تعقيب على محاضرة الدكتور سعيد النابلسي
تصحيح بنية العمالة السورية

محمد جلال مراد

أيها السيدات والسادة:

أشكر جمعية العلوم الاقتصادية على إتاحتها الفرصة لي كي أتكلم من هذا المنبر، وأوجه تقديري إلى الأخ الدكتور سعيد النابلسي على محاضرته القيمة حول تصحيح بنية العمالة السورية في إطارها الاقتصادي والاجتماعي وقد أحاط بمختلف جوانبها النظرية والتطبيقية.

وهنا أود ان أقدم بعض النقاط التي أراها جديرة بالمعالجة لإلقاء مزيد من الضوء على هذه القضية الحساسة التي تتركز على الإنسان هدف التنمية أساساً.

لن أوجه الخلل الأساسية التي تعاني منها بنية العمالة في القطر العربي السوري  تتجلى في العديد من القضايا، وأهمها:

1-    انخفاض المستوى التعليمي لقوة العمل (جانب العرض) وعدم مواكبته للتطورات التكنولوجية الحاصلة في سوق العمل (جانب الطلب).

2-    انخفاض الطلب على قوة العمل (بشكل عام) وعلى المستويات الجامعية والمتوسطة (بشكل خاص).

3-    انخفاض المستوى التكنولوجي في معظم أنشطة القطاع الخاص وما تبعه من تركيز في الطلب على قوة العمل ذات المستوى التعليمي المنخفض، والعزوف عن الطلب على قوة العمل ذات المستوى التعليمي العالي والتكنولوجي.

4-    انخفاض مستوى الإنتاجية وارتفاع مستوى البطالة المقنعة.

5-    انخفاض مستوى الأجور والحوافز وارتفاع مستوى البطالة الظاهرة.

ولعل من أهم أسباب الخلل في بنية العمالة والطلب عليها:

1-    تقلبات معدلات النمو الاقتصادي العام والقطاعي وأنماط التنمية.

2-    تغيرات أسعار النفط وتوقف المساعدات العربية.

3-    سياسات الإنفاق العام والتشغيل الاجتماعي.

4-    الهجرة الداخلية والخارجية.

5-    السياسة التعليمية التي لم تواكب التطورات التكنولوجية.

6-    العولمة والتقدم التكنولوجي.

ففيما يتعلق باختلال التوازن بين العرض والطلب على قوة العمل (البطالة الظاهرة) نشير إلى مايلي:

1-أصبحت البطالة الظاهرة أزمة عالمية، ويبلغ حجمها 30% من قوة العمل العالمية وهي تعادل حوالي مليار فرد بين بطالة كاملة وجزئية، ويبين الكاتبان الألمانيان هانس مارتن وهارالد شومان في كتابهما (فخ العولمة) أن 20% من قوة العمل العالمية تكفي للحفاظ على نشاط الاقتصاد الدولي، أما الـ80% الباقية فهم فائضون عن الحاجة وبالتالي عاطلون عن العمل، كما أن أكبر 200 شركة عالمية تمثل 25% من النشاط الاقتصادي العالمي تستخدم 19 مليون عامل بما يعادل 0.75% من قوة العمل أي أقل من 1%.

2- إن توقف التشغيل الاجتماعي لخريجي الجامعات والمعاهد المتوسطة منذ منتصف الثمانينات بسبب الركود الاقتصادي وانهيار أسعار النفط وتوقف المساعدات العربية، أدى إلى زيادة عدد العاطلين عن العمل في سوريا. وفي دراسة صادرة عن البنك الدولي في عام 1995 قدر معدل البطالة في سوريا بـ6% أما في كل من الجزائر والأردن واليمن ولبنان فقد بلغ 20% وفي مصر والمغرب 15%، وتشير الدراسة أيضاً إلى أن نسبة البطالة في سوريا بين العمال الشباب دون الـ25 سنة تقدر بحوالي68%، أما نسبة البطالة بين حملة الشهادة الثانوية فما فوق قتبلغ 45%، كما تبلغ 78% بين الباحثين عن العمل لأول مرة. وحسب قانون آرثر أوكوم فإن كل زيادة في معدل البطالة بمقدار 1% يقابلها انخفاض في الناتج القومي الإجمالي مقداره 2%.

3-إن التكلفة الاقتصادية للبطالة تعتبر خسارة وطنية لثروة بشرية متاحة وطاقات إنتاجية قائمة كان بالإمكان تشغيلها والاستفادة منها. وقد قدر معدل البطالة في أمريكا عام 1982 بـ 9.5% كما قدرت الخسارة المقابلة الناجمة عنه بـ 8.6% من الناتج القومي الإجمالي، كما قدرت الخسارة أيضاً في كساد 1929 الناجمة عن معدل البطالة 18% بـ38.5% من الناتج القومي الإجمالي.

4-إن الجامعات بوضعها الحالي أصبحت مصنعاً لإنتاج البطالة الظاهرة، إذ أن منتجاتها لا تجد لها طلباً في السوق إلا سوق البطالة، وطالما بقيت البرامج التعليمية فيها على حالها، واستمرت الجامعات على تخريج نفس المخرجات فإن البنية التعليمية للعمالة لن تتغير، وبالتالي فإن مستوى أجورها لن يتغير، وسيكون الإحباط مستقبل خريجي الجامعات ذوي التخصصات العلمية أو الأدبية الذين يبحثون عن فرصة عمل مناسبة بأجر مناسب.

5-إن استقطاب الاستثمارات في المدن الكبرى أدى إلى خلل في بنية العمالة على المستوى الإقليمي، حيث تركزت العمالة عالية المستوى في المدن الكبرى وافتقرت إليها المدن الصغرى، مما يتطلب العمل على إيجاد آلية تحفيزية للاستثمار وللمستويات التعليمية العالية من أجل العمل في تلك المناطق.

6-إن عدم تحقيق الترابطات الأمامية والخلفية بين مشاريع التنمية في القطاعين العام والخاص وكذلك ضعف تعبئة الإدخارات الوطنية في مشاريع التنمية، أديا إلى خلل في بنية العمالة وبالتالي إلى البطالة الظاهرة.

أما فيما يتعلق بالخلل الناشئ عن التوجه إلى التكنولوجيا المكثفة لرأس المال دون التوجه إلى التكنولوجيا المكثفة للعمالة:

1-    فإن الاستثمار في التكنولوجيا المتطورة المكثفة لرأس المال هو أمر جوهري لزيادة الإنتاجية ورفع مستوى أداء الاقتصاد الوطني وتحصيل الوفورات الاقتصادية اللازمة للتنمية، كما أن الاستثمار في التكنولوجيا الحديثة المكثفة للعمالة أمر جوهري أيضاً من أجل تحقيق التشغيل الكامل للأفواج السكانية الجديدة التي تدخل سوق العمل لأول مرة.

2-     ولا شك أن ارتفاع الإنتاجية في الأنشطة المكثفة لرأس المال يقابله انخفاض في فرص العمل المتاحة في هذه الأنشطة، إلا أن الوفورات الاقتصادية المتحققة عن زيادة الإنتاجية يمكن استثمارها من أجل خلق فرص عمل جديدة في تكنولوجيات حديثة مكثفة للعمالة. وفي دراسة أجريت في أمريكا خلال الفترة1979-1992 ، ارتفعت الإنتاجية في قطاع الصناعات التحويلية نتيجة التطور التكنولوجي بنسبة35% في حين انخفضت قوة العمل الموظفة في هذا القطاع بـ15%.

3-     إن عدم الانتفاع الأمثل من الطاقات الإنتاجية المتاحة كان أحد عوامل انخفاض الإنتاجية وبروز الخلل في بنية العمالة.

4-     إن البطالة المقنعة في القطاع العام والاستخدام غير الكامل في القطاع الخاص غير المنظم في  الزراعة والتجارة والخدمات، تعتبر أحد مكونات انخفاض الإنتاجية العامة في الاقتصاد الوطني، وهي أحد الكوابح الهامة لأي زيادة في الأجر.

وفي دراسة البنك الدولي لعام 1995 يتبين أن الإنتاجية في سوريا قد تطورت خلال الفترة         1965 –1980 بمعدل نمو وسطي مقداره 4.5% سنوياً، وقد تراجعت خلال الفترة 1980-1985 بمعدل –1% سنوياً وبمعدل –2% سنوياً خلال الفترة 1985-1993 .

وفيما يتعلق بالخلل في مجال الأجور:

1-    يراهن الاقتصاديون في ظل العولمة والشراكة الأوربية على أن انخفاض الأجور في سوريا يعتبر ميزة نسبية في علاقاتنا مع العالم الخارجي، وإذا كنا نريد أن نحفظ كرامة الإنسان في هذا الوطن فعلينا أن لا نقبل بهذه المراهنة، فهناك العديد من المزايا النسبية الأخرى.

2-     هبط مستوى الأجور في سوريا منذ منتصف الثمانينات حسب الدراسة الصادرة عن البنك الدولي في عام 1995 ويتبين أن رقم قياسي الأجور فيها ارتفع ثم هبط خلال الفترة 1965-1992 على النحو التالي:

السنة             الرقم القياسي

1965                              76

1970                              100

1980                              136

1985                              123

1990                              95

1991                               92

ولا يمكن إحداث أي زيادة في مستوى الأجور من الوجهة الاقتصادية ما لم تترافق مع زيادة في الإنتاج ورفع لمستوى الإنتاجية، ولهذا لا يتوقع أن يتغير مستوى الأجور السائد نحو الأعلى، لأن أي زيادة فيه تتطلب إيجاد مصادر تمويلية يأتي على رأسها زيادة الضرائب، أو أن يمتصها ارتفاع أكبر في أسعار السلع والخدمات.

3-    لا يتوقع لمستوى الأجور السائدة في القطاع الخاص أن يتغير وذلك بالنسبة للاختصاصات والمهن القائمة، أما بالنسبة للاختصاصات والمهن التي تعتمد على استخدام الكومبيوتر فيتوقع أن تكون مرتفعة.

4-     أما مستقبل العمالة عالية الأجر فسيتركز في الاختصاصات ذات المستوى التعليمي العالمي التي تختزن القدرة على ترميز وتحليل وبرمجة المعلومات بواسطة الكومبيوتر من أجل إنتاج سلع وخدمات قائمة أو جديدة.

أما بالنسبة للخلل في بنية العمالة في القطاع الخاص:

1-    أدى عدم وضوح دور القطاع الخاص في التنمية في الماضي إلى سيادة القطاع الخاص الهامشي وإلى عدم نشوء قطاع خاص تنموي، ونجم عن ذلك انخفاض في المستوى التكنولوجي لمعظم أنشطة هذا القطاع، وقد أدى هذا إلى تركيز الطلب على قوة العمل ذات المستوى التعليمي المنخفض، والعزوف عن الطلب على قوة العمل ذات المستوى التعليمي العالي، وبهذا أصبحت العلاقة بين مستوى التعليم والحصول على فرصة عمل في القطاع الخاص عكسية، فكلما ارتفع مستوى التعليم كلما انخفض احتمال الحصول على فرصة عمل ويشكل الأميون والملمون بالقراءة والكتابة وحملة الشهادة الابتدائية الغالبية العظمى من المشتغلين في هذا القطاع ولم يسفر تطبيق قانون الاستثمار رقم 10 لعام1991 عن نتائج معتبرة في مجال خلق فرص عمل جديدة في القطاع الخاص.

2-     لا يتوقع أن يرتفع مستوى البنية التعليمية للعمالة في القطاع الخاص ما لم يرتبط بتحديث التكنولوجيا فيه، إذ ما حاجة قطاع خاص ذي تكنولوجيا متدنية إلى مستويات تعليمية عالية. ولا شك أن دخول القطاع الخاص المنظم إلى الأنشطة التكنولوجية المتقدمة ذات العائد العالي ممثل البرمجيات، الإلكترونيات، الاتصالات، يمكنه زيادة الطلب على المستويات التعليمية العالية.

3-     أما بالنسبة للبنية التعليمية للعمالة في القطاع الخاص غير المنظم فلا يتوقع أن تتحسن ما لم يتجمع الأفراد في تجمعات إنتاجية كبيرة لممارسة نشاطهم الاقتصادي على نحو مشترك.

4-     إن العولمة والشركات متعددة الجنسيات تعتمد في البلدان النامية على العمالة ذات المؤهلات المنخفضة وليس على المؤهلات العالية (كما كان يظن).

الإطار العام لتصحيح البنية التعليمية للعمالة في سوريا:

إن تصحيح البنية التعليمية للعمالة في سوريا يتطلب تصحيحاً للبنية الاقتصادية أولاً وللمؤسسات التعليمية ثانياً، وهذا لا يتم إلا في إطار استراتيجية بعيدة المدى للتعليم تستند أصلاً على استراتيجية بعيدة المدى للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في القطاعين العام والخاص تعتمد المنطلق التكنولوجي أساساً لها. وعلى هذه الاستراتيجية إن تقلص إلى أبعد مدى الاختصاصات الجامعية التقليدية (علمية كانت أم أدبية) لأن معظم مخرجاتها لا تجد طلباً عليها في السوق سواء لدى القطاع العام أو القطاع الخاص، كما عليها أن تخلق اختصاصات جديدة تتناسب مع التطور التكنولوجي القائم أو الذي يتنبأ به المستقبل، وهذا يتطلب العمل على:

1-    تحديد المسارات المقبلة للتكنولوجيا المتقدمة المكثفة لرأس المال وفي أي الأنشطة الاقتصادية تكون وذلك لرفع مستوى الإنتاجية ومستوى الأداء في الاقتصاد الوطني، وكذلك تحديد المسارات المقبلة للتكنولوجيا الحديثة المكثفة للعمالة وفي أي الأنشطة تكون وذلك لزيادة فرص العمل الجديدة وتشغيل أكبر عدد ممكن من العمالة ذات التأهيل المتوسط والمنخفض.

2-     تحديد المسارات المقلبة للنظام التعليمي بما يتلاءم والتطورات الاقتصادية والاجتماعية المتوقعة.

3-     إن تحقيق هذين الهدفين يتطلب رسم سيناريوهات واسعة الطيف لمستقبل الاقتصاد الوطني، وذلك لمواكبة التطورات في عالم سريع التغير يتصف بحالة عدم التأكد.

4-     أن يتم رسم هذه السيناريوهات والسياسات الاقتصادية اعتماداً على أبحاث علمية متخصصة ومعمقة يقوم بها باحثون متخصصون في كافة مجالات التنمية (سواء كانوا أكاديميين أو تطبيقيين) وذلك في مركز أبحاث وطني متخصص بقضايا استراتيجيات وسياسات التنمية.

5-     أن يتم بناء المسارات الاقتصادية المقبلة على أساس تحقيق مبدأ الترابطات الأمامية والخلفية بين مشاريع التنمية (سواء لدى القطاع العام أو القطاع الخاص) وبين الأجيال وعلى أساس تخطيط استراتيجي وإدارة اقتصادية متطورة.

6-     أن يتركز التوجه الاستراتيجي المستقبلي للجامعات على تخريج متخصصين بـ مهارات حل المشكلات" وبقول آخر "حلال العقد" بدلاً من تخريج متخصصين باختصاصات عامة. إذ يعد التعليم الاستعداد الأمثل لأن يكون المرء قادراً على الاستجابة للتغيرات التكنولوجيا المفاجئة. وهذا يعني أن اكتساب المهارات المتجددة بشكل متواصل طوال العمر الاقتصادي للمشتغل سيكون النبراس الأمثل للتعليم في عالم سريع التغير يتصف بحالة عدم التأكد، لأن المستقبل سوف يحمل في طياته اختفاء مهم وصناعات بكاملها وظهور مهن وصناعات جديدة.

محمد جلال مراد