![]() |
عجز الموازنة وسبل معالجته
عارف دليلة
1 ـ دور ومنطلقات وأهداف الموازنة العامة للدولة والسياسات والاجراءات الحكومية بخصوصها حسب الخطاب الرسمي(*)
يتحدد دور الموازنة، حسب الخطاب الحكومي الموجه إلى مجلس الشعب في تقرير الموازنة الذي تقدمه الحكومة سنوياً بتحقيق الأهداف التالية:
1 ـ خلق دخل وطاقات انتاجية جديدة.
2 ـ تفادي التضخم غير المرغوب.
3 ـ حسن توزيع الدخل القومي.
4 ـ التأثير على هيكل التنمية.
5 ـ الاسهام بتكوين الناتج المحلي الاجمالي من خلال الانفاق الحكومي بشقيه الجاري والاستثماري.
6 ـ استكمال البنى التحتية اللازمة لتوفير مناخ موات للاستثمار وتدعيم القاعدة الانتاجية لاقتصادنا الوطني.
كما تتحدد المبادىء التي تنطلق الحكومة منها في إعداد الموازنة بالمبادىء التالية:
1 ـ تحقيق تناسب أفضل بين كتلة الموارد المحلية والنفقات، وبينها وبين الناتج المحلي، وتقليص عجز الموازنة.
2 ـ الاعتماد على الذات والسعي لتنمية الموارد المحلية.
3 ـ التركيز على زيادة كتلة الاعتمادات اللازمة للمشاريع الاستثمارية بما يحقق الأهداف الانتاجية والخدمية الأساسية.
4 ـ تلبية متطلبات الأمن الوطني والقومي.
5 ـ تأمين متطلبات الانفاق الجاري لخدمات الشعب والوظائف الأساسية المتنامية للدولة لاسيما في مجالات التعليم والصحة.
6 ـ الحد من التضخم.
وتهدف الحكومة من السياسات والاجراءات التي تتبعها، حسب خطابها الرسمي، إلى استمرار الجهود والعمل في الاتجاهات التالية:
أ ـ الالتزام بالخطة العامة للتنمية لتحقيق وتائر عالية لزيادة الانتاج والانتاجية والتوزيع الأمثل ما أمكن للموارد وفقاً للاحتياجات الحقيقية للمجتمع بما يؤدي إلى تعظيم عائدها الاقتصادي.
ب ـ الاستمرار بالسير بخطوات واسعة لتحقيق أهداف التوازن الاقتصادي والمالي التي تعبر عنها السياسات الاقتصادية والمالية في المجالات المختلفة. ومنها تنمية المدخرات المحلية وضبط حركة التوسع النقدي وترشيد استخدام القروض وترشيد الاستيراد والاستهلاك واحلال البدائل المحلية ما أمكن محل السلع المستوردة والسعي لتحقيق توازن ميزان المدفوعات وبالتالي السير بخطوات باتجاه تخفيض عجز الميزان التجاري وميزان المدفوعات.
جـ ـ الخفض التدريجي لعجز الموازنة العامة للدولة عن طريق العمل على تنمية الموارد المحلية المتزايدة وضبط الانفاق العام وترشيده بما يؤدي إلى تضييق الفجوة بين استخدامات الموازنة العامة ومواردها.
د ـ الاستمرار بدعم قطاع التصدير واستخدام سياسات الربط بين سياسات التصدير والاستيراد وبالتالي منح عمليات التصدير المزايا والتسهيلات وذلك لجميع القطاعات: العام والخاص والمشترك بهدف زيادة الانتاج وتوفير القطع الأجنبي اللازم لتأمين مستلزمات الانتاج وتمويل مستوردات السلع الضرورية لتلبية حاجات الاستهلاك المحلي.
هـ ـ الاستمرار بتعديل واصلاح النظام الضريبي النافذ ضمن سياسة وخطة مبرمجة تحقق العدالة في التكليف وتراعي متطلبات المرحلة الراهنة للتنمية التي تستهدف زيادة الانتاج وتشجيع الاستثمار والادخار مع ضرورة تنمية الموارد المحلية الذاتية لتلبية متطلبات الانفاق العام.
و ـ الاستمرار في دعم وتطوير السياسات الاجتماعية والصحية والتعليمية وتأمين الخدمات المركزية والمحلية للمواطنين.
وذلك كله «ضمن أهداف استمرار العمل في مسيرة العمل العربي المشترك لاسيما في إطار التكامل الاقتصادي العربي والتعاون الاقتصادي الدولي».
2 ـ في مفهوم «عجز الموازنة» وعلاقته بالأهداف التنموية:
يمكن النظر إلى عجز الموازنة بمنظارين:
1 ـ بالمفهوم المالي الحسابي: عجز الموازنة هو زيادة نفقاتها على ايراداتها، بشرط أن تدخل في الموازنة جميع إيرادات الدولة ونفقاتها المالية.
2 ـ بالمفهوم الاقتصادي الاجتماعي: يتمثل عجر الموازنة بالآثار السلبية التي تنجم عن السياسة المالية المتبعة وعن المنهج المتبع في اعداد الموازنة وتنفيذها، هذا عندما تكون النتائج المتحققة من وراء الموازنة والسياسة المالية سلبية أكثر منها إيجابية.
وفيما بين «العجزين» يمكن أن تكون العلاقة طردية أو تكون عكسية. فليس عجز الموازنة المالي المحاسبي بالضرورة متلازماً مع الآثار السلبية الاقتصادية والاجتماعية، وقد يترافق على العكس، بتحقق آثار إيجابية. والعكس صحيح أيضاً، فقد لايكون فائض الموازنة المالي المحاسبي مؤشراً إيجابياً بالضرورة من حيث آثاره الاقتصادية والاجتماعية. فالأهم من الرصيد الايجابي أو السلبي هو الكيفية والوسائل التي يتحقق بها والتي تحكم التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي تتحقق معه. وبهذا المنظور فإننا نخالف الموقف التقليدي المبسط، الأحادي الاتجاه، السائد هذه الأيام.
لقد ساد الفكر الكينزي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى الثمانينات، والذي ينطلق من وجوب تدخل الدولة في تنهيج التطور الاقتصادي لمنع وقوع الإفراط الشديد في النمو أو الركود الحاد، والمحافظة على النمو الاقتصادي شبه المستقر. وكان من أهم أدوات التدخل الكينزية الاستخدام المحدود للتمويل بالعجز والتضخم النقدي الموجه الذي يعوض نقص الطلب الناجم عن تفضيل السيولة والميل للإدخار، حسب جون مينردكينز، والذي يحافظ على الاستخدام شبه الكامل. ويجري في العقد الأخير التراجع جزئياً عن هذا النهج بعد أن أدت المبالغة في التمويل التضخمي إلى اختلالات اقتصادية واجتماعية خطيرة في الاقتصادات المتقدمة والمتخلفة على السواء. لكن الميل الى الركود والانكماش بنتيجة تطبيق السياسات التوازنية الجديدة التي تصطدم مع قوانين الرأسمالية التوسعية الطابع، حيث يشكل النمو المتنفس لتناقضات نظام الانتاج الرأسمالي، أدى إلى ارتفاع الأصوات المعارضة لهذه السياسات التوازنية، وقد عبر عن ذلك عدد جديد من مجلة الايكونومست البريطانية صدر في شهر شباط الماضي، مطلقاً على هذه السياسة صفة «الخطر الجديد»، ومحذراً من احتمال أن تقود إلى أزمة اقتصادية عالمية شاملة على غرار الأزمة العالمية 1929 ـ 1933.
إن سياسات التثبيت ومحاربة التضخم والعجز المتبعة في العقدين الأخيرين وفقاً لروشتة الصندوق النقدي الدولي، مثلها مثل السياسات التضخمية السابقة، تقود إلى تحميل الجماهير التي تعيش على دخل العمل والطبقات الوسطى تكلفة هذا التثبيت في الوقت الذي تتوسع فيه في إعطاء الامتيازات والاعفاءات والفرص الاستثنائية للطبقة الاحتكارية المهيمنة اقتصادياً وسياسياً.
من هنا، فإننا مدعوون للنظر إلى عجز الموازنة بمنظارين لابمنظار واحد: بالمنظار المالي المحاسبي، كرصيد مالي، وبالمنظار الاقتصادي الاجتماعي من حيث أسبابه وآثاره على المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية. وفي هذه الحالة، فليس نادراً أن يكون تحقيق الوفر والفائض في الموازنة السبب الرئيس لعجز السياسة الاقتصادية والمالية عن تحقيق الأهداف التنموية، وقد يتحول بذاته إلى العائق الأكبر على طريق تحقيقها.
3 ـ أسئلة الموازنة وأهمية الوعي بخصوصها:
على اختلاف النظم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أصبحت الموازنة الحكومية محور السياسة العامة بالنسبة للدولة والمجتمع. ومع التقدم الاجتماعي تزداد نسبة الدخل القومي الذي يمر عبر الموازنة العامة ليعاد تخصيصه وتوزيعه بما يحقق الأهداف التي ترتأيها السلطة السياسية القائمة. وهنا يبدأ الاختلاف بين الأنظمة والسلطات، بعضها البعض، كما بينها وبين مجتمعاتها، وكذلك بين الاتجاهات والقوى المختلفة داخل هذه المجتمعات. وبينما تتخذ القرارات في الأنظمة غير الديمقراطية بطريقة فوقية، فتكون حكومية بيرقراطية بحتة، فإن الأنظمة الديمقراطية، على اختلاف درجات الديمقراطية ونوعياتها فيها، تحتكم، إلى هذا القدر أو ذاك، إلى البرامج التي أوصلها الناخبون على أساسها، وإلى الرأي العام الذي يرشح عبر مختلف قنوات ووسائل التعبير عن الرأي واستطلاع الرأي حول الأوضاع العامة وأعمال الإدارة الحكومية(*).
تشكل الموازنة الأمريكية (موازنة الاتحاد وموازنات الولايات، بدون الموازنات المحلية) 37% من الناتج المحلي الاجمالي، وتبلغ الموازنة العامة في اليابان 35%، وتصل في فرنسا ودول أوروبية عديدة إلى 53%، وفي هولندا تبلغ 60% وفي السويد 70% وهي النسبة الأعلى في العالم. ومازالت الموازنة في سورية تتراوح حوالي 30% من الناتج المحلي الاجمالي، وهذه النسبة تقل عن مثيلاتها في معظم الدول العربية.
ورغم أهمية هذا المؤشر الكمي، إلا أن الأهم منه، بالنسبة للمجتمعات التي تدار على أسس ديمقراطية وعلمية، إلى هذا القدر أو ذاك، هو آثار الموازنة الحكومية ونتائج السياسات الاقتصادية والمالية على الحياة الاجتماعية والاقتصادية العامة، وعلى حياة الجماعات المختلفة للسكان وصولاً إلى المواطن الفرد. وتشير الأسئلة العشرة التالية إلى هذه الغايات والنتائج:
آ ـ على المستوى الاقتصادي الكلي:
1 ـ هل تؤدي السياسة الاقتصادية والمالية، والموازنة الحكومية، وهي الخطة والأداة المالية التنفيذية السنوية لها، الى تحقيق النمو الاقتصادي، وبأية معدلات، أم تعيق النمو وتقود إلى الأزمة والركود، وإلى أي مستوى؟
2 ـ هل تؤدي إلى زيادة التشغيل وإنتاجية العمل الاجتماعي أم، على العكس، إلى زيادة البطالة وتخفيض الانتاجية العامة؟
3 ـ هل تؤدي إلى التضخم الذي يغتني منه القلة على حساب افقار الدولة والغالبية من الشعب، أم إلى استقرار يظهر بشكل خاص في ثبات التناسب بين الأسعار ومداخيل العمل، وعدم انتقاص حقوق المالية العامة؟
4 ـ هل تشجع على إظهار الامكانيات الوطنية، المادية والبشرية، من خبرات فنية وكفاءات تنظيمية وطاقات عقلية، وعلى تعبئة وزج هذه الامكانيات بأعلى فعالية ممكنة في عملية التنمية، أم على العكس، إلى طمس وقمع هذه الامكانيات أو إجبارها على الكمون والتخفي، أو هدرها وبعثرتها، أو تهريبها أو طردها إلى الخارج؟
5 ـ هل تؤدي إلى اجتذاب الامكانيات الوطنية الموجودة والمتراكمة في الخارج، والامكانيات العربية والأجنبية الراغبة في الاستثمار في البلاد بما لايتعارض مع، بل يخدم أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية، أم، على العكس، تعمل على تنفير هذه الامكانيات وإحباط تلك الرغبات؟
ب ـ على المستوى الاجتماعي والقطاعي والجزئي:
6 ـ هل تؤدي السياسة الاقتصادية والمالية، والموازنة العامة، إلى الرفاه الاجتماعي، الذي يقاس بالتحسن المضطرد في مستوى إشباع الحاجات المادية والمعنوية والارتقاء الإنساني للمواطنين، أم تقود إلى الركود أو التردي في نوعية حياتهم؟
7 ـ هل تؤدي إلى دعم وتشجيع القطاعات والأنشطة أو الفئات والعناصر الأكثر طليعية ومستقبلية وارتباطاً بالتقدم الاجتماعي والعلمي ـ التكنولوجي، والأكثر قدرة على التعامل الايجابي الخلاق مع العالم وتطوراته السريعة، أم، على العكس، تحبط هؤلاء وتثبط هممهم وتقمع تطلعاتهم وتجبرهم على الانطواء (كما يفعل الخارجون على القانون)، أو الهجرة إلى الخارج لوضع قدراتهم وإنجازاتهم في خدمة الدول الأخرى، وربما ليتعاملوا من هناك لاحقاً مع دولتهم وشعبهم بصفتهم أجانب، من وراء أو باسم شركات أجنبية، وما أكثر هذه الحالات؟
8 ـ هل تؤدي إلى تشجيع تمايزي يحابي الأنشطة الانتاجية على حساب الأنشطة الطفيلية، أم، على العكس، إلى محاباة الطفيليين والأنشطة غير الانتاجية بما يضيق على المنتجين ويضاعف الأعباء عليهم؟
9 ـ هل تعمل إدارة العمل المالي على تطوير خبرات كوادرها وتقنيات وأساليب عملهم وتعميق اخلاصهم وخدمتهم للأهداف العامة بواسطة الحوافز المادية والمعنوية، ام تدفعهم للعمل بأساليب بعيدة عن العصر وبما يتعارض مع واجباتهم الرسمية ومصالح الموازنة، مثل مسك دفاتر المكلفين وتنظيمها بما يساعدهم على التهرب من الواجبات الضريبية، أو التنازل عن حقوق الخزينة تجاه الغير، محليين أو أجانب، انسياقاً مع الفساد وخضوعاً للإغراءات المادية الضخمة؟
10 ـ وبالنتيجة، وهذا هو الأهم، هل تؤدي السياسة الاقتصادية والمالية، والموازنة العامة، إلى مزيد من الانسجام والسلام الاجتماعي والرضى الفردي، أم تصب الزيت على نيران التناقضات وتقود إلى الانفجار الاجتماعي؟
بالاجابة على هذه الأسئلة يمكن تقويم سياسة الموازنة وآثارها، ورصيد الموازنة من الفائض أو العجز، وليس بالأرقام وحدها.
4 ـ المعلوماتية والادارة والتنظيم لالغاء التراكم الضريبي وضياع الموارد:
ليس قليلاً، نسبة إلى إمكاناتنا، ما أنفقته بعض الجهات العامة من أجل «دخول عصر المعلوماتية» من شراء للتجهيزات (هاردوير)، أو من تدريب وتأهيل واقتناء للبرمجيات وتعاقدات مع خبرائها (سوفت وير). ومع ذلك فإن آثار ذلك الانفاق العملية ما تزال محدودة جداً، وتقتصر على جهات قليلة جداً.
فالموازنة التقديرية، والميزانية الختامية (قطع الحسابات)، ماتزال تُحَمَّلُ على أكثر من 1 ـ 2كغ من الورق للنسخة الواحدة، وهذا بخصوص الموازنة والميزانية الموحدة للدولة بدون الميزانيات والجداول الملحقة التي لاأستطيع تقدير أوزانها لأنني لم أطلع عليها. هذا إضافة إلى احتوائها على الكثير من الأخطاء بسبب الاستمرار بطرق العمل اليدوية في إعدادها. ولقد قام أحد الأصدقاء، بجهد شخصي وبدافع الفضول دون أي تكلفة مادية أو تكليف من أحد، وباستخدام حاسوب منزلي متواضع، بإعادة إخراج الميزانية والموازنة مضيفاً إلى أرقامهما بيانات تحليلية مقارنة تبين نسب التباين والنمو، فجاءت جميلة الشكل، واضحة العرض، سهلة التناول والاستخدام والتداول، خالية من الأخطاء ذات الأسباب الإنسانية، مساعدة على القيام بالتحليل والمقارنة والتقويم بأقل مايمكن من الجهد والوقت، وفوق ذلك كله، فقد جاءت على ورق بربع المساحة، و2% من الوزن مقارنة بالورق الذي تظهر عليه موازنة وميزانية وزارة المالية. فكيف يمكن محاربة الهدر في كل مكان ولانبدأ من أول المراحل، من وضع الموازنة نفسها؟
وإننا نتساءل لماذا لاتشتغل التجهيزات والخبرات المتوفرة في وزارة المالية ولماذا لايجري تأهيلها لتحقيق هذا الانجاز الذي حققه هذا المتطوع الفضولي بإمكاناته المتواضعة، ولماذا لم تعمم أساليب وتقنيات العمل المتطورة على مديريات المالية حتى اليوم؟ بل لماذا منع بعض خبراء المعلوماتية القائمين على رأس العمل في وزارة المالية من وضع طاقاتهم في خدمة العمل، وبعد أن استبعدت خبراتهم ومقترحاتهم قصداً عن المشاركة في التطوير أجريت التعاقدات السخية مع غيرهم من خارج الملاك، ودون أن تنعكس الأموال الضخمة المنفقة على عقود الخبرة هذه على الأداء، لأن فائدة الخبراء من خارج الملاك تنتهي بتصفية عقودهم؟
ففي لبنان، مثلاً، الذي لم يعرف تجربة التخطيط والاحصاء التي عرفتها سورية، نتابع مع مطلع كل شهر في جميع الصحف ومحطات التلفزيون اللبنانية أهم المعطيات الإحصائية عن الشهر الذي انقضى منذ أيام، مثل الإنفاق الحكومي والايرادات الحكومية الشهرية، والدين العام الداخلي والخارجي وعجز الموازنة الشهري، والاستيرادات والصادرات والميزان التجاري والرسوم الجمركية الشهرية، وحجم الودائع والتوظيفات المصرفية، وتغير الموجودات من القطع الاجنبي في الودائع والاحتياطيات، وأسعار الفائدة وسعر الصرف، وحجم الكتلة النقدية، وفي دول أخرى، تغير انفاق المستهلكين في البلاد، ونسبة تشغيل الطاقات الانتاجية، ومستوى التضخم والأسعار والأجور وأعداد المشتغلين والعاطلين عن العمل وأعداد الداخلين والخارجين.. الخ ما هنالك من معلومات.
إن مثل هذه المعلومات لم تعد ترفاً، وكثير منها متوفر أو يسهل الوصول إليه بمجرد تغيير العقلية السائدة في الإدارة. إنها حاجة ماسة ليس فقط لكبار المسؤولين، كما يظن البعض، بل لكل مواطن، من أجل اتخاذ القرارات الخاصة به، والتي يشكل مجموعها اتجاهات التطور العامة.
إن دخول عصر المعلوماتية يتطلب قبل كل شيء اتخاذ القرار الملزم بالمعلومات الهامة الواجب توفيرها، وبديمقراطية المعلومات، أي توفير المعلومات الصحيحة، الدقيقة، في الوقت المناسب والافصاح عنها قبل أن تتقادم وتضيع إمكانية الاستفادة منها. لكننا مازلنا ندير الشؤون الاقتصادية العامة (إذا كنا نديرها فعلاً!) بناء على معلومات ناقصة، أو مشوهة، أو متقادمة، أو بدون أية معلومات مفيدة. وبخصوص الموازنة العامة، كيف نضع الأرقام التقديرية لموازنة عام 1999، مثلاً، (والذي يكاد ينتصف قبل أن تظهر تقديراته على الورق، ليقال عند ظهورها أنها «قدمت خلال المهلة التي حددها الدستور والقانون» علماً بأن المهلة في الدستور والقانون هي شهر تشرين الثاني من العام المنصرم!). كيف نضع أرقام العام المقبل التقديرية ونحن لانعرف ليس فقط أرقام العام الماضي الفعلية بل الأرقام النهائية للعام الرابع أو الخامس الأسبق؟ فتحصيلات كثير من الضرائب المتحققة عام 1998، مثلاً، هي للتكليفات عن الأرباح الفعلية لـ 3 ـ 7 سنوات خلت، ولم يبدأ مراقبو الدخل حتى الآن (نيسان 1999) النظر في التكليفات الضريبية عن عام 1997، ناهيك عن عام 1998، اللهم باستثناء القطاع العام الذي تسحب وزارة المالية التزاماته الضريبية المقدرة، ودون انتظار نتائج أعماله، رابحاً كان أم خاسراً.
إن الاستمرار بالعمل على تحصيل ضرائب مضى على استحقاقها سنوات عديدة أمر مربح جداً للمكلفين، هذا إذا دفعوا، ومربح أكثر إذا لم يدفعوا، ومضيع إلى حد كبير للمال العام. وإن انقطاع الزمن بين وقت المطالبة أو التحصيل وبين وقت الاستحقاق والتحقق سيبقى المشجع على الفوضى والفساد وإضاعة الحق العام. وبرأينا، يمكن التخلص من عبء التراكم إذا فصل العمل الجاري عن العمل المتراكم، بمتابعة كل منهما بشكل مستقل عن الآخر، والامتناع عن وضع التكليفات الأخيرة في أسفل «الكومة» للعودة إليها بعد بضعة سنوات، عندما يكون «الذي ضرب ضرب والذي هرب هرب»، وعندها تموت الحقوق بالهروب أو بالتضخم أو التقادم أو «تدبير الراس» وغير ذلك من الأساليب المتخلفة.
كما في الدول المتقدمة يجب أن تجبى حقوق الخزينة أولاً بأول، شهرياً أو ربعياً... الخ. خلال العام نفسه، أو بعيد انتهائه وظهور نتائج الأعمال، ويبقى فقط التحقق من صحتها وإجراء التصفيات الدقيقة لها لاحقاً.
إنني أعلم حالات تراكمت فيها حقوق الخزينة على أشخاص كثيرين لسنوات متلاحقة بعشرات وبمئات ملايين الليرات السورية بانتظار دراسة تكاليفهم من قبل لجان التحقق الضريبي، هذه الدراسة التي تتأخر، كما نعلم، سنوات وسنوات، مما أدى إلى ضياع إمكانية التحصيل بسبب فقدان الضمانات التي تمكن المالية من التحصيل أو اختفاء مطرح الضريبة نفسه. و «حفاظاً على ماء الوجه» تقوم الأجهزة المالية بتجديد المطالبات سنوياً، للمكلفين الغامضين أو الغائبين، أو النافذين المتهربين «عينك عينك» وعن سابق اصرار وتصميم، حتى لاتسقط بالتقادم، ومن أجل أن تبقى أرقامها زينة على الورق!
إننا إذن، بصدد «عجز إرادي» ناجم عن ضعف الإدارة والتنظيم وعن تخلف أساليب العمل، وفي بعض الأحيان، ناجم عن مصالح ذاتية وعن فساد نية وسوء طوية. فالمال العام، والحق العام، مازال «غانية» لاراعي لها، مدعاة للتطاول العام، عرضة للتخصيص الضمني على قدم وساق!.
5 ـ الحسابات القومية والحسابات المالية في سورية وقائع ضامرة أم بيانات ضامرة؟:
هناك جهد إحصائي مبذول، لكنه مركزي جداً ومكتبي وقاصر لذلك عن الإحاطة بالوقائع. ولاترجع مسؤولية القصور إلى أسباب خاصة بالجهاز الإحصائي وحده، بل إلى أسباب «بيئوية» أيضاً تنعكس على الأرقام الإحصائية. والمعضلة تبدأ من امتناع طلبة الاقتصاد عن دراسة الإحصاء مادامت الدولة لاتوظف الإحصائيين، وإذا مادرسوا الإحصاء فماذا يدفعهم للإرتباط بوظيفة راتبها لايكفي حاجاتهم إلا لبضعة أيام!!
أما بالنسبة للأسباب «البيئوية»، فإنها هي المسؤولة عن ضمور الدخل القومي، كوقائع ملموسة، وكارقام محققة. فالحسابات القومية لاتعكس، بتقديرنا، حجم العمل الاجتماعي الحقيقي، والحسابات المالية لاتنبئ بالطاقة المالية الحقيقية للدولة والشعب. وببساطة نقول، ليس منطقياً أن تكون الموازنة اللبنانية بحجم الموازنة السورية. وليس ذلك من باب «الحسد» طبعاً، إذ نتمنى لها أن تكون عشرة أضعافها حالياً، ولكن أخذاً بالإعتبار الحقائق الميدانية. كما أنه ليس معقولاً أن تكون الودائع والتسليفات المصرفية اللبنانية الداخلية 40 ـ 50 ضعف الودائع والتسليفات المصرفية السورية الداخلية، فمساحة سورية 13 ضعف مساحة لبنان، وعدد سكان سورية أربعة أضعاف عدد سكان لبنان، وسورية تنتج 34 مليون طن نفط، وتصدر أكثر من نصفها، وتنتج كميات كبيرة من الغاز والفوسفات، وتملك ثروة من خمسة عشر مليون رأس من الأغنام والأبقار، ومليون طن من القطن، وخمسة ملايين طن من الحبوب، ونصف مليون طن من الحمضيات، ومثلها من الزيتون، ومثلها من البطاطا، ومثلها من التفاح والفواكهة الأخرى، ولبنان يستورد كل حاجاته من هذه المنتجات ولايكتفي إلا من الخضار والفواكه. وتمتلك سورية قاعدة تحتية واسعة من المواصلات والمرافق والطاقة الكهربائية والمائية، وقاعدة صناعية واسعة في القطاعين العام والخاص، وأنظمة حكومية واسعة في قطاعي التعليم والصحة، وسدوداً وشبكات ري ضخمة وأراضي مستصلحة ومروية بعشرات أضعاف ما لدى لبنان، وتحصل على قروض ومساعدات دولية أكثر مما يحصل عليه لبنان، وتستورد بصورة رسمية وغير رسمية، مايعادل المستوردات اللبنانية تقريباً، وتصدر خمسة أضعاف الصادرات اللبنانية. وكما للبنان عاملون ورجال اعمال في الخارج لدى سوريا أيضاً مثلهم وأكثر، ويمتلكون مثلما يمتلك اللبنانيون من الأنشطة والأموال، ويستطيعون أن يحولوا مثلما يحول اللبنانيون من الأموال إلى الداخل.
بناء على ذلك كله، يفترض أن يكون الدخل القومي في سورية ضعفي ماهو عليه الآن في الحسابات القومية، على الأقل، ويفترض أن تكون الموازنة السورية ثلاثة أضعاف الموازنة الحالية، إيرادات ونفقات، وأن يكون مستوى الدخل والمعيشة ثلاثة أضعاف متوسطه الحالي، على الأقل!.
والمسألة ليست رجماً في الغيب، بل قراءة مباشرة للواقع والحقائق. والاستنتاج الرئيسي هو أننا نعاني من ضمور مصطنع وغير طبيعي في الوقائع، وضمور في البيانات، وأن على رأس مهمات «المشروع النهضي» الذي يكثر الحديث عنه معالجة أسباب هذا «الضمور»، وإطلاق العمل في جميع الإتجاهات لظهور الحجوم الحقيقية للطاقات الاقتصادية المادية والبشرية، بل وللطاقات الفكرية والعلمية، العقلية والعملية. والخطوة الأولى على طريق الألف ميل هذا هي بناء الثقة، ثقة الدولة بمواطنيها، ثقة الشعب بقدراته، وثقة الفرد بإمكانياته، وتشجيع التنافس الإيجابي الخلاق، والمبارزة في الإنجاز. والخطوة الثانية على هذا الطريق هي إقامة العلاقة المتقابلة بين الغنم والغرم، بين الأخذ والعطاء وبين الحقوق والالتزامات بين الدولة والمواطن، وبين الطبقات الاجتماعية المختلفة، لأنها تمثل الشرط الأول لبناء الثقة.
ومثلما تهتم المجتمعات الحديثة بالبحث عن النظام الانتخابي الذي يضمن أفضل تمثيل لشرائح المجتمع المتعددة، كذلك تهتم بإقناع المواطن بأن مايدفعه لخزينة الدولة ينفق في الأوجه التي تحظى برضى وقبول غالبية المجتمع الساحقة، المعبر عنها عبر ممثليه الحقيقيين، حتى أن المواطن السويدي الذي يعمل في الخارج دون أن تعرف الدولة عن دخله شيئاً يقوم بنفسه بتعبئة استمارة شهرية عن دخله الصحيح ويحسب الضريبة المستحقة عليه ويحولها إلى الجهات الوطنية المعنية، ليس خوفاً من الحساب القانوني، بل لأنه واثق من أن هذه الأموال ستعود عليه أضعافاً مضاعفة يوم يصبح في أمس الحاجة إليها، ولن تعاد إليه ضامرة متبخرة لكونها استنزفت أولاً بأول في غير موضعها الصحيح، وبدون عائد استثماري مناسب، لاعلى المجتمع، ولاعلى المساهمين.
وفي ألمانيا وغيرها لوحات ضوئية متحركة في الشوراع تعلن كل ساعة على مدار اليوم والسنة أرقام التحصيلات الضريبية والانفاق العام واوجه الإنفاق، بما لايترك حجة للمواطن للتهرب من واجباته، وحرصاً على استمرار تأييده للحزب الحاكم، لأن ساعة الحساب هناك آتية لاريب فيها، في الموعد المحدد للانتخابات القادمة، على اكثر تقدير.
إذن، يمكن، من خلال «الإصلاح البيئوي» للمناخ الاقتصادي والاجتماعي إظهار الطاقة الاقتصادية والمالية الحقيقية لسورية وهي أكبر مما تظهر الآن. وذلك ممكن من خلال خطة خمسية واحدة على الأكثر، تلتزم بها الدولة والمجتمع في عقد اجتماعي واضح الحقوق والواجبات.
6 ـ البعد التوزيعي، الاقليمي والقطاعي والاجتماعي، للموازنة العامة:
بما أن أرقام الايرادات والنفقات الحكومية لاتمثل غاية بذاتها، بل هي مجرد وسيلة لتحقيق غايات معينة، عامة وليست خاصة، فإن التوزع الاقليمي والقطاعي والاجتماعي لمصادر وحجوم الايرادات ولأوجه وحجوم النفقات يحتل أهمية كبيرة. فالدولة هي المؤسسة الاعتبارية للمجتمع، والحكومة هي الأداة التنفيذية لتحقيق سياسات وغايات الدولة والمجتمع، ومن المهم أن يتوزع جهدها التوزيع الكثر جدوى وعدالة بين مختلف مناطق البلاد ومجموعاتها السكانية. ومع التطورات الاقتصادية والاجتماعية تتغير محاور الجهد الحكومي بما يحافظ على الاستثمار الأكثر جدوى للطاقات والتوزيع الأعدل للإمكانيات والثمرات.
ففي الولايات المتحدة، مثلاً، كانت حصة الميزانية الاتحادية الأميركية من مجموع الميزانيات (الميزانية الفيدرالية + ميزانيات الولايات + ميزانيات المحليات) 23.1% وذلك حتى الحرب العالمية الأولى. بعد الحرب العالمية الثانية أصبح نصيب الميزانية الفيدرالية 86.4%، وذلك نتيجة تمركز الدخول التي تصب في الميزانية الفدرالية مع تمركز الاحتكارات والانتاج ورأسمال المال. وأصبحت الولايات والمحليات تعتمد بصورة متزايدة على الميزانية الفدرالية. ونتيجة الدعم الذي تتلقاه ميزانيات المحليات من الميزانية الفدرالية فقد ارتفع نصيبها من 36.4% عام 1950 حتى 43.9% عام 1964، وأصبح معدل نموها أعلى من معدل نمو الميزانية الفدرالية.
وفي بريطانيا ارتفع نصيب الميزانيات المحلية من إجمالي الميزانيات من 17.8% عام 1950 إلى 24.2% عام 1964، وفي إيطاليا من 22.8% إلى 25.4%، وفي اليابان من 13.6% حتى 35.4% خلال الفترة المذكورة.
وبموجب الاصلاح الضريبي الذي جرى في ألمانيا عام 1954 ركزت السلطات المركزية (الفدرالية) بيدها كامل الضرائب على الاستهلاك والتداول والضرائب على الدخل والملكية، وضريبة التركات والهبات. وبالمقابل تقدم الميزانية الفدرالية معونات للمحليات للانفاق على الجهاز الاداري، وعلى بناء الطرق، وعلى الشرطة وغير ذلك، وما يتبقى من عجز في ميزانيات المحليات يغطى بمعونة من الميزانية المركزية تحت اسم «المعونات من أجل المساواة».
بل إن «المعونات من أجل المساواة» أصبحت بنداً هاماً في ميزانية الاتحاد الأوروبي (الذي يشمل15 دولة أوروبية، وقد وافق على قبول دول جديدة من اوروبا الشرقية، وكذلك مالطا وقبرص للانضمام إلى عضويته في السنوات المقبلة). وتوزع ميزانية الاتحاد والتي تقارب 100 مليار دولار التي تتشكل مواردها بشكل أساسي من تجميع الرسوم الجمركية عن البضائع الداخلة من خارج الاتحاد الى جميع الدول الأعضاء بالإضافة إلى مساهمات من الدول الأغنى في الاتحاد، توزع المعونات للدول الأقل غنى، وللمناطق الأقل تطوراً في مختلف دول الاتحاد لتسريع نموها ولتحقيق نوع من التقارب في التطور والرفاه بين جميع المناطق وجميع السكان، وهي المسألة التي كانت تعتبر من أهم أهداف التطور الاشتراكي المخطط، والتي لم تتحقق على أرض الواقع الأمر الذي تسبب في تعميق تناقضات النظام الداخلية.
لقد حاولنا أن نستشف مثل هذه الوقائع والأهداف التوزيعية في سياساتنا وقوانيننا وتنظيماتنا الاقتصادية والمالية ومن خلال موازناتنا الجارية والانمائية في سورية فلم نتلمس مايشبه هذه الغايات والأهداف على أرض الواقع وفي الممارسة.
صحيح أن الانفاق الحكومي على الخدمات الاجتماعية كالتعليم والصحة، وعلى المرافق العامة، وكذلك الإنفاق الاستثماري الاداري والاقتصادي، يتوزع على جميع محافظات القطر والقطاعات الاقتصادية وفئات السكان، ويعتبر متاحاً لجميع المواطنين على قدم المساواة الاستفادة منه، إلا أن هذا التوزع ليس مبنياً على أي أساس علمي، ولاتسنده أو توجهه أية دراسات أو احصاءات جغرافية اقتصادية بشرية. أما الموازنة العامة للدولة فلايستخدم حتى الآن فيها التبويب الجغرافي، ناهيك عن انعدام الدراسات التي تبين آثارها على مختلف الطبقات أو سكان الريف والحضر أو فئات السكان حسب العمر، من حيث الإسهام في مواردها أو الاستفادة من بركاتها. وإذا كان ذلك جائزاً في القرن التاسع عشر، فلم يعد جائزاً في أواخر القرن العشرين، حيث أصبحت إعادة توزيع وتخصيص الموارد لتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية التنموية على رأس قائمة أهداف السياسة العامة.
وفي عصر المعلوماتية أصبح سهلاً ومتاحاً إجراء جميع التبويبات والتصانيف المطلوبة للميزانية بحيث توفر أرقاماً مفيدة وذات مضامين تحليلية هامة لايمكن للسلطات الرسمية والباحثين ومختلف التنظيمات المدنية العمل على أسس علمية بدونها.
إننا في سورية مازلنا نتعامل مع المؤشرات الاقتصادية الكلية والوسيطة، وهي، رغم أهميتها، أضعف المؤشرات دلالة وفائدة علمية وعملية. لنأخذ، مثلاً، الجدول التالي الذي يبين تطور الناتج المحلي الصافي ونصيب الفرد منه في سورية خلال أربعة وثلاثين عاماً (1963 ـ 1997، بأسعار 1995 الثابتة):
|
1997 |
1995 |
1990 |
1985 |
1980 |
1975 |
1970 |
1963 |
|
|
500 |
489.6 |
358.2 |
413.3 |
378.2 |
243.0 |
122.5 |
11.3.7 |
الناتج المحلي الصافي بتكلفة عوامل الانتاج (مليار ل.س) |
|
15100 |
14186 |
12116 |
10267 |
8704 |
7380 |
6257 |
4992 |
عدد السكان في منتصف العام (ألف نسمة) |
|
33.1 |
34.5 |
29.6 |
40.3 |
43.5 |
32.9 |
19.6 |
22.8 |
نصيب الفرد الواحد من الناتج الصافي (ألف ل.س) |
(المصدر : المجموعة الاحصائية السنوية 1998)
يبين الجدول أعلاه أنه بينما تضاعف الناتج المحلي الصافي بتكلفة عوامل الانتاج بأسعار 1995 الثابتة بمقدار 4.4 مرة خلال الفترة 1963 ـ 1997 فقد كانت الزيادة في نصيب الفرد من الناتج المحلي الصافي 46% فقط وذلك على مدى 34 عاماً. ويرجع الفرق بين زيادة الناتج المحلي الصافي وزيادة نصيب الفرد منه إلى تضاعف عدد السكان ثلاث مرات خلال الفترة. أما التباطؤ المريع في نمو نصيب الفرد من الناتج الصافي المحلي فيعبر عن انخفاض معدلات نمو الانتاجية والفعالية في الاقتصاد الوطني.
رغم اهمية هذه المؤشرات الكلية في الدلالة على الاتجاه العام للتطور وقياس معدله والكشف عن الاتجاهات غير المواتية في هذا التطور، إلا أنها تخفي عن أعيننا توزع هذا التطور جغرافياً واجتماعياً، وأسباب اختلاف هذا التوزع، ودور الدولة في الاتجاهات التي يتخذها هذا التوزع الجغرافي البشري من خلال سياساتها الاقتصادية والمالية، وبالأخص بواسطة الميزانية الحكومية.
كان من أهم آثار السياسات الاقتصادية والمالية في سورية في النصف الثاني من القرن العشرين إعادة توزيع السكان اقليمياً وقطاعياً في عملية حراك ديمغرافي واسع، من أبرز مظاهرها الهجرة من الريف إلى المدينة، ومن البلاد إلى الخارج، مما أدى إلى اختلافات هامة في معدلات نمو السكان وتوزعهم النسبي اقليمياً، وقد تقلبت هذه النسب صعوداً أو هبوطاً حسب مختلف المحافظات بين عقدي الستينات والسبعينات، من جهة، وعقدي الثمانينات والتسعينات، من جهة أخرى.
وفي بحث أجريناه بهذا الخصوص اكتشفنا أن المحافظات التي كانت تحقق أعلى معدلات نمو للسكان في العقدين الأولين (دمشق، طرطوس، اللاذقية، ريف دمشق، حلب) تراجعت عن مكانها في العقدين اللاحقين للمحافظات التي كانت تحقق أدنى معدلات النمو السكاني في العقدين الأولين (السويداء درعا، دير الزور، القنيطرة، حماه، ادلب) لتحقق هذه في العقدين اللاحقين أعلى معدلات نمو للسكان. لقد انقلبت العوامل الطاردة والعوامل الجاذبة أو المثبتة للسكان بين المحافظات خلال الفترتين المذكورتين. وقد اختلفت أسباب ونتائج هذه التغيرات، ما بين اعتبارها من الآثار الايجابية للسياسات الاقتصادية والمالية، أحياناً، ومن الآثار السلبية لهذه السياسات أحياناً أخرى.
المهم في الأمر هو ان هذه القضية الهامة ماتزال غائبة عن اهتمامات السياسة الاقتصادية والمالية، ويعتبر غيابها من أبرز مظاهر التطور العشوائي غير المخطط والسياسات والقرارات المرتجلة غير المبنية على أساس علمي مدروس، وغير المسترشدة بأهداف معللة واضحة.
في موازناتنا العامة، التي ترتبط فيها موازنات المحليات بالصوافي (مما ينتقص من مبدأ وحدة وشمول الموازنة العامة ويجعل أرقامها لاتعبر عن الحقائق المالية الجارية)، تظهر فوائض البلديات، والتي بلغت في الموازنة التقديرية لعام 1995 /2.4/ مليار ل.س وبلغ المحصل منها 1.9 مليار ل.س، هذا في الوقت الذي تحتاج فيه بلديات القرى والبلدات إلى دعم الموازنة لا إلى حرمانها من تلك الرسوم التي تجبيها من سكانها المحليين والذين هم في أمس الحاجة إلى انفاقها محلياً لتحسين ظروف حياتهم(*).
هنا، كما في التعامل مع شركات القطاع العام، كما سنرى، يظهر أثر العقلية الجبائية غير التنموية في إدارتنا المالية العامة.
إنه أحد أوجه عجز الممارسة الاقتصادية والمالية، والموازنة العامة، عن تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية المعلنة، هذا العجز الذي آن الأوان أن يسلط عليه الاهتمام لتحديد أسبابه وسبل معالجته.
7 ـ مبدأ «وحدة وشمول الموازنة» وإشكالاته:
في العام الحالي 1970 بدأ في سورية تطبيق الموازنة العامة الموحدة للدولة، طبقاً للقانون المالي الأساسي الصادر بالمرسوم رقم /92/ لعام 1967. فحتى ذلك التاريخ كانت الموازنة العامة تتوزع إلى عدة موازنات: الموازنة الجارية (العادية)، الموازنة الانمائية (الاستثمارية)، الموازنات الملحقة والمستقلة... الخ. ومع توسع سيطرة الدولة على الأنشطة الاقتصادية الرئيسة بنتيجة التأميم وخطط التنمية التي خصصت الدولة من خلالها ميزانيات إنمائية لتوسيع القطاع العام، وبنتيجة النهج الاشتراكي، فقد رأت الدولة آنذاك ضرورة الأخذ بمبدأ وحدة الموازنة العامة للدولة، وصدر القانون المالي الأساسي (بالاستعانة بخبرة الخبير الألماني الديمقراطي شنايدر) لتنتقل تجربة ألمانيا الديمقراطية آنذاك المالية إلى سوريا، ودون الأخذ بالاعتبار للفوارق الكبيرة بين اقتصاد البلدين. ففي ألمانيا الديمقراطية كانت الدولة مسيطرة سيطرة شبه كاملة على الاقتصاد حتى أن 75% تقريباً من موارد الموازنة العامة كانت تأتي من مصدر واحد هو فوائض المصانع، ليعاد توزيعها من خلال الموازنة قطاعياً واقليمياً واجتماعياً بما ينسجم مع أهداف وسياسات النظام الاشتراكي القائم آنذاك.
ورغم أن الاقتصاد السوري كان بعيداً عن هذه الصورة، فقد نقلت إليه التجربة الألمانية الشرقية بصورة شبه حرفية، بل، والمفارقة، أن تطبيقها بدأ عام 1970، أي مع بدء مرحلة جديدة ظهر فيها تخفيف التشدد في التطبيق الاشتراكي وبدء موجة من الانفتاحات الاقتصادية التدريجية على اقتصاد السوق. وفي التسعينات توسعت موجة الانفتاح الاقتصادي، ولكن، وللمفارقة أيضاً، ترافقت هذه المرة بتشدد بيرقراطي شكلي في التمسك بالتنظيمات الادارية والقانونية السابقة التي تتناقض في الروح والجوهر مع التوجهات الجديدة في الانتقال الى اقتصاد السوق وتقليص دور الدولة المباشر الاقتصادي واتساع القطاع الخاص وتقلص الانفاق الحكومي على توسيع القطاع العام. هذا في الوقت الذي كانت ألمانيا الديمقراطية قد أجرت في الثمانينات عدة اصلاحات أعطت فيها القطاع العام حريات أكبر واستقلالية أوسع في التصرف بموارده وقللت من مركزية الموازنة العامة.
إن الممارسة لدينا غالباً ما تحمل طابعاً انتقائياً، شخصانياً وذاتياً في فهم القانون وتطبيقه. يظهر ذلك في التشدد في فرض قواعد لا يتضمنها القانون في الأصل، بهذه الدرجة، وفي غض النظر أحياناً عن مخالفات صريحة وواضحة للقانون. تظهر هذه الانتقائية في التعامل مع أبرز ثلاث إشكاليات في القانون المالي الأساسي حول «وحدة وشمول الموازنة»: الإشكالية الأولى، هي في التعامل مع فوائض القطاع العام، وهنا تبدو المغالاة في سحب جميع هذه الفوائض وترك مؤسسات القطاع العام الاقتصادي تعتمد بصورة شبه كلية على اعتمادات الموازنة في الابدال والتجديد والتوسع الاستثماري، بل وحتى في انفاقها الجاري التشغيلي، حيث كانت تتوقف المعامل عن الانتاج لو انتهت الاعتمادات المخصصة لها لشراء المواد الأولية أو لدفع الأجور، وكأنها جهات ذات طابع إداري.
والاشكالية الثانية هي في إدارة صندوق الدين العام، والذي يعتبر، حسب القانون، مؤسسة عامة ذات طابع اقتصادي، لكنه عومل مثل مؤسسة ذات طابع إداري، بالإضافة إلى عدم قيامه بدوره الكامل، كإدارة مركزية وحيدة لإدارة الدين العام الداخلي والخارجي، وحتى اليوم مازال الدين العام مشتتاً ولاتوجد جهة حكومية واحدة قامت بإحصائه ومسك حساباته ودفاتره بشكل كامل، الأمر الذي يتناقض مع القانون الذي ينص على وحدة الموازنة من جهة وعلى اعطاء صندوق الدين العام صفة المؤسسة ذات الطابع الاقتصادي، التي تقوم بتحصيل موارد الدين وتستثمرها بالشكل الأنسب وتتولى سداد أقساط وفوائد الديون. ولقد خسرت البلاد مبالغ كبيرة بسبب هذا التشتت وضياع المسؤولية وسوء إدارة القروض وارتفاع تكاليفها وضياع الفرص الكثيرة.
والإشكالية الثالثة، وتتمثل في إدارة الصندوق المعدل للأسعار والذي أصبحت مدخلاته ومخرجاته تشكل أرقاماً ضخمة في إجمالي إيرادات ونفقات الموازنة العامة علماً بأن إيراداته تصب في الموازنة بينما نفقاته تستبعد منها، لقد أصبح مبدأ وحدة الموازنة في ظروف اقتصادنا وبيد ادارتنا المالية، بعد أن نقل من بيئة إلى بيئة غريبة، كالطاووس الذي أراد تقليد الدجاجة فنسي مشيته ولم يحسن التقليد، فما بقي من هذا المبدأ أصبح مفرغاً من محاسنه ومتشدداً في مساوئه. فالدين العام الذي يتطلب إدارة مركزية ذات كفاءة استثمارية عالية ترك سائباً بدون إدارة استثمارية، حتى أنه لا وجود في سورية حالياً لمن يستطيع تحديد هذا الدين، وقد يُعتمد في تحديده، عند الحاجة، على دفاتر ومستندات وادعاءات الدائنين الأجانب، أما بالنسبة للدين العام الداخلي، فقد استهلك المساهمات التقاعدية وفوائض صناديق التوفير وشهادات الاستثمار، بالاضافة إلى فوائض الموازنات (مايتبقى من الأرباح بعد اقتطاع الضريبة على الأرباح) وفوائض السيولة (الاهتلاكات) لجهات القطاع العام الاقتصادي، لتحرم جميع هذه المؤسسات الاقتصادية من إمكانية تسيير شؤونها المصيرية ومن الاستثمار العقلاني لمواردها استعداداً لأداء التزاماتها عند استحقاقها. وبينما مرت المؤسسات في فترة شبابها في مرحلة العطاء (مثل العاملين لديها) حيث كانت الصوافي التي تصب منها في الموازنة العامة للدولة متزايدة عاماً بعد عام، فقد بدأت ومنذ سنوات مرحلة الشيخوخة لتواجه المطاليب التي تفوق العائدات أو المساهمات، والتي لم تتحسب لها بالاستثمار العقلاني المنتج لهذه الفوائض من أجل الحفاظ على قيمتها ومضاعفتها لمستحقيها، كما يحصل في معظم دول العالم.
وهكذا يبرز سبب جديد لتضخيم العجز المالي في المرحلة الراهنة والمرحلة القادمة. فإذا كان المبرر التقليدي لتمويل التنمية بالإقتراض هو توزيع جزء من أعباء التنمية على الجيل القادم وعدم تحميله كاملاً للجيل الحالي الذي لايستمتع بكامل ثماره، فإن الاستهلاك الحاضر للايرادات الاستثمارية هو، على العكس، استهلاك للمستقبل من قبل الحاضر، ولحقوق الأجيال القادمة من قبل الأجيال الحاضرة.
ونجد حالة معاكسة بخصوص الصندوق المعدل للأسعار، والذي يشكل التعامل معه، انتقاصاً من وحدة الموازنة، إذ يجري استبعاد العجز التمويني لتظهر الموازنة وهي تكدس الفوائض سنة بعد أخرى على مدى التسعينات، وهي، على كل حال، فوائض ظاهرية تطمس عجوزات حقيقية، تبدو آثارها السلبية في الواقع الاقتصادي، على شكل ركود وبطالة وهجرة وانخفاض لسعر العملة الوطنية، وعجز في الميزان التجاري (حتى مع النفط، وعجز أكبر بدون النفط) وتباطؤ الاستثمار المنتج العام والخاص، وانخفاض الأجور الحقيقية ومستوى معيشة غالبية المواطنين، وانخفاض نسبة تشغيل الطاقات الانتاجية بسبب تراجع الطلب والاستهلاك.
إن جميع هذه الوقائع بحاجة إلى دراسات عميقة وشاملة للتوصل إلى تقديرات لها أقرب ماتكون إلى الواقع، وبحاجة إلى فتح باب النقاش الرسمي والاختصاصي والعام لتدارس أسبابها والسياسات المساعدة على معالجتها والخروج منها. وإذا كانت تكاليف السياسات والممارسات المؤدية إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الراهنة قد تراكمت، وإذا كانت فرصاً كثيراً لتوفير هذه التكاليف كانت متاحة وممكنة ولكنها ضاعت أو أهدرت تقصيراً أو عمداً أو جهلاً، فإنه ماتزال هناك، رغم كل ذلك، احتياطيات وامكانيات ظاهرة أو كامنة قابلة للتوظيف والتعبئة ومازال هناك فرص متاحة لتغيير اتجاهات بعض التطورات والتغيرات الاقتصادية غير المواتية وذلك لإطلاق موجة جديدة من التنمية والنمو والتقدم.
والمسألة بحاجة إلى وعي الواقع وعياً علمياً، يعترف بالحقائق أولاً، وشحذ الارادة، واتخاذ القرار الصحيح، وإيجاد الأدوات والوسائل والكوادر المناسبة لإنجاح تطبيق هذا القرار.
8 ـ مشكلة العجز التمويني وفروقات الأسعار، تحيزات وتحايلات:
إن تعامل الإدارة المالية مع حسابات الموازنة يعاني العديد من الانحيازات. فبالاضافة إلى إخراج العجز التمويني من الموازنة بحجة عدم مسؤولية «دولة وزارة المالية» عنه لتحميله الى «الدولة الأخرى» المسؤولة عنه باعتباره نتيجة قرارها السياسي، فاننا نرى كيف تتعامل وزارة المالية مع ما هي مسؤولة عنه (من ضمن المسؤولية الجماعية للحكومة عن القرارات التسعيرية) مثل تضخم إيرادات فروقات الأسعار. فما هو في صالح المالية تأخذ به وما هو في غير صالحها ترميه على الغير. ونضرب مثلاً آخر على هذه التحيزات. ففي الثمانينات، ونتيجة انخفاض سعر صرف الليرة السورية، وتثبيت الأجور رغم التضخم وارتفاع الأسعار، تضخمت الإعانات الحكومية حتى أصبحت تشكل العبء الأكبر بين النفقات الحكومية الجارية، وبالطبع كان هذا التضخم نتيجة الاختلالات السعرية الإدارية الطابع: التثبيت المصطنع لسعر الصرف، ولأسعار مستوردات ومنتجات القطاع العام، ولأسعار المشتروات الزراعية الحكومية، وأخيراً، وهو الأخطر للأجور، وذلك بما يتعارض مع الأصول الاقتصادية، حتى فقدت الحسابات القومية والمالية جزءاً هاماً من مصداقيتها في التعبير عن الوقائع الفعلية.
ولكن، ومنذ النصف الثاني من الثمانينات، أخذت الحكومة تقلص الاعانات والدعم عن طريق تخفيض عدد السلع وكمياتها المستفيدة من الدعم ورفع الأسعار التموينية لتتحول المؤسسات الحكومية من حالة خسارة إلى حالة الربح، ولكن ليظهر سبب آخر يضخم العجز التمويني مرة أخرى، وهو رفع أسعار شراء القمح، هذا العجز الذي عولج برفع أسعار الخبز المدعوم جزئياً، وبإبداع «خبز سياحي» فريد التسمية في العالم، يباع للمواطن بأسعار عالية تحقق لمرتكبي المخالفات التموينية من القطاع الخاص مداخيل أكثر من المداخيل التي تحققها الخزينة الحكومية من أسعار بيع الطحين «السياحي!» إلى المخابز الخاصة «السياحية». إنها رحمة الحكومة بشعبها أن تحوله إلى سائح، بالتهامه للخبز السياحي، وهو في بيته المستأجر «سياحياً» لمدة ستة أشهر فقط ودون مغادرته أرض وطنه موفرة عليه تكاليف السياحة ورذائلها في الخارج!
ولابد من التوقف عند مشكلة لانظن أن هناك ميزانيات حكومية أخرى في العالم تعاني منها مثلما تعاني ميزانياتنا، وهي مسألة التناقض بين الاسم والمسمى، والتي تقود إلى طمس أو تحوير جوهر الأمور. فإذا كان الدستور ينص على أنه «لاضريبة إلا بقانون»، فإن التحايلات على المسمى «ضريبة» تتزايد حتى أصبحت حصيلة «الضرائب بقانون» تقل كثيراً عن حصيلة «الضرائب بدون أو بخلاف القانون». وليست إيرادات فروقات الأسعار التي تظهر في بند «ايرادات مختلفة، أو إيرادات أخرى» إلا ضرائب على المبيعات في جوهر الأمر طالما تفرز وتجبى لصالح الخزينة مباشرة ولاتذهب إلى خزينة مؤسسات وجهات القطاع العام التي تنتج وتبيع هذه السلع. إن هذه الممارسة مخالفة للقانون وللمنطق الاقتصادي. ويجب تسوية هذه المخالفة بالعودة عن الأسعار الادارية والأخذ بالأسعار الاقتصادية (ولكن مع ضرورة تطبيق ذلك على تصحيح سعر أهم سلعة في السوق وهي قوة العمل، التي كان يفترض أن ترتفع أسعارها، أي الأجور والرواتب بما يمنع انخفاض قيمتها الحقيقية، أسوة بأسعار جميع السلع الأخرى التي سايرت التضخم) ثم تحويل فروقات الأسعار الى ضرائب، إما تجبى على السلع (ضرائب غير مباشرة)، أو تصب في ميزانيات جهات القطاع العام ومن هناك تعود إلى الميزانية مع فوائض القطاع العام من خلال ضريبة دخل الأرباح وفائض الموازنة وفائض السيولة، أو الفصل ما بين ما تحتويه فروقات الأسعار من عنصر ضريبي وماتحتويه من عنصر سعري (السعر الاقتصادي) وهذا هو الإصلاح الضروري الواجب الأخذ به قبل الحكم على نتائج أعمال جهات القطاع العام الاقتصادي وإداراته والعاملين فيه، وقبل التفكير بتطبيق الإدارة بالأهداف، لأن الشرط الأول لتطبيق هذه الإدارة هو الوصول إلى الأسعار الاقتصادية والأخذ باعتبارات السوق للفصل بين مسؤولية الادارة والعاملين وبين مسؤولية الجهات الخارجية عن نتائج أعمال المؤسسة.
9 ـ مصلحة الخزينة ومصلحة المواطن: جدلية التعارض والتكامل:
ظاهرياً وحسابياً لا تتحقق إحدى المصلحتين: مصلحة الخزينة ومصلحة المواطن إلا على حساب الأخرى.
ومهمة السياسة الاقتصادية والمالية أن تبرهن عكس ذلك، أي إمكانية وضرورة التكامل بين المصلحتين، فكيف تظهرجدلية التعارض والتكامل هذه في واقعنا؟.
إذا حسبنا ما تحمله المواطنون نتيجة جمع الزيادات التي حصلت في الضرائب غير المباشرة مع النقص في الإعانات والذي كانت آخر حصيلة إيجابية له (لصالح المواطن: أي الإعانات أكثر من الضرائب غير المباشرة) في عام 1985 وبمبلغ 919 مليون ليرة سورية، بينما انعكس الأمر بزيادات متسارعة منذ عام 1986، لغير صالح المواطن (زيادة الضرائب غير المباشرة + نقص الإعانات) كما تظهر الأرقام التالية:
|
زيادة الضرائب غير المباشرة + نقص الإعانات (مليون ليرة سورية) |
السنة |
|
190 5359 9149 13961 13745 20532 29405 40811 53046 61004 51413 54961 |
1986 1987 1988 1989 1990 1991 1992 1993 1994 1995 1996 1997 |
|
353576 مليون ليرة |
المجموع |
هكذا تبين الأرقام أعلاه خسارة المواطنين والمؤسسات وربح الخزينة من مجموع زيادات الضرائب غير المباشرة وتخفيض الإعانات والتي ارتفعت حصيلتها من 190 مليون ليرة سورية عام 1986 إلى 54961 مليون ليرة سورية عام 1997 لصالح الموازنة العامة للدولة.
إننا نؤيد الاصلاح السعري والضريبي الذي يزيل التشوهات الناتجة عن الضرب عرض الحائط باعتبارات السوق، والتكلفة الحقيقية، ولكن كما نؤكد باستمرار، يجب أن يشمل ذلك مداخيل العمل وأن لا يكون تحقيق المكاسب العامة للميزانية ومكاسب القطاع الخاص على حساب العمل، كما هو جار لدينا منذ أواسط الثمانينات وحتى اليوم.
إن وفراً أو فائضاً في الموازنة نتيجة إضافات سعرية في الشكل وضريبية في الجوهر مقابل زيادات اسمية للرواتب والأجور تخفي انخفاضات حقيقية بنسبة الثلثين على الأقل من قيمتها، وكذلك نتيجة تحميل المواطنين الزيادات المتسارعة في الضرائب غير المباشرة، بل الضرائب المباشرة التي تنعكس عليهم في نهاية المطاف، إضافة إلى تخلص الميزانية الحكومية من أعباء الإعانات، إن وفراً يتحقق بهذه الطريقة لا يستحق أن يكون مدعاة للتفاخر أو أن يصنف إنجازاً بأي شكل من الأشكال، بل يمثل فشلاً في السياسة الإقتصادية والمالية سلبي الأثر على النمو الإقتصادي وعلى مستوى معيشة الشعب، وستترجم، وقد بدأت تترجم فعلاً في السنوات الأخيرة تباطؤاً في النمو الاقتصادي، وانتقاصاً بالتالي من الايرادات المالية للخزينة وفي جميع دول العالم يعرف المسؤولون عن الادارة الاقتصادية جيداً الارتباط الطردي بين معدل النمو الاقتصادي ومعدل نمو الايرادات العامة المحلية، باستثناء ما هو حاصل لدينا، حيث يسود الاعتقاد بأنه يمكن اتباع سياسات اقتصادية تخفض معدل النمو، بل تجعله سلبياً، دون أن تتأثر جباية الموارد المحلية بذلك سلباً، بل مع امكانية الاستزادة منها باستمرار، وهذا ما أخذت البيانات المالية الفعلية تنقضه في السنوات الأخيرة، حيث أخذ الجفاف يدب فيها مع ميل الينابيع العامة والخاصة الخاضعة للضريبة إلى القحط، في الوقت الذي تزداد فيه المداخيل المعفاة قانونياً أو المستثناة شخصياً من الضريبة تضخماً وانتفاخاً، في حسابات في الخارج، طبعاً، لا في الداخل.
إن الإنجاز الحقيقي للسياسة المالية يكون عندما تستطيع الحكومة تحقيق الوفر، ودون تخفيض مستوى المعيشة، بل مع تحسينه. هكذا كان الاصلاح الرئيس في الموازنة العامة في بريطانيا عام 1996 التي تعاني من عجز متزايد، والذي قدمه حزب المحافظين للناخبين آنذاك آملاً أن يحول بذلك دون سقوطه في الانتخابات القادمة، هو تخفيض معدل الضريبة على الدخل في بريطانيا من 25 نقطة إلى 24 نقطة (24% من الدخل الخاضع للضريبة) مع الوعد بإيصاله إلى 20 نقطة في السنوات القادمة في حال الفوز في الانتخابات. إضافة لذلك فإن عبء هذا التخفيض الذي ستتحمله الموازنة، وكان يعادل 1.6 مليار جنيه، سيتحول بموجب تغييرات في بعض الضرائب بالارتفاع أو الانخفاض إلى مكاسب للشرائح ذات الدخل المتوسط والأدنى، محددة بكم من الجنيهات سيزيد دخل المتقاعد والمشتغل والمتزوج ورب الأسرة والطفل والعازب.... الخ، هذا مع زيادة التعويض العائلي عن الأطفال، ورفع الحد الأدنى من قيمة التركات المعفى من الضريبة من 154 ألف جنيه إلى 200 ألف جنيه والذي يوفر على المستفيدين حوالي 18.5 ألف جنيه كانت تذهب إلى الخزينة ومع رفع الحد الأدنى من الدخل السنوي المعفى من الضريبة إلى حوالي 8 آلاف جنيه استرليني.
وفي الموازنة التي قدمها مجلس الوزراء اللبناني إلى مجلس النواب قبل أسبوعين، والتي تعاني من عجز لا مثيل له تبلغ نسبته المخططة 40% (وذلك بعد أن بلغت 58% في الموازنة السابقة) قررت الحكومة تحقيق هذا «الوفر» (أي تخفيض العجز من 58% إلى 40%) ليس على حساب مداخيل العمل، وإنما من وراء إصلاحات ضريبية أخرى، بل مع زيادة الحد الأدنى من الرواتب والأجور ومداخيل العمل الأخرى المعفاة من الضريبة إلى 12 مليون ليرة لبنانية، أي 8آلاف دولار (420 ألف ليرة سورية سنوياً للمكلف الواحد)، هذا بالإضافة إلى التوسيع على ذوي الدخل المحدود في تخفيض الضرائب وزيادة نفقات عامة أخرى، مما يعود عليهم بآثار مالية إيجابية.
هذا هو ما يسمى بالسياسة الاقتصادية والمالية.
أما التمسك بجواب واحد لايحول ولا يزول على كل مطالبة بتخفيض الضرائب على ذوي الدخل المحدود أو بزيادة الرواتب والأجور (أي بالتوقف عن تحميل ذوي الدخل المحدود الأعباء المتزايدة والانخفاض المتزايد في أجورهم الحقيقية) بأنه «لا نفقة جديدة أو إلغاء لموارد قائمة قبل تأمين المورد الذي يغطيها». فيمثل خرقاً واضحاً لوحدة وشمولية الموازنة. فالموازنة ليست مجموعة انفاقات فردية يقابل كل منها مورد فردي محدد، وإنما كتلة ايرادات تقابل كتلة نفقات، تتحقق الموازنة النهائية بينهما بزيادة في عناصر وتخفيض في عناصر أخرى داخل كل من الكتلتين، وبإلغاء عناصر أو إضافة عناصر جديدة. أما تجميد العناصر هذه خمسين عاماً فهو ليس من السياسة الاقتصادية بشيء فمن الخطأ التمسك بحجة «لا نفقة جديدة بدون مورد جديد» حتى في مواجهة المطالبة برفع الحد الأدنى من الأجور المعفى من الضريبة من مستواه عام 1949 وهو 100 ليرة سورية إلى مستويات جديدة تتناسب مع تكلفة الحد الأدنى للمعيشة، كما رأينا في لبنان، مثلاً، (وقد جرى رفع الحد الأدنى المعفى من الضريبة من الأجور في مصر مرات متتالية مع ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة حتى أصبح يقارب 3500 ـ 4000 جنيه مصري سنوياً أي ما يزيد على مجموع الرواتب السنوية للموظف من حملة الشهادات الجامعية)، حتى وصل الأمر إلى إلغاء قانون بعد فوزه بالتصويت في مجلس الشعب، قبل عدة سنوات، رفع بموجبه الحد الأدنى المعفى من الضريبة من الراتب والأجر من 100 ل.س إلى 1000 ل.س، إن هذا الموقف يبرهن على غياب السياسة الاقتصادية الاجتماعية في القرار الاقتصادي. والأسئلة التي يرد بها على حجة أن (لا إلغاء لمورد إلا بعد توفير التغطية المالية) كثيرة وهي:
1 ـ ألا يعتبر 50 مليار ل.س، أي 38.5% من الايرادات الجارية عام 1995 وهي فروقات أسعار مستجدة خلال التسعينات يدفعها المواطنون سنوياً من دخلهم تغطية كافية ليس فقط لرفع الحد الأدنى المعفى من الضريبة من 100 ل.س إلى 1000 ل.س بل لإلغاء الضريبة على الرواتب والأجور كلياً، وذلك انطلاقاً من المبدأ الاقتصادي والضريبي الذي يفترض أن تؤخذ الضريبة من الفائض وليس من قيمة قوة العمل أي وسائل المعيشة الضرورية لحياة العامل وأفراد أسرته، ونحن نعلم أن خسارة الرواتب الحقيقية بسبب التضخم تفاقمت إلى درجة أصبح معها الأجر والراتب يقل بشكل ملموس عن قيمة قوة العمل، أي عن قيمة وسائل المعيشة الضرورية. فالضريبة التي تؤخذ من دخل العمل حالياً تؤخذ من دخل لا يؤمن الحاجات الضرورية للمعيشة وهل هناك مخالفة أكبر من هذه للقانون الاقتصادي الذي يحدد الأجر، هذا دون الحديث عن الجانب الاجتماعي والانساني؟.
2 ـ ألا تعتبر الموارد الإضافية التي تحققت للخزينة من زيادة الضرائب غير المباشرة وتخفيض الاعانات والتي فاقت الـ 54 مليار ليرة سورية عام 1997 سنوياً كافية أيضاً لتعويض خسارة الخزينة من إلغاء كامل الضريبة على دخل العمل، أو على حد أدنى من الدخل يغطي نفقات المعيشة الضرورية، يحدد رسمياً وبشكل متحرك سنوياً مع تغيرات الأسعار؟.
لقد آن الأوان لإعادة دراسة قائمة بنود الايرادات والنفقات، كل على انفراد، وككتلة كاملة، في نظامنا المالي، وإجراء إصلاحات جذرية شاملة عليها، بالغاء البعض منها والذي لم يعد يتناسب مع التطورات والتغيرات العميقة والواسعة في نظامنا الاقتصادي، وبزيادة البعض منها وتخفيض البعض الآخر، وبإنشاء موارد جديدة ما يزال الكثير منها ممكناً ولكنه متجاهلاً، جهلاً، أو عمداً وبإعادة النظر بتوزيع النفقات، التي تحمل الكثير من الهدر والضياع، وكل ذلك من منظور اقتصادي تنموي وإجتماعي إنساني بما يرفع كفاءة النظام المالي في تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية التي أصبح في تناقض واضح معها في كثير من الأحيان.
أليس مما يدعو للتساؤل مثلاً، كيف يتمسك الماليون في بلدنا بتعويض عائلي مقداره 25 ل.س للزوجة، وللطفل، بعد أن تضاعفت الأسعار أكثر من 50 مرة منذ إقرار هذا التعويض العائلي؟.
وفي الموازنة اللبنانية الحالية رفعت التعويضات العائلية، رغم العجز الهائل للميزانية، حتى يصل التعويض العائلي السنوي إلى حجم الحد الأدنى من الدخل المعفى من الضريبة، أي 8000 دولار سنوياً.
ونتساءل: ألا يمكن استخدام التعويض العائلي كأداة عقلانية لتنظيم طوعي للأسرة دون أية اجراءات لا إنسانية من نوع إلغاء التعويض العائلي كما هو متبع بالفعل، والذي لا يؤدي بالضرورة إلى تخفيض عدد الأطفال، وإنما فقط إلى تفاقم أعبائهم المادية وتخفيض مستوى معيشة أسرهم؟.
فبالإضافة إلى اقتراحنا بالغاء ضريبة دخل الرواتب والأجور عن الرواتب والأجور التي تقل عن الحد الضروري للمعيشة الذي يجب تحديده علمياً، يمكن تحريك التعويض العائلي ليتناسب إلى حد ما مع تكلفة إعاشة المعالين، وبشكل تنازلي، مع توقفه عند حد معين من الأطفال. وعلى سبيل المثال، ليكن التعويض العائلي، حسب تكاليف المعيشة حالياً، عن الطفل الأول 1000 ل.س شهرياً وعن الطفل الثاني 500 ل.س وعن الطفل الثالث 250 ل.س.
إن مثل هذه المعاملة للتعويض العائلي هي التي تدفع الزوج والزوجة إلى التفكير العقلاني بالحجم الأمثل للأسرة، بدلاً من وسائل الاكراه الاقتصادية الأخرى، اللاإنسانية. ومثل هذه الطريقة في زيادة الراتب إلى جانب رفع الحد الأدنى المعفى من الضريبة أفضل بكثير من الأسلوب المتبع حالياً في زيادة الرواتب والأجور لأنه يرتبط مباشرة بأهداف اجتماعية وإنسانية.
إن الطريقة التقليدية التي اتبعت حتى الآن لمعالجة انخفاض الرواتب والأجور وهي الزيادة الأسمية النقدية، التي تتبخر فعلياً، ما أن تعطى، أصبحت مقطوعة الصلة بالأهداف الاجتماعية ـ الإنسانية. ويمكن أن تعدل بالعودة إلى ربط دخل العمل بقيمة قوة العمل، أي بتكاليف المعيشة الضرورية، بل اللائقة، وبالأغراض الاجتماعية، مثل التعويض العائلي، وبالعوامل والحوافز الاقتصادية مثل إنتاجية العمل والربح.
هكذا، يكون الحديث في صلب السياسة الاقتصادية ـ الاجتماعية، وليس في الجباية المالية.
إن تسمية وتبويب الضرائب المباشرة وغير المباشرة كما هو متبع في تصنيفها حالياً يحتاج إلى إعادة نظرية جذرية بتحويل كل الايرادات ذات الجوهر الضريبي إلى ضرائب، والايرادات ذات الطبيعة السعرية إلى أسعار والتخلص من الأسماء الغريبة على حسابات الخزينة، مثل «مختلفة» و «أخرى» والتي يزيد مجموعها عن ربع الميزانية فقط لاغير.
سنكتشف بعد هذا الاصلاح أن العبء الضريبي (نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الاجمالي) في سورية ليس نصف ما هو عليه في الدول الأخرى (أي 13 ـ 15% مقابل 25 ـ 30% في الدول الأخرى)، كما نسمع ونقرأ باستمرار كحجة للمطالبة بزيادته. ذلك أن جوهر المسألة هو أنه لا وجود في الدول الأخرى لضرائب متخفية تحت «أسماء حركية» بل كل شيء ينادى باسمه.
وأول ما علمه الله لآدم هو الأسماء كلها، لكن أبناء آدم قاموا بخلط الأسماء ببعضها، تبريراً لمصالح معينة، وإبرازاً لإنجازات ما كانت لتبرز بدون هذا الخلط. السديمي.
وبتقدير أولي، نعتقد بأن العبء الضريبي الحقيقي في سورية، في حال تسوية الإشكال المذكور، سيسجل مستوى 25 نقطة، على الأقل، من الناتج المحلي الإجمالي.
ولا بد من التنبيه هنا إلى أن مؤشر العبء الضريبي يفقد مدلوله إذا لم يقرن بمؤشر الأجر الحقيقي، وذلك عند المقارنة بين بلد وآخر. فقد يترافق انخفاض المعدل الضريبي العام مع تخفيض الأجور الحقيقية في بلدما، بينما يترافق ارتفاع المعدل الضريبي العام مع ارتفاع الأجر الحقيقي في بلد آخر، وتكون الحالة الثانية أفضل من الحالة الأولى. ويشكل ذلك رداً على الذين لم يتعودوا ويصرون عن سابق علم ومعرفة، على فصل المؤشرات عن بعضها تبريراً لسياسات معينة ودون أن يجدوا، وللأسف، من يضع النقاط على الحروف ويعيد الأمور إلى نصابها الصحيح.
هكذا إذا دمجنا ما حصل من ارتفاع في الضرائب وفروقات الأسعار مع الانخفاض الذي تعرضت له الأجور الحقيقية والدعم خلال العقدين الأخيرين فسنجد بالتأكيد، أن العبء الضريبي في سورية مرتفع إلى حد كبير ولقد آن الأوان للقطع مع الأفكار والممارسات التي تتناقض مع العلم وحقائق الأمور.
الموازنة العامة وسياسات الانفاق والاستثمار والتسليف والقطع الأجنبي: الانجازات والعجوزات
الموازنة هي خطة أو برنامج عمل تقدمه الحكومة إلى مجلس الشعب، وإلى الشعب، تترجم السياسة الاقتصادية والاجتماعية الشاملة إلى أهداف سنوية رقمية، وليست مجرد برنامج عمل خاص بوزارة المالية يبين الكفاءة في إدارة صندوق بيت المال، وحسب! إن فعالية الموازنة لاتتقرر بذاتها فقط، بل ترتبط بأدوات التخطيط المالي الأخرى كسياسة التسليف وسياسة القطع الاجنبي، وتقاس بالنتائج الاقتصادية الاجتماعية وليس بالنتائج المالية فقط.
ونتساءل: ماهي التطورات التي شهدتها الموازنة العامة (الإيرادات والنفقات) وسياسة التسليف وسياسة القطع الأجنبي من خلال علاقتهما بسياسة الموازنة خلال العقود الأخيرة؟
1 ـ في جانب الإيرادات: كان التطور الأكبر ومنذ عام 1987 هو تضخم الايرادات النفطية مع تزايد انتاج النفط وارتفاع أسعاره في مطلع التسعينات وحتى عام 1997 مقارنة بأواسط الثمانينات. لكن خلط العائدات النفطية بالضرائب المباشرة (ضريبة الدخل) من أجل التأكيد سنوياً على التغيير الجذري في توزيع الضرائب «بالارتفاع المستمر للضرائب المباشرة بمعدلات تزيد عن معدلات نمو الضرائب غير المباشرة وهذا مايحقق العدالة الاجتماعية!!» إنما يشكل تحويراً للحقائق. يجب التراجع عن هذه الممارسة وإجراء فرز واضح يظهر في التقارير المالية التي تقدم إلى مجلس الشعب بتوزيع الضرائب المباشرة إلى ضريبة دخل أرباح الشركة السورية للنفط، وضريبة دخل أرباح جهات القطاع العام ذات الطابع الاقتصادي الأخرى، وضريبة دخل أرباح القطاع الخاص، حتى تظهر مصادر نمو الضرائب المباشرة الحقيقية. وبالطبع عندما يخرج الدخل النفطي جانباً سترتفع ارتفاعاً كبيراً الضرائب غير المباشرة مقارنة بالضرائب المباشرة، وستتضاعف الضرائب غير المباشرة كثيراً إذا أضفنا إليها فروقات الأسعار!
أما بالنسبة للفوائض الأخرى: فائض الميزانية، وفائض السيولة، فمازالت وزارة المالية تقطع حسابات جهات القطاع العام الاقتصادي على أساس الموازنات التخطيطية أي التقديرية، دون النظر إلى الميزانيات الختامية الفعلية، وهذا ما يخالف القانون المالي الأساسي مخالفة صريحة في مبدأ ارتباط جهات القطاع العام بالموازنة العامة بالصوافي، والذي يقضي بأن تأخذ الموازنة العامة حقها منها عندما تتوفر الايرادات الفعلية لديها وتقدم لها إعانة لتغطية العجز عندما تقع في العجز فعلياً.
فالصوافي لايمكن أن تكون تقديرية، وإنما فعلية، وهي ذات اتجاهين. لكن وزارة المالية تعاملت معها تقديرياً وباتجاه واحد: رفد الايرادات العامة بها، وعدم أخذها بالاعتبار عند العجز الذي يتطلب إعانتها في جانب النفقات العامة. وتقتصر إعانات الموازنة العامة على الجهات ذات الطابع الخدمي والاجتماعي دون المؤسسات الانتاجية.
وقد تجاوز التشدد الأحادي الاتجاه في الموازنة الموحدة لدينا النموذج الألماني الديمقراطي الذي جرى تقليده. ففي ألمانيا الديمقراطية، كان النظام المالي لديها يقضي بإبقاء 25% من الأرباح لدى المصانع وكانت نسبة هامة من الأرباح تصرف من قبل إدارة المصنع على الحاجات الاجتماعية للعاملين، كالسكن والغذاء والثقافة والترفيه... الخ، لكننا كنا ملكيين أكثر من الملك، إذ تسحب وزارة المالية لدينا ليس فقط الضرائب، بل مايتبقى من الربح بعد سحب الضرائب، كما تسحب اهتلاكات الابدال والتجديد (فائض السيولة)، حتى فقد العمل في مؤسساتنا العامة أي جاذبية معنوية، بعد أن فقد كلياً الجاذبية المادية بنتيجة تحطيم الأجور الحقيقية وبشكل خاص منذ النصف الأول من الثمانينات وحتى اليوم، كما فقدت إدارة المؤسسات الشروط الضرورية للإدارة الاقتصادية التي لاإدارة بدونها، والتي تتمتع بها المؤسسات الاقتصادية الخاصة، بل والمؤسسات العامة في البلدان الأخرى، وهي الالتزام بالأصول العلمية في تنفيذ التجديد والابدال في وسائل الانتاج حتى تحافظ على فعاليتها الاقتصادية وتواكب التطورات والطلب في الأسواق، وتخفض التكلفة وتزيد الانتاجية والربحية والأجور وتحسن النوعية باستمرار. وأصبح المسؤولون الاداريون في المؤسسات الاقتصادية، بالتالي، موظفين إداريين، منفذين للأوامر الوزارية وغير الوزارية، فاقدي المبادرة والاحساس بالمسؤولية عن نتائج أعمال المؤسسة. وبما أن العطالة والبطالة مفسدة، فقد انصرف الكثيرون منهم تدريجياً إلى «تدبير الرأس» والاعتناء بالمصالح الخاصة، مع تأمين التغطية الكاملة، بعدم تجاهل حصص من يوفرون لهم مثل هذه التغطية.
لقد أصبح هؤلاء الكثيرون وكلاء للغير نيابة، وعن أنفسهم أصالة، في إدارة المؤسسة العامة للصالح الخاص، وهذا ما أسميته في محاضرتي عام 1986: «الخاص في العام والعام في الخاص»!
حسب موازنة 1997، بلغت تقديرات الضرائب والرسوم 91760 مليون ل.س أي بزيادة عنها في موازنة عام 1996 (73238 مليون ل.س) بنسبة 24.74% في عام واحد (بعد زيادتها عام 1996 بنسبة 26.4% مقارنة بعام 1995)، ولم تكن عام 1985 سوى 10 مليار ل.س.
وإذا استثنينا الزيادة الحسابية والناتجة عن تعديل سعر صرف الدولار من 23 ل.س إلى 35 ل.س في عام 1997 التي بلغت 5455 مليون ليرة سورية، فان ما يتبقى من زيادات الضرائب والرسوم الفعلية في عام 1997 يصبح 17.3% ويقابله في الطرف الآخر انخفاض في الانفاق الحكومي بالقيمة الحقيقية بحيث يمكن القول أن حصيلة الطرفين في تخفيض المستوى المعاشي للسكان لاتقل عن 15% من هذا المستوى في عام واحد. وهذا ماينعكس بآثاره السلبية على النمو الاقتصادي العام في نهاية المطاف.
وفي الوقت نفسه بلغت زيادة الفوائض المقدر تحصيلها من القطاع العام لعام 1997 عن عام 1996 38% (ترتفع من 30256 مليون ليرة سورية إلى 41804 مليون ليرة سورية أي بمقدار 11548 مليون ليرة سورية) إن هذه الفوائض والتي تعتبرها الموازنات إيرادات جارية ليست في الحقيقة، بالنسبة للصناعة التحويلية على الأقل، إلا اقتطاعات من الأصول الراسمالية الإنتاجية!
إذن، يمكن القول أن الموازنة العامة لم تشهد أي تطور إيجابي حقيقي في الأداء والانجاز والتنظيم حيث يجب أن يحصل التطور. بالطبع جرى مضاعفة أعداد «المطارح الضريبية» بمعدلات كبيرة، ولكن من بين الفقراء غالباً، مع الاصرار على إعطاء الإعفاءات القانونية والاستثناءات الذاتية لأهم الايرادات والمطارح الضريبية وهو ما أفقد الموازنة العامة مستقبلاً أي امكانية لتوسيع ايراداتها، وضاعف شدة هجومها على المداخيل التي لا تؤمن مستوى المعيشة الضروري، بشكل جعلها سبباً رئيسياً، يضاف إلى الأسباب الأخرى، لارتفاع معدل الفقر والأزمات المعيشية.
وهنا يكمن عجز الموازنة الأكبر والأخطر، وليس فقط في الرصيد الحسابي، الرقمي، للموازنة، والذي بفضل «المخاتلات الحسابية»، مثل اخراج معظم العجز التمويني من الموازنات، وتضخيم «الايرادات المختلفة» (وهي الاسم الحركي «لفروقات الأسعار» التي تشكل بدورها الاسم الحركي للضرائب غير المباشرة، والتي ستتضاعف عند إضافة فروقات الأسعار هذه إليها!!)، وجمع الضرائب المتراكمة عن سنوات سابقة إلى الضرائب المستجدة (مما يظهر ارتفاعاً رقمياً في الضرائب المحصلة يخفي الخسائر الحقيقية الضخمة في القيمة الحقيقية للضرائب المتراكمة المحصلة، نتيجة التضخم وما يلحقها من «تفسخ طبيعي» أخلاقي ومادي بفعل عامل الزمن، وهنا كان المجال الأهم لتحقيق تطور تنظيمي واداري ومالي، لو أريد ذلك، ولكنه لم يتحقق، بل استمرت الفوضى والإبطاء، ليقال للمكلفين عند دراسة تكاليفهم من قبل لجان التحقيق بعد سنوات من تقديمهم الإقرارات الضريبية، يجب أن تدفعوا ضعفي أو خمسة أضعاف ما دفعتم عند تقديم الإقرار (وقد يكون ذلك حقاً) ولكن يفرض عليهم أن يدفعوا فوق هذا الحق «غرامة تأخير» وأرباح استثمار مفترض للمبلغ غير المحصل طيلة فترة التأخير. هكذا: المتسبب في التأخير يغرم غير المسؤول عن التأخير. وصدق المثل: «حاكمك ظالمك!»، وصدق الشاعر القائل: (من يملك «القانون» في أوطاننا هو الذي يملك حق عزفه).
2 ـ في جانب النفقات: نختصر ما قيل سابقاً: فالانفاق الجاري التقديري ينفق بفعالية يحسد عليها، حتى الليرة الأخيرة، وهنا فقط تظهر دقة التخطيط والتنفيذ: والكثيرون يتذكرون التعميمات والأوامر الحكومية التي كانت تعمم على جميع الجهات الإدارية والاقتصادية في كانون الأول والتي تحمل عبارات اللوم والتقريع للقائمين على هذه الجهات بسبب تقصيرهم في انجاز الانفاق الجاري المخطط، وهكذا يبدأ السباق الموسمي الدوري في النزول إلى الأسواق وتطبيق العقود الوهمية وشراء النفايات وعمل كل ما يمكن عمله «لتنفيذ خطة التنمية الحكومية» وحتى يحصل التطابق بين ما هو مخطط وما هو منفذ، في الانفاق الجاري حصراً!.
وهذا مع معرفة الجميع بأن هذا الانفاق يسمى «الانفاق غير الانتاجي» وأنه يشوبه الكثير من الهدر وإضاعة الموارد، وأنه كان يفضل أن يكافأ من يوفر أعلى نسبة من هذا الانفاق بدلاً من أن يحرض على إتمامه، ناهيك عن المناقلات التي تسحب مما هو ضروري ويحقق خدمات للمجتمع، والذي تتناقص قيمته الحقيقية في السنوات الأخيرة، ليغذي ما هو غير ضروري، ويحقق خدمات «نفسية» ومادية للبيروقراطيين المتنفذين، وحواشيهم ومن يلوذ بهم!
بالمقابل، فإن الانفاق الاستثماري الذي لايبدأ تنفيذه سنوياً حتى الشهر السابع (وهو هدف هام من أهداف تأخير الموازنة كما يبدو!) هو الذي يكافأ، باعتبار التقصير في تنفيذه يظهر على شكل «فائض» في رصيد الميزانية عند قطع الحسابات! هذا ناهيك عن توزيع هذا الانفاق الاستثماري، إذ يكاد هذا الانفاق ينحصر في إنشاء المشروعات الجديدة، والتي تناقصت إلى حد أصبحت معه نادرة جداً، ويهمل الاستبدال والتجديد ليوصل المشروعات القديمة إلى حالة «الخردة» مما يرخص من قيمتها مستقبلاً (عند التخصيص) للمخططين الذين يتربصون بها الدوائر. يضاف إلى ذلك، أنه منذ افتعال أزمة الكهرباء في بلدنا، هذه الأزمة الشهيرة عالمياً، والانفاق الاستثماري في قطاع الكهرباء لوحده يزيد عن ضعف (وبلغ في بعض السنوات ثلاثة أضعاف) الانفاق الاستثماري في كامل الصناعة التحويلية، بل ويزيد في بعض السنوات عن مجموع الانفاق الاستثماري في قطاعي الصناعة الاستخراجية والصناعة التحويلية. ولسنا بحاجة إلى القول هنا أن أكثر من ثلث الطاقة الكهربائية مهدور ومسروق ومضيع ولا توجد محاولات جادة للتخلص من هذا الهدر.
3 ـ أما بشأن علاقة الموازنة بخطة التسليف وخطة القطع، فنقول: أراحت واستراحت! ونقصد: الحكومة. فلا وجود لخطة تسليف، ولا لخطة قطع، على الأقل، منذ عام 1981، حيث وضعت خطة للقطع، للمرة الثانية والأخيرة.
فالمصرف الصناعي «في الثلاجة»، موارده المحددة التي تمنعه من التحول إلى مصرف استثمار وتنمية، وهو المعني الأول بالاستثمار والتنمية، نظرياً، جرى تسليفها في حينها، وأصبح قسم كبير منها غير قابل للرجوع. وبالطبع، ممنوع أن تظهر حسابات المصرف أرقام الديون المعدومة، أو المشكوك في تحصيلها!
أما المصرف الزراعي، وهو المصرف التنموي الثاني، فيقوم بشكل أساسي بالتسليف الموسمي، مما يضعف إلى حد كبير طابعه التنموي، وهو يخرج الديون المعدومة، أو المتأخرة والمشكوك في تحصيلها، بقرارات إدارية من إجمالي التسليفات الواجبة التحصيل ليقول في تقريره السنوي «إن نسبة التحصيل 98% وهي أعلى نسبة تحققها المصارف الزراعية في العالم!»، وحتى لاتظهر الحسابات أيضاً الديون المعدومة أو المشكوك في تحصيلها!
أما مصرف التسليف الشعبي، فموارده من ودائع التوفير، وشهادات الاستثمار، وكذلك صندوق توفير البريد الذي تتشكل موارده من ودائع التوفير لصغار المدخرين عادة، ويفترض أن توظف في خدمة الطبقات الشعبية الدنيا والوسطى. وبالفعل يقوم مصرف التسليف الشعبي بتوفير القروض لأصحاب المهن والموظفين والعمال، والتي يغلب عليها الطابع الاستهلاكي بسبب انخفاض مداخيلهم وعجزهم الدائم، ومع ذلك فهؤلاء الذين لاتقبل رواتبهم وتعويضاتهم المتراكمة ضمانة للقرض، بل يحتاجون إلى كفيلين آخرين للحصول على القرض (40 ألف ل.س كحد أقصى) هم الذين يدفعون على قروضهم التافهة أعلى الفوائد في سورية. هذا في الوقت الذي فتحت فيه خزائن المصرف ذات مرة لفترة محددة (مثل فترات دفع البدل النقدي سابقاً) ليستفيد منها عشرة مستثمرين على أساس القانون 10، قروضاً بمئات الملايين من مصرف التسليف الشعبي وبالفوائد التي تقل حتى عن الفوائد الفعلية التي يدفعها الموظفون على قروضهم. ومنذ أيام صدر قرار وزاري جديد يفتح خزائن صندوق توفير البريد (أكثر من 15 مليار ل.س) (والتي كانت تصب فوائضها في خزينة الدولة) وذلك لإعطاء القروض لأعضاء «الشركة المشتركة» من مستثمري القانون 10 وشركائهم البيروقراطيين، فقط لاغير!.
ونتساءل: مقابل ماذا منح القانون 10 الاعفاءات الجمركية والضريبية والسماح بالاستيراد بخلاف أنظمة الاستيراد المطبقة على العموم لهؤلاء المستثمرين إذا لم يكن مقابل قيامهم بإدخال القطع الأجنبي من الخارج واستثمار أموالهم الخاصة في التنمية في الداخل، على الأقل حتى وضع المشروع في مرحلة الانتاج، قبل أن يطلبوا القروض المصرفية. وإذا لم يفعلوا ذلك فلماذا لايدفعون الجمارك والضرائب والفوائد العادلة على القروض أسوة بغيرهم ويعودوا مواطنين خاضعين للقانون، لاخارجين عليه أو مخرجين منه؟.
أما المصرف العقاري، والذي تتشكل موارده من حسابات شركات القطاع العام الإنشائية والتعاونيات السكنية وإدخارات المواطنين الراغبين في الحصول على القروض السكنية فإن نسبة تسليفاته إلى موجوداته منخفضة جداً، ويبقى الفائض من موجوداته عاطلاً عن الاستثمار رغم أنه يدفع الفوائد عليها! وهذه الأموال تواجه بأكبر طلب على الإقتراض من الجمهور، بسبب الحاجة الماسة للمواطنين إلى السكن، والسكن مبني ومتوفر بمئات آلاف المساكن الجاهزة الفارغة التي لاتجد من يشتريها أو يستأجرها، وتحولت إلى رأسمال اجتماعي وخاص مجمد قيمته أكثر من عشرة مليارات من الدولارات، مما أدى إلى ركود شديد بسبب علاقة القطاع العقاري الواسعة بمختلف الأنشطة الاقتصادية، والذي عادة ماتبدأ في البلدان الأخرى عملية تنشيط الاقتصاد وإخراجه من الركود من تنشيطه، وتستخدم مؤشرات النمو فيه كأحد المؤشرات الهامة على النمو أو الركود الاقتصادي العام.
وأما المصرف التجاري السوري فهو أقرب إلى المؤسسة الادارية منه إلى المصرف، مما يجعل مشكلاته الناتجة عن الادوار المكلف بأدائها من قبل الحكومة هي الأكبر والأخطر. وتكفي نظرة إجمالية بسيطة إلى موارده واستثماراته: فتوظيفاته الداخلية تمثل تسليفاً للقطاع التجاري بشكل أساسي، ذو طابع قصير الأجل وغير تنموي، ويذهب القسم الأعظم منها لمؤسسات القطاع العام التي تدفعها موسمياً ثمناً للمحاصيل الزراعية بالدرجة الأولى، والتي تتضخم عاماً بعد عام مثل كرة الثلج دون أن يعرف أحد مصيرها النهائي، بل دون أن يتساءل أحد عن مبررات تضخيم هذه المدفوعات في الأساس بقرارات رفع أسعار بعض المحاصيل بما لايراعي الأسس الاقتصادية السليمة وإنما يعمل على تخريب مليون هكتار من المراعي بعد ان تستنزف مليارات الأمتار المكعبة سنوياً من المياه العذبة في قلب البادية! وإذا نظرنا إلى توظيفات المصارف التجارية الأخرى، نجد أن ودائع المصرف بالقطع الأجنبي في الخارج وقد زادت في نهاية 1998 عن 250 مليار ل.س (حوالي 5.5 مليار دولار)، تزيد عن نصف إجمالي توظيفات المصرف، وإذا أخرجنا التزامات المؤسسات الحكومية المتراكمة تجاه المصرف من بين الموجودات فسنجد أن التوظيفات الخارجية هذه ستزيد كثيراً عن إجمالي الموجودات الحقيقية المتجددة من ودائع ومؤونات وغيرها.
ونتساءل: أي سياسة مصرفية وأي سياسة تسليف هذه؟
فكما ندعم أسعار القمح المصدر للمستهلك الأجنبي، فكذلك ندعم سياسات التسليف والاستثمار للبلدان الأخرى، ونهمل كلياً توظيف مدخراتنا في خدمة التنمية في الداخل. لاشك أن تحقيق هذه الاحتياطيات يمثل إنجازاً بحد ذاته، ولكن هذا لاينفي السؤال عن الاستثمار الأمثل الممكن لهذه الاحتياطيات في الخارج (حيث تحصل على الحد الأدنى من معدلات الفائدة وليس الحد الممكن والمتاح والمتعامل به في الخارج أي أن هناك فارقاً في سعر الفائدة لايعرف مآله) أو الاستثمار البديل في الداخل للاحتياطيات التي تجاوز المستوى الضروري.
وإذا كان معدل الفائدة السلبي (بسبب انخفاضه عن معدل التضخم) على مدى العقود الماضية، بخلاف ماتقتضيه أبسط قواعد السياسة النقدية، أدى إلى انصراف الكثيرين عن إيداع أموالهم في المصارف المحلية واستثمارها بدلاً عن ذلك في المضاربات العقارية أو الذهب والعملات الأجنبية، أو غير ذلك من الاستثمارات التي لاتحمل طابعاً تنموياً، وبالأحرى استثمارها في الخارج. وكان مانعاً لدخول أموال السوريين العاملين في الخارج إلا بما يغطي حاجاتهم الضرورية في الداخل، فإننا نشهد مؤخراً، مع التقارب بين معدلات الفائدة الثابتة وبين معدل التضخم وبعد إعفاء الودائع المصرفية من ضريبة التركات مؤخراً تزايداً في الودائع المصرفية. وستكون نتيجة ذلك زيادة الضغط على المصارف لإيجاد أشكال استثمار متطورة ديناميكية بعوائد مجزية لهذه الأموال تغطي تكاليفها وتحقق فوائض على تكاليفها هذا الضغط الذي لم تعانيه المصارف في السابق بسبب معدل الفائدة السلبي، وإن لم تستفد آنذاك من الفارق بين معدل الفائدة ومعدل التضخم لأنها مقيدة الحركة بالأوامر الادارية، بل كان المستفيد الأكبر من ذلك الفارق هو المقترضون الخواص، (أصحاب الخطوة!).
إن المصارف تواجه اليوم إذن متطلبات خطيرة ولم يعد أمامها «فترة سماح» من أجل تطوير نفسها إدارياً وتنظيمياً وتقانياً، وتطوير بنية موجوداتها ومطاليبها، والارتقاء إلى المستوى العصري.
وأما خطة القطع، فقد رأينا أنه تحقق إنجاز كمي لابأس به. فالاحتياطيات في المصرف التجاري والمصرف المركزي تغطي الواردات لأكثر من عام ونصف، أو لعشرين شهراً. وهو معدل مرتفع نسبياً. إلا أن ذلك لم يكن نتيجة خطة علمية لادارة القطع الأجنبي وإنما نتيجة قرارات كثيرة يحكمها هاجس واحد وهو تجميع القطع، من موارد الدولة ومؤسساتها، أو إجبار الأفراد على توريد القطع للدولة (وبسبب سياسات سعر الصرف وغيرها تنعدم موارد القطع الاختيارية!)، بل ومن وراء بيع منتجات وطنية بالقطع الأجنبي، لمنتجين أو لمستهلكين في الداخل ربما لم يخرجوا يوماً خارج الحدود وليس لهم أية موارد من القطع الأجنبي! وهذا في ظل المرسوم 24 الذي يعاقب بالسجن 15 عاماً وغير ذلك من عقوبات لمن يتعامل بالقطع الأجنبي شراءً أو بيعاً بخلاف القانون! فالحكومة وحدها تملك «حق» مخالفة القانون، أو إجبار المواطن على مخالفة القانون، لتعاقبه على هذه المخالفة وفق القانون انتقائياً أو حسب الصدفة!
وهنا نسأل: في جميع دول العالم يعتبر المصرف المركزي هو المسؤول عن ادارة القطع الاجنبي وسياسة الاحتياطي واستثماره، فلماذا نقلت هذه المهمة عندنا إلى المصرف التجاري السوري؟ وماهي السياسة المتبعة في استثمار مايزيد عن 350 مليار ل.س في الخارج (للمصرف التجاري والمصرف المركزي)؟ هل هو مبلغ تافه حتى لايثير اهتمام أحد؟ ونتساءل: لماذا لاتستخدم عوائد هذا الاستثمار على الأقل لتغذية موارد الموازنة الاستثمارية؟
إن مجموع الإنفاق بالقطع الجنبي في الموازنة السنوية للدولة يكاد لايزيد عن العوائد المفترضة للأموال في الخارج. ومع ذلك فإن الحكومة مصممة على عدم استخدام موارد القطع الجديدة في تغطية الحاجة إلى القطع الأجنبي على توقيف المشروعات حتى تصل «التحويلات» من الخارج، وعلى ترك مهمة اجتذاب القطع الجنبي وسد الطلب عليه إلى السوق السوداء، وحصر دور المصارف في «لملمة» القطع الإجباري بسعر يقل بضع ليرات عن سعر السوق، من أجل تجميعه في حسابات خارجية، وذلك بعد استخدام الموارد المالية المحلية لشراء هذا القطع مما يؤدي إلى زيادة الاختناقات التنموية نتيجة قطع الدورة الاقتصادية الداخلية، وبالتالي تحقيق الركود الاقتصادي المزمن والمتزايد. إضافة إلى أن مثل هذه «العقلية» تحرم المصارف السورية من مليارات الليرات السورية من الأرباح التي تذهب إلى مصارف خارجية يلجأ إليها السوريون، مجبرين، مطرودين بقرارات حكومية من أجل عملياتهم المصرفية.
لقد أمست الحاجة بالغة الالحاح لإعادة الدورة الاقتصادية الكاملة في اقتصادنا الوطني وضخ الدم في شراينيه وتنشيطه من جديد. ومثل هذه المهمة لايمكن أن ترمى على كتف القطاع الخاص وحده ولا الاستثمار الخارجي في أي بلد في العالم، لأن تصرف هؤلاء يأتي لاحقاً لتصرف الدولة وليس سابقاً. إنها مهمة الدولة وسياستها الاقتصادية، أي مهمة الموازنة العامة، والجهاز المصرفي، وبكلمة أخرى: السياسة المالية، السياسة النقدية، سياسة التسليف وسياسة القطع.
إن الحاجة ماسة لربط هذه السياسات ببعضها، وبشمولها، مع غيرها من السياسات، في سياسة تنموية اقتصادية اجتماعية شاملة واضحة المعالم والأهداف والوسائل والأدوات؟
في «التحليل المالي» للموازنة العامة للدولة
ـ نسبة الموازنة الى الناتج المحلي الإجمالي:
بالنسبة للموازنة التقديرية: الايرادات المحلية التقديرية تعادل نسبة 20% تقريباً من الناتج. النفقات التقديرية تعادل نسبة 30% تقريباً من الناتج.
ملاحظة: إننا مضطرون لإعطاء نسب تقريبية، أولاً، بسبب احتساب الدولار بسعر صرف مخفض، وثانياً، بسبب عدم ادخال القسم الأكبر من العجز التمويني في النفقات، وتصمت الموازنة وتقرير الموازنة عن ذكر أرقامه!!، وثالثاً: لوجود إيرادات ونفقات خارج الموازنة أيضاً، ورابعاً: لأن الموازنة لاتشير إلى إيرادات ونفقات الإدارات المحلية، وهي تساهم في تشكيل النسبة العامة، وخامساً، يلاحظ تجاهل عوامل هامة مثل انخفاض أسعار النفط وأثره على الموازنة التقديرية، وكأنه لم يكن، مما يقلل من مصداقية وواقعية التقديرات.
ونعتقد أنه، للأسباب المذكورة أعلاه، وفي حال تلافي هذه الأسباب، يمكن أن ترتفع نسبة الايرادات إلى 30% والنفقات الى 40% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي جميع الأحوال، تبقى النسب أقل مما هو عليه في العديد من البلدان التي تلعب فيها الدولة دوراً اقتصادياً هاماً، حتى ولو كان بصورة غير مباشرة من خلال السياسة الاقتصادية، وتحمل فيها الدولة مسؤوليات اجتماعية هامة أيضاً.
بالنسبة للميزانية الفعلية (قطع الحسابات):
ـ ترتفع الإيرادات المحلية الفعلية إلى حوالي ربع الناتج المحلي الاجمالي بسبب من ارتفاع التحصيلات الضريبية الفعلية عن التحصيلات المقدرة. [وهنا يبرز التساؤل الجوهري: لماذا لاتجاري التحصيلات المقدرة التحصيلات المتوقعة، وذلك بعد استمرار ارتفاع التحصيلات الفعلية عن المقدرة لعدة سنوات متتالية؟ لماذا التعمد المزمن في تخفيض التحصيلات المقدرة؟]
ـ تنخفض النفقات المحلية الفعلية (الاستثمارية منها تحديداً) لتشكل حوالي ربع الناتج المحلي الاجمالي، أي يكاد يتعادل طرفا الميزانية الفعلية، حسابياً فقط! إذ تضعف قابلية أرقام الميزانية أيضاً للتحليل بسبب سعر الصرف الحسابي المستخدم، وعدم ادخال العجز التمويني، أو كامل الايرادات والنفقات في الميزانية، وعدم دقة أرقام قطع الحسابات، وعدم حساب الايرادات والنفقات الفعلية للإدارة المحلية والتي يجب أن تؤخذ بالاعتبار في التحليل المالي، وإن كان القانون يربطها بالميزانية بالصوافي. وهناك تحفظات هامة أخرى مثل عدم ادخال عائدات الاستثمارات الخارجية في العائدات الاستثمارية، وعدم احتساب العبء الكامل للدين الخارجي المستحق... الخ.
إن الأسباب المذكورة أعلاه جميعاً تؤكد الضرورة البالغة لما ذهبنا إليه وهو وجوب قيام (جهة مستقلة) بمراجعة الميزانيات وتحليلها وتقويمها من ناحية النتائج والأداء والتوافق مع القوانين والأنظمة وأصول المحاسبة، وبالمساهمة في اقتراح الموازنات التقديرية على أسس صحيحة بحيث لاتتكرر الأخطاء والمخالفات السابقة. وتتقدم هذه الجهة المستقلة عن وزارة المالية بتقرير مستقل الى مجلس الشعب عند مناقشة تقرير الوزارة عن قطع الحسابات حتى تتبين ملاحظات المراجعين والمدققين والمحللين على الميزانية ويستطيع أعضاء مجلس الشعب مناقشتها، وهم لايملكون الامكانية للقيام بدور المراجع والمدقق والمحلل، وليس هذا الدور من وظيفتهم بالضرورة.
إننا، في الحقيقة، أمام موازنات تقديرية وميزانيات فعلية، تعج بالمخالفات القانونية والمحاسبية ولاتعكس الموقف المالي الحقيقي للدولة لامن حيث الايرادات ولا من حيث النفقات، وبالأحرى من حيث الفائض أو العجز. المهم، هو تمريرها في مجلس الشعب، وهذه مسألة في غاية البساطة، وتلقائية، كما أثبتت التجربة، رغم 50 خطاباً على الأقل في نقدها بشدة!.
ـ العبء الضريبي وتوزيع الضرائب:
نعيد القول أنه بتخليص الميزانية العامة من (الأسماء الحركية) وتسمية كل الايراردات والنفقات بأسمائها التي تتطابق مع جوهرها وطبيعتها، فإن العبء الضريبي سيتضاعف على الأقل (من 13% إلى 25% وأكثر من الناتج المحلي الاجمالي) وسيقارب مستواه في الدول مرتفعة العبء الضريبي، ويزيد من ارتفاعه أن العبء الضريبي على المواطن سيكون أكبر بكثير، أي ضعف العبء الضريبي العام بالنسبة للناتج المحلي، بسبب انخفاض نصيب مداخيل العمل الى النصف وارتفاع نصيب مداخيل اللاعمل إلى الضعف من الناتج المحلي الاجمالي خلال السنوات العشر الأخيرة فقط.
أما توزيع الضرائب الى مباشرة وغير مباشرة فيجب قبل احتساب نسبها إخراج النفط من الضرائب المباشرة، وادخال فروقات الأسعار في الضرائب غير المباشرة، وكذلك جزء هام من ايرادات بدل خدمات الدولة، وعند ذلك سنكتشف أن الضرائب غير المباشرة، رغم تضاؤل الرسوم الجمركية فيها، تعادل مرتين أو ثلاث مرات الضرائب المباشرة.
وتسقط أمام الأرقام دعوى «تحقيق العدالة الاجتماعية الضريبية» لتنقلب إلى عكسها تماماً!
فإذا ما علمنا أن معدل نمو الحصلية الضريبية في سنوات التسعينات كان دائماً أعلى وبنسبة ملموسة من معدل نمو الدخل القومي (في عامي 1996 و 1997، مثلاً، بلغ أربعة أضعاف معدل نمو الدخل القومي)، وإذا أضفنا الانحياز الطبقي في التحصيل الضريبي ضد الطبقات الوسطى والدنيا ولصالح أصحاب الدخل غير المحدود، وغير محدد المصدر، فإننا نستطيع تخمين الأثر السلبي للممارسة الضريبية على النمو الاقتصادي وعلى مستوى المعيشة العام.
ـ الطابع الانمائي للموازنة العامة:
يحتل التأكيد على الطابع الانمائي مكاناً بارزاً في خطاب الموازنة، بإبراز الارتفاع المستمر لنسبة الانفاق الانمائي التقديري فيها، حتى تجاوز في السنتن الأخيرتين الانفاق الجاري. وهنا لابد من ملاحظتين: أولاً، إن هذا الخطاب والأرقام التي يستند إليها لايكلف شيئاً، طالما أن العمل بالموازنة يبدأ بعد منتصف العام، رغم مافي ذلك من مخالفة دائمة للدستور والقانون. فالمهم هو الانفاق الانمائي الفعلي الذي كان على مدى السنوات الماضية يقل بنسبة هامة عن التقديرات (20 ـ 40%) مما ضاعف من فترة إنجاز المشروعات أو ألغلى الكثير من المشروعات فعلياً، بحيث أن أي مراجعة لقائمة المشروعات في كل موازنة ستبين تمديد فترات انجازها باستمرارها، ونقلها وترحيلها الى الموازنة اللاحقة، الأمر الذي يجعل ماينفق عليها هدراً في النتيجة يستوجب إعادة تخصيص الاعتمادات لنفس النسبة من الانجاز.
ثانياً، ليس الرقم الاسمي للانفاق هو المهم، حتى ولو أنفق بكامله، بل قيمته الفعلية، أي بالأسعار الثابتة، ليصبح قابلاً للمقارنة عبر السنوات. وبالقيمة الفعلية هناك هبوط مربع ومتلاحق للانفاق الاستثماري اعتباراً من أواسط الثمانينات، ماعدا بعض سنوات مطلع التسعينات، دون أن يبلغ مستواه في النصف الأول من الثمانينات. والنتائج هي مانراها على الأرض في مختلف جوانب التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
هذا إضافة إلى الاختلال في توزيع الإنفاق الانمائي والذي أخذ ينصب على قطاع الكهرباء وهو قطاع هام ولكنه يدخل في الخدمات الانتاجية وليس الانتاج المباشرة، فما الفائدة من نمو قطاع الكهرباء في الوقت الذي يتراجع فيه نمو الصناعة التحويلية بكاملها؟
ولابد من ملاحظة هامة حول الإنفاق الانمائي تتعلق بدوره في إحداث تغيرات نوعية إيجابية في البنية الانتاجية. فهل استطاع الانفاق الانمائي اطلاق فروع انتاج طليعية وإنشاء محاور تنمية متقدمة تتجاوز المحاور التقليدية التي أصبحت عاجزة عن تحقيق قيم مضافة ملموسة، وبالأحرى دخول الأسواق الخارجية، العربية والعالمية؟ فبأي تخصصات إذن ندخل تقسيم العمل الدولي القائم حالياً والمستقبلي؟
وفي الحقيقة، إننا لانستطيع أن نستشف وجود هذه التوجهات حتى في مخيلة القائمين على الادارة الاقتصادية، وبالأحرى المالية، ناهيك عن إيجادها على الأرض.
وحتى في الانتاجات التقليدية التي نختص بها كالزراعة والصناعة النسيجية والغذائية والجلدية، مثلاً، فإن انتاجاتنا وطرقنا الفنية لم تعد تجاري العصر أو تستطيع المنافسة لامن حيث التكلفة ولامن حيث النوعية.
وهنا نكتشف أن محاور التنمية الحديثة المتقدمة لا يمكن ولوجها بالعشوائية والقدرية، وبالأحرى، بالخطابية، وإنما بالاستراتيجية والسياسات الاقتصادية والمالية، وبالتخطيط العلمي والتنفيذ الجاد، وكل ذلك مفقود، مفقود، مفقود!
بخصوص الإنفاق الجاري: وهناالطامة الكبرى! إذ باستثناء بند الرواتب والأجور الذي يجري مطابقته على الليرة والقرش، مع «تسقيفه» بسقوف «بلوكوسية» ضد الصواريخ المطلبية، فإن معظم أوجه الانفاق الجاري الأخرى تمر عبر «خِرج مثقوب»، وكأنه لاضابط لها، ولا قانون في البلاد ولامن يحزنون(*) (بل كثيرون هم الذين يحزنون!). وهذه الأشكال المنفلتة من الإنفاق هي التي يجري فيها التنفيذ الكامل لما هو مخطط، من الناحية الرقمية الظاهرية، والتجاوز الفعلي لما هو مخطط، من خلال المناقلات، وأبواب أخرى، مما يضاعف الحاجة الى مراجع حسابات مستقل، ومخول، يبحث عنها في السراديب المظلمة، وما أكثرها!
وبعد، فأي تحليل مالي يمكننا القيام به اعتماداً على مابين أيدينا من موازنات وقطوع حسابات؟ وأي علم ينفع؟
استراتيجيا «المخاتلات» الاقتصادية
جميع جوانب الحياة الاجتماعية، إلا الجانب الاقتصادي، تحتمل المخاتلة، أي الازدواجية أو اللعب على الحيال. في الاقتصاد تنكشف المخاتلة بسرعة، ولكن تكون كلفتها عالية جداً، وتترك ذيولها على المدى الطويل في واقعنا، بعد ان كانت المخاتلات اجرائية، ارتقت الى مستوى السياسة الاقتصادية. وأصبحت الآن تحكمنا «استراتيجيا المخاتلات الاقتصادية»؛ وهي تتضمن في داخلها ما هو اجرائي وماهو سياسة واستراتيجيا معاً بحيث يصعب الفصل بينها، وهذه بعض الأمثلة:
1 ـ التمسك لفظياً بالتنمية المخططة والقطاع العام، في الوقت الذي لم نعد نخطط شيئاً، وانجزنا تخصيص، على الأقل، نصف وظائف الدولة الاقتصادية السابقة، من تجارة خارجية وانتاج وتوزيع أعمال مصرفية وأنشطة قطع أجنبي وخدمات بالاضافة إلى «التخصيص الضمني» (وهو المصطلح الذي مضى على اطلاقه من قبلي خمسة عشر عاماً والذي يعني شفط القيمة من موازنة الدولة ومؤسساتها ومن مداخيل عمل العاملين وجيوب المستهلكين لإعادة توزيع الحصيلة على جيوب محددة). هذا. مع التمسك اللفظي حتى العظم بالملكية الحقوقية للقطاع العام مع التهديد بإقامة الحد الشرعي على كل يد تمتد إلى القطاع العام والمال العام، والذي، على أي حال، لم تقطع بسببه يد واحدة حتى الآن!
2 ـ التمسك بالاعفاء الكامل للقطاع الزراعي من الضرائب منذ الاستقلال (بعد أن كان الاستعمار الفرنسي يقييم الحواجز عند مداخل المدن ليتقاضى الرسوم على المنتجات الزراعية قبل وصولها الى السوق)، وفي أواخر الثمانينات مضاعفة أسعار المنتجات الزراعية التي تشتريها الدولة عدة مرات تحت عنوان دعم الزراعة، وبالمقابل تسلط وبقرارات حكومية الأيدي المخربة على الزراعة لتملأ الفراغ الناشيء عن تراجع الدولة عن الكثير من واجباتها تجاهها بعد الإفساد المكثف لدورها في توفير مستلزمات الزراعة من بذور وأسمدة وأدوية وآلات وأدوات، حتى أصبحت الزراعة القطاع الأكثر تعرضاً للنهب والاستغلال، ثم يفرض على الانتاج الزراعي عند دخوله التصنيع ضريبة انتاج زراعي ترفع تكلفة المنتجات المصنعة منه على المستهلك وتجعلها صعبة التصدير، بينما يجب الانتقال من الموقف المطلق إلى الموقف النسبي عبر سياسة تمايزية في التعامل مع الاعفاء الضريبي ومع الدعم يؤمن للزراعة الاستقرار ويمنع نهبها وغشها من قبل النشطاء الفاسدين.
3 ـ التمسك بالاحتكار الحكومي للنشاط المصرفي والتأميني وعدم السماح، قانوناً، للقطاع الخاص بانشاء مؤسسات مصرفية وتأمينية خاصة، وبالأحرى عدم السماح للمصارف والشركات الأجنبية بالدخول رسمياً إلى سورية، بينما يجري على أرض الواقع منع المصارف من أداء الوظائف المصرفية الأساسية كاستقبال الودائع المصرفية، بفعل سياسة الفائدة التي كانت تقل كثيراً عن معدل التضخم، وبسبب صعوبات التعامل مع المصارف والتي لم تطور أساليب عملها، كما يجري منع المصارف من القيام بالتسليف للأنشطة الاقتصادية على أسس سليمة وواضحة، ومنعها من الاشراف على حركة القطع بحيث تمر جميع موارد القطع للسوريين واستخداماته من خلالها قدر الامكان، وطرد السوريين، وبالتالي، بقرارات رسمية مع نقودهم السورية والاجنبية، ليتعاملوا من خارج الحدود مع بعضهم، أو للاحتفاظ بها في الخارج.
4 ـ تسجيع المستثمرين باعفاءات واستثناءات لا مثيل لها في العالم، حسب قرار المجلس السياحي الأعلى 186، والمرسوم 10 لعام 1986 للشركات الزراعية المشتركة، والقانون 10 لعام 1991 لتشجيع الاستثمار، والاعفاءات السابقة واللاحقة، وذلك بحجة استقدام الأموال من الخارج، ثم تكثيف العقبات والمعوقات، الروتينية والبيرقراطية وغالباً الأخلاقية المسلكية التي يصطدم بها المستثمرون الجادون منهم، حتى لايبقى إلا الذين يرفضون استثمار أموالهم الخاصة مهما توفرت، وإنما فقط يعتمدون إما على أموال الشعب، كشركات النقل، وأما على أموال المصارف الحكومية، فأموال مصرف التسليف الشعبي وأخيراً صندوق توفير البريد والمصرف التجاري أو الصناعي أو العقاري، وبالتالي معاقبة المستثمرين الجادين والاستثمارات الانتاجية الحقيقية باعطاء الاحتكار والحماية للمستثمرين الطامعين فقط في حصيلة مكاسب الامتيازات والاستثناءات، أي في حقوق الدولة والشعب.
ـ المعارضة الحادة لإنشاء سوق للأوراق المالية بحجة حماية «الاقتصاد الاشتراكي» من الرأسمالية والمضاربة، ودعوة السوريين بتصريحات رسمية للذهاب إلى بورصة بيروت، وذلك حتى لاتظهر الأسعار الحقيقية لأسهم بعض الشركات المساهمة السورية والتي تحولت الى «مزارع» خاصة ليس المهيمنون عليها مضطرين للإفصاح عن أعمالهم ونتائجها للجمهور، وحتى للمساهمين، والابقاء على تداول أسهمها بأسعار يحددونها هم في مكاتبهم الخاصة.
ـ خصخصة الكثير من وظائف المؤسسات العامة الاقتصادية، مع المحافظة على الديكور الشكلي الخارجي للقطاع العام، حتى لاتظهر التحولات للملأ وتبقى تجري تحت سطح الأرض، ولكن مع تحميل الاقتصاد والمجتمع تكاليف هذه الازدواجية، أو المخاتلة، الباهظة. وقد وصل التخصيص الضمني، وحتى الظاهري الى البريد والهاتف، بعد شركة اللحوم وشركة الخضار والفواكه، وشركات الإنشاءات العامة (العقود من الباطن)، ومؤسسات التجارة الخارجية، والأنشطة المصرفية (جامعوا الأموال، والصرافون، والمصارف الخارجية) حتى تغلغلت بشكل غير ظاهر المصارف وشركات التأمين الخارجية، والهاتف انتقال والانترنت الى الداخل، من وراء ظهر الحكومة، أو من أمام عينها. وهكذا ضاعت حقوق للخزينة تقدر بعشرات مليارات الليرات السورية بفعل التخصيص المجاني، ومئات المليارات في التخصيص الضمني.
ـ التمسك بأعلى معدلات للرسوم الجمركية في العالم مع توسيع أبواب التهريب والتهرب منها. والذي يشارك بحصيلته المتمسكون المتشددون بعد أن تتضاعف حصيلته بفضل التمسك والتشدد «المبدأي» الذي يمارسونه، مع الإكثار من الثغرات في الجدار الجمركي الذي توزع الى قطع وفتات، مثل الابقاء على حساب الرسوم الجمركية على سعر صرف الدولار الرسمي 11.25 (الخيوط المستوردة يصبح رسمها الجمركي الحقيقي 1.5% بدلاً من 6.5% على الدولار الجمركي 11.25 ل.س، وذلك مقابل 15% في لبنان، مثلاً) بحجة الحيلولة دون ارتفاع الأسعار، علماً بأنه لاأحد في سورية يراقب الأسعار، ومايضيع على الدولة يتضاعف في جيوب محددة ولايذهب إلى العامة.
وتخفيض الرسم الجمركي على المواد الأولية مع الحفاظ عليها بالغة الارتفاع على المواد المصنعة، لكي يتبع ذلك توسيع تعريف المواد الأولية بحيث تتحول المواد المصنعة بمعظمها عند دخول الجمارك إلى مواد أولية شيه معفاة من الجمارك، حتى على سعر الدولار الرسمي، ولتباع هذه المنتجات في نهاية المطاف إلى السمتهلك المحلي بنوعياتها المتدنية بأسعار وأرباح احتكارية محمية من أي منافسة لا سعرية ولا نوعية، ومع كل التجاوزات في مجال السلامة والوقاية والصحة بل والمنشأ غير المعروف!.
والنتيجة هي انخفاض ايراد الموازنة من الرسوم الجمركية مع متمماتها مثل رسوم التجارة الخارجية ورسوم الاحصاء ورسوم استيراد أجهزة الراديو إلى أقل من 15 مليار ل.س (300 مليون دولار)، أي أقل من ربع ايرادات الخزينة اللبنانية على نفس الحجم تقريباً من الواردات، رغم الارتفاع الكبير في معدلات الرسوم الجمركية السورية عن مثيلاتها اللبنانية. وللتذكير فقط، كانت الرسوم الجمركية مع عائدات مؤسسة التبغ تشكل 50% من ايرادات الموازنة في الخمسينات، ولم تعد تشكل اليوم معاً أكثر من 7 ـ 8% وهكذا تكون وزارة المالية وهي الأكثر عناداً في معارضة دخول سورية إلى الغات بحجة خسارة الرسوم الجمركية بسبب دخول الغات، هي الأكثر تفريطاً في الموارد الجمركية، إذ أن نسبة الرسوم الجمركية إلى إجمالي الواردات لا تتجاوز 5 ـ 6% بينما في دول الخليج النفطية، وهي التي تتقاضى أدنى الرسوم الجمركية في العالم، تبلغ النسبة العامة 7% بالمتوسط، وفي لبنان 15 ـ 20%.
إن المخاتلة الجمركية تعتبر المخاتلة الأكبر بين مخاتلاتنا الاقتصادية.
ـ المحافظة على بعض السلع الأساسية المدعومة، المستوردة كالرز والشاي والسكر، والمحلية كالخبز، مع التحايل عليها بتخفيض كمياتها المدعومة كثيراً وتردي نوعياتها، واجبار المواطن على الانطراف عنها إلى بدائلها الخاصة المستوردة أو المحلية، «الخبز السياحي»، وذلك لتمرير عملية رفع الأسعار تسللاً دون الاضطرار إلى رفع الأجور الحقيقية بعد انخفاضها بنسبة الثلثين خلال عقد ونصف العقد من الزمن، أي الاستيلاء على المتممات العينية للأجور النقدية، إضافة إلى رفع أسعار السلع المحلية بنسب عالية، بحيث أن حصيلة هذين المصدرين للشفط من مداخيل الجماهير فاقت الآن في العام الواحد ضعف مجموع الأجور والرواتب في الموازنة العامة.
ـ التمسك ظاهرياً بالأسعار التموينية والتي أصبحت تتحدد احتكارياً من قبل المنتج والبائع دون تدخل فعلي من قبل وزارة التموين اللهم باستثناء منح هذه الأسعار الاحتكارية شرعية قانونية شكلية ليكون المستهلك المجبر على الخضوع لها ضحية مؤامرة مشتركة تمارسها وزارة التموين مع المنتجين والبائعين الخواص، واستخدام أسعار القطاع العام (بعد رفعها بشكل لا اقتصادي مما جعلها باباً واسعاً للشفط من المال العام) كغطاء لرفع أسعار القطاع الخاص دون ارتباط بأي معايير للتكلفة أو أي علاقة بين العرض والطلب، وبالأحرى أي مواصفات نوعية. وهنا نتساءل: كيف استطاعت وزارة المالية «اصطياد» 54 مليار ليرة سورية فروقات ارتفاع أسعار منتجات من القطاع العام، ولم تطرف عينها إلى ارتفاعات أسعار أكثر بكثير من ذلك لدى القطاع الخاص، وتحقق أرباحاً تبلغ أحياناً 200 ـ 300% بسبب رفع الدولار الجمركي، وفتح باب الاستيراد عبر ثقوب تحافظ على «موسم قطاف زبدة» الأرباح الاحتكارية العالية للمستفيدين حصراً من الفتح، ولمدة أشهر طويلة...
وكلنا يعلم أن ليرة واحدة من هذه المداخيل الاحتكارية الناتجة عن فروقات أسعار لم تدخل الميزانية!.
ـ «ترشيد» الاستيراد بربطه بمجموعة من التربيطات، مثل الكوتا، والاستيراد بتسهيلات ائتمانية، والمقايضة، والاستيراد بقطع التصدير، والاستيراد للمغتربين، بصحبة مسافر... الخ بحيث يصبح السماح استثناءاً والمنع قاعدة وحلت القرارات المكتبية ذاتية الطابع محل السياسة العامة، مما ألغى دور الدولة في توجيه الاستيراد الذي دخل منه عن طريق التهريب على مدى سنوات طويلة وما زال مستمراًأكثر مما دخل منه عبر البوابات الرسمية ثم الانتقال إلى فتح أبوابه عبر الثقوب المتصلة حتى لا يستبيح ساحته «كل من هب ودب!»حتى لاتنخفض سماكة الأرباح الاحتكارية لذوي الحظوة (أو الخطوة!) فيه.
إن تربيطات الاستيراد لم توفر على البلاد أية موارد ولم ترشد أي استيراد، لكنها استخدمت لإعادة توزيع الدخل، إذ دفع الاقتصاد الوطني، بمنتجيه ومستهلكيه، ومازال يدفع «خوة» لقبضايات وشطار القطع الأجنبي ورخص المغتربين ولأصحاب «الكوتا» (المخصصات) مبالغ طائلة أدت إلى تكثيف الشفط ومضاعفة تكاليف الانتاج والمعيشة وتحطيم الأجور ورفع معدلات التضخم وتعظيم الطبقة الطفيلية «للشركة المشتركة» التي تتربص بجماهير الشعب الدوائر، وتغذية المصارف الخارجية بأموالها المشفوطة من جيوب الدولة والجماهير، وأصبحت بالنتيجة «أمة الدولار»، في مواجهة «أمة الليرة السورية»على جبهة عريضة في معركة مفتوحة من السياسات والقرارات.
ـ منع السوريين من العمل وسطاء للشركات الأجنبية في العقود التي تجريها الدولة، لكي يتحول هؤلاء من العمل فوق الأرض إلى العمل تحت الأرض، حيث أمكنهم في العتمة مضاعفة تكاليف العقود الحكومية، وبالتالي عمولاتهم، مع التهرب من التزاماتهم الضريبية والتعاقدية.
ـ إعطاء الامتيازات والاستثناءات والاعفاءات بحجة التشجيع على الاستثمار والانتاج، وإذ بالشطار يكتفون بحصاد المكاسب من المتاجرة أساساً برخص الامتيازات والاستثناءات والاعفاءات، أي بما كان حقوقاً للدولة والشعب وجرى تخصيصه لهم قانوناً. وكانت تكلفة هذه «المخاتلة» على الدولة والشعب عشرات مليارات الليرات السورية التي ذهبت إلى جيوب خاصة محددة.
ـ إعلان الساحل وشواطئ البحيرات والأنهار بعرض يتراوح بين 500 متر و3000 متر بقانون صدر منذ ربع قرن، ملكاً للدولة يتحدد أسلوب استثماره لاحقاً (ولم يتحدد حتى الآن). ولا يجوز التصرف فيه من قبل الأفراد بأي شكل من أشكال التصرف، ثم إدارة الظهر لهذه الملكية وتعطيل استثمارها المنظم حتى امتلأت بالإشغالات «الهمجية» وسادها الاستثمار الواقعي الخاص غير المنظم المتخلف المدمر، ولم تفق الدولة ولن تفيق على خطورة هذه الخسارة للملكية العامة التي نتجت عن قصورها في القيام بدورها التنظيمي، والأمر نفسه حصل في أحواض جميع المدن، كما في أطراف مدينة دمشق وغوطتها الغناء، حتى وصل الأمر إلى درجة يستحيل معها الإصلاح. والسبب هو انشغال البيروقراطية بالإشباع المرضي لشهواتها الذاتية عن الادارة العلمية المخططة لبناء وطن حضاري معاصر.
ويفكر اللبنانيون هذه الأيام بسد عجز الموازنة العامة اللبنانية من خلال استعادة الدولة لأملاكها العامة المستغلة من قبل الخواص، بينما لم يخطر ذلك في بال أحد لدينا بعد.
ولماذا نتوقع مثل هذه «الخواطر» المزعجة مادام المعتدون على أهم الأملاك العامة هم «الأقدر على حمايتها» من اعتداء الشعب عليها، ومادامت الموازنة العامة تغص بالبحبوحة والفوائض التي لم تعد مستودعات المصارف تتسع لخزنها كما يقول الرسميون.
ـ التمسك بالتعليم الرسمي، ما قبل الجامعي والجامعي، المجاني، والذي يعتبر في أصله وجوهره من أهم المكاسب الجماهيرية، ولكنه الذي أصبحت كلفته بسبب التردي النوعي أكثر من فائدته للجماهير. فالمتعلمون يتحملون تكاليف تردي المستوى والمضمون، وتراجع مؤهلات المدرسين والوسائل التعليمية والكتب المدرسية والجامعية، وقطع الصلة بين التعليم والعلم والتطور العلمي والتقاني، مما جعل التعليم تجهيلاً بصورة متزايدة، وجعل ارتفاع نسبة الانفاق على التعليم في المرحلتين إلى أكثر من 20% من الانفاق الحكومي يحمل هدراً كبيراً للمال العام من حيث المآل والثمرات، وبالطبع،لاتشكل زيادة هذا الانفاق لوحدها سبباً كافياً لرفع مستوى التعليم وتحسين مخرجاته وإنما يحتاج الأمر علاجاً شاملاً، حتى لا يستمر الاتجاه المتسارع الراهن إلى «التخصيص الضمني» للتعليم، والذي تنفق فيه موارد في الداخل أو في الدول المجاورة والخارج أكثر من كل ما تنفقه الدولة على التعليم، ويستمر الإصرار على عدم رؤية حقائق الأمور وايجاد الحلول العقلانية لها التي توفر الهدر في الخارج والداخل وترفع انتاجية الانفاق العام والخاص على التعليم وتطلق التفكير العلمي والتجربة العلمية في الحياة العامة.
ويستمر الإصرار على انفاق حتى الميزانيات الشحيحة المخصصة للبحث العلمي على كل ما لاعلاقة له بالعلم والبحث العلمي والعلماء والباحثين الحقيقيين، على المظاهر الاعلانية الادعائية الفارغة من الضمون.
ـ تستمر القناعة التي لا تتزعزع لدى الادارة الحكومية بأن نجاحها المتقطع النظير في التخفيض المستمر للأجور الحقيقية يشكل مكسباً صافياً للسياسة الاقتصادية التي تنتهجها، دون محاولة رؤية تكاليف العطالة والعقم والبطالة المقنعة وهروب الكفاءات من العمل العام الاداري والاقتصادي وتكاليف دوران اليد العاملة بنسبة 20 ـ 25% سنوياً في القطاع العام، وقيمة الطاقات الانتاجية المادية والبشرية المهدورة بدون تشغيل انتاجي أو بأدنى مردودية بسبب «هاجس التوفير» والذي لا نرى له أثراً، بل نراه ينقلب إلى «هاجس التبذير» عند التعامل مع الخارج، أو في الداخل مع جميع أنواع الانفاق الأخرى باستثناء الأجور.
ويستمر التخفي في مواجهة أي مطلب لتحسين الأجور وراء الادعاء بعدم توفر التغطية المالية له في الوقت الذي استطاعت فيه الحكومة تجميع 350 مليار ل.س في الخارج، وتكديس «الوفورات» السنوية الضخمة (حسب حسابات الموازنات) منذ مطلع التسعينات، بينما تخفي بالمقابل زيادات الضرائب غير المباشرة وفروقات الأسعار تحت أسماء حركية مختلفة والتي يتحمل تكاليفها أصحاب الرواتب والأجور وعامة أفراد الشعب منن المستهلكين.
ـ انقلاب أرصدة الموازين العامة للاقتصاد الوطني، كالموازنة العامة للدولة والميزان التجاري وميزان المدفوعات أو ميزانيات الجهات العامة ذات الطابع الاقتصادي، من حالة العجز المتزايد المرتفع حتى أواخر الثمانينات إلى حالة «الفائض» المتزايد المرتفع منذ أواخر الثمانينات.
إن الطريقة التي اتبعت في تنفيذ اتفاقية المدفوعات مع الاتحاد السوفييتي (والتي لا تخلو من طابع المساهمة المتبادلة للجهات الاقتصادية السوفيتية والسورية في تخريب كل منهما اقتصاد الآخر) كانت حصيلتها توزيع 70 مليار ليرة سورية خلال خمس سنوات على «المصدرين الشطار» من النقد المطبوع حديثاً، الأمر الذي كان له (بالإضافة إلى سياسة الأسعار الزراعية، والتسبب في الإنفاق، ودعم أنشطة جامعي الأموال «التنموية» للإجهاز على ما تبقى من مدخرات الجماهير) الدور الأكبر في تخفيض سعر صرف الليرة السورية في السوق من 8 ل.س عام 1984 إلى 50 ل.س عام 1990، وتخفيض الأجور الحقيقية بنسبة الثلثين، وتقويض الانفاق الاستثماري الانتاجي العام والخاص. وفي جوهر الأمر، ما أظهره الميزان التجاري وميزان المدفوعات على أنه فوائض ضخمة بسبب التصدير للاتحاد السوفييتي كان في جوهره استيراداً أو عجزاً متخفياً.
أما ميزان المدفوعات فإنه، باعتقادنا، لا يفصح تماماً عن التحويلات من القطع الأجنبي إلى الداخل والتي تحرم المصارف من استقبالها لتطرد إلى أيدي «أصحاب الحظوة» ليضعوها بدورهم «في خدمة التنمية» فتستخدم في تغطية قيم الواردات بتسهيلات ائتمانية كاذبة، أو بقطع تصدير كاذب، أو المستوردات بأسماء المغتربين المزعومين، مما يرفع أكلاف الانتاج وأسعار المستهلكين بسبب هذه المخاتلات بنسبة 20% على الأقل. وهنا يبرز التساؤل: مادام استيراد القطاع الخاص يجري بقطع التصدير في غالبيته، (مما أدى إلى تضخيم مصطنع لأرقام الصادرات خلق وهماً كاذباً بارتفاع الصادرات وتوازن الميزان التجاري)، فكيف يستطيع القطاع الخاص بصادرات لا تزيد عن ربع مستورداته تغطية هذه المستوردات؟ وكم تبلغ أرباح «عرق جبين» «الشركة المشتركة» المتاجرة بقطع التصدير؟ وبالأحرى كم هي الحصيلة السلبية للإعاقة الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن هذه المخاتلات؟.
أما ميزانيات جهات القطاع العام وكيف يجري تطبيقها فتستأهل بحثاً خاصاً بها قدر ما هي منقطعة الصلة بالحقائق تخضع للمساومات المتبادلة بين ادارات هذه الجهات والادارة المالية العامة، هذه المساومات التي دخلتها أدوات الفساد والرشوة للوصول إلى الحلول التوفيقية بالأحرى «التلفيقية» في كثير من الأحيان، تماماً كما يجري لدى دراسة ميزانيات مؤسسات القطاع الخاص بين أصحاب هذه المؤسسات والادارات المالية.
وبعد فلن يكون بالامكان الانتهاء من جرد مكونات «استراتيجيا المخاتلات الاقتصادية» والتي يسود الاعتقاد الحكومي بجدواها أولاً، وبأنها تنطلي على عقول المعنيين والواقعين تحت تأثيرها ثانياً. لكن الاقتصاد، وحده، من بين جميع جوانب الحياة البشرية، لا يتحمل «المخاتلة» ولا تنطلي على الفاعلين الاقتصاديين بأي درجة، حتى إن علماء الاقتصادي أطلقوا صفة «الإنسان الإقتصادي» على عموم الناس، العالم بالاقتصاد والجاهل به، واعتبروا الحساب الاقتصادي «خاصية فطرية» في الإنسان.
لهذا لابد من استراتيجيا اقتصادية بديلة تحل محل الاستراتيجية المتبعة التي استنزفت الاقتصاد الوطني وقوى الشعب العامل قبل أن تستنزف قواها الرسمية.
والاستراتيجيا الاقتصادية البديلة لابد أن تقوم على أسس مختلفة وهي البناء على أسس علمية والافصاح والصراحة والوضوح والمباشرة والمكاشفة والحوار والاعلام المفتوح وتسمية الأشياء بأسمائها والغاء المداورة والأسماء الحركية كلياً من تعاملنا الرسمي وحياتنا الاقتصادية العامة.
والاقتصاد، لذلك كله، هو المجال الأكثر جدلية، والأشد حاجة إلى الاقناع والاقتناع، بين جميع مجالات السياسة العامة.
ومنه، نخلص إلى وجوب تشكيل «اللجنة الاستشارية الدائمة للإصلاح المالي» على غرار «اللجنة الاستشارية الدائمة للنظام المحاسبي الموحد» السابقة، ولكن بعد إلغاء جميع لجان «الترشيد» الفريدة من نوعها في العالم، والتي سلبت السلطات التشريعية والتنفيذية وهيئة تخطيط الدولة صلاحياتها الدستورية والقانونية في وضع الستراتيجيا والسياسات الاقتصادية ومتابعة تنفيذها، لتجعل من نفسها سلطة اقتصادية ذاتية القرار هي الأسعد من نوعها في العالم.
إنها السلطة التي لاتخضع للحساب أو المراجعة لا من قبل السلطة التشريعية ولا من قبل السلطة الرابعة (الاعلامية) ولا، بالأحرى، من قبل الأحزاب المؤيدة أو المعارضة والتنظيمات الاجتماعية ومؤسسات البحث العلمي، ويكفيها أنها تمثل إدارة «الشركة المشتركة» ذات الامتياز. ما فوق الدستوري والقانوني.
أما «اللجنة الاستشارية» التي ندعو التي تشكيلها، وكنا أسميناها في محاضرتنا في ندوة الثلاثاء عام 1996، «المجلس الاقتصادي والاجتماعي» وهو طموح أكبر ليته يتحقق، فيجب أن تكون مرتبطة بسلطات أعلى من السلطات التنفيذية التي تتولى (اللجنة) وضع الدراسات والأنظمة واللوائح المناسبة لتطوير قطاعها. وبالطبع، لن تكون هذه اللجنة من خارج الملاك تماماً، بل لابد أن يشترك في عملها نخبة من أصحاب الخبرة والاختصاص والمعنيين عملياً ونظرياً واقتصادياً ومالياً وسياسياً واجتماعياً بعملية الإصلاح من داخل الملاك وخارجه.
إن ربط عمل اللجنة بسلطات أعلى يفترض أنه يحررها من المصير الشائع القائل «إذا أردت أن تقتل فكرة أو مشروعاً ما فشكل له لجنة». هذا ما يحدث فقط إذا كانت هذه اللجنة بإشراف وتحت وصاية الجهة التي لا مصلحة لها بها. بل بفشل عملها. وفي المجتمعات المتقدمة أكثر الناس حاجة إلى الاستعانة بالاستشارة العلمية هم المسؤولون القائمون على رأس العمل، والذين، مهما بلغوا من العلم الخبرة، وبسبب من ضخامة العمل وضيق وقت الفرد وامكانياته، فإنهم لا يتوصلون إلى اعتبار أنفسهم «آلهة» يحيطون. بكل شيء وإلى اعتبار أي استعانة بأي لجنة أو حتى برأي آخر انتقاصاً من «ألوهيتهم»، كما هو الأمر السائد في المجتمعات «غير المتقدمة». وفي الحقيقة إن مثل هذه «الاعتبارات الكهنوتية»، ليست نفسية الطابع فقط، بل «عملية» بالدرجة الأولى، لأنها تخفي مصالح خاصة، وكنوزاً لا تقدر بمقدار.
وختاماً، فإن ما هو مدون على هذه الوريقات ليست محاضرة «عجز الموازنة العامة وسبل معالجته» بل «روح المحاضرة» والتي بلغت في الأصل 200 صفحة، مليئة بالأرقام والوقائع والتواريخ ونصوص القوانين والقرارات والمواقف والآراء.
لقد اكتفينا بالانطلاق من الوقائع والبيانات الوافرة من أجل بناء الأفكار والتحليلات والاستنتاجات المتضمنة في هذا النص.
ويمكننا تقديم الأرقام التي استندنا إليها لمن يرغب فيها ويسألنا عنها من خلال المناقشة والتعليقات.
شاكراً الاهتمام والمشاركة.
تطور النفقات في الموازنات التقديرية وقطع الحسابات 1980 ـ 1990
(مليون ليرة سورية)
|
1990 |
1988 |
1986 |
1980 |
|||||
|
فعلي |
تقديري |
فعلي |
تقديري |
فعلي |
تقديري |
فعلي |
تقديري |
|
|
43980 |
42994 |
29307 |
29828 |
24337 |
24508 |
15161 |
14878 |
النفقات الجارية |
|
18689 |
19539 |
14159 |
14780 |
11364 |
11580 |
5132 |
4883 |
أجور ورواتب وتعويضات |
|
17794 |
18192 |
9143 |
9898 |
9562 |
9860 |
5913 |
6269 |
نفقات إدارية |
|
2291 |
2331 |
1611 |
1715 |
1853 |
2013 |
2427 |
3342 |
نفقات تحويلية |
|
4206 |
2932 |
3894 |
1711 |
1658 |
1055 |
781 |
383 |
ديون والتزامات واجبة الأداء |
الموازنة التقديرية وقطع الحسابات لعامي 1994 ـ 1995
(مليون ليرة سورية)
|
1995 |
1994 |
|||||
|
فعلية |
مستحقة |
تقديرات |
فعلية |
مستحقة |
تقديرات |
|
|
181818 |
ــ |
162040 |
160851 |
ـــ |
144162 |
مجموع الايرادات |
|
129944 |
141616 |
102246 |
110136 |
122517 |
88001 |
ـ الايرادات الجارية |
|
68925 |
79888 |
48903 |
58211 |
70640 |
40456 |
منها: ضرائب ورسوم |
|
44838 |
55800 |
31611 |
37007 |
48859 |
27987 |
ورسوم مباشرة |
|
32725 |
41446 |
22500 |
29291 |
36732 |
20350 |
منها: ضريبة أرباح المهن والحرف الصناعية والتجارية..الخ |
|
24088 |
24088 |
17292 |
21204 |
21205 |
12469 |
ضرائب ورسوم غير مباشرة |
|
10201 |
10201 |
6723 |
9554 |
9554 |
5190 |
رسوم جمركية |
|
459 |
459 |
117 |
ــ |
ــ |
ــ |
رسوم الترانزيت |
|
7221 |
7916 |
7186 |
7461 |
7977 |
6643 |
ـ بدلات الخدمات وايرادات أملاك الدولة واستثماراتها |
|
50074 |
50078 |
44720 |
41127 |
41131 |
39755 |
ـ ايرادات مختلفة (فروقات أسعار) |
|
51874 |
ــ |
59794 |
51716 |
ــ |
56161 |
ـ ايردات استثمارية |
|
30476 |
ــ |
23147 |
25528 |
ــ |
18578 |
منها الفائض المتاح |
|
21342 |
ــ |
14309 |
20005 |
ــ |
11567 |
منه: فائض الموازنة |
|
9552 |
ــ |
4577 |
7910 |
ــ |
4209 |
منه: الصناعة الاستخراجية |
|
3872 |
ــ |
3830 |
5534 |
ــ |
3081 |
+ المال والتأمين من العقارات |
|
21399 |
ــ |
36647 |
27188 |
ــ |
37583 |
ـ ايرادات استثنائية |
|
162040 |
ــ |
162040 |
141875 |
ــ |
154986 |
ـ مجموع النفقات |
|
87870 |
ــ |
87941 |
76855 |
ــ |
78795 |
منها: نفقات جارية |
|
82860 |
ــ |
82977 |
73101 |
ــ |
74903 |
النفقات الاجتماعية والجماعية والشخصية |
|
23937 |
ــ |
24756 |
21049 |
ــ |
21830 |
منها: رواتب وأجور وتعويضات |
|
10807 |
ــ |
10534 |
8664 |
ــ |
9324 |
نفقات إدارية |
|
4348 |
ــ |
4763 |
2746 |
ــ |
2908 |
نفقات تحويلية |
|
67846 |
ــ |
74099 |
65020 |
ــ |
76192 |
نفقات استثمارية |
ايرادات الموازنة التقديرية والفعلية (1985 ـ 1995)
(مليون ليرة سورية)
|
نسبة إجمالي الايرادات الفعلية إلى التقديرية% |
إجمالي الايرادات الفعلية |
إجمالي الايرادات المقدرة |
نسبة الايرادات الخارجية الفعلية إلى التقديرية% |
تقدير الايرادات الخارجية |
نسبة ايرادات الاستثمارية الفعلية إلى التقديرية% |
الايرادات الاستثمارية الفعلية |
تقديرات الايرادات الاستثمارية |
نسبة الايرادات الجارية الفعلية إلى التقديرية % |
الايرادات الفعلية الجارية |
الايرادات التقديرية الجارية |
السنة |
|
72.7% |
25791 |
35477 |
43.8% |
10572 |
80.1% |
10524 |
13141 |
90.4% |
10634 |
11764 |
1985 |
|
72.2% |
27727 |
38382 |
36.4% |
10354 |
65.9% |
9536 |
14473 |
106.4% |
14426 |
13555 |
1986 |
|
90.6% |
37787 |
41703 |
51.9% |
10486 |
74.2% |
11300 |
15223 |
131.6% |
21050 |
15994 |
1987 |
|
98.5% |
50749 |
51545 |
73.6% |
12441 |
94.7% |
11515 |
12157 |
111.6% |
30082 |
26947 |
1988 |
|
115.1% |
57312 |
49779 |
78.6% |
7182 |
104.3% |
11663 |
11184 |
127.3% |
40002 |
31413 |
1989 |
|
112.2% |
65146 |
58038 |
66.6% |
3841 |
100.4% |
13312 |
13254 |
120.4% |
49277 |
40943 |
1990 |
|
112.9% |
162851 |
106579 |
؟ |
93.9% |
52716 |
56161 |
125.13% |
110113 |
88001 |
1994 |
|
|
100.5% |
162922 |
125393 |
؟ |
86.8% |
51874 |
59794 |
127.1% |
129944 |
102246 |
1995 |
نفقات الموازنة التقديرية والفعلية (1985 ـ 1995)
(مليون ليرة سورية)
|
نسبة إجمالي النفقات الفعلية إلى التقديرية% |
إجمالي النفقات الفعلية |
إجمالي النفقات التقديرية |
نسبة النفقات الفعلية الاستثمارية إلى التقديرية% |
النفقات الفعلية الاستثمارية |
النفقات التقديرية الاستثمارية |
نسبة النفقات الفعلية الجارية إلى التقديرية% |
النفقات التقديرية الفعلية |
النفقات التقديرية الجارية |
السنة |
|
83.8% |
36039 |
42917 |
66.00% |
12846 |
19448 |
98.5% |
23193 |
23549 |
1985 |
|
86.1% |
37986 |
43841 |
70.5% |
13649 |
19333 |
99.3% |
24333 |
24508 |
1986 |
|
90.2% |
38729 |
42949 |
72.8% |
13572 |
18635 |
103.5% |
25157 |
24314 |
1987 |
|
86.5% |
45434 |
52497 |
71.1% |
16127 |
22669 |
98.3% |
29307 |
29828 |
1988 |
|
92.4% |
56356 |
60962 |
79.3% |
17303 |
21805 |
99.7% |
39053 |
39157 |
1989 |
|
92.5% |
62431 |
67464 |
79.4% |
19451 |
24500 |
99.9% |
42980 |
42964 |
1990 |
|
98.4% |
141875 |
144161 |
95.7% |
65020 |
67964 |
100.9% |
76855 |
76198 |
1994 |
|
97.00% |
155717 |
162040 |
91.6% |
67846 |
74099 |
99.9% |
87870 |
87941 |
1995 |
3 ـ أيمن عزيز لقطينة (مستقل)
إن النظام المالي القائم حالياً هو مجموع التراكمات من القوانين و المواسيم و القرارات والممارسات على مدى نصف قرن من الزمان، وقد أصبح باعتراف الجميع بمن فيهم القائمين على تطبيق هذا النظام في أمس الحاجة إلى إصلاح جذري ليواكب التغيرات الواسعة و المتطلبات المتعاظمة لتحسين فعالية الموازنة العامة للدولة في تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية و الاجتماعية.
ولم يعد اسلوب الترقيع أو الغاء مادة من هذا القانون أو ذاك أو اضافة قانون أو قرار أو مادة جديدة لما هو قائم يشكل اصلاحاً، بأي معنى، بل زيادة في التعقيد واضعافاً للفعالية.
من هنا، جاء اقتراحنا بتشكيل "اللجنة الاستشارية الدائمة للإصلاح المالي" لتحديد اتجاهات ووسائل الاصلاح المطلوب، بعد إجراء جرد تقويمي شامل للتجربة السابقة و تحديد علمي لعيوب وأوجه قصور الواقع الراهن، ودراسة عدد من التجارب الأخرى المفيدة، للتوصل من ذلك كله الى صياغة النظام المالي الجديد.
و اعترف، بأنني فوجئت، بعد كتابة محاضراتي، و عند قراءة الرسالة التي تقدم بها السيد وزير المالية للحصول على درجة الدكتوراة في المحاسبة الى كلية الاقتصاد و التجارة بجامعة دمشق، بالكثير من الآراء التي يمكن اعتبارها منطلقات للعديد من الاصلاحات الجزئية في الموازنة العامة للدولة، و بالأخص، في علاقة الموازنة بالجهات العامة ذات الطابع الاقتصادي، هذه العلاقة التي تحولت الى معوق خطير للإدارة العلمية في المؤسسات الاقتصادية، كما يعترف في عشرات المواقع من الرسالة السيد وزير المالية .
وكذلك الأمر بخصوص الفوضى البالغة في ادارة الدين العام، الداخلي و الخارجي، وآثارها السلبية،بسبب عدم تمكين صندوق الدين العام من اداء دوره كمؤسسة عامة ذات طابع اقتصادي في ادارة الدين العام وفق اصول العمل المصرفي التنموي .
يضاف الى ذلك الدور القاصر الذي يؤديه الصندوق المعدل للاسعار والناتج عن ابتعاد الإدارة الاقتصادية الحكومية عن الأخذ بالاعتبار لجميع الاسس و المعايير الاقتصادية في تسعير المنتجات المستوردة و المحلية للقطاع العام وفي تحديد سعر الصرف، مما أدى الى نهب واسع للمال العام من خلال قرارات اقتصادية، ( ما اسميناه في محاضرتنا عام 1986 شفط المال العام)، و استنزافاً للمؤسسات الاقتصادية الانتاجية و العوامل التي تسبب الاستنزاف لموارد المؤسسات الاقتصادية والادخارية و الاستثمارية، وفي النهاية تضخيم للعجز الحقيقي( والذي لا يسمح اعداد الموازنة كما يجري حالياً بإظهاره على حقيقته حسابياً ) في الموازنة العامة للدولة، و الذي لا يغطي في نهاية المطاف إلاّ بالاصدار النقدي، الذي يعتبر في جوهره ضريبة غير مباشرة يتحملها ذوو الدخل المحدود بشكل أساسي، ويثري منها غير المنتجين من الطبقات المالكة و"طبقة الدولار" بشكل اساسي، و تجف بسببها عروق الاقتصاد الوطني من كثرة تهريب الاموال من الداخل الى الخارج ( وليس فقط لهذا السبب!) وفي الحقيقة يجب عند حساب الضرائب غير المباشرة إضافة التمويل بالعجز اليها، لأن الحكومة لدينا،بخلاف الدول الأخرى، القت عن كاهلها اعباء اقتراض الدين الداخلي من السوق، من سداد الاقساط و الفوائد كما في لبنان مثلاً، حيث يشكل عبء الدين هذا 60% من موارد الميزانية، لتحمل هذه الــ 60% ( ولو اتبعت حكومتنا تلك الطريقة لكانت نسبة اعباء الدين العام في سورية اكثر من 60% من ايرادات الميزانية !) على كتف الجماهير، و بالدرجة الأولى ذوي الدخل المحدود ليسددونها من تخفيض مداخيل العمل الحقيقية، مع افتقادهم الى أي حق قانوني لمطالبة الدولة بالتعويض عن خسارة ليس لهم يد فيها، وانما ناجمة بشكل اساسي عن ضعف كفاءة و فساد السياسات الاقتصادية و المالية و الادارة العامة.
إن القارئ سيستشف، ولا شك، اتجاهات و محاور الاصلاح المطلوب، من متابعة الانتقادات المتضمنة في متن المحاضرة، والتي لم تأت، بالطبع، بكل ما هو مطلوب، لأن ذلك يتطلب عملاً و جهداً أوسع و أطول بكثير و يستند الى دراسات شاملة و مفصلة.
لكنني وجدت من المفيد الاستشهاد في العديد من القضايا بمقتطفات من رسالة الدكتوراة المذكورة، و التي تضع قارئها أمام تساؤلات هامة، مثل:
ـ كيف نفسر مرور عشر سنوات تقريباً على كتابة هذه "المواقف"، دون أن نجد أي أثر لها على مجال العمل الفعلي، بل مع استمرار الممارسة على التعارض معها على طول الخط، علماً بأن القسم الأعظم من المشكلات المشكو منها هو نتاج قرارات وممارسات عملية وليس نتيجة القوانين و المراسيم التشريعية.
نضرب على ذلك أبرز الامثلة:
فالقانون المالي الاساسي للدولة رقم 92 لعام 1967 لا يتحمل مسؤولية الطريقة التي سادت حتى الآن في التعامل مع القطاع العام الاقتصادي، والتي يكفي أن تقرأ انتقادات السيد وزير المالية لها لنكتشف مساوئها و آثارها السلبية الخطيرة، ورغم انه يقترح حلولاً معينة للتخلص من هذه السلبيات، لكن المواقف العملية كانت على مدى عشر سنوات مناقضة لها، حتى رفض طلب الشركات التي وضعت تحت تجربة الادارة بالأهداف مؤخراً، والتي لم تطلب اكثر مما يقترحه السيد وزير المالية في بحثه المذكور، وهو السماح للشركات بإدارة فوائضها بما يخدم حاجات التطوير فيها .
ويكفي أن نعلم ان القانون المالي نص على ان يصب في موازنة الدولة "فائض الميزانية"، وهذا يعني بعد تحقق ربح فعلي (وليس تقديري)، وأن تقوم الدولة بسد العجز في ميزانيات المؤسسات عند وقوعها في خسارة فعلية، وهو مقتضى مبدأ"الصوافي" .
ونص القانون على أن تحدد الفوائض بمرسوم تشريعي يصدر لاحقاً.
وبدلاً من المرسوم التشريعي صدرت قرارات وزارية في السنوات اللاحقة تحدد هذه الفوائض بخلاف نص القانون ومبدأ الصوافي، اذ شملت جميع زيادة ايرادات المؤسسات العامة على نفقاتها، التقديرية وليس الفعلية. وما زال هذا الموقف محصناً حتى اليوم.
إننا ندعو الى قراءة "الشواهد" التالية، ونتساءل :
هل يحتاج الإصلاح المالي إلى عشر سنوات للتراجع عن الأفكار العلمية أو تجاهلها لأن تطبيقها لن يساعد على ظهور "الفوائض في الموازنة لأول مرة في تاريخ سورية"، والى ربع قرن آخر للاعتراف بها و العودة اليها من جديد وتطبيقها فعلياً؟
إذا كان الأمر كذلك، فإننا نقترح أن يكون تعيين وزراء المالية، استثناءاً، بمرسوم لمدة 35 عام، دفعة واحدة. وإلا فلن نحلم بإصلاح مالي في القرن الواحد والعشرين.
و لكننا لسنا على اتفاق مع جميع ما ورد في"المقتطفات"التالية، و بالأخص، إذ تتجاهل كلياً وجود شعب وبشر ورواتب وأجور ومستوى معيشة ضروري، وانفاق على البشر يجب ان يتحدد على اسس اقتصادية اجتماعية علمية وانسانية .
فمثلاً عندما نقرأ المطالبة بإعادة تقدير اسعار العقارات وفق اسعارها الجارية، وهو مطلب حق، للوصول الى اسعار حقيقية لكل شىء، نجد تجاهلاً لحقيقة أن تثبيت هذه التقديرات منذ عام 1965 وحتى اليوم،بخلاف الأصول، إنما يرجع الى تجاهل الحكومات المتلاحقة لأهم اصول علم الاقتصاد، وهو الأساس العلمي لتحديد الأجور والرواتب(مداخيل العمل) بقيمة قوة العمل، والتي لا تقتصر على الهواء والماء والخبز «غير السياحي» والشاي والسكر، وانما تشمل كل مقتضيات الحياة الحضارية المعاصرة، وذلك حسب تعريف مؤسس علم الاقتصاد السياسي المفكر الانكليزي آدم سميث منذ عام 1976 !
ولا ندري، كيف لايظهر الاختلال الشديد للعيان، عندما تصبح كلفة المأوى لوحدها(أقساط البيت المشترى بقرض، أو أجرة البيت المستأجر، أو كلفة رأس المال الموظف في شراء المنزل) ثلاثة أضعاف مجموع دخل العمل ؟
ومنذ أكثر من ألفي عام قالها أحد المفكرين الرومان القدماء:" حتى وحوش البرية تملك مأواها. فكيف يخدم مواطنو ايطاليا وطنهم ويدفعون عنه وهم لا يملكون فيه مأواهم"؟
أن اعادة تقدير اسعار العقارات، بعد أن اعيد تسعير جميع السلع والخدمات الأخرى(وليس بالأسعار الحقيقية المماثلة لأسعارها في الدول المجاورة فحسب، بل بأسعار احتكارية عالية مع غض النظر عن حقوق المواطنين في ضمان المواصفات) يفترض اعادة تسعير قوة العمل بقيمتها الحقيقية، وعند ذلك يجب أن تصبح الأجور والرواتب أربعة أضعاف المستويات الحالية،على أقل تقدير، لتعود الى قيمتها الحقيقية قبل عشرين عاماً خلت!
أم أن لكل الأشياء حقوقها، حتى وحوش البرية، ما عدا المواطن الذي يؤدي كل الالتزامات المطلوبة منه للدولة والوطن؟
هذا ونترك التعليق على الشواهد الأخرى لحصافة القارىء، وللمقارنة مع ما جاء سابقاً في متن هذه المحاضرة.
شواهد من «دور البيانات المحاسبية في عملية التخطيط المالي في القطر العربي السوري»
( رسالة مقدمة لنيل شهادة الدكتوراة في المحاسبة، من السيد محمد خالد المهايني، الى كلية الاقتصاد والتجارة بجامعة دمشق عام 1992).
ـ ضرورة ايجاد ضوابط وقواعد تشريعية ومالية واقتصادية تحدد مفهوم العجز المالي وحدوده المقبولة (صفحة 468)
ـ إن الطرق المتبعة في تبويب البيانات في الموازنة العامة للدولة في سورية لا تزال تمارس ضمن اطار من التقليدية وبالتالي وان تطورت عام 1984 فهي لازالت غير قادرة بواقعها الحالي على تلبية حاجات الخطة والتخطيط المالي من المعلومات و البيانات اللازمة(ص125)
ـ ضرورة تطوير التشريع الضريبي.
ـ تشكيل جهاز حديث للاستعلام الضريبي على مختلف القطاعات.
ـ متابعة التركيز على ادخال التقنية الآلية الحديثة في عمليات طرح الضرائب وتحصيلها لتحقيق الرقابة الواعية عليها وتأمين سائر احصائياتها المطلوبة بشكل دقيق ودوري.
ـ تأهيل الأجهزة التنفيذية العاملة في سائر حقول الضرائب وتدريبها داخلياً وخارجياً وتأمين تطويرها من الناحية الكمية بصورة مستمرة (ص464).
ـ تعديل سعر صرف الدولار الجمركي الذي لايحقق أهداف سياسة ترشيد الاستيراد والاستهلاك وأنظمة التجارة الخارجية(ص463).
ـ اجراء تطوير جذري على تشريع الضريبة المباشرة على ريع العقارات (القانون 178 لعام 1945 وتعديلاته) يتم من خلال اجراء تقدير عام جديد لجميع عقارات القطر لتتناسب مع اسعارها الرائجة مع تخفيض للنسب وتعديل للشرائح الضريبية النافذة ويؤثر ذلك على كثير من الضرائب الأخرى : ضريبة التركات والوصايا والهبات،رسوم التسجيل العقاري، رسم الطابع على العقود العقارية،الضريبة على الدخل العقاري ومعالجة اعفاءات العقارات الزراعية(ص 457).
ـ تبين ان مساهمة القطاع العام في ضريبة دخل الأرباح تشكل القسم الأعظم حيث تتراوح بين 72% و86% خلال اعوام 1980-1990 رغم تزايد مساهمة القطاع الخاص من 185 مليون ل.س عام 1980 ألى 5050 مليون ليرة عام 1990(ص 216).
ـ طرأ تغير ملموس في التركيب الهيكلي للبنية الضريبية في سورية باتجاه التركيز على الضرائب المباشرة وأن نسبة الضرائب والرسوم المباشرة التي تنصب بشكل اساسي على الثروة وراس المال والأرباح ارتفعت من 40.8% عام 1980 الى 67.5% من مجموع الايرادات الجارية عام 1990 وذلك بهدف تحقيق العدالة في التكاليف وتكون المساواة في التضحية والقدرة على الدفع الاساس الذي يحدد العبء الضريبي للمكلف .
كما ارتفعت نسبة الضرائب والرسوم المباشرة الى مجمل الموارد المحلية للدولة من 17.5% عام 1980 الى 36.4% عام 1990 (ص 216).
ـ نسبة الايرادات الضريبية وغير الضريبية واجمالي الايرادات المحلية الى الناتج المحلي الاجمالي(%)
|
اجمالي الايرادات المحلية |
الايرادات غير الضريبية |
الايرادات الضريبية |
السنة |
|
25.87 |
14.74 |
11.13 |
1980 |
|
25.42 |
12.65 |
12.77 |
1985 |
|
23.3 |
10.72 |
12.58 |
1990 |
يتبين انخفاض العبء الضريبي في القطر... و بالتالي ضرورة زيادة مساهمة الضرائب والرسوم في تلبية متطلبات الانفاق العام المتزايدة وبما يقرب نسبة هذا العبء الى ما هو مطبق في الدول الأخرى(ص 221-222).
ـ تستخرج بيانات الضرائب والرسوم والايرادات الجارية مثل فروق الاسعار وأموال الدعم من الموازنات التقديرية لجهات القطاع العام الاقتصادي والتي ترتبط بالموازنة العامة للدولة على اساس مبدأ الصوافي وتستخرج من التقديرات الفوائض الاقتصادية وفروق الاسعار(ص 201).
ـ تتلخص المهمة الاساسية للضرائب في البلدان النامية ضمن مفهوم الوظيفة المالية في سحب الفائض الاقتصادي ووضعه في خدمة التنمية وبالتالي عدم تبذيره في استهلاك تفاخري وانفاق غير منتج(ص 205).
ـ ان الموازنة العامة للدولة لاتظهر كامل عجوز الاقتصاد الوطني مثل:
ـ عدم تخصيص اعتمادات لكامل العجوز التموينية(مساهمة الدولة بتثبيت الاسعار).
ـ عدم تخصيص اعتمادات في الموازنة لتغطية عجز الموازنة التقديرية لصندوق الدين العام وتمثل عجز الاستثمار وتسديدات الدين العام الداخلي والخارجي.
ـ عدم تخصيص اعانات لتغطية كامل عجوز القطاع العام الاقتصادي الخاسرة مما دفعها الى عدم تسديد قيمة استجراراتها من المشتقات النفطية وعدم قدرة الشركات النفطية على توريد كامل التزاماتها تجاه الخزينة وصندوق الدين العام.
ـ تعدد اسعار الصرف المستخدمة في الموازنات التقديرية لجهات القطاع العام وفي تقدير ايرادات الموازنة ونفقاتها يؤدي الى نتائج غير واقعية من الناحية الاقتصادية(ص 196).
ـ إن تعدد اسعار الصرف ...يؤدي غالباً الى تحديد الفوائض الاقتصادية المقدرة في الموازنة العامة بشكل غير واقعي(ص 258).
ـ ضرورة ادخال الضريبة على مجمل الدخل بحيث تشمل :
ـ الدخل العقاري.
ـ دخل المهن والحرف الصناعية والتجارية وغير التجارية.
ـ دخل الرواتب و الأجور.
ـ الدخل الزراعي والحيواني.
ـ دخل ريع رؤوس الاموال المتداولة.
ويكون كل ما يؤدي من الضرائب النوعية تسليفاً على الضريبة على مجمل الدخل(ص 454).
ـ بينما تؤول الفوائض الاقتصادية(الارباح والاحتياطيات والاهتلاكات والمؤونات غير المخصصة) بكاملها الى صندوق الدين العام تفرض النصوص القانونية النافذة على المؤسسات سداد قروض الدين العام الممنوحة لتمويل المشاريع الاستثمارية ...ان هذه القروض تعد مساهمة للدولة في رساميل تلك الجهات وبالتالي يجب الغاء قيود فوائد القروض المترتبة على الجهات المقترضة في سجلات صندوق الدين العام وسجلات الجهات المقترضة من جهة اخرى(ص 467).
ـ من المناسب ان تحتفظ الجهات العامة ذات الطابع الاقتصادي بفوائض السيولة لديها لأغراض التوسعات والاستبدال والتجديد انطلاقاًمن مفهوم الاهتلاك الذي يشكل معظم فائض السيولة لتخصيصه لاستبدال الاصول الثابتة للمنشأة وتجديدها وامكانية رفد هذا المصدر التمويلي بقروض متوسطة أو طويلة الاجل من المصارف المتخصصة... وبذلك يتم الاقتصار على توريد فائض الموازنة ايراداً نهائياً لصندوق الدين العام لتمويل المشاريع الاستثمارية الجديدة في القطاعين العامين الاداري والاقتصادي للدولة(ص 470).
وفي جيع الحالات عدم ارهاق الشركات الخاسرة حالياً ريثما تستكمل المعالجة اللازمة لكل منها واعفاؤها من تحويل فوائد السيولة الى صندوق الدين العام نظراً لانعكاس ذلك على سوء وضعها المالي وان احتفاظ الشركات باقساط الاهتلاك لديها لتجديد اصولها الثابتة هي المعالجة الصحيحة لهذا الموضوع من النواحي المحاسبية والمالية والاقتصادية على مستوى المشروع(ص 253).
ـ اعادة الاعتبار الكامل للسياسة النقدية في القطر واعطاء السلطة النقدية المتمثلة بمجلس النقد والتسليف دورها المستقل عن السلطات التنفيذية في الرقابة على عجز الموازنة وحدود التسليف العام ومراقبة تنفيذ القوانين والاجراءات المختصة بالسياسة النقدية والتقيد بها(ص 471).
ـ ان تعدد اسعار الصرف واختلافها من سنة لاخرى يجعل تجميع البيانات النقدية وتلخيصها وعرضها في نهاية العام ينطوي على خسارة كبيرة في المعلومات ويؤثر على صلاحيتها للمقارنة، كما لا يمكّن من الاعتماد تماماً على بيانات الموازنة العامة الفعلية للدولة اساساًلاعداد الموازنة العامة للدولة للعام المقبل .
ـ ان عدم اعتماد مفاهيم محددة بصورة مستمرة للطاقات الانتاجية في اعداد الخطط الانتاجية والموازنات التقديرية لجهات القظاع العام الاقتصادي ينعكس غالباًعلى المبالغة في تقدير الفوائض الاقتصادية وقد تبين ان وسطي التحققات الفعلية لهذه الايرادات يتراوح بين 60-70% خلال الخطتين الخمسيتين الخامسة والسادسة مما يعيق في كثير من الحالات تنفيذ خطط التنمية في بعض الجهات لقصور وسائل التمويل الذاتي لديها ويتعارض ذلك مع مبدأ محاسبي مهم هو مبدأ الحيطة والحذر(ص 198).
[تعليق : ألا يعني هذا أن الواردات المحصلة فعلاً من فوائض القطاع العام التقديرية تزيد بنسبة 30-40% عما يجب تحصيله، وان هذه الزيادة التي تغذي الموازنة العامة ليست في جوهرها إلا اقتطاعاًمن الاصول الراسمالية لجهات القطاع العام الاقتصادي لتركها كومة خردة، كما جاء في محاضرتنا أعلاه؟(المحاضر).].
ـ اذا كانت الفوائض الاقتصادية للجهة المقترضة تؤول بكاملها الى صندوق الدين العام كايرادات استثمارية للانفاق على المشاريع الاستثمارية فمن أين لتلك الجهات تأمين السيولة اللازمة لسداد قروض صمدوق الدين العام الممنوحة لها؟(ص 258).
ـ ان مفهوم العجز (بالنسبة لمؤسسات القطاع العام)وفق ما حده المشرع المالي هو مفهوم حسابي مطلق ...اذ قد يكون العجز "ادارياً" أو "اجبارياً" بسبب سياسة التسعير والأهداف الاجتماعية ولا يكون بالتالي ناجماً عن سوءالادارة ...مما يقتضي التفريق بين العجوز المالية حسب اسبابها وطبيعتها من اجل المراقبة الفعلية لإدارة الأموال العامة (ص258) .
ـ ان جمود التشريع الضريبي لسنوات طويلة، رغم التعديلات الجزئية انعكس على عدم مواكبة تغيرات الأسعار خلال السنوات الطويلة، وبالتالي فإن العبء الضريبي منسوباً الى الناتج اصبح قاصراً عن تأمين الموارد المالية اللازمة لتغطية متطلبات الانفاق العام المتزايد.
ارتفعت نسبة مساهمة الايرادات الضريبية في تمويل الانفاق العام من 23.5% عام 1980 الى 54.1% عام 1990 (ص 224).
وأما العبء الضريبي العام في سورية فيعادل 13.9% من الناتج (ص 209).
ـ ان محدودية الحسابات القومية وعدم شموليتها ...تقود إلى عدم كفاية الاحصائيات والبيانات الخاصة بالأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والمالية للدولة...ان هذا يتبع بالنتيجة ضرورة دعم المكتب المركزي للاحصاء وهو الجهة الفنية المسؤولة عن اعداد الحسابات القومية، بالوسائل والامكانيات الفنية والعناصر المؤهلة بغية زيادة فعالياته ونشاطاته(ص 430).
ـ وعلى الرغم من ان التشريع المالي قد طور مهمات صندوق الدين العام واضاف اليها مهمات جديدة فإن الهيكل الاداري لهذا الصندوق واختصاصاته وآلية عمله لم يطرأ عليها أي تطور ملحوظ... ان الآلية التي تحكم اعمال صندوق الدين العام وفق النصوص النافذة لا تجعل منه الجهاز التمويلي الرئيسي المسؤول عن تمويل برامج التنمية ...(ص 437)
وما زالت حالة التعددية قائمة سواء ما يتعلق منها باستخدام القروض(السحب) أو سداد الالتزامات للجهات الخارجية المقرضة(ص 450).
ـ قصور الحد الادنى المعفى(من الرواتب والاجور)عن تلبية الحاجات الاساسية للمكلفين بالضريبة (علىالرواتب والأجور) بعدالتطورات الاقتصادية والاجتماعية في سورية (ص227).
ـ (من عيوب التشريع الضريبي )عدم النص على فترات زمنية محددة لانجاز كل مرحلة من مراحل التكليف الضريبي (مرحلة التكليف المؤقت ـ مرحلة لجان الفرض ـ مرحلة الدوائر المالية ـ مرحلة لجان اعادة النظر). وكذلك مراحل اللجان البدائية -اللجان الاستثنائية مما ساهم في التراكم الضريبي وطول مراحل التكليف الضريبي (ص227).
ـ عدم توفر الكفاءات العلمية والعملية لكشف المطارح المخفاة جزئياً من خلال الاستعلام الضريبي (ص228 ).
ـ ساهمت أسعار الصرف المتعددة في توسيع نطاق السوق السوداء غير النظامية للقطع وفي تقليص استفادة الجهاز المصرفي من موارد البلاد من العملات الاجنبية كما ساهمت في خلق طبقة من الطفيليين اثرت بدون جهد انتاجي واستفادت من تشوهات اسعار المستوردات مقومة بالعملة السورية .(ص473).
ـ اقتراح اقتصار دور صندوق الدين العام في التمويل على المشاريع الاستثمارية للجهات العامة ذات الطابع الاداري أي مشاريع البنى التحتية وتتولى جهات القطاع العام الاقتصادي تمويل المشاريع الاستثمارية ذاتياً من فوائضها المتحققة وبقروض من المصارف اومن مصرف التنمية المقترح وأن يقتصر الفائض الذي يحول الى الموازنة العامة للدولة على جزء من فائض الموازنة فقط دون فائض السيولة الذي تحتفظ به تلك الجهات لأغراض الاستبدال والتجديد والتوسعات لديها، اضافة الى ضرائب الدخل والضرائب والرسوم الأخرى (ص419 ).
ـ اعادة العمل بنظام مدققي الخزينة في جميع الدوائر المالية لممارسة عملية الرقابة المستحقة على الصرف، والتركيز على البيانات والتقارير الدورية لتتبع تنفيذ الموازنةالعامة للدولة اولاً بأول والبيانات والتقارير الدورية لتتبع تنفيذ الموازنات التقديرية ايراداً وانفاقاً (ص420).
ـ ان اسلوب حساب الفوائض الاقتصادية لايمكن الادارة المالية من تحديد وتمييز الفوائض الاقتصادية النهائية التي تؤخذ ايراداً نهائياً للموازنة العامة للدولة، مثل حصيلة الدولة من الارباح الصافية الناتجة عن عمليات المتاجرة والتشغيل للمؤسسات العامة والشركات بعد اقتطاع ضريبة الدخل، والحصيلة الصافية الناتجة عن بيع المنتجات المنجمية بعد تخفيض جميع المصاريف اللازمة لعمليات التنقيب والاستخراج ...الخ، والفوائض الاقتصادية المؤقتة التي تدفع الى الخزينة العامة بصورة مؤقتة وتدرج في الموازنة العامة للدولة على اساس اعادتها الى الجهة الدافعة عند استحقاقها او وفق شروط صدورها، مثل الحصيلة الصافية لاشتراكات الموظفين والمستخدمين ومساهمات ارباب العمل في صناديق التأمين والمعاشات، والتأمينات الاجتماعية، وتقاعدالموظفين والبلديات ...والحصيلة الصافية لقيم شهادات الاستثمار، والاهتلاكات السنوية المقتطعة من قيم الموجودات الثابتة لدى المؤسسة والشركات العامة ذات الطابع الاقتصادي (ص257).
ـ هناك تناقض قانوني بين سحب كل فوائض المؤسسات وبين الزامها برد القروض، يجب تعديل النصوص التشريعية وتحويل هذه القروض الاستثمارية الى تمويل نهائي يضاف الى رأسمال كل من الجهات المقترضة ضمن رأس المال الثابت ورأس المال العامل عن دورة انتاجية واحدة (ص442)
د. عارف دليلة
(*) انظر: تقرير وزارة المالية إلى مجلس الشعب عن الموازنة العامة للدولة لعام 1997 ولعام 1998.
(*) بالمناسبة، صدر في الجزائر في مطلع نيسان 1999 قانون ينظم قيام مؤسسات خاصة بعمليات استطلاع الرأي العام المحلي حول الأوضاع العامة واعلان نتائج الاستطلاع، وما أحوجنا إلى مثل ذلك.
(*) في لبنان، حيث الموازنة العامة تعاني عجزاً قلَّ نظيره، نجد الموازنة العامة تقدم أموالاً ضخمة إلى البلديات، وما تزال الحكومة الجديدة تبحث عن مئات ملايين الدولارات المقدمة من قبل الحكومة السابقة الى البلديات و«ضاعت في الطريق». فهل الخوف من «ضياع الأموال في الطريق» هو الذي يجعل وزارة المالية لدينا تسحب فوائض البلديات بدلاً من تقديم الدعم لها؟
(*) بل هناك القانون رقم 36 لعام 1980 نظام إدارة المركبات، والذي يضبط بقواعد بالغة الدقة والتفصيل تخصيص وتحريك الآليات العامة والسيارات الحكومية، والذي لم يعمل به أحد، ولم يلغ، مما يؤدي إلى انفاق فعلي يبلغ عشرات مليارات الليرات السورية خرقاً فاضحاً للقانون! ولو كان القضاء السوري يستقبل دعوى من مواطن عادي ضد خرق الغير للقانون وبالأحرى كما في مصر، مثلاً، حيث استطاع أحد المحامين حل مجلس الشعب المصري بقرار قضائي بسبب مخالفة الدستور في انتخابه، لكان 99% من مستخدمي السيارات الحكومية أمام القضاء حالياً! إننا نستغل هذه المناسبة للإعلان عن مكافأة تقديرية لمن يكتشف مادة في القوانين السورية، مطبقة فعلاً!