تعقيب على محاضرة الدكتور عيد أبو سكة

الإصلاح الإداري مهمة لا تحتمل التأجيل

أحمد عبد السلام دباس *

الحديث عن الإدارة وشؤونها، هام وخطير هام: لأن الإدارة الكفؤة هي التي تساعد على حسن استثمار ما نملك من موارد بشرية وثقافية وطبيعية ومالية وفنية وتقنية.. وخطير: لأن ضعف الإدارة يؤدي إلى نتائج سلبية مهما كان حجم الموارد.. وهو حديث متشعب.. ولكن (المعقب) لا يتاح له الوقت الكافي لإبداء كل ما لديه. لذا، فقد اخترنا الأسلوب البرقي المختصر للعرض.. تاركين للقارئ استخلاص الآراء والاستنتاجات التي يراها، سواء بما تحرضه أفكارنا لديه من استنتاجات بالتداعي أو بالمفهوم المخالف كما يقول الحقوقيون، أو بتدقيق الواقع والظروف المختلفة التي يعايشها.. وأن يسعى بعد ذلك لتغيير الواقع و الظروف نحو الأفضل.. مهما كان موقعه ومستواه في سلم الهرم الإداري للمجتمع أو للمؤسسة التي يعمل فيها، فالإدارة اختصاص الجميع، وتطويرها مهمة الجميع أيضاً..

نشكر جمعية العلوم الاقتصادية على أنها ضمنت ندوة الثلاثاء الاقتصادية 12 هذه المحاضرة.. وأن أتاحت لنا الحديث عنها في هذا التعقيب.. كما نشكر المحاضر د.عيد أبو سكة على ما بذله من جهد في هذه المحاضرة القيمة، التي شملت جوانب مختلفة من المسألة الإدارية، وحرضت لدينا عدداً من الأفكار ندفعها أولاً، لعلها تكمل ما ورد في المحاضرة، ثم نسعى لعرض الأسباب التي تجعل المهمة لا تحتمل التأجيل..

      1)        كنا نرجح مصطلح التنمية الإدارية، لأن المسألة ليست ظرفية مؤقتة، وإنما هي مستمرة، كما أنها شاملة، لكل مجالات الإدارة ووظائفها.. في حين يوحي الإصلاح بأن هنالك خللاً ما، في مرحلة ما، في جانب أو عدة جوانب، يجب تلافيها وحسب.. كأن نقرر: تحديث الأدوات الإدارية، أو التطهير الإداري ضد الفساد، أو القيام بتجربة الإدارة بالأهداف، أو عقد دورات تدريبية للعاملين في المستويات العليا.. بينما يجب أن يكون التطوير مستمراً لمواجهة التحديات والمستجدات، الموضوعية والظرفية، المحلية والدولية، التي لا تتوقف ولا يمكن أن توقف، ويجب أن نكون على استعداد دائم لها والتكيف معها.. ولأن التنمية الإدارية من جهة ثانية، تتداخل أيضاً مع سائر مجالات التنمية الشاملة، ويجب أن ترافقها، بل وأن تسبقها في الزمن، (كان عنوان محاضرتي بتاريخ 13/4/1985 في ندوة الثلاثاء الاقتصادية الثانية للتنمية الإدارية.. أولاً) لتؤمن لها إدارة كفؤة، تستطيع معها تحقيق أهدافها واستثمار مشاريعها وتدبير أنشطتها كافة، على أحسن وجه.. فهي شرط أساسي لقيام التنمية الاقتصادية والاجتماعية كما ذهب د. أبو سكة.. بل هي (أم التمنيات الأخرى)، كما قلنا في محاضرة بعنوان: التنمية الإدارية وسيلة أساسية لبناء الدولة العصرية، في المركز الثقافي في دمشق بتاريخ 21/7/1979 بدعوة رابطة خريجي الدراسات العليا، ونشرت في مجلة الاقتصاد، العدد 188-أيلول 1979..

      2)         على أننا ننوه بالشق الثاني الإيجابي من عنوان المحاضرة، إذ هي فعلاً مهمة لا تحتمل التأجيل ويدعو الملتقى للتساؤل: لماذا لا تحتمل التنمية الإدارية الانتظار؟.. وسنحاول الإجابة عليه لاحقاً..

      3)         نرى إضافة محور رابع، إلى المحاور الثلاثة للتطوير التي أوردها المحاضر (الأطر البشرية والتنظيمات البنيوية أدوات العمل) وهو القوانين والأنظمة والبلاغات وتعليمات العمل، العامة في المجتمع، أو الخاصة بالمؤسسة، التي تحكم النشاط الإداري وغيره.. فهي ذات تأثير كبير، إيجابي أو سلبي ..

      4)         إن التنمية هي فعلاً أ‘مال إرادية، تشتق من الفعل المتعدي نمى.. وليس من الفعل أنمى، لأن الاسم المشتق من هذا الفعل هو إنماء..

      5)         أورد د.عيد تعريفاً بالإدارة، وما قيل عنها لدى بعض مفكريها.. ونحن نوجز مفهوم دور الإدارة في أربعة أركان: استخدام الإمكانات المتنوعة المتاحة لها لتحقيق أهدافها وواجباتها على أحسن وجه..

      6)         في طبيعة الإدارة كما ذكر المحاضر جانبان: العلم والفن، ونحن نرى ضرورة تلازمها للنجاح في النشاط الإداري وغيره، بحيث تتوازن التصرفات وتتكامل بتوفر النظرية والتطبيق لدى الإداريين.. كما نعتبر الفن في الإدارة أكبر أثراً وأخطر منه في غيرها من الاختصاصات الأخرى..

      7)         إن علم الإدارة ونظرياتها وأدواتها، متطورة ومتجددة باستمرار، حسب الظروف والمتغيرات البشرية والموضوعية، المكانية والزمانية.. المحلية والخارجية.. فلا مجال للتقليد الحرفي والاستنساخ والانسياق مع النظريات والآراء و(الموضة) التي تظهر من حين لآخر.. وإذ يجب أن نتمعن فيما يجري في العالم، علينا التمعن أيضاً في واقعنا، واعتماد ما يلازمنا، علة مقاسنا، فالإدارة مهنة محلية.

      8)         تحت عنوان: إعادة الهيكلة آخر موضة في الإدارة بعد نظرية الإدارة بالأهداف.. تساءل د. أبو سكة عن إمكانية تطبيقها على كل المؤسسات والقطاعات، ونفضل البدء بالإدارة العليا، مع مراعاة الفقرة(7).

      9)         أكرر الشكر للجمعية على إدراج هذه المحاضرة، التي أتاحت نشر معلومات عن مسيرة التنمية الإدارية في القطر وعن المقررات والتوصيات التي صدرت عن قيادتي الحزب والجبهة ومؤتمرات الحزب والخطط الخمسية والبيانات الوزارية، ومؤتمر الإبداع الوطني والاعتماد على الذات، وعن الإجراءات التي تمت.. إذ تكاد تنسى برغم أهميتها، فقد كفانا المحاضر مؤونة ذلك. على أننا نضيف: لقد قرر المؤتمر القطري السابع 1980 أيضاً: إحداث جهاز أو مكتب مركزي للتنظيم والإدارة، وبدأ التخطيط المستقل للتنمية الإدارية في العام 1985 (ولكن الخطط الخمسية لم تعد تظهر)، وأدرج مشروع إحداث هيئة مركزية مختصة بها في جدول أعمال مجلس الوزراء عامي 1987 و 1990؛ وقد أقرته العام الماضي لجنتا الخدمات والشؤون الاقتصادية الوزاريتان (بعد أن أشبع درساً خلال عقدين من الزمن) في اجتماعات مشتركة بينهما مع عدد من المختصين.. ونأمل أن لا يؤجل فينسى!.

   10)      تتطلب التعددية الاقتصادية، كفاءة في توزيع الأدوار بين القطاعات، بما يكفل مشاركتها الفعالة وتكامل أنشطتها وتنافسها الشريف على طريق التنمية الشاملة.. كما يفعل المخرج لدى توزيع الأدوار على الممثلين في المسرحية أو المسلسل، الأمر الذي يطلب كفاءة الإدارة العليا أولاً.. ولا مجال هنا للانحياز إلى هذا القطاع أو ذاك، فلكل منها دوره الإيجابي حسب كل مرحلة وظروفها.. وليست القضية مسألة نقل ملكية، كما يذهب دعاة (التخصيص)، وإنما هي مسألة إدارية..

   11)      كان إحداث المعهد العالي للتنمية الإدارية خطوة إيجابية في العام 1979، ولكنه ما زال ينتظر مع مركز تطوير الإدارة والإنتاجية ومعهد التخطيط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وسائر الكليات والمعاهد التعليمية والتدريبية.. من ينظم مسألة تدريب العاملين مركزياً وفق برامج مستمرة، ويوفدهم إليه وإليها..

   12)      نشد على يد د.عيد في قوله عن حتمية التنمية الإدارية، وعن أن المطلوب إحداث وزارة أو هيئة لها.. ونضيف بأن وجودها لن يكلف نفقات مالية، وفوائد هذا الوجود كبيرة.. ولنتذكر قول الرئيس حافظ الأسد: قد تشكل التربية والتعليم عبئاً الآن، ولكن هي بعد قليل إنتاج.. وهذا يتصل بالإنسان فقط.

   13)      وكذلك على اعتقاده بأنه لو قدر للقيادة السوفييتية أن تنظر إلى مسائل الاقتصاد والإدارة بروية استراتيجية وبطرق وأنماط مغايرة، لما وقع  .. ونقول: فتش عن الإدارة.. فهي خلف النجاح والفشل.

   14)      وننوه أخيراً بمسك الختام الذي انتهى إليه، حيث أورد قراءة في أقوال السيد الرئيس.. ذلك أن الرئيس القائد قد أعطى الإدارة، منذ ريادته الحركة التصحيحية وخلال مسيرتها، الاهتمام الذي تستحقه، وقد شكلت توجهاته حولها منظمومة إدارية متكاملة تتصل بكل جوانب الإدارة ووظائفها ومرتكزاتها.. وكنا جمعنا مقتطفات مما صدر منها حتى العام1992 في كتاب من 200 صفحة.. ثم نشرنا تباعاً في (الثورة) مقتطفات مبوبة حتى العام 1997.. وهاهي كلمة سيادته الشاملة في 11/3/1999 تذخر بمهام وواجبات إدارية صريحة، علينا جميعاً تنفيذها..

سنحاول بعد ما تقدم الإجابة على السؤال: لماذا لا تحتمل التنمية الإدارية التأجيل والانتظار؟. مصنفين العوامل والمبررات التي تعطيها الأولوية وتوجب عدم تأجيلها، بل تفرض السير الحثيث على طريقها في أبكر وقت، في زمرتين: عامة وخاصة..

أولاً- المبررات والعوامل العامة:

1)      دور الإدارة الذي يتلخص: بحسن استخدام الإمكانات المتاحة لنا، لتحقيق أهدافنا وواجباتنا، على أفضل وجه.. وهو هام وخطير، كما سلف..

2)      وهي نشاط حتمي، لأن الإنسان اجتماعي بطبعه، ينتظم دوماً في مجموعات مختلفة الحجوم والأهداف، بدءاً من الأسرة ، صعوداً إلى المنظمات الدولية.. ولأن الاختصاصات متنوعة في التجمع الواحد، ويجب التنسيق فيما بينها .. وهي أقدم اختصاص في التاريخ منذ آدم وحواء.. فقد اكتشفت في الرقة رقم فخارية تعود إلى القرن الثاني عشر قبل الميلاد وتشير إلى وجود جهاز حكومي اقتصادي وإداري معقد.

3)      وهي قاسم مشترك في كل تجمع بشري لتسهل له تحقيق أهدافه، في حال كفاءتها، والعكس صحيح.. لذا قلنا: فتش عن الإدارة..

4)      ولأن كفاءة الإدارة ومستواها، معيار التمييز بين الدول وتصنيفها: إلى متقدمة ومتطورة، أو نامية متخلفة.. بصرف النظر عن ثرواتها ومواردها، فكم من الدول الغنية في ثرواتها ضعيفة في مردودها ومواقعها؟. بل هناك تنافس شديد بين الدول المتقدمة لتحقيق السبق فيما بينها برفع مستوى الإدارة..

5)      ومع هذا، فإن الدول النامية لا تهتم في خططها العامة بالتخطيط للتنمية الإدارية على التوازي مع سائر المجالات، برغم أنها مرتكز أساس للتنمية الشاملة.. وقد ورثت عشية الاستقلال السياسي جهازاً إدارياً غير مناسب لتحقيق طموحاتها وأهدافها المشروعة في التقدم واللحاق بركب الحضارة المعاصرة..

6)      ولأن الإدارة مظلومة في الدول النامية، إذ تمارس غالباً دون سابق تحضير للإداريين، بخلاف الاختصاصات والمهن الأخرى العلمية أو الحرفية.. برغم أن الإدارة علم وفن.. ولابد من تعلم مبادئها وأساليبها وتعرف فنونها أولاً، ومن ثم صقلها بالممارسة، مع استمرارية التعليم والتدريب..

7)      كما تخلفت في الاهتمام بالمعلومة والاتصالات، ولا يتوفر لديها نظام المعلوماتية والاتصالات المتطور وأدواتها، التي شهدت في السنوات الأخيرة ثورة متصاعدة هندسياً.. مع أن المعلومة بالنسبة للنشاط البشري في جميع الحقول، تعتبر كالماء للإنسان تتوقف عليها حياته.. فبدون المعلومة الحديثة (الطازجة) الصحيحة والشاملة والمبوبة، (التي يسهل تبادلها بين المستويات الأفقية والرأسية داخلياً، ومع العالم الخارجي، والرجوع إليها بسرعة في كل آن)… لا يستقيم أي نشاط أو تصرف بشري..

8)      ولأن فن الإدارة، في تطبيق علمها، أهم منه في بقية الاختصاصات والمهن وأخطر، وخاصة في المستويات العليا من قيادة المؤسسات، العامة والخاصة على السواء.. إذ يحيط بأثره الإيجابي أو السلبي بالمستويات المتوسطة والقاعدية.. فحين لا تروقنا قطعة موسيقية  أو قصيدة شعر مثلاً، نستطيع تجنبها ببساطة .. أما القرار الصادر عن مستوى عال في الحكومة أو المؤسسة الكبيرة، فهو مفروض وملزم للجميع أو على نطاق واسع.. ولا يمكن تفاديه من قبل المواطنين أو المستويات المرؤوسة..

ثانياً- تتلخص العوامل والمبررات الخاصة بنا، في الآتي:

1)     وجوب تنفيذ (الخطاب الإداري) الموجه إلينا من الرئيس القائد حافظ الأسد منذ فجر التصحيح وحتى يومنا هذا، حيث دعا في العام 1971 (على الثورة أن تحقق الإنجازات الداخلية ببناء دولة عصرية بأجهزتها وبقدرتها على مواكبة العلمي التكنولوجي السريع): ونص في العام 1974 على (نحن باستمرار عاملون على تطوير إدارة الاقتصاد الوطني بما يجعلها قادرة على تحمل الأعباء الجديدة للتنمية)؛ حيث جعل تطوير الإدارة شرطاً ومقدمة للتنمية .. ومن ثم فقد قرن بناء الدولة العصرية في العام 1978 برفع مستوى الإدارة بقوله (وفي سعينا ببناء الدولة العصرية، لابد من عمل جاد لتخليص دوائر الدولة من البيروقراطية التي تشكل قيداً يحد فعالية هذه الدوائر، ويتطلب ذلك تبسيط أساليب العمل وتحديثها على نحو ييسر مصالح المواطنين، ويجنب جهاز الدولة أخطاء الوقوع دوامة التقصير واللامبالاة). كما قرن بينهما في العام 1999 (إن تحديث الدولة يقتضي تنمية الشعور بالمسؤولية.. ورفع الكفاءة الإدارية والمهنية) وإذ نكتفي بهذا القدر من توجهات الرئيس القائد، نشير إلى أنه قد أعطاها في كلمته الجامعة هذا العام صفة الواجب الفوري، ورفعها إلى مصاف القضايا الوطنية حين أكد علينا، على الجميع، عبر مجلس الشعب بقوله (إن تطوير العمل في أجهزة الدولة ومؤسساتها بات ضرورة ملحة .. ومسؤولية وطنية..)، كما كان في العام1978 قد جعل التنمية مسألة وطنية (إن التنمية بجوانبها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حاجة وطنية ملحة).. فليس لأحد بعد ذلك أن يؤجل.. بل إن السيد الرئيس قد أوجب علينا في كلمته، التفتيش عن الأخطاء والجوانب السلبية في واقعنا الإداري وغيره والعمل على تلافيها، حين أكد على (رغم الجهود الكبيرة التي بذلناها لتطوير أجهزة الدولة ومؤسساتها.. فما زالت هناك ثغرات تجب معالجتها لتحديث الدولة.. وتمكينها من خدمة الشعب وتوفير مستلزماته)..

2)      ضرورة تنفيذ المقررات والتوصيات الإدارية الصادرة عن الجهات القيادية المتعددة…

3)      وجود الكيان الصهيوني، وما يقتضيه من حشد الإمكانات لمواجهته، وإجادة استخدامها لتحقيق التوازن الاستراتيجي مع العدو كما قرر الرئيس القائد من جهة، وللسير بخطى واثقة على طريق التنمية الشاملة واستكمال بناء دولتنا العصرية من جهة، وهنا يأتي دور الإدارة الكفؤة لتحسين استخدام إمكاناتنا..

4)      وكفاءة الإدارة ضرورية لمواجهة ظروف (العولمة) والجات ومنظمة التجارة العالمية واليزو والشراكة.. وما تتطلبه، وما يتفرع عنها من أحكام واشتراطات ذات حجم ضخم جداً.. بما يجعلنا أنداداً أكفاء، فنحافظ على مصالحنا في العلاقات والمبادلات الخارجية، التي لا بد منها، فالعالم قرية صغيرة..

5)      تنامى دور الدولة، وتزايد أجهزتها والقطاع العام والإدارة المحلية، بعد الاستقلال وثورة الثامن من آذار 1963 والحركة التصحيحة 1970، مما يوجب تعزيز كفاءة الإدارة وتبسيط القوانين والأنظمة، وانتهاج أسلوب لا مركزي.. خاصة مع الانتشار الواسع لشبكات المعلوماتية والاتصالات وتبادل المعلومات الآني، مما لم يسمح بالمركزية (الرجوع إلى الأعلى)، إذ أصبحت العلاقات أفقية مسطحة وفورية..

6)      عدم توفر الشروط الموضوعية لتطبيق مبدأ وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، لعدم وجود إحصاء مسلكي مهني أو (كشف العاملين) شامل للجميع، وعدم دقة توصيف الوظائف وشروط إشغالها،  وعدم خضوع كبار العاملين لدورات تدريبية إلزامية..

7)      شغور وظيفة التنظيم على الصعيد المركزي، مما يولد مفارقات وسلبيات في التنظيم الهيكلي للإدارة الحكومية (كإحداث المجالس واللجان الوزارية المؤقتة بكثرة).. وفي ملاكات المؤسسات والشركات ويؤدي في حده الأدنى إلى البطالة المقنعة مع ما تخلفه من: تعقيد في الإدارة، وزيادة في النفقات والتكاليف.

8)      شغور وظيفة التدريب على الصعيد المركزي، مما يؤدي إلى عدم الاستفادة المنظمة من المراكز التعليمية والتدريبية الموجودة في الجامعات والمعاهد حسب الحاجة.. وعدم تدريب كبار العاملين ومتوسطيهم.

9)      ولا تجد القوانين والأنظمة الإدارية جهة مختصة بها ومتفرغة لها، كقانون العاملين الأساسي ونظام الحوافز.. بل توكل إلى لجان غير متفرعة، مما يعرقل تفسيرها وتنفيذها.. فتوضع (سقوف) للحافز! رغم أن السقف حاجز لا يتفق موضوعاً واتجاهاً مع الحافز.. ويؤدي إلى الإحباط عوضاً عن التشجيع!. كما تعلق أحكام قانون العاملين لسنوات طوال، برغم بلوغ تفسيراته آلاف الصفحات!. ومن ذلك: استكماله بقانون الضمان الصحي، وتعديل الرواتب والأجور، وتعويضات الاختصاص، وطبيعة العمل، وتعويضات الانتقال والسفر والتمثيل والمسؤولية والعمل الإضافي.. مما أبقى فيها على (مفارقات) مدهشة بالمقارنة مع القطاع المشترك مثلاً، الذي يعتبر ربعه على الأقل ملكية عامة للدولة، ولكن رواتبه وتعويضاته وحوافزه تزيد كثيراً في هذا الربع فقط، عنها للعاملين في القطاع العام..

10)  والقطاع العام مازال يعاني من قيود القوانين والأنظمة التي تحكم نشاطه، التي حرر منها القطاع المشترك صراحة في صكوك إحداثه في السبعينات.. ومن البلاغات والتعاميم و التدخل في أعماله (ذكر مثلاُ م.غسان فتاحي في محاضرته هنا، أن المجلس الأعلى للشركات الإنشائية قد أنهى في العام 1992، العمل بـ 50 بلاغاً وتعميماً، فلماذا صدرت في الأصل؟.) برغم أن م/ت رقم18-1974 وتعديله رقم 20-1994، قد انطلقا من أن العلاقة بين مؤسسات القطاع العام وشركاته مع سائر أجهزة الدولة تنحصر في ثلاثة نقاط: تنظيمياً، وتخطيطياً، وتمويلاً.. وهو حر مستقل في ما عدا ذلك!.. وقد أشار الرئيس القائد مرتجلاً في العام 1994 (أسمع من الكثيرين أهم مقيدون بقيود لم يقيد بها القطاع الخاص والمشترك، ويريدون التساوي، والتنافس بين القطاعات الثلاثة تنافس شريف)، وقرر أيضاً (يجب أن تطور أنظمة القطاع العام بحيث يكون أقدر على الحركة بما يخدم زيادة الإنتاج وتحسين نوعيته، وهذا الأمر يحتاج إلى تمعن ومناقشة مستفيضة بالتعاون مع الاتحاد العام لنقابات العمال).. ويشدد سيادته على ذلك بكل وضوح وتحديد في العام 1999 (يتوجب على الحكومة بالتعاون مع الاتحاد العام لنقابات العمال.. دراسة واقع هذا القطاع من منطلق تحرير شركاته من القيود الإدارية والمالية.. ووضع أنظمة مالية وإدارية تتيح للشركة حرية العمل والتحرك باعتبارها شخصاً اعتبارياً مستقلاً يعمل في إطار الخطة العامة للدولة.. والعمل على رفع الكفاءة الإدارية لهذا القطاع.. والكفاءة المهنية للعاملين فيه). وذلك بعد أن يحدد مكانة هذا القطاع بقوله (يشكل القطاع العام الاقتصادي القاعدة الرئيسية للاقتصاد الوطني.. وعامل التوازن الاقتصادي والاجتماعي.. مما يطلب الاهتمام به حتى يكون قادراً على الأهداف الاقتصادية والوطنية)..

11)  وقد ولد ما تقدم في (9) ضعفاً في دخل العاملين وتدنياً في مستوى معيشتهم، مما يؤثر سلباً على أدائهم وولائهم.. ويجعل منهم يتسربون إلى القطاع الخاص أو المشترك، أو إلى الخارج..

12) وباختصار شديد، لأن (أزمتنا في سوريا هي أولاً أزمة إدارة)، كما أورد الاستاذ أسعد عبود في الثورة منذ 19/9/1981 ..

وبعد.. نعتقد أن هذه العوامل والمبررات العامة والخاصة، المتكاملة فيما بينها، وأكثرها مسائل ساخنة، تشكل لدينا القناعة المنطقية بأن التنمية الإدارية لا تحتمل التأجيل فهي ضرورة ملحة وواجب وطني.. بل هي تقنعنا بضرورة المبادرة الفورية والتعجيل في اتخاذ خطوات حاسمة على دربها.. والتبكير في ذلك لأن مهامها جسيمة كما سنرى..

على أنه يثور سؤال آخر: من سيقوم بهذا الواجب الوطني؟. وهل يوجد ضمن الهيكل التنظيمي للإدارة الحكومية جهة مختصة ومتفرغة لذلك؟ تحتاج الإجابة بالطبع لتحليل الهرم الإداري الحكومي، مما لا يتسع له الوقت، ولكننا نشير إلى أنها غير موجودة، بدليل أن دراسات كثيرة جرت منذ عقدين من الزمن وخلصت إلى ضرورة إلى إيجادها. وكان آخرها العام 1998، حيث أعد مشروع لإحداث هيئة مركزية للتنمية الإدارية، وأقر مبدئياً في اجتماعات مشتركة للجنتي الخدمات والشؤون الاقتصادية الوزاريتين، وهو بانتظار استكمال إجراءات إصداره.. ونحن نناشد الحكومة ومجلس الشعب إعطاء هذا المشروع صفة الاستعجال، بموجب أحكام الدستور والنظام الداخلي للمجلس، قبل نهاية العام1999، بحيث ندخل القرن الواحد والعشرين، ونحن نملك قاعدة وطيدة للتنمية الإدارية تمهد السبيل نحو التنمية الشاملة، فنستكمل بناء دولتنا العصرية في أقصر وقت .. ملتزمين بتوجيه الرئيس القائد (حتى لا تتسع الفجوة بيننا وبين الآخرين.. وحتى نكون شركاء أكفاء في كل ما يجري من تطورات سياسية واقتصادية في الوطن العربي والعالم). كما نتمنى على السلطة الرابعة، السلطة الأقوى، على وسائل الإعلام، متابعة إحداثها بإلحاح..

هذا، ولمزيد من القناعة نوجز في الآتي مفهوم التنمية الإدارية، ومضمونها ومهامها، وأهم صفاتها:

نفهم من مصطلح التنمية الإدارية: أنها عمليات مستمرة، إرادية مخططة تستهدف رفع كفاءة الإدارة وفعاليتها لتحقيق أهدافها وتنفيذ واجباتها، باستخدام ما يتوفر لها من إمكانات وموارد، على أحسن وجه..

وتنصب التنمية الإدارية على الاهتمام بثلاثة محاور وتطويرها:

1)     المرتكزات الأساسية للإدارة وهي 4: الإنسان ، مادياً ومعنوياً وسلوكياً وتدريباً؛ القوانين والأنظمة وتعليمات العمل والهياكل التنظيمية والملاكات وتوصيف الوظائف وشروط إشغالها، والأدوات الإدارية..

2)      الوظائف العامة للإدارة: التنظيم، التخطيط، التدريب، اتخاذ القرار، التحفيز، الإحصاء، المتابعة.. سواء من حيث رفع كفاءة العاملين في ممارستها أو توفير الهياكل التنظيمية والأساليب والأدوات الحديثة لها.

3)      المهام التقليدية للإدارة:  الديوانية، الشؤون الشخصية، القانونية، الأبحاث، البريد، التمويل، الحفظ ..

وتتصف التنمية الإدارية بالسمات الآتية: الشمولية لجوانب المسألة الإدارية كافة ولجميع المستويات والقطاعات.. المسؤولية عنها جماعية مع تميز دور القيادات العليا.. ضرورتها في كل البلاد وخاصة النامية.. خصوصيتها المحلية كما هي الإدارة أصلاً.. الاستمرارية والتجديد.. التكامل والتوازن في محاورها الثلاثة.. الارتباط الجدلي مع سائر أنشطة التنمية الشاملة..بل سابقة لها في الزمن..

ولتحقيق هذه المهام الجسيمة وهذه الصفات فإن للتنمية الإدارية مطلباً جذرياً واحداً كما ذكرنا، هو إيجاد المرجع المختص بها، المتفرغ والدائم في الهيكل التنظيمي للحكومة والمجتمع .. فهل نحن فاعلون دون تأجيل، لمواجهة المسائل الساخنة؟. هذا ما نتمناه.. كي لا تبقى (على مقاعد الاحتياط) كماا ذكر الاستاذ عدنان طالب في (البعث الاقتصادي) بتاريخ6/4/1999 ..

أحمد عبد السلام دباس.



[1] إداري متقاعد ، عضو مشارك – اتحاد الصحفيين