تعقيب على محاضرة الدكتور نبيل مرزوق
حول

(توسيع حجم السوق الداخلي من أجل تفعيل النشاط الاقتصادي)

محمد غسان القلاع *

أيها السيدات والسادة,

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته,

أتقدم بداية بالشكر والتقدير لجمعية العلوم الاقتصادية في القطر العربي السوري, لتنظيمها ندوة الثلاثاء الاقتصادي سنوياً, والتي أصبحت مركزاً للحوار  البناء في هذا القطر,  كما أتقدم بالشكر للأستاذ الدكتور كمال  شرف – رئيس الجمعية, الذي يدير هذه الندوة بما عرف عنه من هدوء وسعة صدر وطول بال, ولعل ندوة هذا العام والتي حملت عنوان "قضايا اقتصادية ملحة تتطلب المعالجة" لها الكثير من الأهمية كما الضرورة, وإن الحوار الذي تشهده بين مختلف التيارات الفكرية ضرورة ملحة أيضاً لأنه يوصلنا إلى أفضل الحلول لسعادة ورفاهية كل مواطن الذي هو هدف كل تنمية وغايتها.

وكل الشكر والتقدير للسيد الدكتور نبيل مرزوق على محاضرته القيمة التي تناولت جوانب عديدة للسياسات الاقتصادية بهدف تفعيل النشاط الاقتصادي.

كما أنني أود أن أنوه بأن عضويتي في مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق منذ ما يزيد عن ربع قرن والتي أعتز بالانتماء إليها, وأعتز بدورها الوطني في المجال الاقتصادي والاجتماعي, فإن ما سأقوله لا يمثل رأي مجلس إدارتها, ولكنه رأي شخصي من مواطن يعمل في حقل التجارة والصناعية, ومر بتجارب, وواجهته تسهيلات وعقبات منذ بدء ممارسته العمل وحتى الآن.

لا شك بداية أن السوق الداخلية هي الحلقة الأكثر أهمية في تفعيل النشاط الاقتصادي, وخاصة في فترات الانكماش والكساد, ووجود منافسة كبيرة وقوية على أسواق التصدير, ولذلك سأقوم بتناول الموضوع من خلال ثلاثة أقسام رئيسية:

-يتناول القسم الأول: وبشكل موجز أسباب الجمود في السوق الداخلية, ومحاولة تحريك السوق من الناحية الإدارية والتسويقية.

-أما القسم الثاني : فيعرض بعض الوسائل المقترحة لتفعيل النشاط الاقتصادي من الناحية الاقتصادية والمالية.

-أما القسم الثالث : فسأحاول فيه عرض بعض الملاحظات ووجهات النظر حول النقاط الرئيسية الواردة في محاضرة الدكتور نبيل مرزوق .

القسم الأول: لا يخفى على المتتبعين أن الانكماش العالمي والركود بدأ يلقي بظلاله على قطرنا من منذ أواخر عام 1993, وأصبح واضحاً في عامي 98و99, وقد بدت مظاهر هذا التأثر في قطرنا واضحة على أغلب النشاطات والأعمال التجارية, وظهرت آثار التضخم واضحة وارتفعت أسعار كثير من السلع بشكل لا يتناسب مع متوسط دخل الفرد في سورية  أو حتى مع حالة الانكماش التي يفترض أن تضغط باتجاه انخفاض الأسعار, وبدأت شرائح المجتمع تتأثر بهذا الانكماش واحدة تلو الأخرى ولم ينج من هذا التأثر إلا القلة القليلة, وبالإضافة إلى الأسباب العالمية إلى الركود والانكماش لعتب الأسباب المحلية دوراً كبيراً في هذا, كازدياد حجم المستوردات خلال فترة قصيرة و وجود فائض كبير من السلع الاستهلاكية في السوق, وتوقف وجمود قطاع البناء, مما خلق بطالة واسعة في اليد العاملة في هذا القطاع. وانعدام وسائل وقنوات الاستثمار وخاصة للمدخرات الصغيرة والمتوسطة, مما دفع بعدد لا يستهان به من مستثمري الأموال إلى دخول السوق وجذب هذه المدخرات وتوظيف كم هائل من رؤوس الأموال في قطاع النقل وبوسائل نقل غير مجدية وتستهلك على عدد قليل من السنوات, وبنتيجة سوء الإدارة والاستعمال, جرى تجميد كتلة كبيرة من الأموال بعد إيقاف موظفي الأموال عن ممارسة أعمالهم غير النظامية, كما أن لجوء الدوائر المالية  إلى سحب كتلة نقدية كبيرة من التداول بشكل حاد عن طريق جباية الضرائب المتراكمة-وهذا من حق الخزينة طبعاً-ولا ينكره أحد عليها, ولكنه انعكس بصورة سلبية على حركة السوق (وكان يمكن تقسيمها على عدد من السنوات), بالإضافة إلى تراجع حجم التسليفات المصرفية, وقارئ المجموعة الإحصائية يلاحظ تدني هذه التسهيلات وحجم الكتلة النقدية المطروحة بالتداول مقارنة بعدد من السنوات السابقة, كما أن انخفاض عائدات التصدير لمجموعة أسباب خارجية ومحلية, خلق فائضاً سلعياً كبيراً وبطالة في اليد العاملة, مما أثر على معدل الدخل في الأسرة.

وباعتبار أنه لسنا في معرض استعراض وإحصاء أسباب الانكماش, لذلك سأكتفي بما ذكرت حول هذه النقطة, لأنتقل إلى محاولة تحريك السوق الداخلية من الناحية الإدارية والتسويقية.

فمن موجبات هذا التحريك والتفعيل بهذا المنحى الإداري والتسويقي, توظيف المعلومات الإحصائية في خدمة المواطن والتوسع في الدراسات التحليلية بشكل مفصل ينعكس إيجاباً على اتخاذ القرار المناسب, بالإضافة إلى البحث في القوى المؤثرة على الاستهلاك, والواقع أن هناك حقيقة واضحة تتجلى في أن المستهلك هو سيد السوق وإن التركيز على إنتاج وتوزيع السلع التي يرغبها ويستطيع شرائها في الوقت المناسب وفي المكان الملائم وبالسعر المعقول, يشكل نقطة البداية في أي حركة تستهدف تنشيط حركة التجارة الداخلية, كما أن هناك نقاط لا بد من دراستها من الناحية الإدارية والتسويقية, فعدد السكان له أثر مباشر على حجم الطلب, وكذلك اختلاف المناطق, فحجم الاستهلاك في مناطق التجمعات السكنية بالمدن أكثر منه في الأرياف, وكذلك يختلف في المدن من حي لآخر, ولعل النقطة الأهم في معرض الحديث عن القوى المؤثرة في الاستهلاك يتمثل في حجم الدخل الفردي ودخل كل أسرة وعدد العاملين فيها, فكل زيادة في الدخل القومي تنعكس حكماً على الأفراد وحجم استهلاكهم, وكذلك توزيع الدخل بحيث تكون المقدرة الشرائية في أيدي الغالبية العظمى من أفراد المجتمع, كما أن نواحي إنفاق الدخل على الغذاء والكساء والسكن والتداوي والتعليم, والنفقات الطارئة, والرغبة في الادخار إن وجدت, تلعب دوراً هاماً ورئيساً في القوى المؤثرة بالاستهلاك وتحريك السوق, بالإضافة إلى فئات الأعمار وتقسيم المواطنين بين ذكور وإناث ومستوى التعليم وعدد أفراد الأسرة وحركة السكان من الريف إلى المدينة, ومن المدينة إلى الضواحي, كلها عوامل هامة تجدر دراستها, والاستفادة منها وتوظيفها لصالح البحث عن القوى المؤثرة في الاستهلاك ودوافع الشراء عند المستهلك, وهل هذه الدوافع أساسية عند الحاجة اليومية أم بعضها كمالي وتفاخري, كما أن معرفة مشاكل المستهلك ورغباته والبحث عن أولويات حاجته وتقديم السلع المناسبة بالأسعار المناسبة وبالمكان المناسب, مع تقديم بعض التسهيلات في تسديد القيم إذا دعت الضرورة لذلك, وتوسيع شبكة التوزيع للوصول إلى المستهلك بأقصر الطرق وأقلها نفقة. كل ذلك يشكل جزءاً متمماً لدراسة السوق الداخلية التي تعتبر أساساً في ولوج الأسواق الخارجية والتصدير الذي يشكل توأم الحركة الاقتصادية وأحد الوسائل الهامة لمعالجة الحالة الراهنة من القضايا الملحة .

والآن نتكلم عن القسم الثاني المتعلق بالوسائل المقترحة لتوسيع حجم السوق الداخلي من الناحية الاقتصادية والمالية.

رغم أن مرحلة الركود هي جزء من الدورة الاقتصادية, ولكن يجب الاستفادة منها بالاستعداد وإعادة النظر بالتكاليف, وتأمين المواد الأولية بأسعار منافسة ليكون المنتج النهائي على استعداد لتسويقه محلياً وتقوية مركزه في المنافسة الخارجية.

ولا شك أن هناك عدة عقبات ينبغي معالجتها لتفعيل النشاط الاقتصادي, وبصورة مبسطة يمكن القول إن كل سلعة منتجة تدخل فنها تكاليف مباشرة تتشكل في معظمها من المواد الأولية, وهي على الأغلب مستوردة تخضع لنسب رسوم جمركية يتوجب إعادة النظر فيها ومقارنتها بالرسوم التي تتقاضاها الدول المجاورة على الأقل, بالإضافة للتكاليف غير المباشرة بدءاً من الأجور التي يجب أن تكون كافية لمواجهة أعباء الحياة اليومية على أن يقابلها إنتاجية عالية وتوفير في الوقت الضائع.

وهناك أخيراً الضرائب والرسوم التي أصبحت تشكل عبئاً متزايداً على العمل الإنتاجي- وهذا لا يعني أن يعفى المنتج من الضرائب والرسوم-ولكنني أدعو لإجراء مقارنة أيضاً مع الدول المماثلة لنا في كافة الجوانب, وتجارب الدول التي سبقتنا في إنتاج سلع بأسعار منافسة وجودة أعلى, لتكون تجاربها موضع تأمل ودراسة للاستفادة منها .

كما أنه من الضروري رفع سوية العاملين في الإنتاج من مد راء وعمال بقصد تحسين سوية المنتج وزيادة عدد الوحدات المنتجة الذي يؤدي بالتالي إلى تخفيض التكاليف. كما أن للمصارف المحلية دوراً كبيراً في تمويل عملية الإنتاج .

وإذا أردنا أن نتوخى الحقيقة, فإن زيادة دخل الفرد لرفع قدرته على الشراء هي العامل الأساسي لتحريك السوق وتفعيل النشاط الاقتصادي, وهذه الزيادة ليست فقط برفع الدخول بل يجب أن تعتمد وبشكل كبير على تخفيض التكاليف والأعباء ليتمكن المواطن من الحصول على خدمات أكثر بنفس الوحدات النقدية.

كما ينبغي تنشيط الاستثمار ورفع العوائق الإدارية عنه سواء كان المستثمر محلياً أو من خارج القطر, على أن تكون هذه الاستثمارات من النوع الذي يخلق أكبر قدر من فرص العمل التي تساعد على امتصاص البطالة وزيادة دخل الفرد, وبخاصة التركيز على الاستثمارات الزراعية والصناعية, على أن يترافق ذلك بدعم حقيقي للنشاط التصديري وإزالة جميع عوائقه ومنحه جميع التسهيلات المصرفية والإدارية المطلوبة ليشكل مع تفعيل العمل الإنتاجي منطلقاً لتحريك السوق الداخلية وتفعيل الأنشطة الاقتصادية.

القسم الثالث: أعود الآن لمحاضرة الدكتور نبيل مرزوق ( وليعذرني إن قلت أنني استلمتها صباح أمس وبالتالي لم يتح لي فرصة مناقشة وتحليل الأرقام والاستنتاجات الواردة فيها, إلا أنني ومن خلال هذه القراءة أود إيراد بعض الملاحظات التي قد تحمل بعض الاختلاف أو الموافقة, إلا أنها تبقى مجالاً مفتوحاً للنقاش الهادئ والصريح الذي من خلاله تتعمق الأفكار وتتقارب وجهات النظر.

1– لقد توقعت من عنوان المحاضرة أن يشير الباحث إلى الأسباب التي أدت إلى حالة الركود التي تشهدها السوق الداخلية منذ ست سنوات بقد فترة الانتعاش التي مرت بها خلال الفترة من 1987 – 1993 والمقترحات العملية للخروج من هذه الحالة.

2– رغم أهمية النظريات والأفكار التي عرضها السيد المحاضر في القسم الأول ورغم أهمية الإطلاع عليها إلا أن الأهمية الأكبر تكمن في تحديد مدى انطباقها على واقع عمل اقتصادنا السوري ( الذي يتسم بخصوصية شديدة ) ومدى القدرة على الاستفادة من تحليلاتها في توصيف مشكلاتنا الاقتصادية والخروج بمقترحات عملية لتفعيل النشاط الاقتصادي.

3– وكما أن لسورية خصوصيتها في السياسة فإن لها أيضاً خصوصيتها في الاقتصاد بعيداً عن النظريات والتنظير والتي يجب أن تنبع من طبيعة المواطن السوري وتلبية حاجاته وتستوعب متطلباته المستقبلية.

4– أود التأكيد مرة أخرى على خصوصية اقتصادنا السوري, فبرامج الإصلاح التي قد تطبق في بلد ما قد لا تصلح في بلد آخر, ومن خلال ذلك فإننا لا ندعو إلى تطبيق وصفات جاهزة أو برامج محددة, بل ندعو للتصحيح والتجديد وفق متطلبات وظروف الاقتصاد السوري واحتياجاته المستقبلية ضمن برنامج وطني تشارك في وضعه جميع الفعاليات والتيارات الفكرية والعملية ويكون قابلاً للنقاش والتصحيح من خلال دراسة وتحليل انتكاساته وآثاره على مجمل النشاط الاقتصادي.

5– أشار السيد المحاضر إلى أن تخفيض الضرائب يؤدي إلى تقليص الإيرادات العامة وهذا صحيح تماماً على المدى القصير أما على المدى البعيد فإن تخفيض الضرائب وجعلها بنسب معتدلة يساهم في توسيع النشاط الاقتصادي (الإنتاجي والتجاري  فاخدمي) وبالتالي خلق فرص عمل جديدة وزيادة الدخل الفردي والقومي, أما الضريبة المرتفعة كما كان مطبقاً قبل صدور القانون رقم /20/عام/1991/ والتي كانت تصل نسبتها بعد الإضافات إلى 92% على شريحة الربح التي تزيد عن(700) ألف ليرة فهي ضريبة مرهقة ستؤدي في النهاية إلى فقدان المطارح الضريبية التي يمكن أن تكون مورداً مستمراً للخزينة العامة في حال فرض ضريبة معتدلة.

أما فيما يتعلق بالإعفاءات فإن الصناعات الصغيرة والمتوسطة لم تستفد من هذه الإعفاءات الضريبية وهي تدفع نسبياً جزءاً كبيراً من دخلها للخزينة على شكل ضرائب ورسوم على اختلاف أشكالها ومسمياتها.

6– في اعتقادي أن الرقابة على الأسعار تكون مطلوبة بل ضرورية في حالة ندرة المواد أو محاولة احتكارها كما كان الوضع في منتصف الثمانينات, أما في الوضع الحالي والذي يشهد وفرة سلعية كبيرة من المواد المنتجة محلياً أو المستوردة فإن الرقابة السعرية ينبغي أن تقتصر على موضوع الإعلان عن السعر والتقيد بالمواصفة وترك الخيار في الحكم للمستهلك الذي سيميز بين السلعة الجيدة والسلعة الرديئة.

7– في موضوع القطاع العام إننا نعتقد أن هذا القطاع الهام والرائد الذي تملكه الدولة هو ملك لجميع المواطنين بنفس الوقت وكل مواطن يملك سهماً فيه وإن نجاحه ينعكس إيجاباً على كل مواطن في هذا القطر, وإن تعثره ينعكس سلباً على الجميع, كما أنه ليس مهم من يملك المنشأة الاقتصادية بل المهم كيف يتم إدارتها بمرونة وكفاءة وإنتاجية عالية لتستطيع تحقيق الأهداف المرجوة منها وبيع القطاع العام لم يكن حلاً ولن يكون.

8– في موضوع تخفيض الرسوم الجمركية, لقد أصبح واضحاً المنافسة الشديدة التي تتعرض لها السلع السورية في الخارج, فكيف يمكن المنافسة والدول المجاورة العربية سبيل المثال إما تعفي المواد الأولية المستوردة الداخلة في الإنتاج التصديري من الرسوم الجمركية أو تضع عليها نسباً منخفضة, ونحن إذا أردنا دخول عالم التصدير بقوة ومنافسة فعلينا إعفاء المواد الأولية والتجهيزات الداخلة في الصناعات التصديرية من هذه الرسوم ليبقى التصدير محركاً أساسياً للنمو رافداً مستمراً للقطع الأجنبي.

9– أشار السيد المحاضر إلى أن التوجه للتصدير سيؤدي إلى افتقار السوق المحلية من السلع وهنا أود التأكيد أنه من القواعد الاقتصادية  أن أي صاحب مشروع إنتاجي لا يتوجه للتصدير إلا بعد أن تكون السوق المحلية قد أشبعت تماماً ولم تعد قادرة على استيعاب فائض إنتاجه وبالتالي نحن في سورية غالباً ما نصدر الفائض وهذا لا يؤثر على حاجات الأفراد المحلية.

10– فيما يتعلق بانتقال رؤوس الأموال إلى الخارج نرى من الضروري دراسة أسباب ذلك والعوامل المؤثرة فيه وإيجاد الوسائل الفعالة اقتصادياً لجذبه.

11– في الواقع أن استغرب إيراد مثل عن فشل سياسة التصحيح في بلد مثل (الصومال أو رواندا) للتدليل على فشل أي عمل تصحيحي, فالاقتصاد السوري وفق درجة تطوره وتطور عوامل الإنتاج فيه والتعددية والتنوع في الفعاليات التي تعمل فيه مختلف تماماً عن هاتين الدولتين, والتصحيح إلي ينبع من واقع اقتصادنا لا بد له من النجاح ولو في فترة مقبلة.

12– فيما يتعلق بتراجع معدلات النمو خلال الفترة من 1985 – 1996 وتراجع معدلات الاستثمار العامة, هذا بلا شك صحيح إلا أنه ليس نتيجة فشل السياسات الاقتصادية التصحيحية  في فترة التسعينات(رغم أننا ندعو إلى تقييم نتائجها في كل مرحلة لاستنباط طرق جديدة للتفعيل) إلا أن السبب الحقيقي كما يعرفه الجميع يعود إلى توقف المساعدات المالية العربية عام 1986 التي وصلت خلال الفترة من عام 1977 – 1981 إلى سبعة مليارات دولار.

وهذا ما دعا إلى إشراك القطاع الخاص بصورة أكبر في العمل الاستثماري وهو توجه وطني أخذ باعتباره إمكانات هذا القطاع وقدراته.

ومع ذلك فإن الحكومة مازالت تركز على الاستثمار العام وموازنة عام 1998 خصصت 51% من موارد الموازن للاستثمار, إلا أن التزايد السكاني وحاجات التنمية بحاجة لجهود الجميع وقدرات الجميع.

13– أؤكد على ما جاء به المحاضر بأن ( رغبة الحكومة في إعطاء القطاع الخاص دوراً أكبر في النشاط الاقتصادي لا يتعارض مع دورها في الإنفاق على المشروعات الأساسية) لأن هذا ما يؤدي إلى رفع الكفاءة ويخلق جو المنافسة لخدمة الاقتصاد الوطني .

14– فيما يتعلق ( بتخفيض عجز الموازنة) أشار السيد المحاضر إلى أن الحكومة أخذت بتوجيه صندوق النقد الدولي بهذا الخصوص ) وأنا لا أعتقد أن تخفيض عجز الموازنة يحتاج لتوجيه من أحد لأنه مطلب وطني لتخفيف الضغوط التضخمية وارتفاع الأسعار.

وهنا أود العودة للتأكيد على  أن وصفات صندوق النقد الدولي ليست بالوصفات السحرية التي تحمل الدواء الشافي ومن هنا فتأكيدي أن يكون عملنا نابع من خصوصيتنا الذاتية.

15– أؤيد ما جاء به السيد المحاضر في أن انخفاض الأجور يؤدي إلى انعدام الحافز لزيادة الإنتاجية وبالتالي ضعف الكفاءة وارتفاع التكاليف وبالتالي نحن مع زيادة الأجور بصورة حقيقية مدروسة.

16– أشار المحاضر إلى غياب وجود نظام تأمين ضد البطالة في سورية وهنا أود التساؤل (وهل كان يوجد مثل هذا التأمين قبل عام 1986) وهل هذا نتيجة تقليص الإنفاق الاجتماعي.

17– فيما يتعلق بزيادة المستوردات التي أشار إليها السيد المحاضر فقد كان قسم كبير منها نتيجة الحاجة لزيادة الصادرات التي تحتاج لآلات ومواد أولية ومواد مساعدة ومتممة وهي بذلك عنصراً إيجابياً ما دامت ستؤدي في النهاية لعملية تصديرية ناجحة ترفد الخزينة بالقطع الأجنبي.

18– نحن مع توزيع عادل للدخل القومي لأن في ذلك توسيع للسوق الداخلية وتنشيط للعمل الاقتصادي ونحن مع إصلاح إداري شامل, ونحن مع إدخال التقنيات الحديثة والاستمرار في الثورة المعلوماتية التي تشهدها سورية لأنها جواز سفرنا لدخول القرن المقبل قرن التحديات بكل ثقة واقتدار.

19– لقد كانت المقترحات التي أوردها السيد المحاضر عامة وبخاصة فيما يتعلق بوضع الاستراتيجية وتحديد الأدوار.

وهنا أود التساؤل هل العودة لتوزيع الأدوار بين القطاعات الاقتصادية كما كان معمولاً به سابقاً في الخطط الخمسية هو الحل أم دعم وتشجيع القطاع الأكثر كفاءة بغض النظر عن ملكيته وانتماءه طالما هو قطاع وطني يهدف لخلق فرص عمل أكبر ويحقق تنمية مستمرة.

وهذا ما أكد عليه سيادة الرئيس عندما قال (لقد كان من الثوابت الأساسية في نهج الحركة التصحيحية إفساح المجال أمام كل الفعاليات الاقتصادية للمساهمة في بناء الوطن وازدهاره) (ولا فرق بين قطاع عام وخاص إذا كان كل منهما يعمل وينتج بكفاءة وفعالية لخدمة عملية التنمية).

أخيراً تبقى الملاحظات التي أوردتها قابلة للنقاش والحوار وأكرر تقديري للسيد المحاضر الذي أملى رأيه في مجمل الأوضاع الاقتصادية بصراحة وجرأة .

وشكراً لاستماعكم وعذراً للإطالة.

دمشق في 9/3/1999
محمد غسان القلاع



[1] عضو مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق – رئيس لجنة الدراسات والإعلام والنشر.