تعقيب الدكتور المهندس عدنان الخطيب [1] على
محاضرة السيد غسان فتاحي ذات العنوان:

تأهيل القطاع العام الإنشائي من أجل تفعيل دوره في التنمية الاقتصادية

أيتها السيدات والسادة:

بداية لابد أن أثمن الجهد الكبير الذي بذله أخي وزميلي المهندس غسان فتاحي في ماقدمه من معلومات قيمة عن القطاع العام الإنشائي منذ نشأته وحتى يومنا هذا ويمكن اعتبار محاضرته هذه دراسة وثائقية شاملة غطت المراحل المختلفة من عمر هذا القطاع. وإن كان الزميل المهندس غسان تقصد عدم الدخول في تفاصيل كيفية المعالجة وهو الأقدر على ذلك فإنما كان يرغب في أن تكون دراسته ورقة تحرض السادة الحضور في التعمق بمناقشة وبحث واقع هذا القطاع الهام وإبداء وجهات نظرهم واقتراحاتهم لتطوير هذا القطاع وتحسين أدائه ومعالجة الصعوبات التي يواجهها.

من هذا المنطلق ومن تجربة متواضعة لي في إدارة هذا القطاع أرى بأنه لابد من الإشارة إلى ما يلي:

(استكمالاً واستفاضة لما سمعناه في هذه المحاضرة لابد من بحثها ومناقشتها وأرى بأنها تشكل المدخل الأساسي لتفعيل دور هذا القطاع).

1-   لقد أدى القطاع العام الإنشائي في سوريا دوره بشكل فعال، حيث استطاع بفترة زمنية محدودة تنفيذ كافة مشاريع الدولة الإنشائية بدءاً من مشاريع البنية التحتية وانتهاءً بكافة الأعمال الإنشائية للمشاريع الصناعية والزراعية والسياحية والثقافية والتعليمية والصحية، ولقد أورد الزميل المحاضر على سبيل الذكر لا الحصر أهم هذه المشاريع وكان ذلك في ظل دعم كبير من الدولة وبغياب المنافسة في معظم الحالات (مرحلة السبعينات والثمانينات)، واختفى القطاع الخاص الإنشائي في خالا هذه الفترة باستثناء عدد محدود جداً، كما اختفت الشركات الأجنبية في قطاع التشييد والبناء.

2- لقد تحمل القطاع العام الإنشائي خلال الـ25 سنة الماضية (ومنذ نشأته وحتى يومنا) عبء تنفيذ معظم المشاريع الإنشائية التي استلزمتها تنفيذ خطط التنمية الطموحة في المجالات المختلفة، الخدمية والاقتصادية وغيرها. ولقد نجح في تنفيذ هذه المشاريع رغم الصعوبات التي واجهها والإعاقات التي تعترض مسيرته ورغم تعثر بعض مشاريعه وتأخر إنجازها أحياناً ويمكن أن نميز ثلاثة مراحل في مسيرة هذا القطاع. أرى بأنه من المفيد الإشارة إليها كونها تتضمن جوانب سلبية وذلك قبل أن أتحدث عن التصورات والمقترحات لتطوير هذا القطاع.

المرحلة الأولى:

(مرحلة إحداث معظم الشركات (وإن كان عدد محدد منها قد أحدث في نهاية الستينات) وصدور القانون رقم(1) لعام 1976، الناظم لعمل الشركات.

تميزت المرحلة بـ:

1- الشركات على دعم واهتمام كيبر من الدولة ومنحت إدارتها أوسع الصلاحيات في تأمين مستلزماتها من أيد عاملة ومعدات وآليات، بحيث تمكنت من تنفيذ المشاريع التي كلفت بتنفيذها من قبل المجلس الأعلى للشركات بشكل مباشر وكان ذلك منسجماً مع القانون رقم (1) لعام 1976 (أشار الزميل غسان إلى بعض مواد القانون).

2-  حصول العاملين في الشركات على ميزات مادية ومعنوية هامة بالمقارنة مع أمثالهم من العاملين في الدولة مما استقطب خيرة الفنيين والمهنيين للعمل في هذه الشركات.

3-  عدم مواجهة مشكلة اعدد الجهات الوصائية والرقابة.

4-  افتقار تلك المرحلة إلى مسألة التنظيم والتخطيط العلمي في غياب الأنظمة الناظمة لعمل الشركات (النظام المالي- نظام العاملين-النظام المحاسبي نظام الحوافز)، والتي كان من المفترض صدورها خلال ستة أشهر من صدور القانون رقم(1) أي بمنتصف عام 1976.

5-  غياب المنافسة بين الشركات وبينها وبين القطاع الخاص، حيث كانت المشاريع توزع على الشركات، ويتم الاتفاق على أسعارها إما بالاتفاق مع الجهة صاحبة المشروع أو من قبل مكتب المجلس الأعلى للشركات.

6-  حدوث بعض التجاوزات ويمكن أن يعزى سبب الكثير منها إلى عدم وجود الأنظمة وبسبب حداثة تكوين الأجهزة الإدارية والمالية والفنية.

المرحلة الثانية(مرحلة الثمانينات):

تميزت هذه المرحلة بـ:

1-    صدور كافة الأنظمة التي كان من المفترض صدورها في منتصف عام 1976 ، باستثناء نظام الحوافز)

2-     حصول الشركات على دعم الدولة وتشجيعها للعمل خارج القطر، حيث قامت الشركات بتنفيذ العديد من المشاريع في دول عربية شقيقة ودول صديقة وقد اشار الزميل غسان في محاضرته إلى أهم هذه المشاريع.

3-     بداية المنافسة مع القطاع الخاص والشركات فيما بينها بعد صدور البلاغ رقم58/ب تاريخ1/9/1987.

4-     المحاسبة التي أتت كرد فعل على بعض التجاوزات التي أشرنا إليها في مرحلة السبعينات وما ظهر من تجاوزات خلال هذه المرحلة، غير أنه تحت هذا الشعار كثرت الجهات المتدخلة في شؤون الشركات والتي تعتبر كل واحدة منها جهة وصائية على هذه الشركات، مما أربك العمل وأثار حالة من القلق والرغبة في التهرب من المسؤولية انعكست آثارها على مردود العاملين في هذه الشركات سلباً.

5-     بداية تسرب اليد العاملة الماهرة وأصحاب الخبرات والكفاءات وعجز الشركات عن تأمين الكوادر الكفوءة بعد تطبيق القانون رقم (1) القانون الأساسي في الدولة عام 1986 على هذه الشركات.

6-     بداية وضع القيود وتقليص الصلاحيات الممنوحة لإدارات هذه الشركات وفق أحكام القانون رقم(1) لعام 1976.

المرحلة الثالثة(مرحلة السبعينات):

تميزت هذه المرحلة بـ:

1- اشتداد المنافسة بين الشركات والقطاع الخاص في ظروف غير متكافئة بعد أن بدأ القطاع الخاص يعيد تنظيم نفسه.

2- معاناة كبيرة للشركات في تأمين جهات عمل نتيجة للسبب الأول وكان من نتائج ذلك انخفاض عدد العاملين في الشركات بحوالي75000 عامل بين عام 1986 ومطلع العام الحالي كما ورد في جدول تطور عدد العاملين الوارد في المحاضرة.

3- نزيف كبير في الكوادر المؤهلة والكفاءات بسبب الوضع المادي وبوجود فرص عمل لدى القطاع الخاص بشروط أفضل.

4- تراكم الديون المستحقة للشركات والمستحقة عليها في غياب التزام واضح بعلاقة تعاقدية بين هذه الشركات ومؤسسات الدولة.

5- قلق ينتاب العاملين حول مستقبل ومصير هذا القطاع في ظل هذه المعاناة وفي ضوء التوجهات الاقتصادية المستقبلية.

إن نظرة تحليلية بسيطة لهذه المراحل الثلاث بسلبياتها تظهر أن المعاناة والصعوبات تزداد مرحلة تلو الأخرى، وإنه أن لم  توضع مسألة وضع هذا القطاع موضع دراسة ونقاش لإيجاد الصيغ والمقترحات والحلول لمشاكله فإن مستقبله مهدد ومصير العاملين فيه مجهول، من هنا تأتي أهمية هذه الندوة وأهمية طرح المقترحات والتصورات التي قد تسهم في المحافظة على هذا القطاع وتفعيل دوره في التنمية الاقتصادية المتنامية في بلدنا.

ثانياً- مقترحات لتطوير القطاع العام الإنشائي:

1-    إعادة النظر في هيكلية القطاع العام بما يحقق الفصل بين الملكية والإدارة.

·                       تصور أول: يستلزم إعادة جذرية بالهيكل والشكل القانوني.

·                       تصور ثاني: يستلزم فقط تعديل بعض أحكام القانون رقم(1) لعام 1976.

1-   ملامح عامة في التصور الأول:

إعادة النظر في هيكلية القطاع العام الإنشائي وهذا الأمر يمكن أن يطبق على القطاع العام الصناعي أيضاً، وذلك بإحداث مؤسسات قابضة تمتلك مجموعة الشركات المتماثلة في أنشطتها وأهدافها، وتعتبر المؤسسة القابضة في هذه الحالة هي الجهة المالكة، ولما كانت معظم الشركات الإنشائية تعاني من ديون كبيرة مستحقة لمؤسسة التأمينات الاجتماعية فإنه من الممكن أن تمتلك هذه الأخيرة نسبة من الأسهم بما يعادل ديونها المستحقة كما يمكن أن تمتلك بعض المصارف وخزانة تقاعد المهندسين أسهماً في هذه المؤسسة القابضة.

وللمؤسسة القابضة مجلس إدارة متفرغ يتم تسميته بقرار من مجلس الوزراء، بحيث يضم مختصين من ذوي الخبرة والكفاءة في الشؤون الفنية والمالية والقانونية والاقتصادية وبحيث يضم مجلس الإدارة ممثلين عن الجهات التي تمتلك أسهماً في المؤسسة، ولا يعتبر أي من أعضاء مجلس الإدارة من العاملين في الشركات. وتبقى الإدارة بيد مدير عام الشرطة ولجنة إدارية، ويكون المدير العام واللجنة الإدارية مسؤولين مسؤولية مباشرة  أمام مجلس إدارة المؤسسة حصراً.

تحدد اختصاصات مجلس إدارة المؤسسة بشكل واضح ومحدد بحيث يتولى المجلس وضع السياسات العامة ووضع الخطة العامة للشركات وتحديد الوسائل اللازمة لتحقيقها وإقرار معايير الأداء والاطلاع على التقارير الدورية عن نتائج أعمال الشركات وتقييمها وإقرار مشروع الموازنة والميزانية والحسابات الختامية. وليس له أن يتدخل في شؤون الأعمال التنفيذية التي تقع على عاتق إدارة الشركة.

تتم محاسبة إدارة الشركة على نتائج أعمالها ومدى تنفيذها للأهداف المخططة من قبل إدارة المؤسسة حصراً. ويمكن لهذه الأفكار أن تنسق وأن تدرس مفصلاً ويمكن أن يكون هناك بدائل عديدة لها فيم إذا اتجهت النية لبحثها جدياً من قبل الجهات المختصة في الدولة.

2-   تصور ثاني:

فصل الملكية عن الإدارة: في ظل الشكل القانوني الحالي مع تعديل بعض أحكام مواد القانون رقم(1) لعام 1976 فإن فصل الملكية عن الإدارة في هذا القطاع تبدو الآن أكثر المسائل إلحاحاً وهي المدخل الرئيسي والضمان الأكيد لتحقيق خطوات متطورة ومتقدمة في مجال عمل هذا القطاع، لأن هذا القطاع يعاني من تعدد الجهات الوصائية الأمر الذي يربك العمل من جهة والذي ينجم عنه في النتيجة تهرب من تحمل المسؤولية وضياع لها.

ويمكن أن نترجم عملية الفصل ه    ذه من خلال تحديد الملكية بمجلس الإدارة الذي يمثل المالك وله كل الصلاحيات في مجال التخطيط ورسم السياسة العامة واعتماد الخطط والبرامج وإقرار الموازنات التقديرية والميزانيات الختامية قبل رفعها إلى الجهات المختصة، وهو المسؤول عن محاسبة ومراقبة إدارة الشركة من خلال التقارير الدورية التي تقدمها له الإدارة.

وتنحصر مسؤولية الإدارة بكل ما هو عمل تنفيذي، الالتزام بتنفيذ المشاريع المتعاقد عليها في أوقاتها، وحسن استثمار الآليات وتشغيل العمالة واتخاذ كل القرارات والإجراءات التي تساعدها في سبيل تحقيق مهامها.

ولا تعتبر وفق هذا التصور إدارة الشركة مسؤولة إلا أمام مجلس الإدارة وتمثل الإدارة بمدير عام يتم تعيينه بقرار من السيد رئيس مجلس الوزراء بناءً على اقتراح مجلس الإدارة وبلجنة إدارية يصدر قرار بتسمية أعضائها من قبل السيد رئيس مجلس الوزراء أو السيد وزير الإنشاء والتعمير، وذلك بناء على اقتراح المدير العام.

ويتمتع المدير العام بأوسع الصلاحيات، حيث تشمل هذه الصلاحيات تعيين معاونيه ومدراء الفروع والمدراء المركزيين في الشركة. وعقد النفقات والتعيين وفق اللوائح والأسس التي يعتمدها مجلس الإدارة مسبقاً. أما مجلس الإدارة (الجهة المالكة) فيتم تسميته بقرار من السيد رئيس مجلس الوزراء- رئيس المجلس الأعلى للشركات من غير العاملين في الشركة ويضم عدداً من المختصين وذوي الخبرة والكفاءة في مجال اختصاص الشركة ويكون في تعداده عدداً من الماليين والقانونيين إضافة إلى الفنيين وممثلين من اتحاد العمال من غير العاملين في الشركة ويمكن أم يتكون من سبعة أعضاء أو أكثر أو أقل حسب حجم الشركة وطبيعة عملها.

2-الأنظمة والقوانين:

مع مراعاة ما ورد في /1/ موضوع فصل الملكية عن الإدارة ، فإن القانون رقم (1) لعام 76 يعتبر أساساً جيداً فيما بعد إذا ألغيت كافة البلاغات والتعاميم والنصوص القانونية اللاحقة له والتي صادرت الكثير من أحكامه وعلى الأخص القانون رقم (1) لعام1985 القانون الأساسي للعاملين في الدولة، القانون رقم(2) لعام 1982 المتضمن وضع ميزانية الشركات وإقرارها في إطار الميزانية العامة للدولة، حيث يجب أن يقتصر تطبيق ذلك على الميزانيات الاستثمارية.

فقط، إضافة إلى أية بلاغات أو تعاميم صدرت لتحد من الصلاحيات الممنوحة وفق أحكام القانون رقم(1) لعام 1976.

إن استثناء الشركات من أحكام القانون رقم(1) لعام1986 فيما يتعلق بأسس التعيين وتحديد الرواتب والأجور والمكافآت ومنح الميزات المادية والعينية سيمكن هذه الشركات من أن تعمل وفق سوق العرض والطلب. وتطبق نظام التجارة في علاقاتها مع الغير ولتكون قادرة على المنافسة ولتتمتع بنفس المزايا التي تتمتع بها الشركات الخاصة والمشتركة.

3-إضافة إلى البندين الأساسيين المشار إليهما سابقاً فإن هناك العديد من المقترحات لمعالجة جوانب محددة ومشاكل معينة مما تعانيه الشركات يمكن الإشارة إليها بشكل مختصر:

1-              إعادة النظر في الأنظمة المالية والمستودعية لتبسيط الإجراءات والمالية لأنه في تبسيط الإجراءات تخفيف للكلفة واختصار للزمن.

2-               إعادة النظر في نظام العقود لرفع سقف الشراء المباشر وجعل تصديق العقود التي تتجاوز المليون ليرة سورية من مسؤولية مجلس الإدارة.

3-               منح مجلس الإدارة صلاحية إقرار تنسيق الآليات والمعدات المقترح تنسيقها من قبل إدارة الشركة وله تفويضها بالتصرف بها بعد تنسيقها (إتلافها- مبيع بالمزاد…الخ).

4-               إلزام مؤسسات التجارة الداخلية والخارجية التي تقوم بتأمين مستلزمات ومواد وآليات الشركات بتوقيع عقود نظامية معها تحدد مسؤولية كل فريق بشكل واضح.

5-               منح الإدارة صلاحية تخصيص جزء من اعتمادات الموازنة لقضايا البحث العلمي والتطوير والتدريب المستمر وإقامة الدورات والندوات التي من شأنها رفع سوية العاملين.

6-               منح الإدارة حق تقرير التصرف بالمبالغ المخصصة للإهتلاكات والتحديد وذلك بعد اعتماد ذلك من قبل مجلس الوزراء.

7-               اعتماد مبدأ تشجيع العاملين بالحوافز المادية المرتبطة بالأرباح المحققة من كل مشروع على حده ويمكن لمجلس الإدارة أن يقر الأنظمة الخاصة بذلك.

هذه بعض التصورات وعسى أن تكون مفيدة أثناء مناقشتكم لوضع هذا القطاع العام والحيوي والأساسي في عملية التنمية الاقتصادية في بلدنا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

                                      د.م.عدنان الخطيب

دمشق في 6/4/1999 



·                       [1] دكتور عدنان الخطيب

·                        دكتوراه في الهندسة الإنشائية

·                        مدير المعهد المتوسط الهندسي بجامعة دمشق 1971-1980

·                        مدير عام مؤسسة المشاريع الكبرى 1980-1982

·                        مدير عام الشركة العامة للبناء 1982-1991

·                       مستشار وزير الإنشاء والتعمير 1991 وحتى تاريخه.