، وهي التي تجذب الزبائن والمستثمرين الخارجيين من أقصى الأنحاء (خاصةً بوجود وسائل الاتصال الحديثة). ولنذكر بمسيرة بناء السوق الأوروبية المشتركة التي انطلقت التحضيرات لها في نفس الفترة التي أقلعت بها فكرة السوق العربية المشتركة. ولكن كان الفارق في إصرار منظريها الأوائل (شومان وأدناور وغيرهم) على التركيز على البعد الاقتصادي أولاً وليس السياسي. والآن تتخلى الدول الأوروبية، بعد أن حققت تكاملها الاقتصادي عن أهم رموز السيادة الوطنية وهو العملة (أصبحت العملة المشتركة هي اليورو). لذلك نعتقد أن البدء بتحسين سياساتنا الاقتصادية، وتوفير البنية الاق تصادية السليمة سيجذب الكثير من الشركاء الجيدين وفي مقدمتهم جيراننا العرب.

إن الاستفادة من تجارب الدول الأخرى (وخاصةً الآسيوية منها وتحديداً ماليزيا نظراً لتشابه الظروف بينها وبين سوريا) مهمة جداً. ولكن يجب الانتباه إلى الملاحظات التي يوردها المتخصصون حول ظروف كل تجربة والتفاعلات بين مختلف العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية لكل تجربة في العالم، وذلك لتجنب التقليد الأعمى.

ومن المفيد التذكير بأن الرقمنة وثورة الاتصالات الحالية تشكل فرصةً ذهبية أمام الدول النامية، خاصةً وأنها رخيصة نسبياً. وهي أداة لا بد وأن تساعدها في تحقيق معدلات نمو جيدة شريطة أن تتبنى هذه الدول سياسات اقتصادية ملائمة. وجدير بالتذكير أن التغيير باتجاه العالم الرقمي قد يكون أسهل على الدول النامية منه على الدول المتقدمة. فالنامية منها تفتقد لمعظم مقومات البنى التحتية المهددة بالزوال مع عصر المعلومات، والتي تهدد بضياع مبالغ طائلة وتشكل عبئاً على الدول المتقدمة. ونظراً للرخص النسبي في التجهيزات المطلوبة لعصر المعلومات، سيكون من الأس هل على العالم النامي التفكير في أفضل السبل لدخول الاقتصاد الجديد.

قد يتساءل مختلف المطلعين على ندوات الثلاثاء: ما زلنا نسمع تشخيصات وتحليلات من مختلف التيارات، ولكن أين هو الحل الملموس أو خطة العمل الواقعية والمترابطة التي ترمق المستقبل البعيد؟

رغم أهمية الأفكار التي يتم طرحها من قبل كل باحث على حدة، نعتقد بأن احتمال النجاح الحقيقي في التخطيط الاقتصادي المتلائم مع خصوصية بلدنا، يستلزم التركيز على فرق متخصصة من الباحثين في جميع مجالات التنمية (اقتصاد، تربية، ثقافة،…)، وذلك طبعاً شريطة مقارنة مختلف التيارات البحثية والعملية وإيجاد فرص المتابعة وضبط المسيرة التنموية بشكل مستمر، فكما نعلم لا يسمح تسارع الزمن الحالي بتكثيف الجهود وتعديل القوانين لمرة واحدة، ومن ثم تقديسها وتحويلها إلى تابو Taboo تصعب إعادة النظر به.

توجد في جميع البلدان المتقدمة فرق عمل متكاملة تضع المخططات للمستقبل، كما أنها تبني ما يلزم من مصادر معلومات موثوقة لدعم وتنفيذ ومتابعة المخططات. أما في العالم النامي، فأغلب فرق العمل تتكون من البيروقراطيين، تنغلق على ذاتها دون تعاون جدِّي مع الكوادر الجامعية أو الباحثين أو الخبراء الميدانيين. وهؤلاء بدورهم كل يبحث بمفرده، دون تعاون علمي فعلي، فتتشرذم الآراء ويخلق طيف من الآراء، صعب التحليل وعصيٌّ على التجميع.

نحن بحاجة ماسة إلى منهجية عمل فاعلة وديناميكية، يصيغها فرق عمل مختلفة من كوادر متخصصة في جميع المجالات، يربطهم تكامل معارفهم وخبراتهم لمواجهة التحديات المقبلة. وقد أثبتت الحياة أن تعدد الآراء والمواقف يشكل غنى وتنوع ويكون مصدر إبداع وابتكار.

وشكراً لكم