تعقيب على محاضرة الدكتور منير الحمش حول

الشروط الموضوعية لقيام شراكة اقتصادية سورية أوربية حقيقية.
الدكتور عدنان شومان

لا يسعني في هذا المجال إلا أن أسجل جزيل الشكر لمجلس إدارة جمعية العلوم الاقتصادية التي شاركت في تأسيسها في عام 1965 للجهود القيمة في إرساء أسس ندوة الثلاثاء الاقتصادية التي أصبح ينظر إليها كمرجعية للفكر الاقتصادي في هذا القطر، كما أشكر الزميل الدكتور منير الحمش على ما قدمه لنا من شروح وتحليلات لمضمون مشروع الشركة الاقتصادية المتوسطية وأهدافه وعلى ما توصل إليه من حلول واقتراحات. وإني على اتفاق تام مع ما توصل إليه من أن الشرط الأساسي لتحقيق شراكة اقتصادية عربية أوربية هو تحقيق المشروع النهوضي العربي أولاً ثم إقامة علاقات  موضوعية مع سائر التكتلات الاقتصادية من منطق التكافؤ وليس من منطلق التبعية.

وبالرغم من اتفاقي التام مع السيد المحاضر على ذلك أود أن أبدي النقاط التالية:

أولاً- لقد عانت الأمة العربية الكثير من ممارسات الدول الأوربية التي كانت سبباً رئيسياً في تجزئة الوطن العربي ووضعه تحت الاستعمار أو الانتداب ثم في المساعدة على تحقيق الحلم الصهيوني في الاستيلاء على الأرض العربية وإقامة اسرائيل. حتى أنه يمكن القول بأن أوربا وراء جميع كوارث وإحباطات الشعب العربي منذ انسلاخ الوطن العربي عن السلطنة العثمانية. إن الذاكرة الأوربية يبدو لنتنس أبداً بأن فرسان العرب هددوا بسيوفهم أبواب بواتيه وأنهم أخرجوا الفرنجة من بيت المقدس، ذلك عندما كانوا يداً واحدةً وسيفاً واحداً وإدارةً واحدةً. لهذا لا تسمح أوربا أبداً بأن تتوحد كلمة العرب من جديد والتاريخ الحديث يدل على الجهود الأوربية الحثيثة في الحيلولة دون ذلك، وقد أوضح المحاضر مشكوراً في الصفحات الأولى من محاضرته هذا المعنى لهذا، لا ينتظر أن يساعد مشروع الشراكة الأوربية العربية أو السورية على تحقيق طموحات الشعب العربي في التكامل والوحدة.

ثانياً- من المعروف أن فكرة الشراكة الأوربية والتعاون الأوربي مع بلدان الشاطئ الجنوبي والشرقي للمتوسط ليست بجديدة، فقد بدأ التعاون الأوربي مع هذه البلدان منذ عهود قديمة ترجع إلى زمن الفينيقيين في العصور القديمة. ثم إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية عندما نالت هذه البلدان استقلالها السياسي لكنها بقيت مرتبطة إلى حد كبير بعجلة الاقتصاد للدول التي كانت تستعمرها قبل الحرب. حتى أن الجزائر مثلاً لا تزال حتى اليوم تعتمد اعتماداً شبه كلي على استيراد حاجياتها وخاصة الغذائية منها من فرنسا.

أما اهتمام أوربا بشكل جدي في بلدان جنوب وشرق المتوسط جاء بعد حرب 1973 حيث شعرت أوربا بحجم التهديد المباشر على أمنها واقتصادها وبدأت بعقد سلسلة من المشاورات والمباحثات مع دول هذه البلدان كل على حدة، فعقدت اتفاقية مع إسرائيل والمغرب وتونس 1969 ومع قبرص وتركيا ومالطا بعد ذلك بقليل، غير أن إقدام الاتحاد الأوربي في تحديث وتوسيع فكرة الشراكة الأوربية المتوسطية جاء بعد انعقاد مؤتمر برشلونة في 1995 الذي تم التحضير له بعناية فائقة. وقد عرض السيد المحاضر أهداف وأسس هذا المؤتمر.

ثالثاً- غير أن المحرك الأساسي والهدف الرئيسي لفكرة الشراكة الأوربية المتوسطية هو التنافس الخفي والمعلن بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي للسيطرة على مقاليد الأمور في المنطقة وخاصة المنطقة العربية. وقد ظهر هذا التنافس بوضوح في بوضوح في بداية التسعينات حيث تعارضت مصالح الولايات المتحدة الأمريكية مع المصالح الأوربية من خلال مفاوضات الجات بالنسبة للسلع الزراعية وغيرها. وفي السياسة العامة للشرق الأوسط ودخول الصراع العربي الصهيوني وعملية السلام وإفرازات حرب الخليج الثانية.

كما أن الاتحاد الأوربي يرغب بشدة في أن يكون له دور أساسي في إدارة وتقرير شؤون المنطقة التي تربطه بها علاقات ثقافية واقتصادية وتجارية تعود جذورها إلى أعماق التاريخ، لأن الولايات المتحدة الأمريكية طالبت دول أوربا برفع الأيدي عن منطقة الشرق الأوسط التي اعتبرتها الولايات المتحدة الأمريكية (من جانب واحد) منطقة نفوذ لها من أهمية بترولية واستراتيجية هامة.

رابعاً- يمكن أن نجد وراء أهداف مؤتمر برشلونة المعلنة تكمن أهداف أخرى منها:

أ-رغبة أوربا في تكريس وجودها في المنطقة لتوجيه رسالة إلى الولايات المتحدة الأمريكية "بأننا هنا" لأن الولايات المتحدة الأمريكية باتت تتدخل في كل شاردة وواردة في المنطقة وفي أوربا نفسها.

  فقد اقتحمت الولايات المتحدة الأمريكية البيت الأوربي وتنطحت لحل مشكلاته كما اقتحمت الدار العربية (مشكلة البوسنة والهرسك مشكلة الخليج وأخيراً مشكلة كوسوفو) وإن دل ذلك على شيء إنما يدل على عجز الاتحاد الأوربي والمجموعة العربية في حل مشكلاتها ويشير إلى شعور الولايات المتحدة الأمريكية بأنها سيد العالم أجمع.

ب-كما أن الاتحاد الأوربي يرغب في إيجاد مجالات أوسع للصادرات الأوربية من سلع وخدمات خاصة بعد قيام منظمة التجارة العالمية وسعيها لتحرير التجارة الدولية وانضمام أغلب دول منطقة البحر المتوسط إلى عضويتها. كما يهدف الاتحاد الأوربي إلى إقامة سوق تجارة حرة بينه وبين دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يعطي للصادرات الأوربية معاملة تفضيلية لأن هذه البلدان تشكل سوقاً رئيسية لدول الاتحاد الأوربي ومصدراً هاماً من مصادر الطاقة والأموال الموظفة في أوربا.

ج- ثم يهدف إلى احتواء العنف الذي ينتشر في بعض البلاد المتوسطية عن طريق خطة لمحاربة الإرهاب. ويرى الدكتور محمد الأطرش بأن الاتحاد الأوربي مثله مثل الولايات المتحدة الأمريكية يعتبر الأصولية الاسلامية نوعاً من الإرهاب الذي يجب محاربته، هذا وقد رفضت دول أوربا والولايات المتحدة الأمريكية عروض سورية وغيرها من البلدان العربية لعقد مؤتمر دولي لتحديد معنى الإرهاب الذي تستنكره وتحاربه للتفريق بين الإرهاب والدفاع عن النفس وعن الحقوق المشروعة للشعوب. والإسلام بريء من كل ما يتهمون.

ت- كما يهدف الاتحاد الأوربي إلى تخفيف عبء الهجرة لأبناء الجنوب إلى دول الاتحاد.

خامساً- عملت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل إلى طرح المشروع "الشرق أوسطي" في مؤتمرات التطبيع بدءاً من مؤتمر كازابلانكا 1995 ومروراً بمؤتمر عمان والقاهرة والدوحة تلك المؤتمرات التي قاطعتها سورية ولبنان والتي طرحت فيها أفكار وخطط ومشروعات اقتصادية وأمنية هدفها تغيير هوية المنطقة وتبني علاقات اقتصادية جديدة تهدف إلى تهميش دور أوربا والمنظمات العربية الإقليمية وتسليم دفة القيادة والاستفادة إلى إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.

وإذا رجعنا إلى أهداف وأفكار ذلك المشروع ومشروع الشركة الأوربية العربية نجد بأنهما يلتقيان في بعض النقاط ويختلفان في بعضهما الآخر غير أن الجوهر يبقى واحداً.

أولاً – نواحي الاختلاف:

يختلف مشروع الشرق الأوسطي الإسرائيلي/الأمريكي عن المشروع المتوسطي- الشراكة الأوربية المتوسطية بما يلي:

أ‌-       يطرح الأول نفسه كبديل عن النظام الإقليمي العربي المتداعي بينما يعترف الثاني بوجود هذا النظام لا بل تشجيع العرب في الظاهر المعلن على تعزيز التلاحم الاقتصادي  فيما بينهم، وهذا من جملة الأسباب التي دعت الدول العربية بما فيهم سورية ولبنان إلى الانضمام إليه.

ب‌-   يعمل المشروع الأول على حشر إسرائيل في النسيج الاقتصادي والاجتماعي للمنطقة ومنحها مجالاً جغرافياً وسكانياً واسعاً تستطيع الاستفادة منه مما يهدد مصالح الدول الأوربية في المنطقة كما يهدد العرب في محي هويتهم ويقضي على ما تبقى من معالم نظامهم الإقليمي، فالمشروع الشرق أوسطي يقوم على قاعدة الهيمنة الإسرائيلية وبمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية يتم فيه تحول التفوق العسكري الإسرائيلي إلى تفوق اقتصادي وتكنولوجي، بينما يقوم المشروع المتوسطي على قاعدة الشراكة والاستفادة المتبادلة.

ت‌-   المشروع الشرق أوسطي جاء بمثابة إعلان عن فشل الحركة القومية العربية وطرح نفسه بديلاً عن النظام الإقليمي العربي الذي أصبح برأي إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية من مخلفات الماضي. في حين يعمل المشروع المتوسطي على ت

ث‌-  قارب مصالح الدول الكائنة في الجانب الجنوبي والشرقي من المتوسط مع دول الجانب الشمالي دون أن يمس ظاهرياً بالمؤسسات القومية العربية أو بالوحدة الأوربية.

ج‌-    الأهداف المباشرة لمشروع الشرق أوسطي هو إلغاء المقاطعة العربية لإسرائيل قبل تحقيق أي تسوية سلمية أو أي تقديم ملموس في المفاوضات الثنائية وإيجاد حل شامل وعادل لوضع القدس وعودة اللاجئين الفلسطينيين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في حين لا يفرض المشروع المتوسطي شرط مسبق ويترك الأمر لعملية المفاوضات السلمية أن تأخذ مجراها الطبيعي ومن أسس مدريد للسلام.

ح‌-    قام مشروع الشرق أوسطي لتأمين مصالح إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية في الدرجة الأولى ويهتم بأمن إسرائيل وفرض هيمنتها على المنطقة لتأمين مصالحها ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية، بينما يرمي المشروع المتوسطي إلى حماية أمن أوربا والدول المتشاطئة على المتوسط ويدعو إلى ضمان الأمن الإقليمي للمتوسط بإعلانه منطقة خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل.

ثانياً – نواحي التوافق:

بالرغم من هذه الفوارق بين المشروعين يرى المحللون في كليهما يشكل خطراً على الأمة العربية والنظام العربي الإقليمي ودعماً لإسرائيل وتفوقها العسكري والاقتصادي مع الاعتراف بتفاوت هذا الدعم ما بين مشروع وآخر ويمكن ملاحظة نواحي  التوافق التالية:

أ‌-       بالرغم من ما تتضمنه كلمة شراكة من المساواة والندية فإن المباحثات تدور حول ما بين الخمس عشرة دولة أوربية ممثلة في الاتحاد الأوربي كطرف وما بين كل دولة متوسطية منفردة كطرف آخر تحت شعار مباحثات الشراكة الأوربية المتوسطية ويظهر واضحاً عدم التكافؤ في هذه الشراكة. وفي هذا عيب واضح غذ لا تملك أي دولة متوسطية منفردة من القوة التفاوضية ما يؤهلها لتتعامل مع الاتحاد الأوربي نداً لند. كما يرى المحللون بأنه حتى اليوم إذا تم التنسيق بين دول جنوب المتوسط وشرقه في مفاوضاتها مع الاتحاد الأوربي الأقوى اقتصادياً سوف لا تتمكن من تحقيق ما عجزت عنه مجموعة دول الجنوب في حوار شمال-جنوب الذي عقد في الماضي ولم يسفر عن شيء.

ب‌-   يشترك المشروعان في إلحاق الضرر بالنظام العربي الإقليمي إذ يؤديان إلى عرقلة قيام وحدة اقتصادية عربية، فالاتحاد الأوربي يجمع الدول الأوربية الخمسة عشر في سوق أوربية مشتركة تعطي لكل دولة عضوة معاملة تفضيلية لا تسري على الدول غير الأعضاء في الاتحاد ولو تمت فيما بين الاتحاد وأي دولة أخرى اتفاق شراكة كما هو مطروح في المشروع المتوسطي. وبالرغم من أن المشروع لا يمانع في الظاهر قيام أي تكامل اقتصادي عربي إلا أنه في مسعاه بعقد شراكة مع كل دولة عربية على حدة يجعل قيام وحدة اقتصادية عربية أمر بعيد المنال، أما بالنسبة لمشروع الشرق أوسطي فإنه يعمل صراحة كما رأينا على إجهاض أية محاولة لقيام أي نوع من أنواع التكامل الاقتصادي العربي.

ت‌-   يشترك المشروعان أيضاً في كونهما يعتمدان نظرية حرية التجارة ودعم القطاع الخاص والخصخصة كمدخل للتنمية في المنطقة. لقد أثبتت نظرية حرية التجارة عدم صلاحيتها لإحداث التنمية في البلدان النامية لأنها تقوم على فرضيات لا تتحقق على أرض الواقع وهي العمالة الكاملة وسهولة تنقل القوى العاملة من بلد لآخر ومن قطاع لآخر، كما تفترض وجود المنافسة الكاملة وعدم تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية أو استخدامها التدابير الاقتصادية لتحقيق أهداف سياسية. جميع هذه الافتراضات والأسس غير موجود على أرض الواقع وقد تصدى لها اقتصاديون آخرون وأثبتوا عدم جدواها.

ث‌-    يشترك المشروعان في استغلال منطقة الشرق الأوسط الواسعة لتحقيق مكاسب اقتصادية للطرف الأقوى والمتقدم صناعياً إذ يعمل كلا مشروعين لخلق مجالات أوسع للصادرات بما فيها إقامة منطقة تجارة حرة للسلع المصنعة يكون المستفيد منها من لديه هذه السلع ويرغب في تصديرها. فالدول الأوربية من جهة وإسرائيل من جهة أخرى تتفوق كل منهما اقتصادياً وصناعياً على الدول العربية وتكون المستفيدة بالدرجة الأولى من تحرير التجارة وإقامة منطقة تجارية حرة في المنطقة.

ج‌-     كما يلتقي المشروعان في هدف محاربة انتشار الأصولية الإسلامية تحت شعار ما سمي بالإرهاب. إذ ينطلق المشروعان من مقولة خاطئة بأن الدين الإسلامي يشكل خطراً إرهابياً على كل من أوروبا وإسرائيل وأمريكا ولا يفرقون بين الإرهاب المنظم الذي يدينه العرب قبل غيرهم وما بين النضال من أجل استعادة الحقوق المسلوبة. ويوصمون الإسلام والأصولية الإسلامية بوصمة الإرهاب والدين الإسلامي الذي يقوم على السلام والمحبة والعدل بريء من هذه الوصمة.

        إذا كان مشروع الشراكة الأوربية لا يختلف من حيث الجوهر عن مشروع السوق الشرق أوسطية فلماذا وافقت الدول العربية على إقامة مثل هذه الشراكة. يجيب بعض المفكرين العرب بأن الدافع الأساسي لهذه الموافقة هو دافع سياسي لتكريس صفة المنافسة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي على لعب الدور الأكبر في سياسة الشرق الأوسط وتعميق الخلاف بينهما من أجل تمكين الدول الأوربية من أن يكون لها دور فعال في مجال الصراع العربي-الصهيوني لأنها على الأقل لا تتبع سياسة متحيزة لإسرائيل بنفس الدرجة كما تفعل الولايات المتحدة الأمريكية.

        وفي الختام أتفق تماماً مع النتيجة التي توصل إليها السيد المحاضر في أن الحل للمأزق العربي هو العمل العربي المشترك في سبيل تحقيق التنمية التكاملية الشاملة على المستوى القومي، كيف يمكن تحقيق ذلك؟

        إن الرد على هذا السؤال يحتاج إلى وقت وجلسات عديدة، ليس الآن متسع لذلك ولعل التحديات الكبيرة التي تواجه الأمة العربية في القرن القادم تدفع المخلصين من قادة ومفكري هذه الأمة لتلمس الطريق الصحيح لإصلاح أحوال البيت العربي والبدء الجدي في إرساء قواعد النهضة العربية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الشاملة على أسس من الديمقراطية وضمان حقوق الإنسان العربي.

معذرة للإطالة وشكراً لإصغائكم والسلام عليكم.

الدكتور عدنان شومان