تعقيب الدكتور غسان محمود إبراهيم *
على محاضرة المهندس أيمن عبد النور

ذات العنوان

"دور الأجهزة الحكومية في ظل آليات السوق"

سأبدأ التعقيب, انطلاقاً من عنوان آخر. أفترضه مستبطناً في العنوان الأصلي لمحاضرة السيد الباحث, وفي الوقت نفسه, أقترحه بديلاً عن هذا الأخير وهو بالضبط: الدولة مقابل السوق. ثم سأحاول أن أحلل العنوان المقترح لأصل. بعد ذلك إلى ما لم توضحه المحاضرة. وهو حصراً: طبيعة الاقتصاد السوري.

ولكن, من قبل ومن بعد, يجب التحقق المنهجي النظري التاريخي من بعض المصطلحات التي يزداد أو يكثر تداولها في سياق هذا التعقيب.

1-   مصطلح السوق:

يجب التمييز, قبل كل شيء بين نوعين من الأسواق. سوق تقليدية عمومية وجدت تاريخياً. مع ظهور التبادل البسيط, وسوق حديثة حرة مختلفة, بشكل جوهري عن السوق الأولى. ومكمن الاختلاف. ليس من طبيعة اقتصادية  إطلاقاً, كما لا يمكن لهذه الأخيرة أن تفسره أو تحيط به. بل من طبيعة اجتماعية بالمعنى الواضح.

على كل حال, تعد السوق بالمعنى الاقتصادي العلمي مفهوماً مختلفاً جوهرياً. عن المعنى السائد في اللغة الاقتصادية الرسمية والشائعة فهي لا تعني حرفياً, المكان الذي تبادل فيه المتعادلات أو المتكافآت الاقتصادية. أي سوق محددة مكانياً. كما أنها لا تعني المراحل التي تمر بها تلك المتعادلات بين المنتج والمستهلك. وذلك, معنى بسيط وساذج ولا يعكس إطلاقاً. المعنى الحقيقي للسوق.

فالسوق, هي آلية ذهنية ومعرفية وتجريد, بموجبها تتم عمليات تشكل الأسعار. أي أنها تمثل قرارات لا حصر لها متخذة من قبل المنتجين والمستهلكين تسهم في تحديد مستوى سعر البضائع. إذن يعد مصطلح السوق تجريداً للمكان الطبيعي. وفصل نظري معرفي عن أية تغطية جغرافية معينة بل, إن المجال الجغرافي لذلك المصطلح يعتمد أصلاً على الفضاء الذي يستخدم فيه وهكذا. فإن مصطلح السوق العالمية مثلاً ينطبق على عملية تشكل الأسعار, على الصعيد العالمي تأسيساً على عمليات التبادل وفق آليات العرض والطلب.

إذاً, السوق يمكن أن تكون معطي قبلي تاريخي مثل الإنتاج والاستهلاك والتبادل وغيرها, كما يمكن أن تكون اختراع إنساني وضعي خالص.

هنا تجب الإشارة إلى أن محاضرة السيد الباحث لا تشتغل على موضوعة السوق الأولى بل الثانية, مع أنها لم تميز بين الاثنتين, لكن السياق يفضي إلى ذلك.

والسوق الأولى, ملك مشاع للجميع. أي لكل الأنظمة الاقتصادية/السياسية. بينما الثانية ليست كذلك وآية ذلك, الرحم الذي استولد الثانية, ذي الأبعاد الاجتماعية والثقافية والقانونية والدينية والاقتصادية.من هنا, بالضبط, يمكن فهم كيفية انتساب الاقتصاد الحر إلى السوق الثانية وليس الأولى فاقتصاد السوق الذي يعد مولد الرأܳمالية ونتيجتها, في الوقت نفسه, ليس سلعة أو رأسمال أو ربح أو قوة عمل. فقط, بل فضلاً عن ذلك فهو متضمن لبعد لا اقتصادي إن صح التعبير, يتجلى في: حرية التفكير والرأي والتعبير والاعتقاد, أي, بكلمة واحدة, في نهضة العقل وحريتها في النقد والتساؤل والشكل والتقييم. وهذا المحتوى غير اقتصادي هو ما غيبته المحاضرة, كما غيبه ولا يزال الخطاب الاقتصادي أو السياسي العربي أو العالمثالثي. فاقتصاد السوق, يتميز وينفرد, بدلالته غير الاقتصادية أي بانفتاحه وتسامحه تجاه القوى الاجتماعية المتعارضة والمتناقضة المصالح والرؤى والغايات.

لذلك يجب إعادة التأكيد على أنه لا اقتصاد السوق, بشكل خاص, ولا اقتصاد بشكل عام, يمكن أن يوجدا بحد ذاتهما, أي يفسران بعضهما البعض, إنما موضوعهما المعقد والمتعدد والمتنوع هو المحدد لهما. ولذلك, يعد التاريخ الاقتصادي الحديث تاريخ اقتصاد السوق متتالياً من أصوله وحتى نهاياته المحتملة وحيث أخذ هذا الاقتصاد شكل أسطورة لم تمح, بعد من أذهان الأفراد والمجتمعات والدول.

من هنا, فإن مقاربة السوق من قبل الدولة أو إشكالية ذلك, هي مقاربة وإشكالية مع السوق الثانية حصراً. وبالتالي فإن المسألة الحقيقية بالنسبة إلى اقتصاد السوق, ليست في كونه اقتصاد مصالح فردية خاصة. أي ليست في أن سعي كل فرد وراء مصلحته الخاصة سيعزز المصالح الخاصة الشاملة, أي المصلحة العامة. إذ يمكن أن يستدل من ذلك بالضد, أن كل فرد يعيق, بشكل متبادل, مصالح الآخرين بحيث تشكل حرب الجميع ضد الجميع, نقداً عاماً لكل المصالح وتلاشياً للمجتمع بوصفه كلاً اجتماعياً مترابطاً.

إن ما يتم السكوت عنه, من قبل خصوم اقتصاد السوق القائم على المصلحة الخاصة, هو بالضبط, إغفال الواقعة التاريخية الحية, خاصة, فيما يدعي باقتصاد السوق الاجتماعي, وهي التالية: تعد المصلحة الخاصة, بحد ذاتها, مصلحة محددة اجتماعياً. ولا يمكن أن تتحقق إلا ضمن الشروط التي يطرحها المجتمع وعبر الوسائل التي يهيئها, وبالتالي, فهي مفيدة بإعادة إنتاج تلك الشروط والوسائل صحيح أنها مصلحة أفراد أو أشخاص خاصين, إلا أنه من الصحيح أيضاً, أن محتواها فضلاً عن شكل تحققها ووسائل هذا التحقيق محددة بالشروط الاجتماعية المستقلة عن الجميع.

بكلمة أخرى, إذا كان اقتصاد السوق يعني, في أحد معانيه, اقتصاد العرض والطلب, فإن العرض والطلب يشكلان واسطة/حلقة وصل بين الأفراد الفاعلين اجتماعياً والمستقلين عن بعضهم بعضاً وحيث هؤلاء الآخرين تنظمهم قوانين وشروط اجتماعية مستقلة عنهم.

إن اقتصاد السوق, هو العنصر الاقتصادي في بنية اجتماعية كل اجتماعي لا يمكن فصله عم مجموع عناصر هذه البنية أو الكل, إلا لأسباب وغايات منهجية معرفية نظرية وليس لغايات ممارسة تطبيقات تجريبية, ومثله في ذلك, كمثل نقيضه تماماً الاقتصاد المركزي.

إذن علمياً وتاريخياً ومنطقياً لا تصح مقارنة اقتصاد السوق باقتصاد آخر أي اقتصاد, بل باقتصاد سوق آخر وفي فترة زمنية واحدة أو متقاربة لدرجة التطابق ولكن كيف يتشكل اقتصاد السوق؟

إن الأساس الفلسفي لاقتصاد السوق, هو الحق الطبيعي, أو الأدق, مذهب الحق الطبيعي في حرية التملك بينما أساسه التاريخي, هو جملة متضافرة أو بنية اجتماعية معقدة وذات مدى زمني طويل تبدأ يكل أشكال الحرية وتستقر فيها, سواء الحرية الفكرية أو الاجتماعية أو السياسية أو الدينية غير أنه من وجهة نظر اقتصادية محضة فهو لا يتشكل إلا بعد أن تتم الإجابة عن الأسئلة الهامة التالية:

1-  من يملك؟ 2- ماذا يملك؟ 3- من له الحق في البيع؟ 4- ماذا يباع؟ 5- من يجمع الريع؟ 6- ممن يجمع الريع؟.

فضلاً عن ذلك, فاقتصاد السوق لا يشترط قط, استبعاد التدخل الحكومي في النشاط الاقتصادي. وذلك ما تثبته تاريخياً كل تجربة النهوض الاقتصادي لأوربة وأمريكا واليابان إضافة إلى الكنيزية والحمائية والليبرالية الجديدة, وبالتالي فالدولة تمارس دورها الاقتصادي من خلال آليات السوق ذاتها وعبر سياسات معينة ومحددة. وإذن, يغدو تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي, مسألة مفروغاً منها, في النظام الرأسمالي بالذات.

إنما تطرح القضية على الشكل التالي: كيف يتحقق هذا التدخل؟ ما هي ضروراته أو موجباته؟ وهل هو لاستكمال آليات السوق أم للحلول محلها؟.

من جهة أخرى, ليست اقتصاد السوق, بريئاً من الخيبات أو الإخفاقات. إذ, كما تفشل الدولة في إدارة الاقتصاد, يفشل السوق أيضاً. بل إن الخطاب الاقتصادي العالمتقدمي والعالمثالثي, الرسمي وغير الرسمي المنتشر في اقتصاديات التنمية, يتمحور حول تلك الخيبات أو الاخفاقات المزدوجة للدولة والسوق معاً. فما هي, خيبات السوق؟.

إنها الأثر العكسي على المجتمع ذي الأصوات الناقصة أو غيرالعاملة والتي تتمثل بما يلي:

1-  خيبات التنافس (الاحتكار) 2- خيبات تأمين السلع والخدمات (طرق, كهرباء, دفاع…) 3- خيبات المسائل الخارجية (أثر الثقافة العالية على المهارات) 4- كيفية استغلال موارد الملكية المشتركة, الأسواق الناقصة (التي أقل من الكلفة), 6- فشل المعلومات (حول الأسعار والتقانات), 7- الكشاكل الاقتصادية الكبرى (تضخم, ركود, قروض), 8- الفقر واللامساواة.

إذن, إن تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي, مسألة تبدو غير قابلة للنقاش بسبب من أهميتها وضرورتها, بل وحتميتها. ولكن ذلك, لا علاقة له, لا من قبل ولا من بعد, في البرهان أو التأكيد على ضرورة ذلك التدخل وتحوله إلى سيطرة بيروقراطية حكومية على الاقتصاد.

2- مصطلح السياسية:

تعد السياسة بشكل عام "فن الحكومة", بينما تعبر السياسة بعينها, كالسياسة الاقتصادية عن الأنماط أو الأشكال الخاصة لتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي.

ينجم عن ذلك, أن عدم التدخل الحكومي في الاقتصاد, لا يمكن أن يشكل, خياراً سياسياً للدولة, أية دولة.

3- مصطلح الحكومة:

يشير مصطلح الحكومة الأجهزة الحكومية إلى مجموعات من الفاعلين اجتماعياً والمسؤولين (ولو اسمياً على الأقل) عن تسيير أمور وشؤون البلاد في قنرة زمنية معينة حيث يتخذون القرارات المختلفة والمتعددة وينقذونها.

4- مصطلح الدولة:

الدولة, بالمعنى الضيق للكلمة, هي منظومة أو جهاز كامل أو جملة من المؤسسات العامة والدوائر المكتبية بما فيها الخدمات المدنية والعسكرية, مسؤولة عن إدارة القرارات السياسية وغيرها, وتستطيع الأجهزة الحكومية , من خلالها فرض قوانينها على المواطنين.لكنها بالمعنى الواسع للكلمة, أعقد من ذلك بكثير. فما هي الدولة؟ وهل من الضروري أن بساطة السؤال لا تقضي بالضرورة إلى بساطة الحوادث؟ فوضوع الدولة, يبدو مركباً غامضاً, حتى لكأنه لا يتضمن أية دلالة, فهو تارة دون معنى معين , وطوراً متعدد المعاني والأشكال وأخرى يتمتع كلية الجبروت. فهل تفيد تجليات الدولة في الحقل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي, في التصرف على جوهرها؟

تاريخياً, نشأت الدولة نتيجة جملة من الظروف والعوامل التاريخية, إن غدت, في شكلها الحديث والمعاصر, نتيجة عقد اجتماعي وضعي. ومع ذلك, فهي أبعج من وجودها العيني المادي الملموس إنها شأن عقلي, أي تدرك بالفكر, ثم تصبح موجودة بتجلياتها المعروفة وبالتالي, فهي اختراع إنساني وبشري كيلا يطيع الأفراد يعضهم بعضاً, بل قوة أخرى من خارجهم, تبدو محايدة وموضوعية وقانونية.

الدولة شكل للسلطة, تجعل الطاعة شرعية, أي مقبولة ومعترف بها اجتماعياً. فهي ضابطة الصراع الاجتماعي ورهانه وفي الوقت نفسه. ذلك, لأن المجتمع, بحد ذاته, معطى مستقل عن تكوينها أو نشوءها. وبالتالي ليس كل مجتمع سياسي منظم مالكاً لدولة, بل يعبر, في أحسن الأحوال. عن وجود سلطة معينة, تراتبية طاعة وخضوع كما أن الدولة من جهة أخرى,  ليست الشكل الوحيد للسلطة. إنها رهان, ألا يمكن لها إلا أن تكون مطبوعة بحدة الصراعات التي يثيرها السعي للسيطرة عليها, وبالتالي فهي محكومة بمصالح الطبقات والقوى الاجتماعية. إنها تسهم في الصراع السياسي وتقوم بإدارة الوسط الذي يجري فيه.

والدولة, أخيراً تشكل أحد عناصر ما يعرف بالليبرالية: الحرية/الدولة/الملكية. وهي سواء أكانت اختراعاً إنسانياً أو معطى, فهي فد وظفت من قبل قوى اجتماعية معينة. إنها, أداة طبقية, مع أنها تحاول أن تستقل لتبدو, محايدة أو رهينة وهي خاص بها.

وممارسة الدولة لنشاطها, أي سياستها, محكومة بمصالح القائمين عليها. فهي في الدول العالمتقدمية محكومة بشروط المجتمع المدني الذي تتقدمه, قبل كل شيء مقومات الديمقراطية والتجانس الاجتماعي, بينما هي على النقيض من ذلك في جل الدول العالمثالثية.

إن الدولة محكومة بقوى اجتماعية معينة ذات وعي اجتماعي وأيديولوجية ومصالح محددة, وبالتالي فهي أسيرة ذلك كله. ويجري التعبير عن سيطرة تلك القوى على الدولة والتقنين له من خلال  الدستور نفسه, دستور الدولة.

بمعنى آخر, تصبح الدولة, مطية القائمين عليها وحيث تصب كل القوانين والسياسات والإجراءات, أولاً وأخيراً في حقل إنتاج النظام القائم وإعادة إنتاجه حسبما ترغب وتستطيع تلك القوى المالكة لقوة الدولة.

وفي الدول العالمثالثية فقد رسمت معظم السياسات التنموية انطلاقاً من الأطروحة القائلة: أن الدولة تستطيع العمل بشكل أفضل من السوق في تحقيق نتائج محددة للأفراد والمجتمع. وقد سادت تلك الأطروحة طيلة ثلاثة عقود ونبف, من خمسينات القرن العشرين حتى ثمانيناته, لكنها بدأت مؤخراً, تتعرض لانتقادات جذرية, إذ ثبت أن نتائج أفعال الدولة على مستوى معيشة بلد عالمثالثي هي أسوء من نتائج عيوب السوق التي حاولت الدولة نفسها تصحيحها ولذلك, افترضت عملية تحديد طبيعة الاقتصاد أو السياسات المتعلقة به, تحليل طبيعة الدولة وهيمنتها ومداها, ووضع الأدوار التي تلعبها هي والسوق في حقول الاقتصاد, في كفتي ميزان وذلك من أجل صحة المقارنة بين فشل السوق وفشل الدولة ومقارنة الأول بالثاني.

على أية حال, فإن إشكالات الدولة اقتصادياً ليست ذات دلالات اقتصادية محضة, بل واجتماعية وسياسية وقانونية وثقافية, أيضاً ومن هنا, لكي تصح تلك المقارنة بين الدولة والسوق, فيجب أن يكون عدم التدخل الحكومي في الاقتصاد أقل ما يمكن, وإلا تنتفي الأسس الموضوعية والعلمية والتاريخية لعملية المقارنة.

ولكن, ما هي يا ترى, خيارات الدولة على الصعيد الاقتصادي؟.

إنها تتمثل فيما يلي :

1-  خيبات التطبيق, 2- فشل الحوافز, 3- ثاني أفضل نظرية (تصحيح الدولة أسوء من عمل السوق), 4- السعي وراء الربح, 5- فشل المعلومات (حول السوق(, 6- المؤثرات الجانبية المعقدة.

إذن, قد يتخذ فشل الدولة الاقتصادي أشكالاً مختلفة إلا أن أهمها قاطبة, هو عجز مؤسسات الدولة وعدم ملاءمتها للمهام التي أنشأت من أجلها في الدول العالمثالثية, غير أن ذلك الفشل, بحد ذاته, يمكن أن يفسر بأسباب متعددة:

1-  غياب الطبقة الرأسمالية الوطنية الذي أفضى إلى أن تقمصت الدولة شكل طبقة اجتماعية ذات وظيفة إما كومبرادورية  أو بيروقراطية أو طبقة بدون جذور تتأس على علاقات ما قبل رأسمالية أكثر منها علاقات قانونية اعتبارية.

2-   غياب الخيار الجماهيري المتمثل في انعدام مراقبة الأجهزة الحكومية من قبل نظام اجتماعي/سياسي ديمقراطي.

3-   هيمنة نظام الإرث والحكم الشخصي.

على أية حال, يمكن قياس الأرباح والخسائر لسياسات التدخل الحكومي في النشاط الاقتصادي, إما بالاستناد إلى الأسعار الخاصة, وهي الأسعار السائدة التي يواجهها المنتجون والمستهلكون والناجمة أصلاً عن تدخلات الدولة.  أو بالاستناد إلى الأسعار الاقتصادية الناجمة عن قوانين العرض والطلب, وهي نادرة.

إذن, إن الحوار في منهج "السوق مقابل الدولة" لا يدور فقط حول التفوق الاقتصادي للأسواق الحرة. فالسياسات تعني سيطرة الدولة وكلما كان مدى التدخل للسياسات أكبر, كانت درجة هيمنة الدولة على حياة الناس وسبل معيشتهم أوسع وأعمق.

ويمكن تحسين سياسات عديدة ليس بمجرد انسحاب الدولة, بالمعنى الاقتصادي المحض, بل يجعل هيئات السياسة مسؤولة أمام الشعب الذي يفترض أنها أنشئت لمساعدته على السياسات ألا تخدم غايات بيروقراطية الدولة الضخمة, بل عليها خدمة الناس.

طبيعة الاقتصاد السوري:

يتأخر دور الأجهزة الحكومية في ظل آليات السوق أو موضوعية "الدولة مقابل السوق" بعنوان أشمل, أكثر تعبيراً عن طبيعة الاقتصاد الوطني, وهو مفهوم التنمية.

وهنا , فإن النزعة الاقتصادية, رغم أهميتها وخطورتها, إلا أنها لا تفسر, بحد ذاتها هوية الاقتصاد المعني, ذلك لأنها تجرد الاجتماعي, بالمعنى الواسع للكلمة, من جوهره وبنيته, أي من ندرته على إنتاج منظومة معرفية أيديولوجية, تؤثر بامتياز, في بنية الاقتصادي, أي هناك علاقة موضوعية داخلية وجوهرية بين البعد الاقتصادي وغير الاقتصادي بحيث أن الأول لا يمكنه تعليل الثاني كله إذ أن الفاعلين في الاقتصاد ليسوا صدى لمتغيرات اقتصادية فقط بل وأخرى اجتماعية وسياسية وثقافية ونفسية تشكل مجتمعة نسيجاً كتيماً  للفعل الاقتصادي والاقتصاد بوصفه أحد أشكال تجليات الاجتماعي, فإنه لا يمثل, عملياً ومنطقياً وتاريخياً, سوى نمط حياتي وجودي محدد, وبالتالي تغدو التنمية ليست رهينة محتواها الاقتصادي فقط, بل الاجتماعي والجغرافي والثقافي والتاريخي الذي يشل فضائها الحقيقي.

بمعنى آخر, يعبر نمط الإنتاج , بشكل خاص وبنية الاقتصاد بشكل عام عن شكل معين من التنظيم الاجتماعي لعلمية التنمية أي أن الممارسة الاجتماعية تشكل المحتوى العقلي للتطبيق الاقتصادي من هنا يمكن فهم الإغفال المقصود لكيفية التحقق التاريخي للتنمية على الصعيد الرأسمالي الغربي تحديداً وما تبعية الاقتصاد للسياسة وإلا تعبيراً عن تبعيته أيضاً لغير الاقتصادي الذي يهيمن ويسيطر, في جل الدول العالمثالثية وضمناً سورية.

وبالنسبة إلى هوية الاقتصاد السوري, فإن إعلان الخطاب الرسمي من إصلاحات اقتصادية أصبح شائعاً في الكثير من المناسبات والندوات وبعد القرار الاقتصادي الحكومي, في خد ذاته, دليلاً ملموساً على ميل الاقتصاد السوري للاعتماد على بعض آليات السوق, ولكن في ظل اقتصاد حكومي مركزي يهدف أولاً وأخيراً إلى تفضيل التدخل الحكومي في النشاط الاقتصادي.

بكلمة أخرى, إن دور الحزب في قيادة الدولة والمجتمع فضلاً عن مهام وصلاحيات الوزارات المختصة التي أوردها السيد الباحث في ختام بحثه, وطبيعة القوانين والمراسيم والقرارات والإجراءات الحكومية فيما يتعلق بسياسات الرواتب والأجور والدخول والتشغيل والسياسات المالية والنقدية والمصرفية والفائدة والتجارة الخارجية وسياسات الإنفاق الحكومي والتسعير الإداري وضعف الشفافية الاقتصادية ومركزية القرار الاقتصادي وترحيل الفوائض النقدية من منشآت القطاع إلى الخزينة العامة, كل ذلك, وغيره الكثير, لا يدع مجالاً للتقدير والتخمين حول طبيعة الاقتصاد السوري, كما يبرهن عملياً ورسمياً على أن الدولة, وبغض النظر عن اعتمادها, التخطيط بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال صيغ جديدة مرنة, فإن ذلك لا ينفي إطلاقاً, مركزية الاقتصاد السوري وطابعه الشمولي.



[1] مدرس في كلية الاقتصاد/قسم الاقتصاد/جامعة دمشق

·                        أصدر كتابين:

1-دور بنية الدولة الشرقية. دار الجندي- دمشق1993

2-الخطاب الاقتصادي الإسلامي المعاصر. دار الجندي - دمشق1993

3-نقد الخطاب. قيد الطباعة. دار الجندي – دمشق1999

·                        شارك في ندوات ومؤتمرات محلية وعربية.