تعقيب الدكتور مفيد حلمي على
بحث المهندس أيمن عبد النور

"دور الأجهزة الحكومية في ظل آليات السوق"

سيداتي …سادتي

في البداية أشكر الباحث على الجهد الكبير والثمين الذي بذله ليقدم لنا مادة غنية ودسمة للنقاش وتبادل وجهات النظر.

إن المواد التي أطرحها في تعليقي  تتناول بالتحديد:

·           دور الدولة التنموي – مثال سورية

·          بعض الإجراءات الحكومية في ظل آليات السوق

وأقول منذ البداية أنني أتفق مع الباحث في معظم وجهات نظره التي بلورها وهو مشكوراً باقتراحات محددة وعللها بأسباب موجبة موضوعية.

أولاً- حول دور الدولة التنموي في سورية:

بعد الاستقلال, توفرت لسورية مناخات أرحب لإرساء أسس متقدمة لنطور الاقتصاد الوطني وتركيز البنية التحتية وتشجيع الصناعة الوطنية وحمايتها وإقامة مؤسسات وطنية في مختلف فروع الاقتصاد الوطني. وكان من أبرز الأولويات التي ركزت عليها الدولة:

·           تأميم المؤسسات الأجنبية.

·           إلحاق إصدار النقد السوري بمؤسسة وطنية وقيام مصرف سورية المركزي بمهامه النقدية والمصرفية.

·           تشجيع الإنتاج الوطني من خلال السياسات الاقتصادية والمالية للدولة.

·           السير على نهج التنمية المعتمد بصورة أكبر على تدخل الدولة في الاقتصاد.

تضافرت أسباب عديدة لبلورة هذه الأولويات:

1-  التناقض مع المصالح الأجنبية في البلاد.

2-   التناقض مع الملكية الكبيرة ولاسيما الإقطاع في الريف.

3-   الأسباب الاستراتيجية التي فرضت على الدولة التدخل في القطاعات التي تمثل عنصراً هاماً على مستوى الاقتصاد الوطني(مشاريع الكهرباء والمياه والمناجم والسكك الحديدية والصناعات الكبيرة).

4-   انعدام القدرة لدى المستثمرين من القطاع الخاص لتمويل المشاريع الإنمائية الكبيرة أو ترددها في اقتحام مثل هذه الميادين.

الآن ومنذ مطلع السبعينات, تعيش سورية مرحلة الحركة التصحيحية التي قادها الرئيس حافظ الأسد هذه المرحلة بغناها وأبعادها الاستراتيجية بلورت مفهوم ونهج التعددية الاقتصادية.

في الواقع المعاش, تفاعلت التعددية الاقتصادية مع الظروف الداخلية والإقليمية والعالمية وتميزت, وخاصة منذ منتصف الثمانينات بالمعطيات التالية:

1-  الصعوبات الكبيرة التي واجهتها خطط التنمية نتيجة التقلص الحاد في حجم القروض والمساعدات العربية والخارجية. الأسباب هنا متعددة, ولكنها متباينة.

إن الدول الرأسمالية المتقدمة كمصدر تقليدي لتديم القروض والمساعدات إلى البلدان النامية, أخذ يصنف دورها, حيث بدأت هي بالذات تعاني من أزمات النمو الناجمة عن الكساد.

أما الدول الاشتراكية سابقاً في وسط وشرق أوربا, وهي أيضاً كانت مصدراً هاماً لتقديم القروض والمساعدات إلى البلدان النامية, أصبحت في نهاية الثمانينات في وضع بالكاد تقف على أرجلها, وكانت تلفظ أنفاسها الأخيرة.

أما الدول العربية, فإنها كانت جميعاً تعاني من تباطؤ معدلات النمو نتيجة لسوء أداء قطاعاتها الخارجية والذي تمثل بانخفاض حاد في مواردها النفطية وغير النفطية, والذي نجم بدوره عن انخفاض شديد في أسعار السلع التصديرية وتدهور معدلات التبادل التجاري وارتفاع أعباء المديونية الخارجية.

2-  كشفت رداءة الظروف التي ذكرناها (تقلص القروض والمساعدات الخارجية + تدهور شروط المبادلات التجارية+ أعباء المديونية الخارجية) وتفاعلها مع معطيات الوضع الاقتصادي (ضعف الادخار المحلي + ضعف معدل النمو), كشفت عن ضرورة تشديد التوجهات نحو سياسات الاعتماد على الذات, وبالتالي تشديد تفصيل التعددية الاقتصادية وتنشيط وتشجيع المبادرات الخاصة على المساهمة بصورة أوسع في الجهد التنموي, والبحث عن سبل ووسائل لتوفير مناخ أفضل لاجتذاب رؤوس الأموال المحلية والعربية والأجنبية. أضف إلى ذلك إعادة النظر بأوضاع المؤسسات والشركات العامة قصد تطورها ورفع قدراتها الإنتاجية والتنافسية.

3-   لا يستبعد أيضاً تأثير بعض المستجدات على المسرحين العالمي والإقليمي على إعادة النظر ببعض السياسات الاقتصادية أهمها:

آ- انهيار الاتحاد السوفييتي والأنظمة الاشتراكية في أوربا الشرقية وبروز عيوب المركزية الشديدة والسيطرة الشاملة للدولة وتدخلها المطلق في الأساسيات والتفصيلات في الحياة الاقتصادية والاجتماعية, وعدم إعطائها أي دورللسوق واعتبارها بالمطلق عنصراً رأسمالياً غير مرغوب به.

ب- الصعود الصاروخي في الصين, هذا البلد النامي + الاشتراكي الذي حقق أعلى معدل للنمو في العالم بعد أن أجرى إصلاحات في نظامه الاقتصادي منذ نهاية السبعينات, والتي كان من أبرز ملامحها إعطاء دور هام للسوق في تحديد الموارد وصنع القرارات الاقتصادية. وكان هذه الإجراء إلى جانب إجراءات أخرى كتخفيض التعريفات الجمركية الصارمة, وتوفير الحوافز للاستثمارات الأجنبية, أثر بالغ الأهمية في تدقيق الاستثمارات إلى أسواق الصين وتنشيط تجارتها الخارجية, ورفع معدل الاستثمار إلى حوالي40% من الناتج المحلي الإجمالي.

ج- أما أهم المستجدات على المسرح الإقليمي فهو الميل إلى الحل السلمي للصراع العربي-الإسرائيلي استناداً إلى مرجعية مدريد ووفقاً لمبدأ الأرض مقابل السلام وتطبيق قرارات الشرعية الدولية, والتي لا تزال إسرائيل تعرفها وتضع العصي في عجلاتها.

وطبيعي أن العملية السلمية تفرض تعاوناً عربياً واسعاً من جهة, وأخذ الواقع الدولي الضاغط باتجاه التدويل في مجالات التجارة والخدمات والاستثمار وغيرها بعين الاعتبار.

ونتيجة لتأثير جميع هذه العوامل أخذ مفهوم التعددية الاقتصادية ينضج ويتطور في الاتجاهات التي تساعد الدولة بصورة أفضل على التصدي لمهام مواصلة البناء الاقتصادي, ومواصلة التنمية المستقلة على قاعدة أوسع من مساهمات كافة القطاعات عام وخاص ومشترك مع التأكيد على أولوية الدور التنموي للدولة, هذا الدور المطلوب موضوعياً ليس من أجل تعبئة جميع الموارد الطبيعية والمالية والبشرية فحسب, وإنما هو مطلوب أيضاً من أجل حماية الاقتصاد الوطني والسوق الوطنية, ودعم كافة القطاعات الوطنية في وجه المنافسة الخارجية, ومن أجل التعامل بحكمة ومسؤولية مع ظاهرة العولمة والاستفادة من إيجابيات العلاقات الاقتصادية الدولية وتجنب سلبياتها بقدر الإمكان.

لقد كان من أبرز تجليات التعددية الاقتصادية في المرحلة الراهنة سقوط طروحات الخصخصة, واشتراك أوسع للقطاع الخاص في الجهد التنموي, واستمرار تصدي الدولة لمهام إقامة المشاريع الكبيرة التي تحتاجها البلاد والمبررة اقتصادياً ومجتمعياً كمحطات توليد الكهرباء ومعامل الغزل الكبيرة ومصانع الأسمدة والإسمنت وعشرات المطاحن وصوامع الحبوب.

إن قضية التنمية في مثال سورية أولوية هذا القطاع أو ذاك, فالمسألة حسمت على الصعيد الوطني لمصلحة تنظيم مساهمات جميع القطاعات من عام وخاص ومشترك ويدور الحوار المعمق الآن حول: كيف يمكن ترتيب البيت بصورة أفضل لتحرك كافة القطاعات في إطار المصالح الوطنية المشتركة ووفق سياسات اقتصادية ملموسة وملائمة.

إن الشق الثاني من مداخلتي يتعلق ببعض الإجراءات الحكومية التي تتعلق بمسألة التكيف مع آليات السوق:

1-  إن مقتضيات التكيف تتطلب أولاً إعادة النظر بنظام التخطيط القائم لدينا. فهذا النظام لا يزال في جوهره يتصف بالمركزية الشديدة فهيئة تخطيط الدولة تعتبر مسؤولة عن إعداد خطط التنمية بمختلف آجالها: القصيرة والمتوسطة وقصيرة الأجل. وهي تعد إطارات هذه الخطط وتصدر التعليمات التوجيهية بها, وتشرف على عمل إعداد الخطط القطاعي والمكانية وخطط الوزارات والهيئات والمؤسسات المختلفة.

وفي هذا المجال أرى أن يكرس جهدها وتمركز عملها على إعداد الخطط متوسطة الأجل والطويلة الأمد, ففي هذه الخطط تتبلور استراتيجيات التنمية وآفاقها. أما بالنسبة للخطط السنوية فإن الحل الأمثل هو في أن تناط لهذه المهمة بالمؤسسات والشركات فهي الأقدر والأكفأ على اتخاذ القرارات الصائبة المتعلقة بالإنتاج والتطير والتسويق وبما يتلاءم مع طلب الأسواق الداخلية والخارجية.

2-  ومن مقتضيات التكيف أيضاً, يجب إعادة النظر ببعض الأنظمة المالية التي لها علاقة بالمؤسسات الاقتصادية والشركات وتمس استقلاليتها. فرغم كون هذه المؤسسات والشركات مستقلة إدارياً ومالياً, فإن موازناتها تعتبر جزءاً من الموازنة العامة للدولة, وتتحكم الإدارة المالية للدولة بمسارها من خلال التصرف بفوائضها المالية. ومهما قيل ويقال  عن مزايا هذا الأسلوب, فإنه يعمل من حيث الجوهر على تمويل المشاريع الاستثمارية بعيداً عن حسابات العائد, أو بعبارة أخرى بعيداً عن الأساليب المصرفية في تمويل المشاريع الاستثمارية.

إن تطوير آلية عمل الوحدات الاقتصادية لتعمل وفق مقتضيات مبدأ الكفاءة الاقتصادية, يتطلب تطوير النظام المالي للدولة لتباح للوحدات الاقتصادية أن تضع خططها وموازناتها السنوية بصورة مستقلة, وإن تحتفظ بفائض السيولة وجزء من أرباحها الصافية لتمويل مشاريعها ويتطلب هذا الأمر أيضاً تطوير الجهاز المصرفي بإحداث مصرف مستقل للتنمية ليتولى تلقي فوائض القطاع الاقتصادي, ويقوم بتمويل مشاريعه الاستثمارية وإقراضه عند اللزوم وفق قواعد مصرفية بعد التحقق من جدوى الاستثمارات.

3-  الإدارة بالأهداف: وهو أسلوب من أساليب الإدارة الحكومية, ويعتمد على مبدأ الفصل بين الإدارة والملكية, ويكون المعيار المطبق هو أن تدار هذه المشروعات على أسس تجارية تتوخى الكفاءة والريعية. وفي هذه الحالة يتم إعطاء صلاحيات كاملة للمشروعات الاقتصادية في إدارة شؤونها, وبالمقابل يتم تحريرها من كافة القيود في شؤون العاملين وتطبق هذه التجربة الآن على أربع شركات صناعية. ومن المنتظر تطويرها وتعميمها على نطاق واسع فيما بعد.

وغالباً تمر هذه التجارب بالمراحل التالية:

1-  إجراء دراسة مبدئية للشركات المختارة لأخذ فكرة أولية حول مستوى قدرتها على التكيف مع آلية السوق, ومن ثم إجراء دراسة الجدوى الاقتصادية للتطوير وقدرتها على المنافسة الداخلية والخارجية.

2-   البدء بتأهيل الشركات المختارة للحصول على شهادات الايزو ولاسيما الايزو 2002 والايزو14000 المتعلقة بالبيئة.

3-   أخذ صورة واضحة لعلاقة الشركات المختارة مع الجهات الأخرى – مالية – جمارك – اقتصاد – زراعة – صناعة تموين – الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش الخ..

4-   وضع تصور لاحق للجهات الداعمة (المواصفات, الاختبارات, التدريب, المخابر).

5-   التركيز على التدريب المستمر ولكافة المستويات وبشكل خاص الإدارة العليا مع وضع ضوابط لتوثيق الخبرات المكتسبة.

6-   وضع نظام للتوصيف الوظيفي في الشركات المختارة لإقامة علاقات تنظيمية دقيقة تساعد على تطوير الكوادر وحفزها على تحمل المسؤولية.

إن جوهر الإدارة بالأهداف هو تحقيق أفضل النتائج بأقل النفقات, وإن محرك هذه الآلية الإدارية – الاقتصادية يتمثل بنظام مثالي للحوافز المادية والمعنوية للعاملين وهذه الحوافز بالذات تدفع العاملين بمختلف مهاراتهم إلى زيادة الإنتاج والإنتاجية وهي بالذات, وهي بالذات هدف الإنتاج.

وشكراً لإصغائكم.

تأهيل القطاع الصناعي السوري واقع وآفاق

دكتور خالد عبد النور [1]

إن معالجة تطوير وتأهيل القطاع الصناعي تستلزم التعرف على الوضع الاقتصادي العام أولاً وواقع الصناعة التحويلية ثانياً مع تقصي أسبابهما ثم تحديد للتحديات المطروحة والمبادئ التي يجب أن تحكم الحلول ثالثاً تمهيداً لاقتراح السياسات والإجراءات المطلوبة رابعاً في ظل مناخ ملائم للاستثمار خامساً.

أولاً- واقع الاقتصادي السوري:

1-  كان الاقتصاد السوري مرتبطاً سلباً أو إيجاباً بالموسم الزراعي, ولكن على الرغم من القفزة النوعية التي حققها قطاع الزراعة, والتي لم تحقق الأمن الغذائي السوري فحسب بل أنتجت فائضاً للتصدير من الحبوب والخضار والفواكه منذ مطلع التسعينات. فإن اقتصادنا يعاني في السنتين الأخيرتين من ظاهرة الركود حيث انخفض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي عام  1996 إلى ثلث معدل النمو في العامين السابقين, وحقق نمواً سلبياً عام 1997 بمعدل 5% عن عام 1996 .

2-  وهذا يرجع أساساً إلى ضعف معدلات الاستثمار في القطاع الإنتاجي والخدمي بصورة رئيسية وإلى أسباب أخرى:

1-1-     كان إجمالي الاستثمارات المحلية من القطاعين العام والخاص عام 1996 أقل –بالأسعار الثابتة- بـ 9% من إجمالي الاستثمارات عام1985 , علماً بأن عدد سكان سورية قد زاد بين هذين العامين (1996-1985) بنسبة تبلغ2.3% وتناقصت استثمارات القطاع الخاص لنقل عام 1996 بمعدل 21.5% عما كانت عليه عام 1994. وبعد أن كانت هذه الاستثمارات تشكل حوالي نصف استثمارات القطاع العام عام1985, انعكست الآية عام1993, بفضل قانون الاستثمار رقم10 , لتصبح مساهمة القطاع الخاص ضعف مساهمة القطاع العام. غير أنها عادت وانحدرت إلى أقل من نصف إجمالي الاستثمارات عام 1996, وإلى حوالي40% عام 1997 حيث انخفضت استثماراته بمعدل 27.05% عن العام الذي سبقه. أما استثمارات القطاع العام فقد بدأت تتناقص ابتداءً من عام1986 حتى وصل محلها عام1990 إلى27.05% من استثماراته عام 1985 ثم بدأت بالتزايد النسبي حتى بلغت عام1996 نسبة 70% وعام 1997 87% من استثمارات عام 1985 (المرجع المجموعة الإحصائية السورية).

1-2-      انعكس ذلك بوضوح على نمو العمالة في سورية. إذ لم يزد عدد العمالة في القطاع الصناعي عامة (أي الصناعات التحويلية والتعدين بما ذلك استخراج النفط) خلال العشرة سنوات الفاصلة بين عامي 1985و1995 بأكثر من 23.3% أي بمتوسط نمو سنوي قدره 1.25%.

1-3-      إن قسماً عاماً من الادخار المحلي للقطاع الخاص (والادخار مصدر الاستثمار) قد تم توظيفه في القطاع



[1] مستشار اقتصادي