توسيع حجم السوق الداخلي من أجل تفعيل النشاط الاقتصادي

د.نبيل مرزوق *

يثير العنوان مسألة جدلية العلاقة بين حجم السوق والنشاط الاقتصادي, كما يثير عددا من التساؤلات حول طبيعة السوق والطبيعة السائدة فيها وحول المقصود بتفعيل النشاط الاقتصادي؛ هل المقصود التنمية, أو النمو, أم الاستمرارية؟. إن الصيغة العامة والغامضة للعنوان تحتاج إلى تدقيق بعض المفاهيم والاتفاق بشأنها للتوصل إلى معالجة موضوعية واستنتاجات واضحة للمسألة المطروحة.

يفرض حجم السوق والعلاقات السائدة فيها قيوداً على تنفيذ خطط التنمية ويؤثر بشكل كبير على مستوى النشاط الاقتصادي؛ إذ ليست السوق انعكاساً لصورة النشاط الاقتصادي فقط وإنما تقوم بدورها بتوجيه النشاط وتحديد مستواه؛ وهذه الأهمية للسوق لا تنفي كونها جزء من النظام الاقتصادي العام؛ والعلاقات السائدة فيها تعكس قوانين هذا النظام؛ وبالتالي فإن التعرف على فعاليات السوق تتطلب؛ تحديد القوانين التي تخضع لها والنظام الذي تتبع له. ضمن هذا الإطار يمكن البحث في طبيعة السوق السورية والنظام الاقتصادي الاجتماعي الذي تقع ضمنه. وإذا كان هنالك اتفاق أنها سوق رأسمالية في إطار نظام رأسمالي, يبقى من الضروري تحديد أي نظام رأسمالي؟ وما هي فقالية السياسات المتبعة ودورها في توسيع السوق وفي تفعيل النشاط الاقتصادي؟  من أجل تقديم بعض عناصر الإجابة على هذين السؤالين الأساسيين؛ سنحاول التعرف على النظريات السائدة والتي تعالج هذا الموضوع في إطار النمو الاقتصادي؛ ثم نتناول الاقتصاد السوري والسياسات المتبعة ومدى مطابقتها لأهداف التنمية؛ وفي الخاتمة نقدم بعض المقترحات لمعالجة مسألة توسيع السوق في إطار استراتيجية التنمية الاقتصادية والاجتماعية؛ وذلك من خلال العناوين التالية:

النظرية الاقتصادية السائدة ومفهومها للنمو الاقتصادي.

سياسات التثبيت والتكيف الهيكلي كتطبيقات لهذه النظرية في الدول النامية.

السياسات الاقتصادية المتبعة في سورية وانسجامها مع أهداف التنمية.

بعض المقترحات, لاستئناف النمو الاقتصادي  واطلاق عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

بداية لابد من الاتفاق على ماهية السوق ودورها؛ حيث تتحدد السوق كبعد رئيسي للنظام الاقتصادي أياً كان نوعه؛ نظام اقتصادي "مركزي التخطيط"  أو نظام "سوق حر"؛ حيث يعكس السوق علاقة العناصر الاقتصادية ودور كل منها؛ حسب النظريات الكلاسيكية "السوق هي المؤسسة التي تؤمن الموازنة بين العرض والطلب بواسطة الأسعار"؛  وفق الليبرالية الاقتصادي, فإن التفاعل الحر بين العرض والطلب من خلال المنافسة التامة أو شبه التامة يجب أن يتم دون أي دور ضاغط من قبل الدولة؛ فآليات السوق كفيلة بضبط الخلل ذاتياً وتحقيق التوازن. من خلال تطور الرأسمالية تبين عدم قدرة السوق على التضبيط الذاتي حيث الأزمات الدورية والمتكررة وضعف النمو والآثار الاجتماعية والبنيوية الأخرى, وهذا ما عبر عنه كينز بضرورة تدخل الدولة لتلافي القصور في عمل الأسواق والتعويض عن ضعف آلياتها. وعلى هذا الأساس يمكن تمييز ثلاثة أنواع من الأسواق.

أ - سوق مخططة مركزياً؛  آليات العرض والطلب متحكم بها مركزياً.

ب -  سوق "حرة تماماً ". نموذج الولايات المتحدة الأمريكية والذي تروج له الليبرالية الاقتصادية الجديدة حالياً.

ج - سوق "حرة ", تقوم الدولة فيها بوضع بعض الضوابط للحد من الآثار السلبية التي تسببها آليات السوق؛ مثل وضع أنظمة للعمل والأجور وضوابط للنظام المالي والمصرفي وسعر الفائدة وغيرها من الإجراءات.

          ضمن هذا التصنيف فإن السوق السوري, ليس مخططاً مركزياً, كما أنه ليس سوقاً متحررة تماماً من الضوابط, وبالتالي فهو سوق حر بالمعنى النسبي, أي أن الدولة تتدخل وتؤثر في فعل عوامل السوق وآلياته؛ وهذا يعكس صورة النظام الاقتصادي الذي هو نظام رأسمالي؛ ومركزي في نفس الوقت؛ مما يتيح تأثيراً ودوراً أكبر للدولة في فعل آليات السوق.

          يبقى القول بأن السوق هي مجموع العناصر الاقتصادية الفاعلة المترابطة فيما بينها وفق علاقات مؤسسية؛ يحدوها النظام الاقتصادي والاجتماعي السائد.

          النقطة الأخرى التي يتوجب الاتفاق عليها وهي: ما الغاية من تفعيل النشاط الاقتصادي؟ و نعتقد أن النشاط الاقتصادي يجب أن يكون ضمن هدف تحقيق التنمية الذاتية والمستمرة؛ منظوراً إليه على ضوء هذا الهدف؛ يمكن بالتالي مقارنة السياسات المطبقة في إطاره ومدى مطابقتها للهدف.

          بعد أن تم الاتفاق على طبيعة السوق والهدف من تفعيل النشاط الاقتصادي في إطار النظام الرأسمالي نفسه؛ من المفيد استعراض وجهات النظر المتعلقة بالموضوع في النظرية الاقتصادية السائدة؛ لتحديد طبيعة السياسات والحلول المطبقة في الاقتصاد السوري.

1 – النظرية الاقتصادية السائدة ومفهومها للنمو الاقتصادي. [2]

          تقوم أطروحة آدم سميث الأساسية على تحليل أسباب النمو الاقتصادي وثروة الأمم وهو يرى أن ثروة الأمة تعود إلى التراكم في رأس المال الذي ينجم عن رغبة الطبقة الغنية في الادخار. وأن رأس المال يتيح إمكانية زيادة إنتاجية العمل وتوسيع السوق وزيادة الإنتاج القومي. بالنسبة لسميث مسألة المنافذ غير مطروحة إذ أن الناتج المحلي الإجمالي يتكون من الأجور المدفوعة والأرباح والريع المتحقق خلال العام والتي تتحول مباشرة إلى طلب استهلاكي؛ وهو يحدد أن " الادخار الوفير وحرية المبادلات هما الشرطان الضروريان والكافيان للنمو الاقتصادي [3] " ؛ هذه  الاطروحات ما زالت تشكل الأساس في جوهر النظرية الاقتصادي السائدة؛ حيث لم تقدم "الكلاسيكية جديدة"  مفاهيماً وتصورات مغايرة لآلية النمو الاقتصادي, فالنمو الاقتصادي في نظام فالراس يتوقف فقط على حجم الادخار الذي يتحدد من خلال آلية التوازن بين العرض والطلب على النقد في سوق رأس المال؛ الجوهر في نموذج فالراس هو أن التوازن يتضمن الاستخدام الأفضل للخدمات المنتجة (خدمات العمل ورأس المال والأرض)؛ وبالتالي فإن نموذج ساكن ومغلق لا يتقبل مفهوم النمو الاقتصادي أو حتى مفهوم عدم التوازن؛ لأن سعر التوازن يتضمن مفهوم السعر المكافئ للمنفعة الحدية أو  الإنتاجية الحدية؛ والذي يعكس الاستخدام الكامل لعناصر الإنتاج؛ وينجم ذلك حسب النظرية عن التقاء الحد الأعظمي الفردي مع الحد الأعظمي الاجتماعي الذي هو محصلة جمعية للمنافع الحدية لمختلف العناصر الاقتصادية. وهذا ما شكل لاحقاً منطلق نظرية "الرفاه" التي ترى بأن "التوازن العام" ضمن شروط معينة؛ فعال لأن ذلك يعني أن المنفعة هي أعظميه بالنسبة لجميع الفاعلين الاقتصاديين وأن استخدام المصادر أعظمي. وعلى هذا الأساس يعتبر باريتو أن مشكلة الحد الأعظمي هي مشكلة إنتاج وليست مشكلة توزيع ومعياره الأساسي؛ هو أن أي تغيير لا يضر بأي شخص ويحسن وضع البعض(حسب تقديرهم)يجب أن يعتبر تحسيناً. أي ليس مهماً معرفة من المستفيد وفي أي اتجاه يتم هذا التحسن؛ طالما أن توزيع الدخل في النظرية مفصول عن مسألة الإنتاج والتبادل؛ فالثروة والدخل يرتبطان بنظام الأسعار التي هي أسعار "طبيعية", وتحقيق الحد الأعظمي "والرفاه" يتم في ظل التوزيع القائم للدخل.

          بالنسبة للكلاسيكية الجديدة فإن السمة الأساسية المحركة للنمو الاقتصادي هي إنفاق المنظمين سواء كان إنفاقا استهلاكياً أو أنه استثمار؛ هذا الإنفاق يحدد مستوى النشاط الاقتصادي وعائد المنظمين في نفس الوقت؛ وفي نفس الاتجاه تذهب معادلة "كامبرج" التي يكون فيها معدل ربح الاقتصاد الوطني مساوياً لمعدل النمو المقسوم على الميل الحدي للادخار لطبقة الرأسماليين. يتضح من هذا الفهم أو التحديد للنمو أنه غير مرتبط باعتبارات تكنولوجية أو بالإنتاجية الحدية أو بدالة إنتاج [4] . يشكل هذا الفهم للنمو أحد خلفيات نظرية "التسرب نحو الأسفلTrickle–down Theory "؛ والتي مضمونها أن زيادة أرباح الطبقة الرأسمالية يعني زيادة قدرتها على الاستثمار وبالتالي إيجاد وظائف جديدة.

          في الطرف الآخر من النظرية الاقتصادية الليبرالية؛ كينز يرى أن الناتج القومي يرتبط باستخدام اليد العاملة وهذا الاستخدام يرتبط بالاستثمار؛ وبرأيه فإن المنظمين يستمرون في الاستثمار طالما كانت الفعالية الحدية لرأس المال أعلى من معدل الفائدة.

          وبالتالي فإن نظريته تجعل الاستثمار مرتبطاً بعاملين منفصلين الأول: الإنتاجية الحدية لرأس المال و الثاني: معدل الفائدة المعمول به. لذلك أكد كينز على ضرورة تخفيض سعر الفائدة بما فيها إصدار النقد. وبما أن كينز يعتقد أن أي سوق لا تمتلك القدرة على التصحيح الذاتي فإن تدخل الدولة ضروري لتطوير الاستثمار؛ وهو يستخدم نظرية "المضاعف" للتأكيد على أهمية الاستثمارات العامة في إيجاد فرص العمل.

          بشكل عام لم تطرح النظرية الاقتصادية السائدة (الكلاسيكية الجديدة والليبرالية الاقتصادية الجديدة)؛ مسألة التنمية وشروطها ومتطلباتها؛ وهذا ينسجم مع طبيعة نشأتها في نظام رأسمالي متنام؛ لذلك كان تركيزها على معالجة واقتراح الحلول للأوضاع التي يمر بها النظام الرأسمالي ولخدمة تنامي وازدياد دور رأس المال.

          مع بداية الثمانينات واستفحال أزمة المديونية للبلدان النامية, بالإضافة إلى التغيرات الأخرى على الصعيد العالمي؛ بدأت المراكز الرأسمالية المتقدمة تفرض السياسات الاقتصادية التي على الدول المدينة اتباعها؛ تنبع هذه السياسات من النظرية الاقتصادية السائدة في هذه المراكز؛ وقد اتبعت العديد من الدول النامية السياسات المطلوبة في إطار سياسات التثبيت والتكييف الهيكلي خلال العقدين الأخيرين وأوضاع معظمها اليوم أكثر سوءاً منها قبل عشرين عاماً, وذلك باعتراف المؤسسات المالية الدولية ذاتها؛ المنشئة لتلك البرامج والمشرفة على تطبيقها.تشمل البرامج عادة على ثلاثة مجموعات من الإجراءات والسياسات كالتالي:

أ – المجموعة الأولى من السياسات وتشمل: تخفيض الضرائب على الدخول والإيرادات التي يحققها القطاع الخاص؛ تقديم إعفاءات كبيرة لرأس المال المحلي والأجنبي عن المشروعات الجديدة؛ منع الرقابة على الأسعار وإلغاء تدخل الدولة في مجال التسعير, تقديم إعفاءات وتسهيلات جمركية محسوسة على الواردات الاستثمارية والوسيطة للمشروعات الجديدة؛ زيادة سعر الفائدة على الودائع الادخارية, لتحفيز الادخار العائلي.

يترتب على جملة هذه الإجراءات عدد من النتائج المحبطة للنشاط الاقتصادي والمفاقمة للتفاوت الاجتماعي الملاحظ في الدول النامية حيث:

يؤدي تخفيض الضرائب إلى تقليص الإيرادات العامة وبالتالي عدم القدرة على تمويل الإنفاق العام؛ وبالنتيجة عدم القدرة بالنسبة للدولة على القيام بإصلاحات ضرورية لمصلحة المجتمع.

يقوم النظام الضريبي بمهمة تحقيق الاستقرار والتوازن بالإضافة إلى تحقيق أهداف العدالة الاجتماعية.

المستفيدون من الإعفاء الضريبي حسب غالبرايث هم ما يسميهم " بالنظام المخطط [5] "ويقصد بهم الشركات الكبرى ورأس المال الاحتكاري أكثر من استفادة أولئك المنتمين إلى نظام "السوق" والمقصود بهم الصناعات الصغيرة والمتوسطة وغيرهم من صغار المنتجين؛ وبالتالي لا يسهم هذا الإعفاء في حفز القطاعات الأقل تطوراً في الاقتصاد الوطني؛ وفي المحصلة لا يتحقق الهدف المعلن في تحفيز  النشاط الاقتصادي.

تؤدي الإعفاءات الممنوحة للاستثمار إلى تخفيض كلفة رأس المال, مما يوجه الاستثمارات الجديدة نحو استخدام التقنيات المقتصدة للعمالة, وبالتالي إيجاد برص عمل أقل مما هو منتظر.

إلغاء رقابة الدولة على التسعير  والأسعار, يؤدي إلى زيادات في الأسعار وارتفاع في تكاليف المعيشة بالنسبة للفئات محدودة الدخل.

ب – تشمل المجموعة الثانية من الإجراءات؛ إلغاء الدعم لسلع الاستهلاك الأساسية؛ التخلص من الدعم المقدم للقطاع العام بتعديل أسعاره وتأجيره أو بيع وحداته للقطاع الخاص؛ زيادة أسعار الخدمات العامة التي تقدمها الدولة للمواطنين , مثل النقل والمواصلات والتعليم والصحة وغيرها… وزيادة أسعار الطاقة والمحروقات؛ وإلغاء التزام الدولة بتعيين بعض الخريجين من المعاهد والجامعات؛ تجميد الأجور ووضع حد أقصى لها وإلغاء مفهوم أجر الحد الأدنى؛ انسحاب الدولة من مجال الاستثمار الصناعي وحصر نشاطها واستثماراتها في بناء شبكة البنية التحتية. وضع حد أعلى للائتمان المصرفي للحكومة والقطاع العام وتقليص العجز في الموازنة العامة إلى الحدود الدنيا؛ وبيع منشآت القطاع العام لزيادة موارد الدولة.

تؤدي هذه الإجراءات إلى عدد من النتائج المؤثرة في البنية الاجتماعية وفي الاستقرار العام والتنمية الاقتصادية والاجتماعية على المدى المتوسط والبعيد وذلك من خلال:

1ً – ارتفاع تكاليف المعيشة إلى عدد من النتائج المؤثرة في البنية الاجتماعية وفي الاستقرار العام والتي في مقدمتها الغذاء, أي زيادة الفقر والتفاوت الاجتماعي.

2ً – زيادة البطالة والفقر نتيجة إلغاء التعيين وتقليص حجم قطاع الدولة.

3ً – التراجع في مستوى التنمية البشرية نتيجة زيادة تكاليف الرعاية الصحية والتعليم بالنسبة للفئات متدنية الدخل؛ بالإضافة إلى تدني مستوى التعليم مما ينعكس بتدني معدل تراكم رأس المال البشري.

4ً – إضعاف المحفزات لزيادة إنتاجية العمل؛ وللتدريب والتأهيل لرفع الكفاءة نتيجة تدني سوية الأجور. بالإضافة إلى إضعاف مستوى الطلب الذي ينعكس بتراجع الإنتاج.

5ً – تقليص السيولة والحد من الإنفاق العام : مما ينعكس بتباطؤ معدل النشاط الاقتصادي, نتيجة تحديد الائتمان المصرفي للدولة والقطاع العام.

6ً – زيادة تمركز الثروة وزيادة التفاوت الاجتماعي, الأمر الذي يهدد الاستقرار

العام, ويضعف فرص النمو والاستثمار.

7ً – تقليص موارد الدولة وإضعاف إمكانياتها جراء بيع مؤسساتها ومنشآتها التي تمول أرباحها الموازنة العامة.

ج – تتضمن المجموعة الثالثة من الإجراءات : تخفيض القيمة الخارجية للعملة؛ وتحرير التجارة الخارجية وإلغاء كافة القيود الكمية والنوعية على الواردات وتخفيض الرسوم الجمركية؛ والتوجه نحو التصدير, وإلغاء الرقابة على الصرف, منح رأس المال المحلي والأجنبي حرية الانتقال وتحفيز  رأس المال الأجنبي للاستثمار.

من النتائج المترتبة على هذه المجموعة:

1ً – ارتفاع الأسعار والتضخم, مما يؤدي إلى تراجع المستوى المعاشي لفئات واسعة من العاملين بأجر؛ وارتفاع تكاليف المستوردات وخاصة بالنسبة للآلات والمعدات التي تصبح تكلفتها أكبر بالنسبة للعملة المحلية؛ مما يؤثر على الاستثمار بشكل سلبي ويضعف إمكانيات النمو الاقتصادي.

2ً – تحرير التجارة الخارجية في ظل مستوى التطور الإنتاجي الذي بلغته العديد من الدول النامية؛ يجعل قطاعاتها  الاقتصادية معرضة لمنافسة غير متكافئة ويدمر قسماً هاماً منها, مما ينعكس على مستوى النشاط الاقتصادي ككل.

3ً – التوجه نحو التصدير يعني تحويل عدد من قطاعات الاقتصاد الوطني التي تنتج للسوق المحلي, لتنتج للسوق الخارجي, مما يعني افتقاد السلع في المحلي وتدني مستوى تلبية الحاجات وإلغاء بعض علاقات الاعتماد المتبادل فيما بين القطاعات, لتلبية متطلبات السوق الدولية, ويؤدي إلى تفاقم الخلل في التوازنات  القطاعية.

4 [6] ً – زيادة فرص تهريب رأس المال واستنزاف الادخار الداخلي وبالتالي إضعاف إمكانيات التراكم والنمو؛ وذلك نتيجة جملة الإجراءات السابقة مجتمعة إذ يؤدي تخفيض قيمة العملة وتباطؤ معدلات النمو وضعف دور الدولة  وعدم الاستقرار أو ضعفه يحرض رأس المال على الهرب إلى أسواق آمنة ومستقرة وتحافظ على قيمة رأس المال وعائدة, المهدد بتبدل أسعار الصرف في موطنه ( بلغت جملة التحويلات المالية من دول الجنوب إلى البنوك التجارية 178 مليار دولار خلال السنوات 1984 – 1990 ) .

          يتضح من جملة الإجراءات والآثار المترتبة عليها؛ أنها غير مساعدة على النمو أو تفعيل النشاط الاقتصادي وعلى العكس من ذلك يمكن أن تقود إلى تدمير قطاعات واسعة من الاقتصاد الوطني, بل الدولة ذاتها كما حدث في الصومال وراو ندا؛ الأمثلة عديدة وكثيرة على النتائج السلبية بالنسبة للدول النامية خلال العقدين الأخيرين, ويكفي الإشارة إلى أن المديونية الخارجية للدول النامية قد ازدادت من 658 مليار دولار عام 1980 إلى 1770 مليار دولار عام 1993 [7] , وأن معدلات النمو الاقتصادي قد تراجعت في هذه الدول والفقر قد اتسع فيها إلى جانب البطالة.

3 – السياسات الاقتصادية المتبعة في سورية وانسجامها مع أهداف التنمية :

          بلغ إجمالي الناتج المحلي بالأسعار الثابتة لعام 1995 نحو 546817 مليون ل.س [8] أي أن الناتج قد نما  خلال السنوات 1985 – 1996 بما يعادل 2,11%

سنوياً خلال السنوات المذكورة؛ في حين كان معدل الزيادة السكانية خلال السنوات1981 – 1996 معادلاً ل : 3,04 % سنوياً [9] : أي أن معدل النمو الاقتصادي أدنى من معدل نمو السكان؛ تعتبر نظريات النمو أن معدل النمو الطبيعي هو المعدل المكافئ للنمو السكاني وأنه من أجل تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية في الدول النامية يجب أن يفوق هذا المعدل معدلات الزيادة السكانية.

          انعكس هذا المعدل المنخفض للنمو على مستوى الاستهلاك النهائي للشعب حيث نما هذا الاستهلاك بمعدل 2,1% سنوياً (1985 – 1996 )؛ أي أن حصة الفرد من الاستهلاك النهائي قد انخفضت [10] ؛ تباطؤ معدلات النمو وانخفاض حصة الفرد من الاستهلاك النهائي يعبر عن تباطؤ معدل النشاط الاقتصادي بشكل عام وقصور في جهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

          من العوامل المرتبطة بالنشاط الاقتصادي والمسببة في المحصلة لتباطؤ معدلات النمو؛ الانخفاض في معدلات الاستثمار؛ كنتيجة للنشاط وسبب في قصور النمو على المدى الأبعد. لقد تراجعت الاستثمارات خلال السنوات 1985 – 1996 بدرجة كبيرة (انظر المخطط البياني في الصفحة التالية).

          يتطلب النمو أن تكون الاستثمارات متنامية بمعدلات أعلى من تلك لمعدل النمو الاقتصادي وتناميها بمعدلات مماثلة للنمو الاقتصادي يعني أنها استثمارات للاستبدال والتجديد والحفاظ على سوية القاعدة الإنتاجية وينعكس ذلك على المدى الأبعد بتراجع معدلات النمو, وفي حالة الاقتصاد السوري, فإن الأوضاع تدعو للأسف حيث اتجه معدل الاستثمار للانخفاض ليس كنسبة فقط من الناتج  المحلي الإجمالي نحو 38,03% من الناتج عام 1985 إلى نحو 25,77% من الناتج عام 1996 ؛ وإنما أيضاً تراجع ككتلة وقيمة مطلقة.

الاستثمارات الإجمالية بملايين الليرات حسب السنوات [11]

          كما يتضح من المنحني فإن الاستثمار العام قد تراجع خلال النصف الثاني من الثمانينات وبشكل كبير ورغم أنه بدأ منذ عام 1990 باستعادة النمو إلا أنه لم يصل إلى مستواه في عام 1985؛ هذا التراجع في الاستثمار خلال العقد الماضي يفسر جانباً من تباطؤ النمو والتراجع في معدل النشاط الاقتصادي بشكل عام.

          ما تجدر ملاحظته أن الحكومة ومنذ عام 1986 قد بدأت برنامجاُ للإصلاح الاقتصادي وقد انعكس تطبيق هذا البرنامج بتقليص الاستثمارات العامة بدرجة كبيرة بلغت أدنى مستوى لها عام 1991؛ لقد جاء هذا التراجع في الاستثمارات العامة على خلفية برنامج الإصلاح الذي اعتمدته الحكومة؛ والقاضي بالانسحاب التدريجي للدولة من النشاط الاقتصادي لإتاحة الفرصة للقطاع الخاص للعب دور أكبر في الاقتصاد الوطني وعلى هذا الأساس صدرت مجموعة من القرارات والتعليمات, التي تتيح للقطاع الخاص بالاستثمار في قطاعات صناعية كانت حكراً على قطاع الدولة؛ وأعطيت تسهيلات لهذا القطاع للاستيراد والتصدير؛ بالإضافة إلى تسهيلات وإعفاءات خاصة قدمت للقطاع الزراعي المشترك عام 1986؛ نتيجة هذه الإجراءات والتسهيلات ازدادت الاستثمارات الخاصة بدرجة طفيفة لم تكن كافية لتعويض النقص الحاصل في الاستثمارات العامة.

          ومع صدور قانون تشجيع الاستثمار رقم (10) لعام 1991 ازدادت الاستثمارات الخاصة من جديد خلال الأعوام 1992و1993 و1994 لتعاود التراجع خلال عامي 1995و1996؛ مع ذلك فإن إجمالي الاستثمارات بقي دون مستواه في عام 1985.

          إن الحفاظ على مستوى معين من النشاط الاقتصادي يتطلب تدفقاً للإنفاق العام ذو طابع مستمر, كما أن أحداث تغييرات هيكلية وإصلاحات على المستوى الاقتصادي تتطلب إنفاقا عاماُ مستمراً وهاماُ لإحداث التغييرات في الاتجاهات المطلوبة؛  أي أن رغبة الحكومة في إعطاء القطاع الخاص دوراً أكبر في النشاط الاقتصادي لا يتعارض مع دورها في الإنفاق على المشروعات الأساسية والتغييرات المرغوبة في بنية القطاعات الاقتصادية؛ وتبين التجربة أن البيئة الاقتصادية ومستوى النشاط ومعدل النمو الاقتصادي؛ هو الحافز الأكبر على الاستثمار وليست القوانين والإجراءات, كما تدلل تجربة قانون تشجيع الاستثمار؛ وفي تجربة الدول النامية وتجربة القطاع الخاص في سورية أيضاً, تصبح العديد من المشروعات الخاصة أكثر ربحية وعائديه بفضل تكاملها أو اعتمادها على مدخلات أو مخرجات للقطاع العام.

الإنفاق العام والتشغيل والأجور:

من العوامل الهامة والمؤثرة في النشاط الاقتصادي. الإنفاق العام. إلا أن البنك وصندوق النقد الدوليان؛ يوصيان بتخفيض الإنفاق العام وتخفيض العجز في الموازنة العامة؛ وقد أخذت الحكومة بهذا التوجيه بحيث أصبحت جملة الإنفاق العام عام 1996 تعادل 30,08% من الناتج المحلي الإجمالي (بتكلفة عوامل الإنتاج وبالأسعار الجارية) بعد أن كانت 51,08% من الناتج المحلي عام 1985 – لقد تزايد الإنفاق العام خلال السنوات 1985 – 1990 بالأسعار الجارية بمعدل وسطي سنوي يقدر ب 6,25% وهذه الزيادة أدنى بكثير من معدل الزيادة في الأسعار خلال تلك الفترة والتي تجاوزت 15% سنوياً؛ أي أن الزيادة في الإنفاق العام كانت أدنى من معدل التضخم والزيادة في الأسعار أي أنها تقلصت بالقيمة الحقيقية وبالنسبة إلى الناتج المحلي؛ خلال الأعوام 1991 – 1996 كانت الزيادة في الإنفاق العام تقدر ب13,93% سنوياً أي تزيد بعض الشيء عن الزيادة في الأسعار الملاحظة في تلك الفترة؛ مع ذلك فإن حجم الإنفاق العام قد تقلص بالنسبة للناتج المحلي؛ أي تراجع الدور الذي كان يقوم به في بداية الفترة.

جاء التخفيض في الإنفاق العام من جراء التخفيض في عدد من البنود الأساسية في الموازنة:

1ً – تقليص الدعم للسلع الغذائية الرئيسية (تقليص عدد المواد الخاضعة للتقنيين وتقليص كميتها ).

2ً – الحد من التعيين في القطاع الحكومي والعام.

3ً – رفع أسعار المحروقات وبعض الخدمات المقدمة من قبل الدولة(كهرباء ماء هاتف ).

4ً – تجميد الأجور في قطاع الدولة.

5ً – تقليص الإنفاق على الخدمات الإجتماعية .

          جملة هذه الإجراءات تؤدي إلى تقليص الطلب, وقد كانت الغاية حسب توجيهات البنك والصندوق الدوليان تقليص الاستهلاك بمعدل وسطي سنوي 6%  ولفترة تتجاوز الخمس سنوات.

          الانعكاس الأول لهذه الإجراءات كان زيادة البطالة؛ حسب المعطيات الرسمية تقدر هذه النسبة ب  7% من قوة العمل, والتقديرات مقارنة مع معدل الزيادة السنوية في قوة العمل والبالغة ما يقارب 4% سنوياً خلال الثمانينات وأوائل التسعينات وفرص العمل الجديدة في الدولة والقطاع الخاص تبين أن هذه النسبة تتجاوز 12% من قوة العمل.

          آخر زيادة تمت على الأجور في عام 1994 ورغم أن الزيادات السابقة على الأجور لم تكن متناسبة مع الزيادة في الأسعار؛ فإن الفترة 1994 – 1998 والتي لم تحدث فيها زيادات في الأجور الاسمية؛ تعني تخفيضاً للأجر الحقيقي وبالتالي تقليصاً للقدرة الشرائية والاستهلاك بشكل عام.

          يترافق انخفاض الأجور عادة بانعدام الحافز لزيادة الإنتاجية سواء بالنسبة للعمال في اكتساب المهارات والتدريب والتأهيل أو بالنسبة لأصحاب الأعمال نتيجة تدني كلفة الأجور؛ وينعكس ذلك على الإنتاج بضعف الكفاءة والإنتاجية وارتفاع التكاليف وهذا ما ضاعف من مشكلات القطاع العام خاصة؛ الذي كان يعاني أصلاً من سوء توزيع الاستثمارات وضعف كفاءتها وضعف في التنظيم والإدارة. ترافق مشكلتي ضعف الأجور والإنتاجية ينعكس في المحصلة على النمو وإمكانياته المستقبلية.

          [12] لقد أدى ضعف الاستثمارات خلال السنوات السابقة إلى محدودية فرص العمل المتاحة في القطاع الصناعي خاصة وفي قطاعات الإنتاج الأخرى, وقد أدى ذلك إلى هجرة معاكسة لليد العاملة إلى القطاع الزراعي حيث شكلوا عام 1991 نحو 28,2% من قوة العمل بعد أن كانوا يمثلون 26,1% من قوة العمل 1981 وتراجعت نسبة العاملين في الصناعة التحويلية إلى 14% بعد أن كانت 16,2% [13] وتقارب نسبة العاملين في القطاع غير المنظم 30% من قوة العمل. يتسم قطاع الزراعة والقطاع غير المنظم بانخفاض الإنتاجية وتدني سوية  الأجور ويضاعف من هذه الوضعية أن نسبة تقارب 60% من العاملات في القطاع الزراعي يعملن بدون أجر وتعمل نسبة 46,4% من قوة العمل النسائية بدون أجر (للأسرة أو للغير)؛ وعلى صعيد قوة العمل الإجمالية نحو 18% من قوة العمل بدون أجر [14] .

          إن وجود نسبة عالية من العمل غير المؤهل وضعيف الإنتاجية والعمل غير المأجور يشكل عاملاً ضاغطاً على سوية الأجور بالنسبة لبقية الفئات, ويؤدي بالتالي إلى تقليص حصة الأجور في الإنتاج الوطني؛ الأمر الذي ينعكس بضعف القدرة الشرائية وتدني مستوى الطلب بشكل عام في الاقتصاد الوطني. كما أن زيادة حصة القطاعات غير الإنتاجية والقطاعات ضعيفة الإنتاجية (الزراعة؟, القطاع غير المنظم) من قوة العمل, يؤدي إلى ضعف الإنتاجية والكفاءة على المستوى الوطني ويقلص من إمكانية التراكم والنمو. يقول كينز      "…. إن التغيرات في تدفق الاستهلاك هي بشكل عام في نفس اتجاه (ولكن بقيمة أقل) التغيرات في تدفق الدخل؛ وأن العلاقة بين زيادة الاستهلاك الذي يجب أن يرافق زيادة معينة في الادخار وقيمته؛ معطاة من خلال الميل الحدي للاستهلاك. وإن تحدد العلاقة بين زيادة الاستثمار والزيادة المتناسبة في الدخل الإجمالي, مقاسان كلاهما بوحدات الأجر, هو معطى من خلال مضاعف الاستثمار" [15] .

تقليص الإنفاق الإجتماعي:

          لا يوجد في سورية نظام تأمين ضد البطالة كما لا يوجد نظام للمساعدة الاجتماعية مع ذلك فإن الإنفاق الاجتماعي ككل قد انخفض خلال هذه الفترة كانت حصة الضمان الاجتماعي 4% من إجمالي الإنفاق العام عام 1980 و2% عام 1985 و16% [16] من الإنفاق العام عام 1998 أما بالنسبة للرعاية الصحية والتي بلغت 2% عام 1985 فقد بلغت 1,02% في موازنة عام 1998. شكلت جملة الإنفاق على الرعاية الصحية عام 1990 نحو1,64% من الناتج الإجمالي؛ منها إنفاق خاص وهي تعتبر أعلى حصة للإنفاق الخاص على الرعاية الصحية في الدول العربية [17] .

          بلغت حصة الإنفاق على التعليم نحو 10% من إجمالي الإنفاق العام عام 1985 وفي موازنة عام 1998 بلغت هذه الحصة 7,08% أي ما يقارب 4000 ل.س. لكل طالب وتلميذ في التعليم أي 80 دولار هذا المعدل ينخفض بالنسبة لتلاميذ المرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية إلى نحو (55) دولار للفرد. يقول نادر فرجاني " تقترن أعلى مستويات التنمية الاقتصادية بأكثر من عشرة صفوف تعليمية للفرد وبإنفاق على التعليم يتعدى 5000 خمسة آلاف دولار للفرد في سن التعليم, ويمكن اعتبار هاتين القيمتين عتبة للنضج التعليمي والاقتصادي. وبالمقابل فإن أدنى مستويات الإنفاق على التعليم (أقل من 100 دولار) والتحصيل التعليمي (أقل من ستة صفوف), ترتبط بأداء اقتصادي مترد. وحين يقل الإنفاق على التعليم عن 500 دولار للفرد لا يترتب على ارتفاع مستوى التحصيل التعليمي زيادة تذكر في الناتج الإجمالي للفرد [18] .

          إن تقليص الإنفاق الاجتماعي والإنفاق على التعليم ذو آثار بعيدة المدى على مستوى التنمية البشرية, حيث الرعاية الصحية المتدنية والمستوى التعليمي غير الكافي أي غير الفعال يترافقان بإنتاجية منخفضة وقدرة محدودة على النمو وتوليد الفائض الاقتصادي.

التفاوت الكبير في الدخل وازدياد الفقر :

          لم تصاحب الإجراءات التقشفية التي اتخذتها الحكومة منذ أواسط الثمانينات بإجراءات  ضريبية وبإصلاح للنظام الضريبي لتحقيق عدالة ضريبية وتوزيع للأعباء على كافة شرائح المجتمع؛ بل على العكس من ذلك وسعت من مساحة الإعفاءات والتسهيلات المقدمة للفئة الغنية في المجتمع. وللأسف لا تتوفر  إحصاءات سورية عن توزيع الدخل على الشرائح الاجتماعية المختلفة؛ إلا أن الشواهد تؤكد تراجع حصة الأجور من الدخل القومي في الوقت الذي ازداد فيه الادخار من 10,86% عام 1985 من الدخل القومي إلى 15,47% من هذا الدخل عام 1996.

          إن زيادة رصيد رأس المال الخاص لا تنعكس إيجاباً (وخاصة في الدول النامية) على النمو والنشاط الاقتصادي, كما تفترض " نظرية التسرب نحو الأسفل "؛ كما لا تؤكد التجارب أن النمو يجب أن يترافق بزيادة في تفاوت الدخل (حسب كوزنتس). بل يظهر في كثير من الحالات ترابط كبير بين توزيع عادل للدخل ومعدلات مرتفعة من النمو. وفي الدول النامية والتي منها سورية تتحول هذه الفوائض إلى الخارج (أكثر من 50 مليار دولار مستثمرة في الخارج من قبل سوريين). وجزء آخر منها يتحول إلى مستوردات لسلع استهلاكية وترفيه؛ بلغت الزيادة السنوية في المستوردات نحو 11,9% خلال السنوات 1990 – 1995 وازدادت واردات السلع الاستهلاكية بما يعادل 12,8% سنوياً [19] ؛ أي أن نمو الواردات يفوق معدلات النمو في الاقتصاد الوطني. وزيادة دخل الفئات الميسورة لم يتحول إلى طلب على السلع المنتجة محلياً؛ أي أن تفاقم سوء توزيع الدخل يترافق بالتحول في الطلب الكلي من الطلب على سلع الاستهلاك المنتجة محلياً للفئات الشعبية والفقيرة إلى طلب على سلع الاستهلاك الفاخرة المحلية والأجنبية, وتجربة قانون تشجيع الاستثمار تؤكد ذلك؛ فمن جهة المستفيدون من التسهيلات والإعفاءات هم المستثمرون بسوية معينة أي حجم معين من رأس المال, لا يتوفر لصغار المستثمرين والمنتجين والذين يشكلون الغالبية العظمى من القطاع الإنتاجي في البلاد( 99% من المنشآت الخاصة تستخدم 9 عمال فما دون؛ عام 1994)؛ النسبة العظمى من المشروعات المنفذة كانت مشروعات نقل (للتأجير السياحي) أكثر من 70% من إجمالي المشروعات المنفذة خلال السنوات الخمس الأولى من تطبيق القانون. أما بالنسبة للمشروعات المنفذة في القطاع الصناعي فقد بلغت فرصة العمل الواحدة وسطياً حوالي 39 ألف دولار في حين كانت الكلفة الوسطية لفرصة العمل المرخصة حسب القوانين السارية على القطاع الخاص عام 1995 حوالي 19473 دولار؛ أي أن التكاليف لإيجاد فرصة العمل قد شكلت أكثر من الضعف في القطاعات الأخرى, وهذا يعكس اعتماداً أكبر على التقنيات المتطورة المستوردة بالإضافة إلى محدودية فرص العمل التي يتيحها؛ بلغ إجمالي الاستثمارات المنفذة في القطاعين الزراعي والصناعي خلال السنوات الخمس ما يقارب 500 مليون دولار أي ما يعادل 12820 فرصة عمل خلال السنوات الخمس [20] .

          إذن في المحصلة لم تؤد هذه الاستثمارات إلى تفعيل النشاط الاقتصادي نتيجة تحويل الجزء الأساسي من فوائد الاستثمار إلى الخارج؛ واعتماد جزء هام منها على سلع وسيطة ومركبات مستوردة, واعتماد تقنيات متطورة تربطها باستمرار بالسوق العالمي, وإيجاد عدد محدود من فرص العمل. بالإضافة إلى إن جزء هام من منتجاتها وخدماتها موجه للفئات الميسورة.

          ساهمت هذه المشروعات نتيجة غياب الضوابط, في مفاقمة التفاوت في الدخل جراء تمركزها بالدرجة الأولى في دمشق وحلب؛ التفاوت في الدخل فيما بين المناطق وخاصة في حالات الاستقطاب, كما هو حاصل في دمشق بالدرجة الأولى, يعيق عملية النمو الاقتصادي ويضعف من الفرص المتاحة للاقتصاد الوطني.

          بالإضافة إلى العوامل المذكورة أسهم التخفيض الحقيقي في سعر العملة ومحاولة مطابقة الأسعار المحلية مع الأسعار العالمية (الدولرة), في زيادة التكاليف ورفع الأسعار مقارنة بالقدرة الشرائية المحلية وبالتالي القصور في الطلب الكلي؛ يضاف إلى ذلك سلبية النظام المصرفي وعجزه عن لعب دور نشط في الاستثمار والتمويل والائتمان.

          في المحصلة يمكن القول أن الاتجاه الذي أخذه الإصلاح الاقتصادي منذ عام 1986, لم يؤد إلى النتائج والأهداف المعلنة وأن استمرارية هذا النهج من الإصلاح الاقتصادي يمكن أن تكون له آثار ضارة على مستوى التنمية البشرية ومستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية بشكل عام؛ ولمعالجة هذا الواقع لا بد من مراجعة نقدية للإجراءات المطبقة وإعادة الاعتبار لاستراتيجية التنمية؛ أي أنه لا بد من عملية إصلاح شاملة وليس معالجات جزئية وآنية وهذا ما يدفع لتقديم اقتراحات أكثر شمولية.

4 – بعض المقترحات, لاستئناف النمو الاقتصادي واطلاق عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية :

في ظل ما يطرح من "عوامة" وسيطرة واستبعاد للدول الضعيفة والصغيرة لا بد لسورية كبلد نام يملك موارد محدودة وقدرات مازالت ضعيفة من أن تكون لها استراتيجيتها الخاصة التي تحميها من السيطرة الخارجية والتهميش والاستبعاد وتوفر لمواطنيها إمكانيات التقدم والرفات  ؛ ولتحقيق ذلك لا بد من :

1ً – وضع استراتيجية تنمية اقتصادية اجتماعية تكنولوجية شاملة تكون محور إجماع وطني وهدف مستقبلي وطني.

2ً – إعادة اعتبار للتخطيط عن المستوى المتوسط والطويل الأمد تخطيط شامل وتخطيط قطاعي.

3ً – جعل الاستراتيجية والتخطيط شأناً عاماً تشارك في صياغته والرقابة على تنفيذه فئات وقطاعات المجتمع كافة بشكل ديموقراطي ومسؤول.

4ً – تحديد دور وهدف قطاعات الاقتصاد الوطني, القطاع العام والقطاع الخاص والمشترك والتعاوني.

5ً – التركيز على التعليم ورفع سويته والاهتمام بالبحث والتطوير وإبلاء التدريب والتأهيل المستمر الاهتمام الكافي.

6ً – إصلاح إداري وشامل وجعل معيار الإدارة؛ الكفاءة والنزاهة والفعالية والرقابة الشعبية.

7ً – توفير مستوى كاف من العدالة في توزيع الدخل الوطني وفي تحمل أعباء التنمية.

8ً – العمل على تحقيق التوازنات الأساسية في الاقتصاد الوطني بين الموارد والاستخدامات والتوازنات القطاعية.

9ً – إيجاد نظام للضمان الصحي الشامل ونظام للتأمين الاجتماعي الشامل أيضاً.

10ً – إيجاد نظام بيئي ومعايير بيئية تحافظ على الإرث البيئي وتحميه.

11ً – ربط استراتيجية التنمية بأهداف التعاون والتكامل الاقتصادي العربي.

12ً – الديموقراطية هي الضمانة الوحيدة لتنفيذ هذه الاستراتيجية وهي شرط وجودها في الأساس.

دمشق 9/3/1999

د. نبيل مرزوق



[1] د.نبيل مرزوق – باحث اقتصادي

[3] Henri Denis-Histoire de la pensee de economique Ed.P.U.F.-Paris-3e.ed.1971-P.213.  

[4] Michel Beaud, Gilles Dostaler-La Pensee economique depuis keynss-Ed.Seuil-Paris 1993 -p-133

[5] John Kenneth Galbraith-La science economique et l interet general Ed. Gallimard Paris 1974.

 (7) المصدر السابق ص .ص. 516 – 517 .

[7]  Walden Bello et Shea Cunningham ``de l`ajustement structruel en ses inplacables desseins `` le Monde Diplomatique , Paris -Septembre  1994.p8:9.

[8]  مصدر المجموعة الإحصائية لعام 1998-المكتب المركزي للإحصاء –1998-ص506-507

[9] (6)المصدر السابق ص 64.

[10] (7) المصدر السابق ص .ص. 516 – 517 .

[11] مصدر: المجموعة الإحصائية لعامي 1998 و 1996 .

[13] مصدر : نتائج تعداد 1981وبحث القوة العاملة بالعينة لعام 1991-المكتب المركزي للإحصاء-دمشق .

[14] الندوة الوطنية لنتائج المرحلة الأولى لمشروع مسح سوق العمل – دمشق 14/5/1997. وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل, برنامج الأمم المتحدة الإنمائي, منظمة العمل الدولية. ص 48.

[15] J.M.Keynes-Theorie generale di l`emploi, de linterete et ke la monnaie Ed.Payot-Paris-1971-P.254,

[17] الآثار الاجتماعية للتصحيح الاقتصادي في الدول العربية – تحرير طاهر كنعان. صندوق النقد العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي – أبو ظبي يناير /كانون الثاني1996 – ص225.

[18] نادر فرجاني " التخصصية وقضايا العمل والعمال في سياق الإصلاح الاقتصادي " – المصدر السابق ص 330 .

[19] مصدر : نشرة الإحصاءات الصناعية للدول العربية 1985 – 1995- المنظمة العربية للتنمية الصناعية والتعدين – الأمم المتحدة, اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا- 1997 .

[20] حسب المعطيات المقدمة من قبل مكتبة الاستثمارات في مذكرته المؤرخة في 21/12/1996 ,معطيات وزارة الصناعة تشير إلى 124 مشروعاً منفذاً وعدد عمال 6125 عاملاً.