تعقيب المهندس فابز البرشة *
على محاضرة السيد المهندس غسان فتاحي
تأهيل القطاع العام الإنشائي من أجل تفعيل دوره في التنمية الاقتصادية

بداية أشكر السيد المحاضر المهندس غسان فتاحي على الجهد المبذول في إعداد المحاضرة والتعريف بهذا القطاع الهام والحيوي من قطاعات الاقتصاد الوطني وأن أعرب عن إتفاقي الكامل مع الاقتراحات التي أوردها لمعالجة أوضاع هذا القطاع الذي يكتسب أهمية من العلاقة الوثيقة التي تربطه مع مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية من حيث كونه الأداة الأساسية لتكوين الأصول الثابتة ولتأمين تنميتها في مختلف قطاعات الإنتاج السلعي والخدمي، حيث يقوم بإنجاز الأبنية السكنية والتجارية والخدمية وتشييدات السدود والري والصرف واستصلاح الأراضي وأعمال البنية التحتية كاملة.

ولا تتحدد أهمية القطاع العام الإنشائي في تكوين الأصول الثابتة فقط بل بمساهمته أيضاً في توفير الدخل أو في خلق فرص العمل لعدد كبير من الداخلين لسوق العمل ومن مختلف المستويات التعليمية وكافة الاختصاصيين والمهن.

إن تبعية الإنتاج في قطاع البناء والتشييد للإنفاق الاستثماري في القطاعات الاقتصادية والخدمية تجعل هذا القطاع منفذاً للخطط الاستثمارية في قطاعات الاقتصاد الوطني، وبالتالي تحددت أهدافه الإنتاجية سابقاً في تكليف معظم مؤسسات وشركات الإنشاءات العامة في تنفيذ أهم المشاريع. وهو ما تم الإقلاع عنه لاحقاً. وأستعيض بآلية (المناقصة العامة) لتلزيم مشاريع الدولة للعام والخاص من دون إعداد مسبقاً أو تهيئة مناسبة أو إعادة تأهيل للمشروعات الإنشائية العامة وبما يمكنها من العمل في ظل أجواء المنافسة ودون آلية محددة ملزمة فعلاً لتنظيم سوق الإنشاء والتشييد والمقاولات والعقارات تسمح بالتنظيم العقلاني لهذا القطاع وأعماله سواءً من حيث التصنيف ومراقبة الجودة والتنفيذ أم لجهة الكلفة المعيارية وضوابط المنافسة وقواعد التأهيل..الخ. ورغم الإنجازات العديدة والكثيرة يعاني القطاع الإنشائي عامة والشركات العامة تحديداً من مصاعب عديدة منها القانوني ومنها ما يربط بمواضيع نقص السيولة المالية في هذا القطاع وبضرورة تأمين جبهات عمل لهذه الشركات، خاصة في ظل تقلص مشاريعها وازدياد إعداد الفائضين لديها نتيجة ذلك، إضافة لمسائل أخرى عديدة منها الجانب الأجري وغيره التي تؤدي عملياً إلى نتائج سلبية منها على سبيل المثال: نزوح الكادر المجرب لهذه الشركات وضعف الإنتاجية..الخ.

كما إن تنفيذ الأعمال حسب وحدة الإنتاج قد فهم في الشركات على أنه يعني إعطاء المقاولات والتعهدات الثانوية للقطاع الخاص لا تشغيل عمال الشركات ذاتها واعتبار ذلك نوع من التحفيز المادي للعاملين، ولذلك لم يؤدي القرار المتخذ إلى النتيجة المرجوة منه، وعلى العكس زاد البطالة المقنعة وعمل القطاع الخاص وساهم في عملية الإفساد لعمال الشركات هنا وهناك.

وتبرز هذه المعاناة خاصة في قطاع الدولة الإنشائي الذي يعكس في واقعه الحالي وبشكل مكثف وشديد صعوبات الاقتصاد الوطني ذاته.

ومن هذا المنطلق فإن معالجة وضع قطاع الدولة الإنشائي الجذرية مرتبطة تماماً بالمعالجة الشاملة والمتكاملة لوضع قطاع الدولة والاقتصاد الوطني عموماً.

وهذا لا ينفي، ووفقاً لطبيعة القطاع الإنشائي، إمكانية إيجاد حلول آنية وجزئية للمعالجة، وتكون أكثر نجاعة بترابطها مع تصور للمعالجة المتكاملة، ووضع بقية قطاعات الاقتصاد الوطني.

إن القضايا الأساسية التي تحتاج إلى إجابة، وعلى أساسها تتحدد طبيعة التأهيل والمعالجة وآفاق هذا القطاع ترتكز إلى:

-         ماهية النظرة المستقبلية لقطاع الدولة الإنشائي، وما هو الدور المطلوب منه، وما هي الأطر التي سيستمر بها وبالتالي ماهية التصورات عن وضعه في بنية الاقتصاد الوطني لاحقاً.

-          ماهية دور قطاع الدولة عموماً وآفاقه والتصورات المستقبلية عنه، وحول دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي.

-         إن الإجابة عن هذين السؤالين تفتح المجال لمعالجة متكاملة لوضع القطاع الإنشائي الحكومي.

لقد نما قطاع الدولة الإنشائي مع زيادة دور الدولة في الحياة الاقتصادية، وفي فترة المشاريع الكبرى وتدفق المساعدات وأنجز هذا القطاع مشاريع الدولة الأساسية والبنية التحتية، وتحول فعلاً لأداة الأصول الثابتة ومدرسة لتخريج الكوادر الوطنية المؤهلة والمدربة.

وفي الظروف الحالية، فإن العوامل الدافعة لنموه في فترات سابقة قد انكفأت وتراجعت. وهذا ما يشكل عملياً الأرضية الموضوعية الأساسية والجذرية لمصاعبه، ويضاف لها مفرزات المتغيرات وآثار المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية الجارية والانزياح التدريجي عن دور الدولة المباشر، وهو ما أوجد صعوبات إضافية أدت عملياً لتراجع هذا القطاع وتفاقم صعوباته. ومن تلك المفرزات يمكن إيراد:

-         تنامي دور المتعهدين والمقاولين الخاصين.

-          اللجوء لتمويل بعض المشاريع الهامة بقروض ومنح خارجية وما تفرضه من شروط تنفيذية وعدم رصد الخطط الاستثمارية الكافية.

-          عدم إقرار طبيعة هذا القطاع الخدمية أو الاقتصادية. أم كونه مقاولاً حكومياً في "السوق"!

-          عدم تسديد رأس ماله بالكامل، وكذلك ضعف عمليات التحديث والتجديد في آلياته، يضاف إلى ذلك عدم تقييم رأس ماله بالقيم الحالية ولموجوداته، واستمرار الاقتطاعات لصالح وزارة المالية.إن كل ذلك يترافق عملياً مع ضعف الأجور والتعويضات والحوافز.

-          تضخم الجهاز الإداري.

-          الهدر والكلف المتضخمة واللامعيارية، وضعف المحاسبة وتعدد الجهات الوصائية.

وهذا كله يشكل سداً كبيراً أمام قدرة الشركات على المنافسة والعمل كمقاول حكومي، وله بنفس الوقت دوره الاجتماعي كمستوعب كبير لقوة العمل.

ويضاف لما ذكرناه عملياً، زيادة دخول المتعهدين الخاصين في أعمال الشركات الحكومية ذاتها، وتعطيل دور المجلس الأعلى لشركات الإنشاءات العامة حسب القانون رقم(1) لعام 76 وعدم تطبيق قانون تصنيف المقاولين وتلزيم المشاريع وفقه.

وإجمالاً، إن وضع القطاع العام الإنشائي الحالي، له أسبابه الموضوعية والذاتية وبعضها مرتيط بالمعالجة الكاملة وبالتصور حول دور الدولة الاقتصادي لاحقاً، ومن هذا المنطلق فإن القضايا الأساسية التي تطلب اليوم معالجة وبشكل سريع تكمن في:

-         إيجاد جبهات عمل لهذا القطاع وخاصة في مجال البناء والسكن الشعبي وتوسع المدن ومشاريع البنية التحتية واستصلاح الأراضي ومكافحة التصحر.

-          إلغاء تعدد الجهات الوصائية والرقابية ومقيدات القانون رقم(1) لعام 1976.

-          تطبيق قانون تصنيف المقاولين.

ومن المهام أن يترافق ذلك مع إعادة النظر بالأجور والمكافآت والتعويضات وإصدار قانون للحوافز الإنتاجية.

-         اعتماد مبدأ الكلفة المعيارية والمحاسبة على الإنجاز ومن حيث الزمن والجودة والكلفة.

-          إعادة النظر بموضوع التنفيذ على وحدة الإنتاج، ووضع حد لتغلغل المتعهدين في عمل الشركات.

ومن الهام ذكره هنا بأن الحركة النقابية قد تابعت معالجة قضايا قطاع الدولة الإنشائي وعلى مختلف المستويات.

وقد قدم الاتحاد العام لنقابات العمال مذكرة شاملة حول وضع هذا القطاع لرئاسة مجلس الوزراء ضمت معالجة معمقة وإيجابية ومتوازنة وتصورات واقتراحات عملية لمعالجة صعوباته.

والقضية تقف اليوم عند تنفيذ تلك الاقتراحات والقرارات المتخذة عملياً.

كما أن إعادة التأهيل اليوم تتطلب:

-         إعادة دراسة واقع الآليات التي تجاوز عمرها الفني أكثر من 12 سنة وإجراء عملية التحدث نظراً لزيادة تكاليف الاستئجار للآليات والصيانة.

-          تكييف الشركات مع الأوضاع الجديدة وإعادة تنظيم عملها وأساليب التخطيط فيها والمرونة وفق احتياجات السوق وشروطه وتحديث عمل الجهاز الإداري فيها.

-          اعتماد مبدأ محاسبة التكاليف والمحاسبة على المشروع حين الانتهاء منه واعتبار كل مشروع وحدة اقتصادية ومحاسبية قائمة بذاتها.

-          حل موضوع التشابكات المالية مع الجهات العامة وإطفاء ديون الشركات لصندوق الدين العام واعتباره جزء من رأسمالها المسدد.

-          إعادة تقويم موجودات الشركات على أساس القيمة الفعلية الجارية لها وتحديد الوضع المالي لها من خلال ميزانياتها الختامية ومن ثم تحديد رأسمالها في ضوء حصيلة النتائج المالية وفي ذلك مخرج لتحديد أقساط الاهتلاك الواجب استيفائها لتحديد رأسمالها وكلفة المشاريع المنفذة بالأصول الثابتة للشركات وبالتالي تحديد أرباحها الحقيقية.

-          محاسبة الشركات فعلياً من واقع ونتائج أعمالها وأرباحها كنسبة مئوية من قيمة رأسمالها بعد إعادة النظر فيه وإقرار الميزانيات الختامية ومعرفة الأرباح المتحققة ومتابعتها بشكل دوري من الهيئة العامة للمالكين الذين يمثلون الدولة.

-          وضع مسألة التدريب ورفع الكفاءة للعاملين في مقدمته أولويات العمل خاصة وأن نسبة الأميين والملمين بالقراءة والكتابة تتجاوز 60% من إجمالي العاملين في هذا القطاع! وعدد المتعلمين بمختلف درجاتهم لا يتجاوز 39% عملياً. منهم 7.04 % يحملون مؤهل فني (معهد متوسط)!

-          إدخال التقنيات الحديثة في عمليات الدراسة والتصميم والتنفيذ والإكساء والبدائل.

-          إعطاء المجلس الأعلى دوره باعتباره يمثل الجمعية العامة للمالكين المساهمين بالاشتراك مع الجهات الرقابية المعنية.

تلك هي بعض القضايا التي رأيت من المفيد الحوار حولها وبما يساعد عملياً في الاتجاه نحو تأهيل القطاع العام الإنشائي وتفعيل دوره.

وشكراً لإصغائكم.

                                                          م. فايز البرشة



[1] مهندس تكنولوجي