تعقيب  على محاضرة الدكتور منير الحمش

الشروط الموضوعية لقيام شراكة أوربية – سورية حقيقية

د. حسين الفحل *

مقدمة:

فرضت حقبة ما بعد الحرب الباردة وضعاً دولياً جديداً، وتحديات جد خطيرة أمام العديد من البلدان النامية، ومنها البلدان العربية.

      إن النظام الدولي الحالي يقوم على انهيار مفهوم توازن القوى الذي كان يحكم العلاقات الدولية منذ الحرب العالمية الثانية، وعلى الاستقطاب الاقتصادي بدلاً من الأيديولوجي.

      وقد ترافق ذلك مع تعديل مصدر قوة هذا النظام من القاعدة البشرية والصناعية إلى العلم والتكنولوجيا النوعية ويضاف إلى ذلك تعاظم الفجوة التكنولوجية وتدهور شروط التجارة الدولية بين الدول المتقدمة والدول النامية مع محاولة فرض آلية السوق والليبرالية الاقتصادية في العلاقات الدولية، ولكن في إطار ممارسة الدول المتقدمة للمنافسة الاحتكارية في التجارة الدولية.

      كل ذلك دفع العديد من دول العالم الثالث إلى الدخول بترتيبات إقليمية ودولية لتفادي المخاطر التي تواجهها بفعل المتغيرات الدولية، التي يشهدها عالم اليوم، حيث لا مكان لدول فرادى في هذا العالم.

أيتها السيدات والسادة:

      إن المتتبع للسياسة السورية يجد بوضوح مدى تأييدها لإتمام مشروع الشراكة الأوربية-المتوسطية إلى جانب إقامة منطقة التجارة الحرة الكبرى دون سواها من المشاريع الإقليمية والدولية الأخرى.

      فقد أكد السيد الرئيس حافظ الأسد في خطاب القسم لولاية دستورية جديدة على ضرورة إتمام اتفاق الشراكة السورية-الأوربية.

      ويستدل من هذا الموقف أن سوريا ترغب بالدخول إلى الاقتصاد الدولي وهي تقف على أعتاب القرن القادم عبر:

أولاً- إنجاز التكامل الاقتصادي العربي ولو بحدوده الدنيا والمتمثل حالياً في إقامة منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى التي دخلت أحكامها حيز التنفيذ منذ بداية عام1998، وصولاً إلى السوق العربية المشتركة.

ثانياً- إنجاز الشراكة السورية-الأوربية على اعتبار أن الاتحاد الأوربي بعد قيامه عام 1993 أصبح أحد أهم ملامح الخارطة الاقتصادية العالمية.

ويعود بذلك إلى الأسباب التالية:

      أولاً- إن العلاقات التجارية بين سوريا ودول الاتحاد الأوربي قائمة وعميقة مما يسهل إقامة الشراكة بينهما، فالصادرات السورية إلى الاتحاد الأوربي تصل إلى أكثر من 60% من إجمالي صادرات سوريا، في حين أن واردات سوريا من دول الاتحاد الأوربي تبلغ أكثر من 30% من إجمالي الواردات، وبذلك يحتل الاتحاد الأوربي المرتبة الأولى من بين مجموعات الدول التي تستورد منها سوريا. (حسب المجموعة الإحصائية السورية لعام1998).

      كل ذلك مع غياب تضارب المصالح بين سوريا والاتحاد الأوربي، مما يسهل إمكانية إقامة الشراكة دون مشاكل.

      ثانياً- إن مشروع الشراكة هو الأفضل من بين المشاريع المقدمة المعروضة على سوريا في ظل الظروف الدولية الراهنة، مقارنة بالتحديات التي تفرضها منظمة التجارة الدولية على الاقتصاد السوري، لأنه بكافة قطاعاته غير مؤهل للشروط التي تفرضها المنظمة.

      ولكن تجاهل ذلك، حسب رأي، لا يمكن أن يدوم طويلاً، وخاصة بعد عام 2005 .

      ثالثاً- إن إقامة الشراكة يدفع أوربا إلى تبني مواقف موضوعية وغير منحازة لإسرائيل تجاه عملية السلام وتحقيق السلام العادل والشامل.

      رابعاً- إن إقامة الشراكة تساعد على عدم ترسيخ قواعد النظام الدولي الحالي القائم على أحادي القطب، لأنه ليس من مصلحة العرب وأوربا بانفراد أمريكا بالمنطقة والتحكم بها. [2]

      خامساً- إن الدخول بالشراكة يشجع العرب على إقامة مشروعهم القومي، والتمثل حالياً بإقامة منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى، وتشجيع التجارة البينية العربية ومع أوربا، التي تشترط أن تكون مكونات السلع الصناعية المصدرة إليها من مكونات محلية بنسبة60% .

      سادساً- إن اتفاق الشراكة يساعد على تهيئة القطاعات الاقتصادية السورية وفق برنامج محدد للعمل في ظل شروط تحرير التجارة الخارجية مع الاتحاد الأوربي ومع دول الشراكة الأوربية المتوسطية وصولاً إلى بقية دول العالم.

السيدات والسادة:

إن المحاضر حاول معالجة موضوع الشروط الموضوعية لشراكة اقتصادية –سورية أوربية حقيقية عبر العديد من المحطات التي قادته إلى بيان مؤتمر برشلونة عام 1995 وما تضمنه هذا البيان من جانب سياسي وأمني واقتصادي ومالي بالإضافة إلى المجالات الاجتماعية والثقافية والإنسانية دون التطرق إلى المؤتمرات اللاحقة والتي آخرها الذي عقد في ألمانيا.

      وبعد ذلك استفاض المحاضر بسرد العلاقات التاريخية العربية – الأوربية حتى إنه أعادنا إلى الحروب الصليبية وغيرها من الأحداث وقد اتفق معه حول خداع أوربا المستعمرة للعرب، ولكن ألا تتفق معي بأنه من الأجدى في هذه المرحلة لو تم التركيز على العلاقات المعاصرة، وخاصة السورية- الأوربية، وهو موضوع المحاضرة، عبر دراسة الاتفاق الموقع بين سوريا وأوربا عام1977 وتقيمه من حيث نتائجه، لأن العبرة في مدى الاستفادة من عقد الاتفاقات.

      فالمصلحة كانت لدول الاتحاد الأوربي الذي حقق امتيازات تفضيلية لصادراته إلى سوريا، بينما لم تحقق سوريا أية فائدة وراء التفضيلات المحدودة في الرسوم على الواردات فضلاً عن إعطائها مزايا لصناعات لا تتوفر مقومات صناعتها بشروط اقتصادية، في حين كانت الفائدة متبادلة في إطار اتفاق الاتحاد الأوربي مع إسرائيل. [3]

      كما ركز المحاضر هنا على الجوانب السياسية والعسكرية أكثر من تركيزه على الجانب الاقتصادي مما ستحوذ على جزء كبير من المحاضرة، كان يمكن اختصاره وتركيزه أكثر.

ولكن المحاضر كان محق عندما طرح تساؤل حول استعداد أوربا للشراكة، بعد أن تبين مدى استعداد العرب لهذه الشراكة؟ ولكنه ربط ذلك بشروط لا يستطيع لا الجانب العربي ولا الجانب السوري فرضها ألا تعتقد معي أن تغير الموقف الأوربي وجعله يتخذ مواقف موضوعية من الصراع العربي-الإسرائيلي أفيد من رش الرماد في العيون.

      وهنا لا بد من التأكيد على أن العرب أظهروا استعدادهم، وعلى غير عادتهم في فتح حدودهم، ولكن ظل ترتيبات إقليمية ودولية، أكثر من استعدادهم لفتح حدودهم تجاه بعضهم البعض.

      لقد تأكد لنا موقف المحاضر من الشراكة الأوربية- المتوسطية والذي ينتمي إلى التشكيك في النوايا الأوربية، ويؤكد أن هذه الشراكة لا تخدم إلا مصالح الإتحاد الأوربي ولن تعمل إلا على تكريس التخلف واستفحال البطالة وشرذمة الموقف العربي واتساع الفجوة الاقتصادية التكنولوجية، وبالتالي فالشراكة مكلفة كثيراً للعرب وسوريا، خاصة وأن الفكرة أوربية وقائمة على التكافؤ وتهدد الصناعة العربية وعدم ضمان انتقال التكنولوجيا الأوربية، لأن اتفاق الشراكة ينص على حقوق الملكية الفردية التي ستحد من إمكانية الحصول على المعرفة التكنولوجية، مما سيعمق من الفجوة التكنولوجية بين العرب وأوربا ويجعل الحصول على هذه المعرفة مكلفة جداً.

      قد أتعاطف مع المحاضر لاتخاذه مثل هذا الموقف، ولكن ألا ترى معي أن رفض كل شيء قد يؤدي إلى خسارة فادحة في أحيان كثيرة؟.

      إن الواقعية قد تحتم على الدول التعامل حتى مع العدو كما أن العدو قد يصبح حليفاً ولو لمرحلة معينة، وهذا ما يؤكده الواقع الدولي والعلاقات الدولية، وكذلك تفرضه أحياناً، بل في أغلب الأحيان المتغيرات الدولية والتحديات القادمة منها. وعندها ألا يحق للدول أن تعتمد كل الوسائل المتاحة أمامها للحد من هذه التحديات وآثارها؟.

      وهنا أؤيد رأي الدكتور عصام الزعيم عندما أكد على أن الشراكة هي عملية تفاوض وتبادل مؤقت والهدف منه تحسين المكاسب التي يمكن أن يحققها الجانب العربي وبناء عليه سوريا. [4]

فالخطأ يرتكبه الجانب العربي عندما قرر أن يدخل الشراكة فرادى، في حين أن أوربا تفاوض متحدة ومن مركز قوي.

      لماذا لا يتم الدخول إلى الشراكة الأوربية – المتوسطية باتفاق جماعي عربي – أوربي وهو عكس ما يجري تماماً.

      وهنا أدعو إلى دخول كل من سوريا ولبنان باتفاق واحد مع الاتحاد الأوربي، فالإرادة السياسية متوفرة وكذلك يمكن اعتبار المشكلات والمتطلبات واحدة، فضلاً عن وجود اتفاق لإزالة الرسوم الجمركية بين البلدين خلال أربع سنوات.

      كما أطالب الخارجية السورية بالعمل جاهدة إلى تنسيق المواقف في المؤتمرات والعمل على تشكيل وفد عربي واحد للتحدث باسم المجموعة العربية وتحويل الشراكة إلى شراكة عربية-أوربية تنضم إليها دول الخليج العربي.

      ويبقى أمامنا الجواب على التساؤل الذي ينسجم مع عنوان المحاضرة وهو ما هي الشروط الموضوعية لقيام شراكة اقتصادية سورية-أوربية حقيقية؟ فالمحاضرة لم تتضمن الإجابة عليه بوضوح، لعل المحاضر ترك ذلك للمناقشة.

      وفي هذا الصدد أؤكد على أن تحديد الشروط الموضوعية لقيام الشراكة والتي تعبر عن مصالح سوريا ليس بالأمر السهل، ويضاف إلى ذلك أن تحقيقها يتوقف على المفاوض السوري. وإن كنا نؤمن بكفاءة المفاوض السوري، إلا أنني أعتقد أن الشراكة تستحق تشكيل فريق عمل يضم كل الفعاليات ومنها العلمية لتزويد المفاوض السوري بالمقترحات والدراسات والحلول الممكنة لكل مشكلة مطروحة أما الشراكة ومع ذلك أحاول وأقترح ما يلي:

1-   جعل الاتفاق ينص على ضمان دخول السلع السورية الصناعية والزراعية تحديداً إلى سوق الاتحاد الأوربي مع ضمان عدم المغالاة من الجانب الأوربي بتطبيق قواعد المنشأ وقواعد الصحة والبيئة.

2-    ضرورة جعل الاتفاق ينص على تحرير تجارة الخدمات من جانب واحد مع العمل على رفع كفاءة قطاع الخدمات السوري بكافة فعالياته من النقل إلى المصارف إلى السياحة والتأمين.

3-    ضمان نقل التكنولوجيا والمعرفة التكنولوجية فعلاً لتحسين أداء الصناعة والزراعة السورية.

4-    جعل الإنفاق يضمن تحقيق المصالح المتبادلة من الشراكة والحد من العجز التجاري لصالح الاتحاد الأوربي وإعطاء سوريا حق الدولة الأكثر رعاية وتطبيق أحكام منظمة التجارة الدولية من جانب واحد.

5-    جعل الاتفاق يضمن عملياً تعويض سورياً ما يكفي لإعادة هيكلة اقتصادها ومن متطلبات الشراكة وما يكفي لتغطية خسارتها من الإيرادات المالية الناجمة عن تحرير التجارة. [5]

6-    إجراء دراسات موسعة لواقع الصناعة السورية وتحديد التمويل اللازم فعلاً لمعالجة ضعف الصناعة وإعادة هيكلنها وفقاً لمتطلبات الشراكة.

7-    تحديث القوانين اللازمة لتشجيع الصناعة والسماح بإقامة جميع الأنشطة الصناعية دون استثناء.

8-    تشجيع المنافسة بين المؤسسات الصناعية الوطنية لرفع مستوى جودة السلع السورية.

9-    إقامة المشاريع المشتركة وخاصة في مجال الصناعة والتصنيع الزراعي.

10-   تأسيس مراكز أبحاث صناعية وزراعية وتسويقية مشتركة.

11-   العمل على الاستفادة من استقرار اليورو في تعاملات سوريا الخارجية والعمل على توحيد أسعار الصرف.

السيدات والسادة:

إن إتمام الشراكة ليس بالأمر السهل يحتاج إلى وقت وجهد جميع الفعاليات لضمان أفضل الشروط لسوريا….فالإسراع في إتمام الاتفاق دون دراسة متأنية يحمل سوريا تكلفة باهظة، فالحذر مطلوب.

      إن دخول الشراكة باتفاق واحد مع لبنان تجاه الاتحاد الأوربي يمكن أن يكون مواة لانضمام دول أخرى على هذا الأساس. ويمكن العمل على توحيد الاتفاقات لتشمل سوريا ولبنان والأردن ومصر والسعودية.

      كما أن العمل على إتمام منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى ضمانة أخرى لتحقيق مصالح أفضل في ظل الشراكة، كما على سوريا أن تعمل على إيجاد شريك مواز للاتحاد الأوربي، حتى لا تقع تحت ضغوط الاتحاد الأوربي. وهنا أقترح الاتجاه نحو شرق آسيا لإيجاد علاقة استراتيجية أخرى تضمن التعاون التجاري والتكنولوجي، فقد تكون بشروط أفضل مما تقدمه أوربا، وحتى نكسب أكثر من أوربا في حال وجود منافس لها.

      فاليابان والصين وأندونيسيا وكوريا الجنوبية قد يكونوا شركاء بحق.

      وشكراً لحسن استماعكم.

د.حسين الفحل



[1] د. حسين الفحل: عضو هيئة تدريسية58 في كلية الاقتصاد –جامعة دمشق منذ عام 1989، حاصل على الدكتوراه في العلاقات الاقتصادية الدولية من المعهد العالي للعلوم الاقتصادية، برلين ألمانيا. مدرس العلاقات الاقتصادية الدولية والعلاقات العربية بقسم الاقتصاد-كلية الاقتصاد.

[2] أنظر عبد الرحمن مطر، أسئلة برشلونة: فراءة أولى في مؤتمر برشلونة للشراكة الأوربية-المتوسطية مجلة المستقبل العربي-مركز دراسات الوحدة العربية-بيروت العدد 215-1979 صفحة 58.

[3] د.عارف دليلة "تنسيق السياسات تجاه الشرق أوسطية والمتوسطية وأثره على التكامل السوري-اللبناني" في إطار الندوة الاقتصادية الأولى حول العلاقات الاقتصادية السورية اللبنانية الواقع والآفاق عام 1997 صفحة197.

[4] د.عصام الزعيم "الشراكة الأوربية – المتوسطية لمصلحة من" من مجلة الأموال العدد السادس 1998 صفحة95

[5] حسن ابراهيم (الأمين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية) مجلة شؤون عربية عدد88