الإدارة بالأهداف إلى أين ؟

الأستاذ محمود سلامة

مع نهاية الثمانينات وبداية التسعينات اختفت من شوارع المدن السورية مشاهد الطوابير البشرية المجتمعة على أبواب الجمعيات الاستهلاكية ومنافذ البيع الحكومية. واختفت معها مظاهر الوساطة وصعوبة الحصول على السلع التي ينتجها القطاع العام، سواء سلع الاستهلاك النهائي منها أو السلع نصف المصنعّة. ولعل الكثيرين منكم ما زالوا يتذكرون صعوبة الحصول على (الغزول والأسمنت وأجهزة التلفزيون والبرادات وأسطوانات الغاز وحتى علب السمنة والمناديل الصحية).

اختفت تلك الظواهر لكن ظلالها ونتائجها داخل المشهد الاجتماعي وما أفرزته من ظواهر طفيلية كاحتكار المواد وبيعها بالسوق السوداء والاعتماد على التهريب كسوق موازية بقيت ماثلة في الوعي والواقع.

توارى أبطالها وذهبوا إلى مواقع أخرى بحثاً عن فرص جديدة يقتنصونها، أو مخبئ في مشاريع استثمارية يبيضون ما جمعوه من المال الحرام. وبدأت تطل بالمقابل مشاهد جديدة لم تكن مألوفة على عيون السوريين فقد تناثرت على أسطحة المنازل مئات الألوف من أجهزة استقبال البث الفضائي. وغصت الشوارع بأحدث السيارات وأكثرها فخامة. وإلى جانبها أرتال لا تنقطع من الميكروباصات التي يحلو لسكان دمشق تسميتها «بالجرذان» بسبب كثرتها ومفاقمتها لظاهرة التلوث والاعتداء على البيئة والسلامة الصحية. وتوسعت شبكة الفنادق والمطاعم ذات النجوم الكثيرة لتقدم الخدمة لروادها الذين غالباً ما يكونون من النخب السياسية ورجال الأعمال والضيوف الأجانب وباقي شرائح قوى السوق الجديدة والقديمة.

انتشر نظام الإيزو والبار كود، وتسديد الحسابات ببطاقات الائتمان المصرفية، كالفيزا كارت والأمريكان أكسبريس وباقي السلسلة من البطاقات المصرفية كما توسع استخدام الحاسوب، ودخلت خدمة الإنترنت والبريد الإلكتروني، ونظام النداء (Pager) والهاتف الخليوي، وأصبح الناس يتململون من كثرة الأفلام الإعلانية المرّوجة للتشكيلة السلعية بغثها وثمينها قبل وبعد نشرات الأخبار، وخلال العروض التلفزيونية الدرامية.

بين هذين المشهدين المتباينين يمكن للمرء أن يقرأ ما طرأ على سورية من تبدلات ومتغيرات جوهرية كثيرة أهمها:

  1. الانتقال من الاقتصاد المركزي إلى الاقتصاد التعددي.

  2. الانتقال من استراتيجية الإحلال محل الواردات المعتمدة على الحماية والحصر والاحتكار، إلى استراتيجية السوق المفتوحة التي تعتمد على المنافسة والإنتاج الموجه نحو التصدير.

  3. الانتقال من الندرة إلى الوفرة والاستهلاك.

  4. الانتقال من نمط الإنتاج الاجتماعي إلى نمط الإنتاج الاقتصادي التنافسي.

أما على الصعيد السياسي فقد تجلّى التحول الأبرز بالمحاور التالية:

  1. بلورة وتعميق الخطاب السياسي الذي يقوم على المزاوجة بين الفهم العميق والخلاق للمتغيرات الدولية والتمسك بالمقابل بكل ما هو وطني وقومي وأخلاقي في الخطاب السياسي العربي.

  2. التأكيد على ضرورة توطيد وتعميق الوحدة الوطنية بوصفها حجر الزاوية بإعادة البناء.

  3. الانتقال من صيغة الاستقطاب الطبقي التي ميزت مرحلة الحرب الباردة إلى صيغة الإجماع الوطني المحكوم بتوازنات وطنية جديدة.

  4. اعتماد صيغة التعددية الاقتصادية كخيار وطني مستقل تفرضه الإرادة الوطنية.

  5. ترسيخ مفهوم الدولة كتعبير سياسي وإداري يمثل مصالح المجتمع السوري بكامله، يضطلع بمهمة إدارة التوازنات الوطنية الصارمة بين القوى والطبقات في ضوء المصالح الوطنية العليا.

  6. رفض ومعارضة الالتحاق والتبعية بالنظام الدولي الجديد ورفض نصائح ووصفات البنك الدولي.

هذه المتغيرات وضعت الإدارة السورية أمام العديد من المهام والتحديات والاستحقاقات، كتحدي المنتجات المستوردة للإنتاج المحلي وتحرير التجارة العربية البينية (بدءاً بالتجارة مع لبنان)، والانضمام إلى الشراكة الأوروبية المتوسطية، وفي ضوء ذلك كله تبدو المسألة الأكثر إلحاحاً هي التأسيس الإداري والاقتصادي والإنتاجي لهذا الانتقال. وإعادة تأهيل القطاع العام وإدارته ليدخل السوق بشروط مختلفة عن تلك الشروط التي كانت تحكم إدارته وطريقة إنتاجه في العقود الماضية. لأنه، وكما هو معروف، بأن النظم والآليات الإدارية التي كانت ومازالت تحكم عمل القطاع العام تتسم بمايلي:

1 ـ بالمركزية الشديدة وإدارة الاقتصاد بالأوامر و البطء باتخاذ القرارات الإدارية:
فكثيراً ما نلاحظ أن معالجة مشكلة ما قد تستغرق عدة أشهر، بحيث تبدأ رحلة البريد من المنشآت والمجالس الإنتاجية التي تضم الفعاليات الأساسية (الإدارة والحزب والنقابات)، فالإدارة تراسل عن طريق التسلسل المؤسسة ومن ثم الوزارة فرئاسة مجلس الوزراء. وكذلك هو الحال بالنسبة للمنظمة الحزبية من الفرقة إلى الشعبة وإلى الفرع فالقيادة القطرية ومنها إلى رئاسة مجلس الوزراء. وكذلك المنظمة النقابية أيضاً،من اللجنة النقابية إلى النقابة فاتحاد المحافظة فالاتحاد العام لنقابات العمال ومنه إلى رئاسة مجلس الوزراء. ويصّب البريد الوارد من مختلف القنوات في الرئاسة. حيث يقدر حجم البريد اليومي الذي يصل للرئاسة بحوالي أربعة حقائب سفر. ويحتاج ذلك البريد إلى عدد من الساعات تفوق ساعات الدوام الصباحي والمسائي، ليس لقراءته بل لتوقيعه فقط. هذه الرحلة قد تستغرق عدة أشهر وغالباً ما تعود بدون معالجة، ولو تأملنا جانباً من الأدب الإداري الذي يتجلّى في تلك المراسلات والحواشي لاستطعنا أن نلاحظ تلك الحواشي التي ليس لها معاني أو دلالات محددة مثل: (نرفع إليكم لإبداء التوجيه)،(نعيد إليكم لإجراء اللازم)، (موافق حسب الأصول)، (للتريث، للمذاكرة، …)،(لإجراء المقتضى والمعالجة من قبلكم). كما نلاحظ ظاهرة التهرب من المسؤولية وإلقاء اللوم على الآخرين، وتشكيل اللجان للتهرب من اتخاذ القرارات الجادة.

2 ـ تعدد جهات الإشراف والوصاية:
إن الوحدات الاقتصادية تتمتع باستقلالية نظرية من الناحية القانونية. إلا أنه من الناحية الواقعية تتم عملية مصادرة واسعة لهذه الاستقلالية واستئثار بسلطة اتخاذ القرار من قبل الجهات الوصائية العليا.
فتعدد جهات الإشراف والوصاية يؤثر بصورة أو بأخرى في قرارات الإدارة التي عليها مراعاة هذه المسألة. فعندما يُقِدمْ المدير العام على اتخاذ قرار ما.. لا بد له من أن يأخذ بعين الاعتبار هذه الجهات والتي أذكر منها (الحزب، النقابات، الأجهزة الأمنية، الأجهزة الرقابية، والجهات الوصائية الإدارية كالمؤسسة والوزارة، وهيئة تخطيط الدولة، ووزارة التموين، ووزارة المالية…) فكل هذه الجهات تشارك الإدارة بهذا القدر أو ذاك في اتخاذ قراراتها اليومية.

3 ـ ازدواجية وتعدد الشخصيات الاعتبارية واختلال بنية ووظائف الإدارة:
لو تأملنا الهياكل الإدارية في شركات القطاع العام للاحظنا أن تلك الهياكل تتسلسل كمايلي: الوزارة، المؤسسة، الشركات التابعة للمؤسسة. فالوزير هو رئيس مجلس إدارة المؤسسة التي تتمتع بشخصية اعتبارية، كما أن لكل شركة من الشركات التابعة للمؤسسة مجلس إدارة يتمتع بشخصية اعتبارية. فلو أخذنا قطاع النسيج مثلاً، نستطيع أن نلاحظ وجود(28) شخصية اعبتارية، وحتى معمل الحرير الطبيعي في الدريكيش الذي يعمل بصورة موسمية ولا يزيد عدد العاملين فيه على عشرين عاملاً، له مجلس إدارة وطاقم من المديرين يماثل الشركة الخماسية التي يزيد عدد عمالها على ثلاثة آلاف عامل. هذه الهياكل تتسم بضعف البنية الاقتصادية وتسهم في زيادة التكاليف والأعباء التي تقود في النهاية إلى تدنى مستوى الأداء الاقتصادي، وتنازع الصلاحيات.
نلاحظ ذلك في وقت يتجه فيه العالم نحو عمليات الدمج بين المؤسسات والبحث عن هياكل مرنة وذات بنية اقتصادية فعالة، فما الذي يمنع أن يكون مجلس إدارة المؤسسة مثلاً هو مجلس الإدارة لكل إدارات الشركات التابعة لها والاكتفاء بإدارات معملية في تلك الشركات.
وبالإضافة إلى مشكلة الهياكل الإدارية هناك أيضاً مشكلة تتعلق بوظائف الإدارة، فالإدارة الحالية تمارس دور التخطيط والتنفيذ والرقابة في حين ينبغي الفصل بين هذه الوظائف بحيث تكون هناك جهة تمارس دور التخطيط والرقابة وأخرى تمارس دور التنفيذ.

4 ـ تداخل ما هو اجتماعي مع ما هو اقتصادي في القطاع العام:
يتجلّى هذا التداخل في كثير من حلقات النشاط الاقتصادي، فنراه مثلاً في التشغيل بحيث نستطيع أن نؤكد بأن معظم مؤسسات وشركات القطاع العام تعاني من وجود عمالة زائدة تسهم في زيادة عناصر التكلفة. ونراه في تسعير المواد الأولية، وفي تسعير المنتج النهائي. ففي الوقت الذي تبيع فيه الدولة القطن السوري مثلاً بحدود دولار واحد في الأسواق الدولية (وهو السعر الرائج)، تقوم ببيعه للشركات التابعة لها بأكثر من ضعف هذا السعر.. الأمر الذي يسهم في زيادة التكاليف وبالتالي إلى تراكم وزيادة حجم المخازين، واستنزاف سيولة هذه الشركات. وفي الوقت الذي تبيع فيه مؤسسة الإسمنت إنتاجها لمؤسسة عمران بحدود التكلفة تقريباً تقوم مؤسسة عمران ببيعه في السوق بأرباح فلكية. بحيث يبدو قطاع الإنتاج خاسراً وقطاع التوزيع رابحاً. هذه الأرباح، وهذه الخسائر ليست حقيقية، إنها أرباح وخسائر وهمية ناتجة عن سياسات التسعير وعن تداخل ما هو اجتماعي مع ما هو اقتصادي والخاسر الأكبر من هذه السياسات هو القطاع العام.

5 ـ استئثار وزارة المالية بجميع الفوائض المتأتية من القطاع العام:
تقوم وزارة المالية بتحويل جميع الفوائض المتأتية من القطاع العام إلى الخزانة مثل أرباح الشركات (الفوائض الاقتصادية) وفائض السيولة الذي يمثل الادخارات الإجبارية (الاهتلاكات) التي تحتجز للقيام بعمليات الاستبدال والتجديد. وفي حال حاجة أية شركة للاستبدال والتجديد لتطوير منتجاتها أو تقاناتها فإنها تلجأ للاقتراض من صندوق الدين العام وبفائدة قدرها 9 % وهكذا يرتب صندوق الدين العام فوائد باهظة على القطاع العام. في حين يُفتَرَضْ أن تأخذ وزارة المالية ضرائب الأجور وضرائب الأرباح فقط وتترك باقي الفوائض بحوزة الشركات لتطوير استثماراتها.

6 ـ تخلف المفاهيم والأساليب الرقابية:
إن المتتبع لحلقة الرقابة يستطيع أن يلاحظ أنها ليست أحسن حالاً من باقي حلقات النشاط الإداري والاقتصادي، بل ربما تكون الأسوأ حالاً والأكثر تخلفاً. فالرقابة الحالية توجه جلّ اهتماماتها إلى صحة الدورة المستندية. فإذا كان الورق سليماً فهذا يعني أن كل شئ على ما يرام، حتى لو كانت الشركة خاسرة وحتى لو كانت الإدارة موغلة في الفساد. والعكس صحيح أيضاً فإذا ما كان ثمة خطأ في الورق فلا يشفع للإدارة ما حققته من إنجازات ونتائج إيجابية. فالمهم شكلانية النفقة لا فعاليتها واقتصاديتها والمهم تنفيذ التعليمات والتقيد بها ولو قاد ذلك إلى نتائج سلبية مدمرة.

7 ـ تتسم الأنظمة الإدارية والتعليمات المطبقة بأنها:
ـ شديدة المركزية تضع القرارات التنفيذية في أيدي جهات وصائية بعيدة عن العملية الإنتاجية،
ـ تفصيلية تعيق المبادرة وتفقد المرونة والديناميكية الضرورية.
ـ جامدة لا تقبل التعديل رغم مرور عقود على إصدارها.
ـ متقادمة غير مسايرة للعصر وغريبة عنه، لا تقيم مبدأ الثواب والعقاب.

8 ـ ضعف كفاءة الكادر على مختلف المستويات الدنيا والعليا، والذي يبرز عبر:
أ ـ ضعف التأهيل
ب ـ ضعف التدريب والتدريب المستمر
ج ـ ضعف المبادئ العملية الحديثة للإدارة
د ـ ضعف الاحتكاك بالعالم وضعف معرفة الإدارة بالعالم وما يجري فيه.
هـ ـ أسس غير مناسبة لاختبار الكادرات لا تتفق ومتطلبات العملية الإنتاجية

9 ـ تدني الأجور والرواتب، وتبرز عبر:
أ ـ ضعف مستويات الأجور والرواتب والحوافز عموماً.
ب ـ ضيق الفروقات بين حدود الرواتب بين مختلف المراتب والوظائف الدنيا والوسطى والعليا والقيادية.
ج ـ ضعف الحوافز إلى حدود تفقد معها أي قيمة وتأثير فعليين.

10 ـ غياب وظيفة البحث العلمي والتطوير ووظيفة الاستشارات مثل:
أ ـ بحث وتطوير تكنولوجيا الإنتاج وتصميماته.
ب ـ دراسات تطوير الإنتاجية
ج ـ دراسات الجدوى الاقتصادية
د ـ دراسات التسويق المحلي والخارجي
هـ ـ دراسات القدرة التنافسية المحلية والعربية
و ـ تحليل نقاط القوة والضعف والفرص والتحديات.

11- غياب تحديد الأهداف وقياس تحقيقها على كافة المستويات بحيث أضحت إدارة كأنها تعمل بلا غاية.

لقد حال كل ذلك دون تطور القطاع العام وإطلاق مبادراته وأثر بصورة سلبية على إدائه وأدخله في مأزق شامل.

وكذلك فقد كان المعادل الإنتاجي لهذه النظم والآليات يتجلى بالإنتاج الاجتماعي النمطي الذي ينطلق أساساً من فكرة تلبية الحاجات الاجتماعية الضرورية، والقائم بالمقابل على فكرة الحماية والحصر والاحتكار. فالمجتمع بهذه الحالة ليس مضطراً فقط لاستهلاك ما ينتجه القطاع العام بل يتعدى الأمر إلى بذل الجهود والوساطة للحصول على تلك السلع.

وإذا كان ذلك النظام الإداري وتلك الآليات وذلك النمط من الإنتاج قد أدى غاياته في مرحلة الحرب الباردة واختيار اتجاه التطور اللارأسمالي أو التوجه الاشتراكي. فإنه لم يعد قادراً على مواجهة التحديات والاستحقاقات الجديدة.

لقد أدى التأخير في التأسيس لذلك الانتقال إلى مفاقمة مشاكل القطاع العام حيث تراكمت المخازين وسجلت أرقاماً قياسية. واستهلكت الشركات بسبب ذلك رساميلها وازدادت مديونيتها، وتداخلت التشابكات المالية بينها وبين المؤسسات الحكومية بحيث بات حلّها عصياً على أطراف المشكلة ويتطلب تدخلاً مباشراً من رئاسة مجلس الوزراء ووزارة المالية.

وربما كانت المؤسسة العامة للصناعات النسيجية هي المثال الأبرز على الحالة التي يعيشها القطاع العام. فهذا القطاع من الإنتاج الصناعي الذي تملك فيه سورية مزية نسبية بسبب مكوناته المحلية والتقاليد الصناعية العريقة والذي ينبغي أن يغذي الموازنة بفوائضه الاقتصادية التي قد تفوق الموارد المتأتية من قطاع النفط بسبب كثرة القيم المضافة في صناعته، يرزح الآن تحت وطأة مديونية تصل إلى حدود (23) مليار ل.س وتصل قيم مخازينه إلى حوالي (14) مليار ل.س وتتعقد تشابكاته المالية مع الغير بحيث تبدو مستحيلة الحل.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا.. لماذا تأخرت الإدارة الحكومية في التعاطي مع هذه القضية المستجدة (قضية التأسيس الإداري والإنتاجي) للانتقال من اقتصاد الأوامر إلى اقتصاد الأهداف والغايات، ومن الإنتاج النمطي إلى الاقتصاد التنافسي.

هل القضية غامضة وغير مفهومة من قبل الإدارة!؟ أم هو الإهمال و الترهل !؟ أم هو العجز وعدم القدرة على التجدد وإعادة التأهيل.

هل نسي البعض بأن القطاع العام يشكل قاعدة للتوازن الاقتصادي والسياسي وقاعدة لهيبة الدولة وسلطتها السياسية !؟
وبالمقابل فإن إهماله والتفريط به إنما يعني التفريط بهيبة الدولة وسلطتها السياسية!

تروي الحكاية أن دباً رأى على وجه صاحبه ذبابة فأراد أن يطردها فأمسك بحجر كبير وضربها فأردى صاحبه قتيلاً. وفي رواية أخرى أنه لم يرَ على وجه صاحبه ذبابة بل رأى وجه صاحبه جيداً.

أمام ذلك الوضع الذي ينذر بالخطر الداهم وفي غياب المبادرة الحكومية، أتت المبادرة وكما في كل مرّة من المؤسسة الرئاسية، كان ذلك في خطاب القسم الدستوري للولاية الرئاسية الخامسة، حيث أفرد سيادة الرئيس مساحة واسعة للملف الداخلي وفي مقدمته ضرورة المسارعة إلى القيام بإصلاحات إدارية واقتصادية وتحرير القطاع العام من جميع القيود والمعوقات التي تحول دوت تأديته لدوره كقوة للتوازن الاقتصادي والاجتماعي وحمّل مسؤولية ذلك للحكومة وللاتحاد العام لنقابات العمال.

وكانت مبادرة الدكتور بشار الأسد بإطلاقه لنظام الإدارة بالأهداف. كمدخل لإجراء إصلاحات إدارية واقتصادية جوهرية في إطار المشهد الوطني القائم على التعددية الاقتصادية.

بتاريخ 17/1/1999 أصدر السيد رئيس مجلس الوزراء القرار رقم /781/ المتضمن تطبيق تجربة الإدارة بالأهداف لمدة سنتين على الشركات التالية:

1 ـ الشركة الطبية العربية (تاميكو) بدمشق.
2 ـ الشركة العامة للصناعات الزجاجية والخزفية بدمشق.
3 ـ الشركة العامة للصناعات الحديثة بدمشق.
4 ـ الشركة العامة لصناعة الخيوط بحماه.

مرفقاً به مذكرة توضيحية تتضمن المبادئ العامة، والصلاحيات، واتجاهات التجربة وأهم ما ورد في تلك المذكرة مايلي:

1 ـ إن تحقيق أي تحديث أو إصلاح أو تغيير مهما صغر شأنه يتم في إطار تحقيق هدف معين سواء على صعيد الاقتصاد الوطني أم على صعيد قطاع معين أو على صعيد الوحدة الاقتصادية. فاستخدام الموارد والقدرات البشرية واستثمارها العقلاني يتطلب خطة تحدد سبل ووسائل الوصول إلى تلك الأهداف والمتطلبات المادية والبشرية والإطار القانوني والإداري. وضمن هذا المفهوم تكون الإدارة بالأهداف هي إدارة الموارد بما يحقق الأهداف والتطلعات المرسومة. ومن الناحية العملية لا يمكن اجتزاء وحدة من الوحدات الاقتصادية الإنتاجية أو الخدمية لتطبيق الإدارة بالأهداف بصورة حصرية فيها دون النظر إلى واقع الوحدات الاقتصادية الأخرى وما تعيشه من تشابك علاقات مالية وتوريدية وتسويقية وغيرها. أو دون الإخلال بهذا الترابط العضوي والمبدئي ما بين مؤسسات القطاع العام الأخرى. والاجتزاء بهذه الحالة نظري ولكنه ممكن في إطار التجربة. وفي إطار توفير إمكانيات النجاح للإقلاع بأي وحدة اقتصادية وتعميم التجربة بصورة لاحقة.

2 ـ وفي تحديد المبادئ أكدت المذكرة الإيضاحية على النقاط التالية:

ـ إعطاء الحرية الضرورية للجنة الإدارية والمجالس الإنتاجية في الشركة لتشغيل الطاقات بهدف تحقيق الريعية الاقتصادية.
ـ وضع الخطط السنوية للشركة، عدا الخطة الاستثمارية.
ـ تأمين المستلزمات المادية والبشرية بما يحقق تنفيذ الخطة ضمن أحكام الأنظمة الخاصة بتلك الشركات.
ـ منح الشركات إمكانية وسلطة اتخاذ القرارات.
ـ تطوير الإنتاج وفق النسق المرغوب و ربط أنظمة الحوافز بالاتجاهات الكمية والنوعية.
ـ الآخذ بالعلاقات التجارية والنقدية وتطبيقها بما يوقظ مصلحة المؤسسات وبلوغ الحد الأمثل في إنتاجها القابل للتصريف.

3 ـ وفي الاتجاهات أكدت المذكرة على النقاط التالية:

ـ رفع وتائر الاستفادة من طاقات العمل.
ـ رفع وتائر الاستفادة من زمن العمل.
ـ رفع وتائر الاستفادة من الموارد البشرية.
ـ رفع وتائر الاستفادة من الموارد المالية.

أما بالنسبة للصلاحيات الممنوحة للشركات المشمولة بنظام الإدارة بالأهداف فقد تم تحديدها بمايلي:

  1. إعفاء الشركات التابعة لهذا النظام من جميع البلاغات والتعليمات الصادرة من رئاسة مجلس الوزراء والتي تتعارض مع أحكام المرسوم /195 / والتي تحدّد صلاحيات الإدارة.

  2. صلاحية وضع الخطط الإنتاجية والتسويقية واعتمادها من قبل الوزارة وإبلاغها لكل من هيئة تخطيط الدولة ووزارة المالية.

  3. منح الإدارات حق التعيين ضمن حدود خطة اليد العاملة أو الملاك.

  4. رفع سقف الشراء من /50/ ألف ل.س إلى /200/ ألف ل.س شراء مباشر عن طريق لجنة المشتريات ودون اللجوء لمناقصات وغير ذلك.

  5. رفع نسبة المكافآت التشجيعية إلى 4 % من كتلة الأجور، تمنح 2 % بموافقة المدير و 2 % بموافقة رئاسة مجلس الوزراء.

  6. رفع صلاحيات المدير العام في منح المكافآت من 500 ل.س إلى ثلاثة آلاف ليرة سورية وكذلك منح المكافآت لغير العاملين. ورفع صلاحيات اللجنة الإدارية من خمسة آلاف إلى ثمانية آلاف ليرة سورية.

  7. اختيار أساليب التسويق المناسبة بما في ذلك أنظمة اعتماد الوكلاء داخلياً وخارجياً.

  8. حرية التعاقد مع خبرات داخلية وخارجية بدون موافقة مسبقة.

  9. عدم السماح للهيئة المركزية للرقابة والتفتيش الدخول إلى الشركات المنضمة لهذا النظام إلا بموافقة مسبقة من رئيس مجلس الوزراء.

  10. ترك فائض السيولة المخصص لعمليات الاستبدال والتجديد في حوزة الشركات المشمولة بأحكام هذا النظام.

كما أصدر السيد رئيس مجلس الوزراء قراراً يقضي بتشكيل لجنة للإشراف والمتابعة أنيط بها مسوؤلية الإشراف والمتابعة وحل المشاكل الناجمة عن التنفيذ برئاسة السيد وزير الصناعة وعضوية معاون وزير الاقتصاد ومعاون وزير المالية وممثل عن الاتحاد العام لنقابات العمال. وكلفت أنا شخصياً بأمانة سر هذه اللجنة، وقد أضيف إليها فيما بعد، بَعْدَ تشميل المؤسسة العامة للصناعات النسيجية والشركات التابعة لها بنظام الإدارة بالأهداف كل من مدير عام المؤسسة النسيجية ورئيس الاتحاد المهني للغزل والنسيج.

هذا على صعيد ما تم عمله مع مجلس الوزراء بالتعاون مع الاتحاد العام لنقابات العمال.
أما على صعيد التحضيرات والإجراءات التي قامت بها لجنة الإشراف والمتابعة فتتجلى بمايلي:

  1. تم تزويد كل من الشركات المشمولة بهذا النظام بملف يتضمن القرارات والأنظمة الثلاثة (المالية، والعقود، العلاوات، المكافآت، والعمل الإضافي) وطلب من الشركات دراستها وعرضها على اللجنة الإدارية ووضع الملاحظات والمقترحات بشأنها وإبلاغها للجنة الإشراف والمتابعة.

  2. الطلب من الشركات العمل على تشخيص وتوصيف جميع المشكلات (العمالية والإنتاجية والمالية والفنية و التسويقية) ووضع المقترحات الكفيلة بمعالجتها وتجاوزها.

  3. القيام بتوصيف وظيفي للعاملين في الإدارات العليا وفق الاستمارة التفصيلية المرسلة من لجنة الإشراف والمتابعة للتعرف على نقاط الضعف والقوة في تركيب الإدارات العليا. ورفد تلك الإدارات بالعناصر الكفوءة والمتخصصة.

  4. إجراء عمليات مسح للقوة العاملة وتوزيعها للتعرف على الفائض أو النقص فيها للعمل فيما بعد على إعادة تأهيلها وإعادة توزيعها

  5. إجراء عملية مسح للآلات وفق الاستمارة المرسلة من لجنة الإشراف والمرفق صورة عنها مع التقرير للتعرف على الوضع الفني وجاهزية الآلات.

  6. وضع أنظمة تكاليف معيارية وأنظمة مدخلات ومخرجات بالتعاون مع الجهات التي تحددها لجنة الإشراف إذا تعذر على الإدارات إنجاز تلك الأنظمة بالتعاون مع بعض المتخصصين في الجامعات والمعاهد السورية.

  7. إعادة النظر بأنظمة الحوافز وعلاوات الإنتاج وربطها ليس فقط بالإنتاج كما كان الوضع في السابق بل بربط الحوافز بالإنتاج والجودة وخفض التكلفة والتسويق.

  8. تحديد الأهداف الخاصة بكل شركة:
    الأهداف الاستراتيجية البعيدة المدى والهدف العام السنوي والأهداف الوسيطة والتفصيلية، وتوزيع الأهداف ما أمكن ذلك على مناصب الإدارة العليا في الشركة، أخذين بعين الاعتبار أن تكون هذه الأهداف محددة وقابلة للتحقيق، كما أنها قابلة للقياس من حيث الكم والزمن، وتم تحديد أمثلة ملموسة حول هذه المسألة، كأن ترمي هذه الأهداف إلى تحقيق مايلي:
    إنتاج أصناف جديدة ذات ريعية عالية خلال فترة محددة، فتح أسواق جديدة محددة جغرافياً وزمانياً، تخفيض التكلفة مثلاً بحدود 2 % خلال مدة ستة أشهر، البحث عن طرائق عمل جديدة تسهم في توفير الوقت والمواد الأولية.

  9. يتم تتبع التنفيذ بصورة شهرية وربع سنوية للمؤشرات التخطيطية المتعلقة بالإنتاج والمبيعات و المخازين وكذلك للتكاليف والأهداف.

ولقد حرصت لجنة الإدارة بالأهداف على أن تتزامن هذه التحضيرات مع حملة تثقيفية واسعة ومكثفة، حيث بادرت اللجنة بالتعاون مع الاتحاد العام لنقابات العمال ومركز تطوير الإدارة والإنتاجية وعدد من أساتذة كلية الاقتصاد في الجامعات السورية. للتعريف بنظام الإدارة بالأهداف سواء ما يتعلق بالمفاهيم النظرية أو ما يتعلق بآليات تنفيذه. وقد اقتصرت هذه الحملة في البداية على الشركات الأربعة المشمولة بهذا النظام والفعاليات المتواجدة فيها (الإدارة والحزب والنقابات وسائر الفعاليات الأخرى) ثم امتدت،بعد قرار رئاسة مجلس الوزراء بتشميل قطاع النسيج، لتشمل جميع المحافظات السورية وجميع النقابات والأعضاء العاملين في الحزب وباقي الفعاليات الأخرى.

كما نظمت لجنة الإشراف والمتابعة بالتعاون مع الاتحاد العام لنقابات العمال في دمشق دورتين للمد راء العامين وأعضاء المجالس الإدارية، دورة حول المفاهيم الحديثة للتنمية البشرية وإدارة الإنتاج ودورة حول مفاهيم وأساليب التسويق الحديثة.

واللجنة الآن بصدد وضع برنامج للتدريب والتأهيل يغطي جميع الشركات المشمولة بهذا النظام بالتعاون مع كليات الاقتصاد في الجامعات السورية ومركز تطوير الإدارة والإنتاجية ومركز الأبحاث الصناعية ومركز البحوث التابع لوزارة الدفاع ومراكز التدريب المهني ومعهد التخطيط ومعهد التنمية الإدارية أخذين بعين الاعتبار خصوصية كل شركة واحتياجاتها التدريبية بالإضافة إلى المسائل المشتركة بين الشركات، وقد حددت اللجنة أهداف التدريب بمايلي
نقل الخبرات اللازمة المتعلقة بـ:

ـ أساليب الإدارة الحديثة وإدارة الإنتاج.
ـ الجودة والمواصفات.
ـ سياسات وأساليب البيع والترويج والتسويق الحديثة.
ـ دراسة عملية لتطبيق أنظمة محاسبة التكاليف.
ـ التعريف بنظام الإدارة بالأهداف سواء ما يتعلق بالمفاهيم النظرية أو ما يتعلق بآليات التطبيق
ـ تكنولوجيا الإنتاج الحديثة الخاصة بالفرع الصناعي(آلات ومعدات وطرق تصنيع).
ـ تشغيل وصيانة التكنولوجيا الحديثة.
ـ تصاميم الإنتاج الحديثة.
ـ التسويق العالمي (تصدير).
ـ وضع استراتيجية متوسطة وبعيدة المدى.

لقد أصبح الآن لدى لجنة الإشراف والمتابعة ملفات تفصيلة لكل شركة تمثل كل منها الهوية الكاملة لكل شركة بما تشمله هذه الهوية من تفاصيل إيجابية وسلبية من نجاحات وإخفاقات وتشابكات مع الغير، وقد بدأت اللجنة بدراسة هذه الملفات بهدف التعرف على واقع كل شركة من النواحي العمالية والمالية والفنية والإنتاجية والتسويقية والأرباح والخسائر. وستعمد اللجنة إلى تصنيف وفرز لهذه الملفات لمعرفة:

1 ـ المشاكل الخاصة بكل شركة.
2 ـ المشاكل ذات الطابع المشترك.
3 ـ تحديد ما هو مطلوب من الشركات ويرتبط باختصاصها وصلاحيات لجانها الإدارية.
4 ـ تحديد ما هو مطلوب من المؤسسة والوزارة ولجنة الإشراف.
5 ـ تحديد ما هو مطلوب من قرارات وإجراءات وصلاحيات وتفويضات من رئاسة مجلس الوزراء.
6 ـ متابعة كل جهة على حده من قبل لجنة الإشراف والمتابعة وفق سلم الأولويات ووفق الضرورات الملحة والإمكانيات المتاحة لكل جهة.

الخلاصة التي تم إبلاغها للشركات، والتي ستعمل لجنة الإشراف على حسن تنفيذها:

ـ أن تجربة الإدارة بالأهداف لا تحتمل إلا خياراً واحداً هو النجاح.
ـ ترسيخ الاستقلال المالي والإداري للشركات وتحرير القطاع العام من جميع القيود والمعوقات.
ـ إعادة تأهيل قطاع الإنتاج السلعي لمواجهة الاستحقاقات والشراكة القادمة.
ـ النقل التدريجي الفعال لصلاحيات المالك وتفويض الإدارات بها.
ـ إعادة النظر بالمفاهيم والأساليب الرقابية باتجاه التأكيد على اعتماد مبدأ المحاسبة على النتائج، وعلى فعالية النفقة واقتصاديتها بدلاً من الاعتماد على شكلانية النفقة وصحة الدورة المستندية.
ـ تنبيل صناعة الغزل والنسيج واستثمار القطن السوري بأعلى كفاءة اقتصادية ووضع البرامج التنفيذية بهذا الهدف (أي غزل ونسج كامل إنتاج سوريا من القطن، وإنتاج الأصناف العالية الجودة من الغزول والمنسوجات لتحقيق أكبر قيمة مضافة).
ـ البحث عن أصناف ومنتجات جديدة ذات مواصفات وجودة عالية وذات ربحية أعلى من الإنتاج النمطي.
ـ ربط خطة الإنتاج بالسوق والزبائن والعمل على التخلص من المخازين المتراكمة وعدم إنتاج أصناف غير رائجة للوصول إلى خطة إنتاجية مرتبطة بعقود مسبقة.
ـ تعميق ارتباط وولاء العاملين بمؤسساتهم وبالقطاع العام من خلال النتائج التي سوف تسهم في تحسين منظومة الحوافز والمكافآت والأجور.
ـ اعتماد مبدأ المحاسبة على النتائج وإعفاء أي إدارة لا تقدم نتائج مقنعة.

ولقد كانت النتائج الملموسة المتحققة في الشركات الأربعة هي ما شجع رئاسة مجلس الوزراء للتفكير بتوسيع التجربة. فقد أسفرت تلك النتائج عن متغيرات إيجابية لمعظم المؤشرات التخطيطية وبصورة خاصة زيادة الإنتاج، وزيادة المبيعات، وتخفيض المخزون، وانعكاس ذلك على مستوى الحوافز الإنتاجية. وإليكم بعض النتائج المتحققة بالمقارنة مع الفترة المماثلة من العام الماضي.

شركة تاميكو:

1 ـ الإنتاج:

1051 مليون ليرة سورية

الإنتاج المخطط حتى 30/9/99

969 مليون ليرة سورية

الإنتاج الفعلي حتى 30/9/99

82 مليون ليرة سورية

النقص

بلغ معدل تنفيذ الخطة 92 % وهو معدل أقل من المقبول، لكن الشركة تتجه نحو ربط الإنتاج بالتسويق ولذلك تعتبر توجهاتها صحيحة وخاصة في مجال صناعة الأدوية والأغذية:

716 مليون ليرة سورية

الإنتاج الفعلي خلال الشهور التسعة الأولى لعام 1998

969 مليون ليرة سورية

الإنتاج الفعلي خلال الشهور التسعة الأولى لعام 1999

253 مليون ليرة سورية

الزيادة

ازداد حجم الإنتاج الفعلي مقارنة مع نفس الفترة من العام السابق بمقدار 253 مليون ليرة أي ما يعادل زيادة 135 % وهذا مؤشر إيجابي.

2 ـ المبيعات:

المبيعات المخططة لغاية 30/9/99

1055 مليون ليرة سورية

المبيعات الفعلية خلال لغاية 30/9/99

950 مليون ليرة سورية

النقص

105 مليون ليرة سورية

لم تستطع الشركة تنفيذ خطة المبيعات بل وصل معدل التنفيذ إلى 90 % لكن بلغت نسبة المبيعات الفعلية إلى الإنتاج الفعلي 98 % وبذلك حققت الشركة ربط الإنتاج بالتسويق.

مبيعات عام 1998 حتى 30 /9

741 مليون ليرة سورية

مبيعات عام 1999 حتى 30/9

950 مليون ليرة سورية

الزيادة

29 مليون ليرة سورية

بلغت الزيادة في قيمة المبيعات عن عام 1998 حوالي 209 مليون ليرة وذلك بمعدل زيادة قدرها 128 % وهذا مؤشر إيجابي مقارنة مع العام السابق .

3 ـ المخزون:

مخزون 1/1/1998

293 مليون ليرة سورية

الإنتاج الفعلي حتى 30/9/ 99

969 مليون ليرة سورية

الإجمالي

1262 مليون ليرة سورية

المبيعات

930 مليون ليرة سورية

المخزون في 30/9/99

332 مليون ليرة سورية

ازداد حجم المخزون عن بداية السنة بمقدار 39 مليون ليرة بما يعادل 13 % وبذلك بلغ المخزون بحدود إنتاج الشركة لمدة ثلاثة أشهر وهو في الحدود النظامية لأن شركات الأدوية تستطيع التخزين بما يعادل إنتاج ثلاثة أشهر.
ازدادت الحوافز بنسبة 32 % مقارنة مع العام الماضي. إذا كانت عام 98 بحدود 38 مليون ليرة سورية وأصبحت عام 99 بحدود 50 مليون ل.س وأصبح وسطي معدل الحوافز يفوق وسطي الأجور وهو يقترب من 5000 ليرة سورية شهرياً، وربما كان هذا الرقم من أعلى الحوافز في سوريا.

4 ـ التقييم العام:

استطاعت الشركة تحقيق بعض المؤشرات الإيجابية في زيادة حجم الإنتاج عن العام السابق بما يعادل 135 %. واستطاعت ربط خطة الإنتاج بالمبيعات حيث بلغت المبيعات إلى الإنتاج بحدود 98 % وهي من المؤشرات الإيجابية، وبدأت بالتصدير حيث استطاعت تصدير ما مقداره ستة آلاف دولار كبداية في انطلاقتها الخارجية.
وفيما يخص المخزون، لا تشكل هذه الكميات المخزنة عقبة في وجه الشركة طالما أنها مازالت ضمن حدود المسموح بها.

الشركة العامة للصناعات الزجاجية والخزفية بدمشق:

1 ـ الإنتاج:

الإنتاج المخطط حتى 30/9/1999 471.01 مليون ليرة سورية
الإنتاج الفعلي حتى 30/9/ 1999 448.28 مليون ليرة سورية
الانخفاض الفعلي عن الخطة 22.73 مليون ليرة سورية

بلغ معدل تنفيذ الخطة بواقع 95 % ويعود السبب في تراجع الإنتاج الفعلي عن المخطط إلى تأخر إنتاج معمل زجاج السادا بسبب العمرة.

الإنتاج الفعلي حتى 30/9/1998 542.09 مليون ليرة سورية
الإنتاج الفعلي حتى 30/9/ 1999 448.28 مليون ليرة سورية
الانحراف عن العام الماضي 93.81 مليون ليرة سورية

بلغ معدل تنفيذ الإنتاج الفعلي مقارنة مع السابق بحدود 83 % ويعود السبب في هذا التراجع إلى تنفيذ عمرة لمعمل الزجاج السادا استغرقت ثمانية أشهر , وكانت في السابق تستغرق عاماً كاملاً.

2 ـ المبيعات:

نظراً للصلاحيات التي حصلت عليها إدارة الشركة في التسويق والتصدير و تسعير المنتجات فقد حققت النتائج التالية:

المبيعات حتى 30/9 /1999

495.31 مليون ليرة سورية

المبيعات حتى 30/9 /1998

470.09 مليون ليرة سورية

الزيادة عن العام السابق

25.22 مليون ليرة سورية

بلغ معدل تنفيذ المبيعات مقارنة مع العام السابق خلال نفس الفترة حوالي 105 % وتكون الشركة قد استطاعت تصريف الإنتاج لهذا العام مع تسويق جزء من المخزون وهو مؤشر إيجابي على صعيد الواقع العملي.

التصدير حتى 30 /9/ 1999

435000 دولار

التصدير حتى 30/9/1998

279000 دولار

الزيادة

156000 دولار

استطاعت الشركة زيادة حجم التصدير بمقدار 156 ألف دولار أو بمعدل زيادة قدرة 243 % مقارنة مع العام السابق.

3 ـ المخزون:

استطاعت الشركة تحريك المخزون ببيع جزء منه بدلاً من زيادته كما كان في الأعوام السابقة وذلك كمايلي:

مخزون 1/1/1999

153.19 مليون ليرة سورية

الإنتاج الفعلي حتى 30/9/ 1999

448.28 مليون ليرة سورية

الإجمالي حتى 30/9/ 1999

601.47 مليون ليرة سورية

المبيعات حتى 30/9 /1999

495.31 مليون ليرة سورية

المخزون في 30/9/1999

106.16 مليون ليرة سورية

استطاعت الشركة تخفيض حجم المخزون بمقدار 53.74 مليون ليرة، تصريف الإنتاج الفعلي لهذا العام وبذلك انخفض المخزون بمعدل 35 % عن بداية العام وهو مؤشر إيجابي في مؤسسات القطاع العام.

4 ـ التقييم العام:

إن الصلاحيات البسيطة التي أعطيت لهذه الشركة في مجال الإنتاج والمبيعات قد دفعت الشركة لإجراء عمرة لمعمل الزجاج السادا التي كانت تؤجل بشكل مستمر، الأمر الذي يساهم في تجديد رأسمال الشركة من جهة ويساهم في زيادة الإنتاج للأعوام القادمة من جهة أخرى، إضافة إلى ذلك فقد استطاعت الشركة زيادة حجم مبيعاتها وتصريف جزء كبير من المخزون السابق بحدود 35 % وتجدر الإشارة إلى أن كتلة حوافز العاملين قد ازدادت بمعدل 20% بالمقارنة مع العام السابق.

أيها الحضور الأعزاء:

إن ما عرضته حتى الآن يمثل تشخيصاً لبعض مشكلات القطاع العام الاقتصادية والإدارية وعرضاً للوقائع بصورة محايدة. إلا أن تجربة الإدارة بالأهداف لا يمكن النظر إليها بهذا التبيسط، لأنها قضية خلافية تحتمل الكثير من السجالات والحوارات، تحتمل التوافق والخلاف، ومحاولات التطوير المواءمة مع البيئة الإدارية والاقتصادية السورية، لذلك لا بد من النظر إليها إنطلاقاً من موقف نقدي يستهدف البحث عن أشكال أرقى. ولا بد من الإشارة الواضحة إلى ما لهذه التجربة وما عليها وأرى أن هذه الندوة مناسبة لتبادل الآراء وسماع الشهادات والإضافات من ذوي الخبرة و المختصيين، والتجربة بحاجة ماسة لكل ذلك. فهي تجربة تتبلور من خلال التطبيق، والواقع يغني التجربة بخبرات تساعد في تصويبها وتطويرها.

انطلاقاً من هذا الفهم أعرض عليكم ملاحظاتي بما أمكن من الدقة والموضوعية. وسوف أبدأ بالملاحظات الإيجابية والمتفائلة:

  1. إن البدء بتجربة الإدارة بالأهداف كمدخل للإصلاح الإداري والاقتصادي وإعادة تأهيل القطاع العام ينطوي على الاعتراف بوجود مشكلة أو أزمة إدارية والاعتراف بوجود مشكلة والتعاطي معها هو موقف إيجابي بحد ذاته، وقد تأخرت مواجهة معالجة مشاكل القطاع العام إلى حد أنه لا يمكن التأخر أكثر، لأن التأخر في مواجهة المشاكل وتركها تتراكم وتتفاقم يضعف من قدرة الإدارة على مواجهتها فيما بعد وستصبح عصية على الحل.

  2. إن نقل صلاحيات المالك للإدارات في الوحدات الإدارية بصورة شاملة أو جزئية، والتنازل عن فلسفة الاستئثار والهيمنة والمركزية الشديدة في إدارة الاقتصاد الوطني، هو حجر الزاوية والمدخل العملي لترسيخ فكرة الاستقلال المالي والإداري للمنشآت الاقتصادية في القطاع العام.

  3. إن النتائج العملية لتتبع التنفيذ خلال العام المنصرم والتي أكدت على وجود متغيرات إيجابية لمعظم المؤشرات التخطيطية في ظل صيغة لا تتعدى الحدود الدنيا ومن المرونات والصلاحيات، تؤكد وجود إمكانية على تحقيق نتائج أكثر أهميةً وحسماً إذا ما حظيت تلك التجربة باهتمام أكبر وتوفر لها شروط النجاح على الأسس العلمية المعروفة واقترنت بالاهتمام الجدي وبالمزيد من التدريب والتأهيل والمزيد من المرونات والصلاحيات.

  4. إن اعتماد مبدأ المحاسبة على النتائج، وإدارة الظهر للتقييم القائم على خضوع الإدارة للتعليمات وإطاعة الأوامر، والقرب أو البعد عن مركز اتخاذ القرار الإداري والعلاقات الشخصية، سوف يفضي بالضرورة إلى إيقاظ روح المسؤولية عند الإدارة ومواجهة التحديات الإدارية والاقتصادية بصورة جدية. لأن الحكم النهائي على نجاح أو فشل أي إدارة سوف ينطلق من النتائج والإنجازات، لا من اعتبارات أخرى مهما كان شأنها.

  5. إن هذه التجربة بما تقتضيه من شروط وظروف سوف تسهم في تقليص الفوارق والمزايا بين القطاع العام وبقية القطاعات الأخرى وسوف تخفف من حدة التناقض بين نمطين إداريين متعارضين وسوف تساعد لاحقاً في بلورة سياسات إدارية واقتصادية تفضي إلى المزيد من التعاون القائم على التكامل والتفاعل وتشكيل جبهة اقتصادية داخلية في مواجهة التحديات الاقتصادية الخارجية.

  6. إن البدء بتطبيق تجربة الإدارة بالأهداف أفسح في المجال لإثارة قضيتين هامتين لم يكن ممكناً إثارتهما في ظل النظام الإداري السائد:
    الأولى: ضرورة فك الارتباط بين ما هو اقتصادي و ما هو اجتماعي في التشغيل والتسعير وإخضاع القطاع العام الإنتاجي لمعايير اقتصادية صارمة وتوضع الوظيفة الاجتماعية للدولة في قطاعات الخدمات. فلكي تتمكن الدولة من تقديم خدمات خاسرة لمواطنيها لا بد من وجود إنتاج وفير ورابح. إن خلط الاقتصادي بالاجتماعي يضعف القدرة الاقتصادية للشركات ويحولها إلى عبء على الاقتصاد والوطني بدلاً من أن تكون عماداً له، ويضعف إمكانية الدولة على تقديم خدمات للمواطنين، وبالتالي فالدعوة إلى وظيفة اجتماعية في ميداني الإنتاج والخدمات إنما تعني الدعوة إلى إفلاس الدولة.
    و الثانية: إن التحديث في أساليب الإدارة والإنتاج والتسويق لا يمكن تحقيقه بدون التحديث الموازي في مفاهيم وأساليب الرقابة. فالرقابة في ظل نظام الإدارة بالأهداف تعتمد على النتائج كأساس لتقيم الأداء وليس الانضباط والتقيد بالأوامر والتعليمات بصرف النظر عن النتائج المتحققة. كما أن الرقابة في ظل هذا النظام تقدم النصائح والمشورة حول مكامن الضعف والقوة، ولفت النظر لإمكانيات النجاح غير المكتشفة والملحوظة وليست ساحة للاقتناص والتصيد ! كما تهتم بفعالية النفقة واقتصاديتها لا شكلانية النفقة وصحة الدورة المستندية.

  7. في ظل تجربة الإدارة بالأهداف تم تحرير الشركات المشمولة من الخضوع للجهات الوصائية المتعددة حيث حصرت مسؤولية هذه الشركات أمام لجنة الإشراف والمتابعة فقط.

  8. تم إقرار ترك فائض السيولة للشركات وهذا شرط أساسي للشركات العاملة كي تمتلك سيولتها اللازمة سواء كان لتغطية حاجة عملياتها الجارية للسيولة، أو لتطوير طاقاتها الإنتاجية عبر تطوير خطوط إنتاجها وإن كانت خططها الاستثمارية مازالت تخضع لمركزية شديدة.

هذا باختصار ما يمكن أن يسجل لصالح هذه التجربة. أما ما يمكن أن نسجله على الضفة الأخرى فإنني أود أن أقسمه إلى قسمين:
القسم الأول ويتصل بالإجراءات الحكومية وطريقة التعاطي مع هذه التجربة، والقسم الثاني ويتصل بفكرة الإصلاح الإداري والاقتصادي بصورة عامة.

ـ عدم وضوح الأسس التي تم بموجبها اختيار الشركات الأربعة كميدان لتطبيق هذه التجربة. حيث لم أجد في وثائق التجربة ما يشير إلى ذلك. فهناك تساؤلات اختيار تلك الشركات دون غيرها‍ ‍‍‍‍؟ وما هي الاعتبارات التي قادت إلى هذا التحديد ‍‍‍‍‍؟
ـ إن هذه التجربة انطلقت بالاستناد لقرار من مجلس الوزراء وهذا القرار هو المرجعية القانونية الوحيدة لها، وهناك من يعتقد وبصورة خاصة من أوساط المدراء العامين بأن هذه المرجعية لا تشكل مظلة قانونية كافية أمام الجهات القضائية والرقابية، وأنه كان من الأفضل أن تصدر بتشريع أو مرسوم أو قرار جمهوري.
ـ إن السيد وزير الصناعة الذي أنيطت به مهمة رئاسة لجنة الإشراف والمتابعة لا يستطيع أن يشكل من الناحية الموضوعية (كما لا يستطيع أي وزير آخر بحكم حدود الصلاحيات الممنوحة له) سقفاً ومظلة إدارية وسياسية كافية لهذه التجربة، فهو لا يستطيع من موقعه هذا أن يصدر التعليمات لجهات إدارية لا تخضع لوصايته وقد كان من الأفضل بالنظر لعلاقة هذه التجربة الإدارية مع البيئة الإدارية والاقتصادية أن يرأس هذه اللجنة مسؤول من القمم الإدارية أو السياسية.
ـ إن لجنة الإشراف تعاني من بعض نقاط الضعف أهمها أنها غير متفرغة لهذه المهمة، وينوء أعضاؤها بمهام و مسؤوليات كثيرة في وزارتهم وفي اللجان الأخرى التي يعملون بها. فضلاً عن كونهم يمثلون من الناحية العملية المرجعيات الإدارية للجهات التي ينتمون إليها. وقد كان من الأجدى والأنسب لهذه التجربة اختيار فريق عمل متفرغ ومتخصص ومنسجم ويملك الحماسة الكافية لهذا المشروع.
ـ إن الشركات التي دخلت التجربة مثقلة بالأعباء والتشابكات المالية والمشاكل المتراكمة. وقد كان من الأجدى اختيار شركات ذات أوضاع وشروط طبيعية، لأن تطبيق التجربة على شركات مثقلة بالمشاكل يحول من الناحية الموضوعية دون الحكم والتقييم الدقيق لنجاح التجربة أو فشلها. كما أن فترة التحضير التي سبقت البدء بتطبيق هذه التجربة لم تكن فعالة وكافية، فقد كان ينبغي وخلال فترة التحضير بلورة فهم مشترك لما يعنيه ذلك النظام في التجربة السورية. ومن ثم دراسة وتشخيص المشكلات الأساسية للشركات المشمولة وإيجاد الحلول المناسبة لها.بحيث تبدأ تلك الشركات بشروط وظروف منطقية دون أن تكون مثقلة بهموم تعجز عن مواجهتها، فالتجارب عادة تجري على أجسام وحالات طبيعية. لأنه بدون ذلك يصبح تطبيق التجربة بحد ذاته عبئاً جديداً يضاف إلى الأعباء القديمة.
ـ إن المركزية الشديدة مازالت مستمرة إلى حد بعيد، والصلاحيات التي تم نقلها للشركات لا تمثل سوى الحد الأدنى من الصلاحيات التي يستأثر بها المالك، و ما زالت الصلاحيات تتركز في أيدي الإدارة العليا والجهات الوصائية، في حين أن نظام الإدارة بالأهداف وضرورات النجاح في الإدارة يعتمد أساساً على الفصل بين الملكية والإدارة ونقل صلاحيات المالك للإدارات وتفويضها بها. وكذلك الحال بالنسبة للصلاحيات التي حددت للجنة الإشراف والمتابعة، والصك الذي يحدد تلك الصلاحيات هو نص ملتبس يمكن أن يعني كل شئ ويمكن ألا يعني شيئاً، حيث ينص ذلك القرار على العبارة التالية: « تتمتع لجنة الإشراف والمتابعة بأوسع الصلاحيات » دون أن يشير صراحة إلى تفاصيل تلك الصلاحيات. وقد أدى ذلك إلى وجود فهم متفاوت وإلى تأويلات. فالبعض يعتقد بأنها تتمتع بسلطة اتخاذ القرارات، والبعض ينظر إليها بوصفها لجنة استشارية فقط ومازال السجال قائماً حول ذلك.
ـ يبدو أن مجلس الوزراء حين أخر العمل بموجب نظام الإدارة بالأهداف. قد افترض بأن ذاكرة (بيتر دراكر) مؤسس هذا النظام هي نفس ذاكرته. والحقيقة والواقع تؤكد بأن ذاكرة الأطراف المشار إليها ليست ذاكرة واحدة. فهناك فهم متفاوت لهذا النظام وهناك الكثير من الإدارات التي لا تعرف شيئاً عن مفاهيم ذلك النظام وآليات تطبيقه. ولو أجرينا مقارنة موضوعية بين ما كتبه (بيتر دراكر) وبين ما اتخذته الحكومة من إجراءات يدفعنا إلى الاعتقاد بأننا نعمل بشهوة ذلك النظام أكثر مما نعمل بمفاهيمه وآلياته. فإذا عدنا إلى ما كتبه (بيتر دراكر) أستاذ علم الإدارة في كتابه (ممارسة الإدارة) نلاحظ بأنه قد ركز على ضرورة اشتراك الرؤساء والمرؤوسين في تحديد الأهداف وتطوير المؤشرات الرقمية والآجال الزمنية والقيم الاقتصادية لبرنامج الإدارة بالأهداف وبذلك يتحول ذلك النظام إلى عملية تخطيطية يكملها اشتراك العاملين على اختلاف مواقعهم الإدارية ووظائفهم الإنتاجية في تنفيذ الخطة المقررة وفي متابعة التنفيذ ومن ثم تقيم النتائج وتحديد أدوار العاملين ومسؤوليتهم فيما حققوا من أهداف. كما نلاحظ عند دراكر بأن نظام الإدارة بالأهداف يقوم على تكامل الأسس والعناصر التالية:

  • الأهداف الكمية والأهداف النوعية.

  • جدولة زمنية مترابطة.

  • توسيع قاعدة المشاركة بين الرؤساء والمرؤوسين.

  • الصلاحيات والتفويضات المسبقة والتي تكون معياراً لقياس الأداء وتقويم النتائج.

  • نظام للحوافز المادية والمعنوية.

  • نظام للرقابة والتقويم.

ومن خلال هذه الأسس والعناصر نستطيع أن نلاحظ عدداً من النقاط التي تشكل بمجموعها مضمون هذا النظام وأهمها:

  • وضع هدف لكل منصب إداري. فالمنصب الإداري الذي ليس له أهداف محددة يعني أن ذلك المنصب غير مهم وبالتالي ليس ضرورياً.

  • ارتكاز النظام على الاقتناع الشخصي وأيقاظ المصلحة لدى الأفراد لتحقيق الأهداف بمستوى متطور من الكفاءة.

  • إن ذلك النظام يعتمد بصورة أساسية على الأداء والنتائج وليس على الصفات الشخصية والاعتبارات الأخرى.

وإن مثل هذه المعطيات وبمثل تلك الدلالات لم تتوفر في التجربة السورية. والمفارقة الثانية وهي أن الحكومة تعتقد أن نظام الإدارة بالأهداف ينحصر تطبيقه في قطاع الإنتاج السلعي ولا داعي لتطبيقه في قطاع الخدمات. وقد عرفنا ذلك عندما عرضنا على رئاسة مجلس الوزراء ضم بعض الجهات الداعمة لهذا النظام مثل مركز تطوير الإدارة والإنتاجية ومركز الأبحاث الصناعية في حين نرى بأن بعض البلدان بدأت باستخدام ذلك النظام لترشيد قطاع الخدمات الحكومية بتحويل الموازنات البيروقراطية في ضوء برامج الأعوام الماضية إلى موازنات تستهدف أهدافاً محددة تتمحور حول برامج ومعايير أداء وفقاً لتكاليف معيارية مقررة بالاستناد لعلاقات تناسبية بين الكلفة والعائد.وكذلك الحال فإن ذلك النظام يمكن أن يطبق في القطاعين العام والخاص لأن فلسفة الإدارة بالأهداف إن من حيث التخطيط أو التنفيذ أو المتابعة والتقويم لا تختلف في جوهرها في شركات خاصة وأخرى تابعة للدولة. ذلك أن شكل الملكية لا يحدد ظروف العمل وشروطه وأساليبه بقدر ما يحددها نظام الإدارة.وأن الملكية منفصلة وإلى حد كبير عن الإدارة في أكثر المؤسسات الخاصة وعلى الأخص (المتعددة الجنسية) فهذه الشركات لا يديرها مالكوها الموزعين بين حملة الأسهم المتبايني الحصص والمتغيرين باستمرار بحكم تداول الأسهم في سوق البورصة، وإنما يديرها مدراء مستقلون عن مالكي الأسهم ولكنهم يخضعون لنظام المحاسبة في إطار الشفافية. وتعتمد وظائفهم ومكافآتهم على أدائهم الإداري ونتائجهم العملية.

ومن هنا فإن نظام الإدارة بالأهداف يعتبر صالحاً لتحسين الأداء الإداري في مؤسسات قطاعنا العام. مع إدراكنا بأن توجيه هذه المؤسسات نحو السوق يعزز أهمية ذلك النظام ويتيح تدخل هذه المؤسسات بفاعلية أكبر في البيئة الاقتصادية المفتوحة والمتنافسة محلياً أو في أسواق التصدير العربية والدولية.

أما القسم الآخر من الملاحظات والمتعلق بفكرة الإصلاح الإداري والاقتصادي بصورة عامة، فإنني أود أن أنوه إلى أنني لا يمكن إلا أن نقف مع أي إجراء ذو طبيعة إصلاحية كبر شأنه أو صغر وتثمين أي إجراء عملي أو مساهمة لإيجاد مصارف حقيقية للاحتقانات الاقتصادية والاجتماعية. ولكن ذلك لا يمكن أن يلغي أهمية وضرورة توفير الشروط النموذجية لإجراء إصلاحات إدارية واقتصادية ذات قيمة ودلالة وطنية شاملة. وبهذا الصدد أعتقد أنه من الأهمية بمكان توفير الشروط التالية:

  1. امتلاك رؤية مستقبلية استشرافية لعشر سنوات مقبلة على الأقل تشتمل على تفاصيل المشهد الوطني المنشود والسيناريوهات الموصلة إليه بحيث نعرف بصورة مسبقة شكل الدولة والمجتمع والطبقات والقوى السياسية و مجمل الأهداف الاقتصادية والاجتماعية، وتشمل الرؤية الاستشرافية توزيع لأدوار قطاعات الاقتصاد الوطني ضمن تخصصات قطاعية مناسبة، وبالتالي تحديد القطاعات الأنسب لنشاط القطاع العام في القطاعات الارتكازية والابتعاد عن القطاعات ذات الطبيعة والدور غير المناسبين.

  2. توفر الإرادة السياسية الحازمة وتعبئة الطاقات الوطنية والقوى التي تتوافق مصالحها وتطلعاتها مع الإصلاح المنشود.

  3. تحديد البرامج العملية التفصيلية المؤدية لتحقيق الأهداف المطلوبة والموصلة إلى المشهد المرسوم.

  4. وجود الإدارة المناسبة لقيادة المشروع الإصلاحي. فمن غير المعقول أن نتحدث عن مشروع إصلاحي توكل قيادته لقوى غير إصلاحية. فالمثل الإنكليزي يقول (لا تطلب ممن خلق المشكلة إيجاد الحلول لها) فهناك فارق كبير بين من يصفق للفكرة وبين من يعمل من أجل حلها. كما أن هناك فارقاً أيضاً بين أن نلتف على مشكلة ما وبين أن نتوجه بصورة جدية ومباشرة لإيجاد الحلول المناسبة لها.

  5. توفير البيئة الإدارية المناسبة، بما تشتمل عليه من فلسفة إدارية وتقنيات وآليات إدارية وتشريعية تقوم على التكامل والتناغم لإيجاد الحلول المناسبة للأنماط الإدارية المتعددة والمتعارضة. لأنه من غير المنطقي تكريس تلك الأنماط كما هو عليه الحال الآن، فهناك آليات إدارية للقطاع العام وآليات وتقنيات أخرى للقطاع الخاص والمشترك. ينبغي أن تعمل الدولة والمجتمع بآليات وتقنيات إدارية متقاربة ما أمكن عندها يمكن تقييم نتائج كل قطاع بصورة موضوعية وعادلة.

  6. توفير منظومة متقاربة نسبياً للأجور والحوافز والضمانات الصحية والعائلية تتماهى مع المنظومة المعمول بها في القطاع الخاص والاستثماري، لكي لا يتحول القطاع العام إلى مركز تدريب مهني لبقية القطاعات، وإقامة علاقات تكامل وتعاون فيما بين تلك القطاعات لتشكيل جبهة اقتصادية داخلية لمواجهة الاستحقاقات القادمة وتحسين موقعنا التفاوضي تجاهها.

  7. أن يكون البرنامج الإصلاحي ذو طبيعة شاملة ويتناول كل القطاعات والمرافق ويأخذ بعين الاعتبار الشبكة الواسعة من العلاقات والارتباطات القائمة بين القطاعات والنشاطات الاقتصادية وكذلك سلم الأولويات والتدرج في الخطوات التي تفضي لإصلاحات شاملة.لأن الإصلاحات الجزئية والانتقائية والأحادية الجانب من شأنها إعادة إنتاج نمط من المشاكل الجديدة لم تكن متوقعة ولم تكن في الحسبان.

أخيراً:
إن تجربة الإدارة بالأهداف،وخلال عامها الأول فقط، أعطت نتائج إيجابية رغم كل الثغرات والنواقص والصعوبات، مما يثبت قابلية القطاع العام وإدارته للإصلاح، ومما يثبت أيضاً ضرورة تطوير هذه التجربة وتسليحها بكل أدوات نجاحها لتساهم في تحويل القطاع العام من عبء على الموازنة والاقتصاد الوطني إلى داعم لهما، وليستمر في القيام بالدور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي المنوط به، ولمواجهة موجة الخصخصة وتقليص دور الدولة الاجتماعي والاقتصادي مقابل توسيع دور قطاع الأعمال التي يسعى البعض لتعميمها في كل مكان، مستفيدين من الواقع السلبي للقطاع العام، الذي نرى أنه واقع مصطنع إلى حد بعيد، يمكن قلبه إلى واقع إيجابي عبر إصلاحه وإصلاح إدارته.

أشكر لكم صبركم وحسن استماعكم

الأستاذ محمود سلامة