تعقيب على محاضرة الدكتور محمد رياض الأبرش
"الإصلاح النقدي في سوريا"
فيصل الخطيب

أشكر أصدقائي وزملائي رئيس وأعضاء مجلس إدارة جمعية العلوم الاقتصادية على دعوتهم التي أعادتني إلى بوتقة البحث والدراسة والالتقاء بالزملاء الاقتصاديين بعد الاغتراب الطويل.

          ونظراً لمحدودية الوقت فلابد من الدخول مباشرة في موضوع البحث "نحو إصلاح النظام النقدي" وأن أبدأ بالقول بأن المحاضر قد استطاع بأسلوب سلس، بعيد عن الأسلوب الجاف التي تتميز به الأدبيات الاقتصادية، أن يحيط بموضوع شائك ومتشعب، وأن يتعامل معه بشفافية مطلقة، لا تعوزها الجرأة والمصارحة، التي تعتبر من المستلزمات الأساسية للخوض في مثل هذا الموضوع الهام، كما أن مضمون البحث يعكس الاطلاع الواسع والخبرة والمعايشة الطويلة للباحث الممتزجة بالحرص الشديد على تحقيق التنمية الاقتصادية المثلى.

          إن التصدي لمثل هذا البحث لابد أن يبدأ من استعراض تاريخي ودراسة الوضع الراهن للنظام النقدي وذلك بغرض الوصول إلى تقيم موضوعي واقتراح رؤية للإصلاح النقدي، وقد تناول الباحث فترة النصف قرن الماضي واستحوذ منه ذلك معظم بحثه دون أن يفعل رؤيته للإصلاح النقدي المرغوب، وهو بذلك قد مهد لمزيد من الأبحاث تتطلبها الجوانب المتعددة للإصلاح النقدي.

أيها السيدات والسادة الكرام،

أود هنا أن أوضح بعض الجوانب الهامة:

أولاً- إن الإصلاح النقدي يجب رؤيته في إطار الإصلاح الاقتصادي الشامل وهو يتطلب إصلاحات ضرورية تتلازم معه، كما أشار إلى ذلك المحاضر وعدد من الاقتصاديين في محاضرات سابقة للجمعية ويشمل ذلك إصلاح وتطوير كل من :

-                                 نظام القطاعين العام والخاص

-                                  النظام المالي والإداري

-                                  أسواق المال

-                                  نظام التعليم والتأهيل الفني والبحوث والدراسات وكذلك يتطلب توضيح معالم النظام الاقتصادي المستقبلي بشكل رسمي، وبناء دراسات إسقاطات المستقبل، وتوفر الرغبة والقناعة بتحقيق الإصلاح النقدي والاقتصادي، والإحاطة التامة للسلطة النقدية بما يجري على الساحة الاقتصادية محلياً وعالمياً لأن ذلك يجعلها أكثر قدرة على القيام بدورها.

وهنا لابد من التنويه بأن عملية الإصلاح الاقتصادي معنية بتصحيح العجز في الحساب الجاري في ميزان المدفوعات، وعجز الميزانية العامة، أو الأسعار أو المديونية وأن برامج التصحيح هي صنفان:

-                                 أولهما برامج الاستقرار الاقتصادي التي تعني بتوازنات الاقتصاد الكلي.

-                                  وثانيهما برامج التصحيح الهيكلي المعنية بأحداث تغيرات في تشكيلة الإنتاج والتوزيع والتجارة، والمؤسسات الرسمية، والأنظمة وقوانين حقوق الملكية.

والمهم هنا الإشارة إلى أن أهداف البرامج الاستقرارية هي للمدى القصير وتسمى سياسة إدارة الطلب، وترتكز على السياسات النقدية والمالية وسياسات سعر الصرف، وأن أهداف التصحيح الهيكلي هي للمدى الطويل وتشمل سياسات إصلاح النظام المالي وأسواق العمل والسلع والمؤسسات العامة وجميعها تؤثر في جانب العرض.

ثانياً- أود هنا تسليط الضوء على عدد من المحاور الرئيسية للسياسة النقدية التي تشمل:

1-                 أهداف السياسة النقدية وتضم تنشيط الادخار والاستثمار، وتطوير الأسواق المالية لتوطين رأس المال المحلي واستقطاب رأس المال العربي والأجنبي والحفاظ على استقرار الأسعار والسيطرة على معدلات التضخم.

2-                  العلاقات النقدية الأساسية (الدالات) المستخدمة في رسم السياسة النقدية ومن أهمها دالة الطلب على النقود ودالة العرض.

3-                  قنوات انتقال آثار السياسة النقدية إلى المتغيرات الاقتصادية الكلية، وتضم:

·                     سعر الفائدة

·                     سعر الصرف

·                     أسعار الأصول

·                     الائتمان

4-                 دور السياسة النقدية في التصحيح الاقتصادي وذلك من خلال الأسلوب النقدي لتصحيح ميزان المدفوعات عن طريق التغير في السيولة المحلية من جهة وفي صافي الأصول الأجنبية وصافي مديونية الحكومة وفي الائتمان المحلي للقطاع الخاص عن طريق وضع سقوف الائتمان المتناسبة مع أهداف كل من السياسة النقدية والقطاع الخارجي، مع التنسيق اللازم بين السياستين النقدية والمالية بهذا الخصوص.

5-                  وضع إطار عام للسياسة النقدية بالاستناد إلى مؤشر رئيسي أو أكثر مثل تقدير النمو الحقيقي المتوقع في العام التالي، ثم تقدير معدل التوسع النقدي المتناسب مع الطلب على النقود، في ضوء النمو المتوقع ومعدل التضخم المستهدف، وبمساعدة تقديرات دالة الطلب على النقود.

ثالثاً- لتحقيق إصلاح نقدي ناجح لابد من وضع سياسة نقدية تستند على أهداف محدودة وواضحة تستخدم الأدوات والقنوات التي سبق الإشارة إليها ويوضع لها إطار عام، ولابد من التأكيد على أهمية تطوير النظام المصرفي وأسلوب العمل فيه بما يرفع كفاءته ويزيد من مساهمته في تعبئة الادخار وتقديم الفرص الحقيقية للاستثمار لتحقيق الإصلاح النقدي المرغوب وقد يكون من المناسب البدء بإنشاء مصارف جديدة يملكها ويديرها القطاع المشترك خطوة في اتجاه التطوير المرغوب، وقد خصصت ندوة خاصة تناولت هذا الموضوع الهام.

أيها السيدات والسادة،

ونحن على مشارف الألفية الثالثة تواجهنا تحديات اقتصادية هائلة مثل العولمة والانضمام إلى المنظمة الدولية للتجارة والقوى الاقتصادية الكبرى.

إذ أن عالمية الأسواق تنطوي على فرص ومحاذير.

أما الفرص فهي تتمثل في قدرة كل بلد على الاستفادة من المجمع العالمي للمدخرات أما المحاذير فهي تتمثل في قدرة البلاد الأخرى على اجتذاب جزء من المدخرات الوطنية، مثلما حدث في الدول ذات المديونية الثقيلة، في أوائل الثمانينات مثل المكسيك والبرازيل والأرجنتين ونيجيريا ومصر والجزائر، إذ كانت السياسات المالية والنقدية لتلك الدول على النحو الذي أدى إلى هروب المدخرات وزيادة المديونية، وقامت تلك الدول وغيرها في أحيان كثيرة باقتراض ما فقدته من مدخراتها عن طريق الأسواق العالمية. كما أن للتعاون والتكامل الاقتصادي العربي دوراً أساسياً لمواجهة القوى الاقتصادية الكبرى نظراً لأن الدول العربية مجتمعة لا يشكل مجموع ناتجها أكثر من 2% من الناتج العالمي.

كذلك تواجهنا على الصعيد الاقتصادي المحلي زيادة المتطلبات لتلبية الاحتياجات الناجمة عن تجديد القطاع العام مع أهمية التأكيد على دعم المؤسسات الناجحة والتخلي عن المتعثرة منها، كما يواجهنا ارتفاع تكلفة استكمال البنية الأساسية وتطويرها وتزايد السكان ودخول أعداد جديدة في قوى العمل، وبالتالي لابد من تأمين فرص عمل جديدة لهم يكون معظمها في القطاع الخاص ويستلزم كل ذلك توسعاً في النشاط الاقتصادي الحالي والخروج السريع من الانكماش، الذي يمكن أن يساعد في تحقيقه الإصلاحات التي تم الإشارة إليها في الفقرات السابقة ولابد من التأكيد مرة أخرى على دور وأهمية تشجيع الاستثمار وإزالة القيود التي ما زالت تحد منه بما في ذلك توسيع الائتمان، ولابد من الإشارة هنا مع التقدير إلى التعديل الذي أصدرته وزارة الاقتصاد منذ أيام لنظام عمليات صندوق توفير البريد بما يسمح له بمنح قروض متوسطة وطويلة الأجل بالعملة المحلية للمستثمرين وفق قانون الاستثمار رقم10، والمشاريع السياحية ومشاركات الدولة في المشاريع والشركات المشتركة المختلطة، وتبلغ حجم الأموال الجاهزة للإقراض لهذه الأغراض 14مليار ليرة سورية، كما يجب التأكيد أيضاً على أهمية تسهيل تحويلات الأرباح بشكل رسمي للمستثمرين، وتوحيد أسعار الصرف والتي يشمل أيضاً المستخدم منها في التعرفات الجمركية والتي يمكن القيام به دون تغير مردودها وإعادة النظر في الضرائب والاتجاه نحو تخفيضها بشكل مماثل للبنان مثلاً  (10%) والتأهيل في كافة المجالات الاقتصادية والتعليمية والتقنية وزيادة الحوافز للعاملين بالدولة وتصحيح دخولهم وتحسين نوعية الإنتاج الصناعي للقطاعين العام والخاص لنتمكن من تصدير الفائض منه وتطوير الزراعة والسياحة التي نمتلك فيها إمكانيات كبيرة لزيادة الدخل لم يستغل بعد جزء بسيط منها، وذلك حتى نستطيع اللحاق بركب التطور التقني وتحقيق التنمية الاقتصادية المتوازنة التي يمثل إصلاح النظام النقدي إحدى وسائلها وليس غاية في حد ذاته.

دمشق في 13/4/1999

فيصل الخطيب