تصحيح بنية العمالة السورية

الدكتور محمد سعيد النابلسي

أولاً- مقدمة: ملاحظات أساسية حول الاقتصاد البشري:

لقد بات بديهياً القول أن البحث العملي في مجال الثروة البشرية يخضع إلى مقاييس وأسس عملية تختلف نوعياً عن تلك المفاهيم والأسس التي تحكم دراسة الأشكال الأخرى من الثروات. وإذا كان العديد من النظريات والأبحاث الاقتصادية رأي في العنصر البشري مثله مثل عوامل الإنتاج الأخرى يخضع لفعل آلية السوق. فإن التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتلاحقة أدت بالضرورة إلى تغيير هذه النظرة وأفرز تطور الفكر الاقتصادي والاجتماعي جملة من المسائل البالغة التعقيد على بساط البحث والتي تحيط بخصائص وطبيعة الكائن البشري. ولم يعد بالتالي من الممكن والجائز إغفال أو تجاهل الجوانب النوعية في المبادئ والأساليب العملية التي يتوجب الأخذ بها عند طرح المسائل المتعلقة بالاستغلال الأمثل للثروة البشرية وإذ كان الفضل يعود بالدرجة الأولى لإلى بعض المفكرين الكلاسيكيين في توضيح المبادئ الأساسية للاقتصاد السياسي البشري، إلا أن العقود الأخيرة من هذا القرن تميزت بجهود علمية وعملية في هذا المجال. فقد برزت إلى الوجود جملة من القضايا الهامة التي لم تكن مطروحة على بساط البحث من قبل، فقد أثار التطور التكنولوجي والثورة العلمية-التقنية، اهتمام الباحثين في مجال العلوم الاقتصادية والاجتماعية ومنها العلوم السكانية واقتصاديات العمل. ولفتت انتباههم إلى العديد من المسائل التي أفرزها هذا التطور، فقد تفاقمت على سبيل المثال ظاهرة البطالة وأخذت الهجرة الداخلية والخارجية أبعاداً جديدة وظهر النقص في الكوادر العلمية والفنية المتخصصة القادرة على مسايرة التطور العلمي والتقني المتسارع، كما تعاظم دور المفاهيم الاجتماعية كالعدالة والمساواة في توزيع فرص العمل والاستخدام وتوزيع الثروة الاجتماعية والمشاركة الفعالة في اتخاذ القرار. وهذه المسائل التي برزت إلى المقدمة احتلت أهمية متزايدة وراحت تشكل تحدياً كبيراً بالنسبة لكل من النظريات والأبحاث والسياسات المتبعة.

          في نهاية العقد العشرين تفاقمت مع الأزمة الاقتصادية العالمية مشكلة الركود والبطالة في البلدان الرأسمالية كما أصابت بالشلل اقتصاديات البلدان التابعة للنظام الرأسمالي العالمي. وفي تلك المرحلة تكثف الجهود العلمية للبحث في أسباب الأزمة ونتائجها الاجتماعية والاقتصادية، وبعد المرحلة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وما خلفته من كوارث اقتصادية واجتماعية عميقة وما استجد في الوقت نفسه من تطورات في مجالات العلوم والتقانة ظهر علم الاقتصاد والعلوم الاجتماعية والسياسة المتبعة عاجزة عن الإحاطة بالمشاكل المتشعبة والمرتبطة بالطاقات البشرية وضرورة تنميتها وتطويرها وتكييفها بما ينسجم مع الظروف المستجدة، وبالرغم من ظهور النظرية الكنيزية قبل الحرب العالمية الثانية ظل البعض يعتقد بعدم الضرورة أو اللجوء إلى التدخل الحكومي في سوق العمل الذي بإمكانه وبفعل قوانين العرض والطلب إعادة العمالة إلى حالة التوازن. إلا أنه اتضح فيما بعد أن الجهد القومي العام هو وحده الكفيل بتوفير موارد بشرية تتميز بالكفاءة العلمية والتقنية وأن يضمن المستقبل للعلماء والباحثين والكوادر الفنية والمهنية. وهي قضايا لا تستطيع آلية السوق أن تقدم لها إلا القليل من الإرشاد والعدد الأقل من الحلول.

          وعلى صعيد البلدان النامية أوضحت التجارب التنموية الأهمية الخاصة التي تحتلها تنمية الموارد البشرية وفي مقدمتها القوى العاملة ودورها المتميز في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحديد آفاق تطور هذه البلدان. وبعيد استقلال هذه البلدان كان من بين الصعوبات العديدة التي واجهتها النقص في المؤسسات التعليمية والمهنية وافتقارها إلى التخطيط السليم وأدوات التنفيذ، إلا أنه لم يكن بوسع معظم هذه البلدان إحراز ما حققته من تقدم نسبي في بعض المجالات لو لا الاهتمام بالسياسات التعليمية والصحية وتنمية الموارد البشرية.

          وقد برزت في البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء مسائل تتعلق بتوسيع نطاق الفرص العلمية والعملية أمام الفئات الاجتماعية المختلفة. بحيث تضاءل احتكار القلة للمراكز الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية في المجتمع. وقد ساعد على دعم هذا الاتجاه نحو العدالة في توزيع فرص العمل الطلب المتزايد على العلماء والمهندسين والمهنيين المنحدرين من فئات اجتماعية والتي لم يكن لها دوراً هاماً في الحياة العامة. وإذا كانت البلدان الصناعية المتقدمة قد حققت نجاحاً ملحوظاً في المضمار بسبب ديناميكية النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي السائد فيها. فإن المستفيدين من التنمية في البلدان النامية ما زالوا يشكلون الأقلية. بينما ظلت الجماهير الواسعة في منأى عن الإنجازات التنموية التي تحققت في بعض هذه البلدان.

          وما زال الواقع يؤكد على وجود عوائق غير اقتصادية وذات طبيعة اجتماعية وسياسية وثقافية تقف عقبة أمام تطور البلدان النامية الشامل مثل انخفاض مستوى المؤهلات العلمية والخبرات والمهارات التقنية والمهنية، وقد أثبتت التجارب أن رأس المال وحده مهما تعاظم لا يشكل ضمانات كافية لتحقيق معدل سريع ومستقر للنمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية ومما لا شك فيه أن تنمية الموارد البشرية وتحقيق الاستخدام الأمثل للقوى العاملة وتضييق الهوة التي تفصل بين مستوى التطور العلمي والتقني المتسارع وتطور الطاقات البشرية وبناء المؤسسات القادرة على الاستغلال العقلاني للموارد البشرية تتطلب فترة طويلة من الزمن. ويقع على الدولة وأجهزتها ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية والمنظمات والهيئات الأهلية دور أساسي في إنجاز هذه المهام. ففي أغلب الحالات يعزى العجز في حل معضلات التنمية الاقتصادية والبشرية إلى عيوب في إدارة الدولة وقوالب الأجهزة الحكومية وقصور المؤسسات بمختلف أنواعها عن أداء تلك المهام الموكلة إليها.

          إن تنمية الموارد البشرية والاستخدام الأمثل للقوى العاملة يتوقفان على فعالية كافة الأنظمة الاجتماعية ولكن مما لا ريب فيه أن النظام الاقتصادي يعد الأكثر أهمية بين كافة الأنظمة. إذ يتوقف تطوير واستغلال الثروة البشرية على ديناميكية النظام الاقتصادي السائد في المجتمع بالدرجة الأولى من حيث توفير فرص العمل وزيادة إنتاجية العمل. إن التقدم الاقتصادي قد لا يخلق في كثير من الحالات الاستخدام الكامل إلا أنه يضمن الحفاظ على نسبة مرتفعة من الاستخدام لنسبة عالية من القادرين على العمل والراغبين فيه. فضلاً عن ذلك فإن الاقتصاد المتقدم يحقق نظاماً رفيعاً من التخصص والتنظيم واكتساب المعارف والمهارات التقنية التي تساهم مساهمة كبيرة إلى جانب توفير التراكم الرأسمالي في تفعيل مستوى إنتاجية العمل وخلق فرص العمل وتهيئة الكوادر العلمية والإدارية والفنية.

          كما يتضح الاقتصاد توفير الموارد المالية التي تتيح للأسر ومنظمات العمل والدولة ومؤسساتها إمكانيات مناسبة لتكريسها للتعليم والتدريب المستمر ورفع المستوى الثقافي مما يساعد على تطوير ظروف تجديد إنتاج قوة العمل وتوفير فرص الاستخدام للأجيال المقبلة وتحقيق نوعاً من التوفيق بين طبيعة العمل وبين المستوى التقني والمهني للمشتغلين وتأمين مصادر دخل بديلة في صورة ضمان اجتماعي للعاطلين عن العمل.

          مثل هذه الشروط والإمكانيات المتاحة لتطوير واستخدام الموارد البشرية ليست متوفرة في الاقتصادات المتخلفة والمركزة في معظمها على الزراعات التقليدية والإنتاج المتوسط والصغير والتجارة الصغيرة وضآلة مساهمة المؤسسات الكبيرة، وإن استمرارية هذا النمط الإنتاجي إلى جانب وتائر النمو السكاني المرتفعة ستعيق هذه البلدان عن إحراز تقدم ملموس في تأمين فرص العمل وتحقيق الاستخدام الفعال والمنتج للقوى العاملة المتنامية وتطوير المهارات والخبرات العلمية والفنية. فضلاً عن ذلك فإن تسرب جزء لا بأس به من الفائض الاقتصادي بفعل الأسعار العالمية والتضخم والعلاقات النقدية الدولية من الأسباب الرئيسية التي تعيق توفير الموارد المالية وغيرها اللازمة لحل معضلات التنمية الشاملة والمستدامة.

ثانياً- البنية السكانية وبنية العمالة:

السكان مجموعة من الناس تمارس نشاطها الحياتي في إطار تشكيلة اقتصادية-اجتماعية معينة. وهم أي السكان، يمثلون من ناحية أخرى مجموعة معقدة ومتعددة الأوجه من البشر. ويشكلون أيضاً الأساس الطبيعي للمنظومة المجتمعية. وهذه المجموعة أبعد ما تكون عن حالة السكون بل هي في تطور مستمر لا يمكن التعبير عنه بحركة المؤشرات الكمية فحسب، بل وعبر تغير المواصفات النوعية للسكان في كل مرحلة من مراحل التطور الاجتماعي. والسكان بذلك ظاهرة اجتماعية تخضع لقوانين التطور الاجتماعي وبالتالي يقضي المنهج العلمي في تحليل قضايا السكان دراسة الظواهر الاقتصادية والاجتماعية والطبيعية المترابطة ببعضها البعض وكذلك العوامل السياسية والثقافية والحقوقية والدينية والحياتية المحددة للحركة السكانية.

          عند دراسة مشاكل السكان في البلدان النامية يجب الأخذ بعين الاعتبار هذه البلدان ليست متجانسة. غير أن الكثير من الصعوبات التي تطور هذه البلدان هي صعوبات ناشئة تاريخياً وقبل شيء عن مخلفات الاستعمار الطويل. والذي أثر تأثيراً مهلكاً على بنيتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتطور الطبيعي للحركة السكانية. وحالياً فإن العديد من البلدان النامية ينفذ بشكل وآخر برامج "تنظيم الأسرة". بيد أن الحد من معدل المواليد وتخفيض وتائر النمو السكاني مرهونان بصورة مباشرة بتطور هذه البلدان الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والتقني. فأية إجراءات دعائية لتحديد الإنجاب لا يمكن أن تحقق نتائج ملموسة إلا عن ما يكون السكان معدين من خلال سير التطور الشامل لتقبل فكرة "الأبوة الواعية"، وعندما يتاح لغالبية الأسر إمكانية الحصول على عمل يتطلب المعارف العلمية والخبرات والمهارات العملية. كذلك عندما يتغير وضع المرأة في المجتمع، ومثل هذه التغيرات لا يمكن أن تكون إلا نتيجة لتحولات اقتصادية اجتماعية جذرية.

          فمن البديهي القول أن متابعة التغيرات في بنية السكان ذات أهمية بالغة في دراسة التطور الاجتماعي، حيث يشكل السكان مع الطبيعة الشرط الحاسم في حياة المجتمع المادية وغير المادية. إلا أن مفهوم السكان بشكل عام هو تجريد شأنه شأن مفهوم الإنتاج بشكل عام وقد كتب ماركس يقول: "هم السكان هم شيء مجرد إذا تركت جانباً، على سبيل المثال، الطبقات التي يتكونون منها وهذه الطبقات هي أيضاً شيء لا معنى له إذا لم أكن أعرف الأسس التي تستند إليها ومنها مثلاً العمل المأجور، رأس المال… وهذه الأخيرة تفترض التبادل، تقسيم العمل، الأسعار الخ…"، وفي ضوء هذا التحديد إلى مفهوم "السكان" ينبغي النظر إلى بنية السكان في علاقاتها المتعددة وقبل كل شيء في علاقات الإنتاج والتوزيع والاستهلاك.

وانطلاقاً من هذا المفهوم وحتى يمكننا الإحاطة ببنية السكان في سوريا لا بد من توفر المعلومات الخاصة بالجانب الاجتماعي وتوزيع السكان حسب العمر والجنس، وواقع الأسرة وبنية القوى العاملة، التركيب السكاني حسب الدخل الفردي وميزانية الأسرة، التوزيع الجغرافي للسكان فضلاً عن مؤشرات ومعدلات المواليد والوفيات والنمو السكاني ومعدل الخصوبة وغيرها من المؤشرات الديموغرافية،  وهي تشير إلى أن سورية ما زالت تعيش المرحلة الثانية في عملية التحول الديمغرافي (معدل مرتفع في الولادات مع انخفاض ملحوظ وسريع في معدل الوفيات)، حيث وصل معدل النمو السكاني 33.5 بالألف حسب التعداد السكاني لعام1981 وانخفض بنسبة ضئيلة بحيث أصبح 33 بالألف حسب التعداد السكاني لعام 1994، ويعد هذين المعدلين من أعلى المعدلات في العالم. وتقدر فترة تضاعف عدد السكان في سوريا بعشرين عاماً. فقد بلغ عدد السكان ما يزيد قليلاً عن 6.3مليون نسمة حسب التعداد السكاني لعام1970. وارتفع هذا العدد إلى ما يزيد عم 9ملايين نسمة حسب التعداد السكاني لعام1981. وبلغ هذا العدد ما يزيد عن 13.8مليون نسمة حسب التعداد السكاني الأخير في عام 1994. وحسب المجموعة الإحصائية السورية لعام1998 بلغ عدد سكان سورية 17مليون نسمة مأخوذاً من واقع عدد السكان المسجلين في سجلات الأحوال المدنية بتاريخ1/1/1988 في حين قدر في المجموعة الإحصائية استناداً إلى التعدادات السكانية التي كان آخرها عام1994 بحوالي 15.6مليون نسمة لعام1998. وهو عدد السكان المتواجدين في أراضي الجمهورية العربية السورية، في حين تشمل سجلات الأحوال المدنية عدد السكان المتواجدين داخل وخارج القطر.

          وحسب المجموعة الإحصائية لعام1998 قدر عدد السكان المتواجدين داخل القطر حسب فئات السن بـ 44.8% لفئة السن ما بين 0-14سنة من إجمالي عدد السكان وبنسبة 52.2% لفئات السن ما بين 15-54 ونسبة 3% لفئة السن 65سنة وما فوق.

          ومن ناحية أخرى طرأ تغير ملحوظ في توزيع السكان بين الريف والحضر حيث ازدادت نسبة سكان المدن في سوريا من 39% إلى 51% ما بين الأعوام 1960-1995. وبالنسبة للتركيب حسب الجنس فإن عدد الذكور يكون عادة أكثر قليلاً من عدد الإناث في معظم الفئات العمرية باستثناء فئة الشباب المحصورة ما بين سن 25-40، حيث الإناث أكثر من الذكور حسب نتائج تعدادي 1970 وعام1981 ويعود ذلك بصورة أساسية إلى الهجرة الخارجية للشباب في هذه الفئات من الأعمار. ولهجرة الشباب وخاصة أصحاب الكفاءات والمهارات آثاراً سلبية على بنية العمالة والاقتصاد الوطني عامة. رغم أنها تحد إلى حد ما من مشكلة البطالة وتحقق بعض الفائدة من التحويلات المالية إلى اسر المهاجرين. وتعد البلدان العربية من أكثر البلدان النامية معاناة من هذه الظاهرة، حيث تشير إحدى الأبحاث إلى أن عدد المهاجرين العرب ذوي الكفاءات العلمية إلى الولايات المتحدة الأمريكية بلغ 23100مهاجر خلال 1962-1967. وعدد المهاجرين السوريين إلى البلد نفسه خلال الفترة من عام 1956-1969 حوالي8200 مهاجر ، وكانوا يشكلون 57% من الأطباء والمهندسين والصيادلة وخريجي العلوم الإنسانية في تلك الفترة. وتفيد عملية بحث العينة الديموغرافية عام1979 التي قام بها المكتب المركزي للإحصاء ومن خلال الاستمارة المتعلقة بالخصائص الاقتصادية للمهاجرين ارتفاع نسبة المهاجرين من العمال في قطاع الإنتاج والبناء والتشييد ومعظمهم من حملة الشهادة الابتدائية وما دون إلا أن الهجرة أخذت في الآونة الأخيرة طابعاً انتقائياً عندما حددت البلدان المستقبلية وخاصة الصناعية منها نوعية المهاجرين ممن يتمتعون بالكفاءات العلمية والفنية العالية، ومن ناحية أخرى فإن التركيب السكاني حسب الحالة التعليمية للسكان (10سنوات وما فوق) يشير إلى نسبة الأمية قاربت 20% في عام1991 ونسبة العلمين بالقراءة والكتابة حوالي 26% ونسبة حملة الشهادة الابتدائية بلغت 25% (المجموعة الإحصائية السورية لعام 1994)، في حين تفيد بعض الدراسات إلى أن نسبة الأمية بين السكان (10 سنوات فأكثر) بلغت حوالي 62% عام1960، وخاصة بين الإناث حيث وصلت هذه النسبة في بعض المحافظات حوالي 90% في نفس العام وانخفضت إلى 30.6% في عام1991. كما ارتفعت حملة الشهادة الابتدائية من 7.2% إلى 29.2% من مجموع السكان (10سنوات فأكثر) خلال الفترة ما بين 1960-1991. والجدول التالي يبين التوزيع النسبي للسكان (10سنوات فأكثر) حسب الحالة التعليمية خلال السنوات (1960-1970-1991).

                                1960         1970         1991

أمي                            61.9%        53.4%        20.1%

ملم بالقراءة والكتابة             26.58%      25.5%        26.2%

ابتدائية                         7.2%         13.1%        29.2%

إعدادية                         -              4%            11.4%

ثانوية                          3%            2.6%         7.1%

معهد متوسط                    -              -              3.3%

جامعة + ماجستير              0.4%         0.4%         2.7%

دكتوراه                         0.02%        0.05%        -

غير مبين                       0.6%         0.65%        -

                                100%         100%         100%

ومن ناحية أخرى فإن تحسن الوضع الصحي وخاصة العلاج الوقائي أدى إلى انخفاض معدل الوفيات بشكل عام وخاصة بين الأطفال والرضع منهم على وجه الخصوص والذي أدى بدوره أيضاً إلى انخفاض ملحوظ في معدلات الولادات. إن ارتفاع وفيات الأطفال يدفع الآباء إلى إنجاب المزيد لتعويض فقدانهم لطفل أو أكثر. وبصورة عامة وكما هو الحال في معظم البلدان النامية كان للعامل الصحي وخاصة استخدام اللقاحات والمضادات الحيوية أثره البالغ في ارتفاع معدل النمو السكاني. والجدول التالي يبين التطور في عدد الأطباء والصيادلة والممرضات وتحسن ضئيل في متوسط عدد السكان لكل سرير:

مشافي

ممرضات

صيادلة

أطباء الأسنان

أطباء الصحة

 

سكان/سرير

عدد         سكان/طبيب

ععدد  عدد         سكان /طبيب

عدد          سكان/طبيب

عدد       سكان/طبيب

السنوات

894

658       6616

350       12964

219       20689

985      4635   

1960

887

12438     974

3644       3325

3481       3154

11682   1037

1990

805

23151     639

5919       2500

8025       1767

15391    922

1995

إلا أن هذه المؤشرات الكمية سواء المتعلق منها بالتعليم أو الصحة لا تقدم صورة عن المستوى النوعي للخدمات الاجتماعية، ولا تبين معدل الإنجاز أو معدل البطالة المنتشرة بين عدد كبير من الأطباء والصيادلة وغيرهم ومن ناحية أخرى فإن الغالبية العظمى من السكان تلجأ إلى العيادات والمشافي والمراكز الصحية العامة بسبب ارتفاع نفقات الطبابة في عيادات ومشافي القطاع الخاص. فإذا أخذنا بالحسبان النفقات التقديرية في الموازنة الموحدة للدولة والمخصصة لوزارة الصحة البالغة حولي 2.4مليار ليرة سورية وهي تشكل نسبة حوالي 1% من إجمالي النفقات العادية والإنمائية في الموازنة التقديرية لعام 1998، فإن متوسط نصيب الفرد الواحد من السكان من النفقات العامة التقديرية للصحة يقدر بحوالي 154ليرة سورية لعام1998 (تقديرات عدد السكان 15.6مليون لهذا العام). علماً أن هذه النفقات تشمل النفقات الإدارية وغيرها التي لا تقدم خدمات صحية فعلية للسكان. وخلاصة القول فإن هذه المؤشرات المتاحة غير كافية لإعطاء صورة تعكس جميع الجوانب الاجتماعية والاقتصادية وغيرها لواقع وبنية السكان في سوريا. وكان القصد من عرض هذه المعلومات أن تمهد السبيل لدراسة بنية العمالة والتي تشكل القسم الهام من السكان النشيطين اقتصادياً. عسى أن تسهم هذه الدراسة في توضيح جوانب أخرى وخاصة تلك الجوانب التي تساعدنا على فهم أعمق للعلاقة بين بنية السكان وبنية السكان وبنية العمالة وبالتالي تقديم رؤيا لتصحيح هيكل العمالة في سوريا.

ثالثاً- بنية العمالة:

1-    الجوانب الديموغرافية:

القوة العاملة هي قدرة الإنسان على العمل. ويتفق معظم المفكرين على أن "قوة العمل أو القدرة على العمل هي جملة القدرات العضلية والروحية والذهنية التي يتمتع بها الجسم، الشخصية الحية للإنسان، والتي يبذلها كل مرة ينتج فيها قيماً استهلاكية". وينتمي للأيدي العاملة المجتمع ذلك القسم من السكان الذي يستطيع بفضل قدراته المتنوعة أن يعمل ويقوم بوظيفته المحددة في عملية الإنتاج الاجتماعي. وبهذا المعنى فإن الأيدي العاملة التي تشكل مجموع القوى العاملة ليست مفهوماً كمياً بسيطاً بل هي مقولة اجتماعية اقتصادية معقدة ومتعددة الجوانب.

لدى دراستنا لواقع وتركيب القوى العاملة واحتمالات تطورها يجب التركيز بالدرجة الأولى على مواصفاتها النوعية. من أهمها مستوى الإعداد التعليمي العام أو التخصصي الذي يتفق مع متطلبات الإنتاج وشروط العمل، والوضع المعيشي والصحي للمنتجين والصحي للمنتجين. أقدمية العمل التي تحدد إلى جانب الإعداد المختص المهارة والحذاقة عند القيام بأعمال محددة فضلاً عن أهمية التركيب العمري-الجنسي للقوى العاملة وتحليل توزيعها حسب فروع العمل وأنواع المهن والذي يسمح بتقييم فعالية استخدام قوة العمل.

وفي واقع الأمر ومنذ فجر الاستقلال لم يكن هناك مفهوم Concept واضح ورؤيا متكاملة للجوانب المتعددة والمحيطة بقضايا تنمية الموارد البشرية. وتجلت سياسة الدولة في سوريا وبالتالي باتجاهات عامة وإجراءات تنفيذية لتطوير النظام التعليمي والصحي بإقامة المؤسسات وبناء الكادر الإداري والفني. وكما هو الحال في البلدان النامية فإن ما يسمى بسياسة تنمية الموارد البشرية يعود إلى إهمال الفكر التنموي التقليدي لهذه المسألة والذي يطلق عليها ماير "البنية التحتية البشرية" التي تحتل حالياً أهمية متزايدة في منظومة مفاهيم التنمية الشاملة والمستدامة.

ومنذ سنوات عديدة بدأ الإدراك لأهمية الجانب النوعي في التعليم والتدريب والتأهيل يأخذ أبعاده التطبيقية في العديد من البلدان النامية. وتجلى هذا الاتجاه في سوريا خلال هذه المرحلة في تزايد تدريجي لمراكز البحوث ومؤسسات التعليم الفني والمهني والتقني ومراكز التدريب- والتأهيل التي تهدف إلى رفع المستوى النوعي للموارد البشرية وإعادة هيكلة العمالة التي تحتاج إلى تعميق وتوسيع هذا الاتجاه في السياسة التعليمية ذلك لأن البلدان النامية كما يقول روبرتسون وهوتنر (اقتصاديات الأجور والعمل)  "تصبح مع الزمن أكثر إدراكاً لأهمية هذا العامل في استراتيجيات وسياسات التنمية إذا أرادت هذه البلدان أن تتجنب الغوص أكثر فأكثر في مأزق التخلف".

1-1-    التوزيع النسبي لقوة العمل في سوريا حسب الحالة التعليمية للأعوام 1970-1981-1993:

الحالة التعليمية                 قوة العمل1970               قوة العمل1981               قوة العمل1993

- أمي                          49%                  28.6%                19.8%

- ملم                           30.3%                28.3%                14.8%

- ابتدائية                       12.25                 23.3%                33.2%

- إعدادية                      2.8%                 6.7%                 11.2%

- ثانوية                        2.8%                 5.7%                 7.6%

- معهد متوسط                 1.3%                 3.6%                 6.8%

- جامعة فأكثر                  1.7%                 3.8%                 6.6%

- المجموع                     100%                 100%                 100%

- مجموع قوة العمل            1.524.552           2.49.887            3.918.00

- النسبة من السكان            24.18%              22.66%              29.5%(تقديري)

المصدر: 1) التعداد السكاني لعامي 1970،1981 المجموعة الإحصائية السورية.

            2) مسح سوق العمل في سوريا لعام 1993، المكتب المركزي للإحصاء.

كما هو واضح من الجدول حدث تحسن نسبي في البنية التعليمية لقوة العمل ما بين الأعوام 1970-1993. رغم ذلك ما زال المستوى التعليمي منخفضاً، حيث بلغت نسبة الأميين والملمين وحملة الشهادة الابتدائية 67.8% من إجمالي قوة العمل في عام 1993. علماً بأن نسبة الأمية تنخفض في الحضر إلى 13% وترتفع في الريف إلى 30% كما تصل النسبة في حال الجمع بين الأميين والملمين بالقراءة والكتابة إلى 32% في الحضر وإلى 46% في الريف. كما تتفاوت هذه النسبة بين محافظة وأخرى على مستوى القطر.

1-2-    التوزيع النسبي لقوة العمل حسب الجنس للأعوام 1970-1981-1993:

السنة              عدد القوى العاملة         ذكور              إناث              نسبة الذكور      نسبة الإناث

1970            1.524.552               1.360.686     163866        89.25%        10.75%

1981            2.049.887               1.874.962     174962        91.64%        8.54%

1993            3.918.000               3.291.000     627000        84%             16%

يشير هذا الجدول إلى انخفاض نسبة مساهمة المرأة في قوة العمل بصورة عامة خلال السنوات الثلاثة المذكورة وخاصة في عام1981 وقد بلغت حدها الأقصى عام 1993 وبنسبة 16% من قوة العمل حسب بيانات مسح سوق العمل الذي نفذ خلال هذا العام، إلا أننا نعتقد أن هذه النسبة أكبر من ذلك إذا أخذنا بالحسبان العلامات في القطاع الزراعي والاقتصاد المنزلي.

1-3-    التوزيع النسبي لقوة العمل حسب طبيعة ملكية القطاع لعام1993:

القطاع العام                29.8% من إجمالي قوة العمل

القطاع الخاص             30.2% من إجمالي قوة العمل

          100%

          نسبة الذكور:

          القطاع العام                27.8% من إجمالي الذكور في قوة العمل

          القطاع الخاص             72.2% من إجمالي الذكور في قوة العمل

                                      ______

                                      100%

          نسبة الإناث:

          القطاع العام                40.1% من إجمالي الإناث في قوة العمل

          القطاع الخاص             59.9% من إجمالي الإناث في قوة العمل

                                      ______

                                      100%

1-4-    توزيع القوى العاملة حسب القطاعات وحسب الحالة العملية:

النسبة

المجموع

يعمل لدى الأسرة

يعمل بأجر

يعمل لحسابه

صاحب العمل

القطاع

27%

931130

363700

152268

283449

131710

-الزراعة والمناجم والمحاجر

13.6%

475090

42080

295627

91020

46366

- الصناعة والطاقة

10%

350620

4289

246871

87329

12087

- البناء والتشييد

4.9%

170180

3496

96968

65277

4438

- نقل ومواصلات وتخزين

39.5%

1373900

44610

954925

305775

68589

- تجارة وخدمات شخصية وجماعية

-

-

-

-

-

-

- متعطل

100%

3.486.000

458175

1746605

832850

263290

- المجموع

100%

-

13.8%

53%

25.2%

8%

- النسبة المئوية

المصدر: المجموعة الإحصائية السورية لعام1994:

يشير الجدول إلى أن نسبة العاملين في قطاع التجارة والخدمات الشخصية والجماعية تعادل تقريباً نسبة العاملين في قطاعات الزراعة والصناعة والطاقة. كما تشكل نسبة العاملين بأجر نقدي 53% من إجمالي قوة العمل ونسبة من يعمل لحسابه 25.2% ونسبة صاحب العمل 8% ونسبة من يعمل لدى الأسرة 13.7% ويشير الرقمان الأخيران إلى مدى انتشار المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والعمل في الاقتصاد المنزلي، ويمكن بالتالي إبداء الملاحظات التالية:

1-    إن توزع السكان ذوي النشاط الاقتصادي حسب القطاعات والحالة العملية الواردة في الجدول السابق مبنية على أساس بحث العينة الإحصائية لعام1991 والمنشورة في المجموعة الإحصائية إلا أن مسح سوق العمل لعام 1993 من خلال العينة المختارة تشير إلى تغير كبير في توزيع القوى العاملة حسب القطاعات الاقتصادية وكانت نتائج بحث العينة على الشكل التالي:

زراعة وغابات                         29.4%                من إجمالي القوة العاملة

صناعة وطاقة                          16.2%                من إجمالي القوة العاملة

بناء وتشييد                             10.7%                من إجمالي القوة العاملة

نقل ومواصلات وتخزين                5.7%                 من إجمالي القوة العاملة

تجارة وخدمات شخصية وجماعية       38.0%                من إجمالي القوة العاملة

2-    تعددية أنماط الإنتاج والانتشار الواسع للأنماط الصغيرة والأسرية الإنتاجية والخدمية، الواقع الذي يؤدي إلى تبعثر شديد في وسائل الإنتاج وقوة العمل مما يزيد من صعوبة العمل الإحصائي.

3-     انتشار القطاع غير المنظم(Informed sector)  وعدم وجود معلومات إحصائية دقيقة عن معدلات البطالة، نظراً لأن عدداً كبيراً من العاطلين عن العمل لا يلجأ إلى مكاتب الاستخدام بحثاً عن العمل.

وللبرهان على ما سبق ذكره من ملاحظات يتضح من نتائج تعداد حصر المنشآت الاقتصادية التي تم عام 1994 (التعداد الأخير) إن مجموع المنشآت الاقتصادية قد بلغ 662650منشأة أي بزيادة نحو 273% عن عدد المنشآت الاقتصادية التي سجلت في تعداد 1981 والبالغة 243104منشأة وهذه الزيادة تعكس توسعاً في الأنشطة الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة خلال الفترة 1981-1994 ويشير هذا التعداد الأخير لعام 1994 أن 431822 منشأة تمارس نشاطها المعتاد وأن 230828 منشأة متوقفة عن ممارسة أي نشاط ويبلغ عدد المنشآت الاقتصادية التي تعود ملكيتها للقطاع الخاص والتي تمارس النشاط الاقتصادي 393950 منشأة مقابل 35055منشأة للقطاع العام و2817 منشأة للقطاعات الأخرى (تعاوني، مشترك، نقابات، منظمات، وجمعيات). أي ما يزيد عن 91% من عدد المنشآت الاقتصادية العاملة أثناء تعداد عام1994 تعود ملكيتها للقطاع الخاص.

وللتدليل على تبعثر قوة العمل في منشآت القطاع الخاص والذي لا يساعد على الاستفادة من مزايا جماعية وتقسيم العمل الاجتماعي والمؤسساتي. فإن المعلومات الإحصائية تشير إلى أن 65.3% من هذه المنشآت يعمل فيها عامل واحد فقط في حين تمثل المنشآت التي يعمل فيها ما بين 2-4 عمال 29.9% من مجموع منشآت القطاع الخاص، أي أن ما يزيد عن 95% من منشآت القطاع الخاص يعمل فيها أقل من خمسة عمال كما هو واضح في الجدول التالي:

النسبة المئوية من عدد المنشآت
عدد المنشآت
عدد العمال
65.3%

29.8%

3.9%

0.7%

0.1%

0.1%

0.6%

100%

257356

117331

15215

2647

572

400

255

391950

عامل واحد

2-4

5-9

10-14

15-19

20-29

30-49

50 فأكثر

كما يستدل من نتائج حصر المنشآت في عام 1994 أن نحو 60.2% من مجموع المنشآت العاملة في القطاع الخاص وتمارس نشاطاً تجارياً (جملة وتجزئة) في حين أن عدد المنشآت التي تعمل في الصناعات التحويلية وهي في معظمها ورشات صغيرة لا يتجاوز نسبة 21.7 من إجمالي عدد المنشآت العاملة في القطاع الخاص.

2-              مستوى المعيشة وإنتاجية العمل:

-         لا جدال في العصر الحالي حول العلاقة بين مستوى المعيشة وإنتاجية العمل. من البديهي القول أن إنتاجية العمل تتوقف إلى حد كبير على حجم ونوعية تلبية الاحتياجات المادية والمعنوية-الثقافية للإنسان العامل والتي تتوقف على مستوى تطور القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج وخاصة علاقات توزيع الثروة الاجتماعية. أو بكلمة أخرى، فإن مستوى المعيشة مقولة اقتصادية اجتماعية ذات طبيعة متغيرة مع تغير الواقع الاقتصادي والاجتماعي-الثقافي التعليمي والصحي وشروط العمل والسكن والبيئة بما فيها أيضاً شروط استغلال وقت الفراغ. وإذا ما أضفنا إلى كل ذلك مفاهيم هامة أخرى كالديمقراطية وحرية المشاركة والتعبير والاعتقاد والإبداع أصبحنا أمام مصطلح علمي آخر أكثر شمولاً وهو ما يطلق عليه أسلوب الحياة.

يصعب علينا في الواقع قياس كل هذه المؤشرات وتحديد دلالتها بالنسبة لتجديد إنتاج قوة العمل. لذا سنكتفي بمؤشر واحد له أهمية خاصة في دراسة العلاقة بين مستوى المعيشة وإنتاجية العمل ونعني بذلك مؤشر المستوى الغذائي و أهمية خاصة في دراسة العلاقة بين مستوى المعيشة وإنتاجية العمل ونعني بذلك مؤشر المستوى الغذائي وإنتاجية العمل ومن أجل توضيح أبعاد هذه المسألة يمكننا بداية الإشارة إلى نتائج البحث والاختبارات التي قام بها كوريه لتوضيح العلاقة بين الاستهلاك من السعرات الحرارية واستغلال طاقة العمل التي جاءت على النحو التالي:

استغلال طاقة العمل

100

98.3

96.3

91.6

88.48

66.98

66.74

44.41

27.5

19.3

استهلاك الحريرات

100

97.9

91.7

83.39

78.5

74.6

64.3

53

47.8

40,6

ومن ناحية أخرى قدر الأخصائيون في مجال الغذاء، احتياجات الجسم من  السعرات الحرارية خلال حياة يومية (24ساعة) على النحو التالي:

          حياة يومية في راحة بدنية           1900-2400 سعرة حرارية

          ممارسة الأعمال الخفيفة                      3000 سعرة حرارية

          ممارسة الأعمال المتعبة                      3800 سعرة حرارية

          ممارسة الأعمال الشاقة                       5000-5600 سعرة حرارية

وحسب بعض الدراسات في هذا المجال بلغ متوسط نصيب الفرد الواحد في سوريا 3030 سعرة حرارية عام 1994. وقد اعتمد البحث في ذلك على تقدير متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي للمواد الغذائية بحاصل قسمة هذا الناتج على عدد السكان لعام 1994، وهي تشمل منتجات الحبوب والبقول واللحوم والبيض والحليب ومشتقاته والخضراوات والزيوت الحيوانية والنباتية والسكر والمشروبات وغيرها. آخذاً بعين الاعتبار مستوردات عدد من المواد الغذائية من الخارج.

          ومن واقع هذه المعلومات المعتمدة على الكميات من المواد الغذائية وأسعارها في السوق. استطعنا تحديد قيمة المواد الغذائية اللازمة لتأمين متوسط نصيب الفرد الواحد من الحريرات في اليوم الواحد والمقدرة بـ3030 حريرة/يوم، وبعد إجراء عدد من العمليات الحسابية تبين أن الفرد كحد أدنى يحتاج إلى 50ل.س يومياً لشراء المواد الغذائية الضرورية لتأمين 3030حريرة/يوم ، وعلى هذا الأساس أمكن تحديد قيمة الحد الأدنى من المواد الغذائية الضرورية للإنسان العامل حسب طبيعة الجهد كما يلي:

          الممارس للأعمال الخفيفة (3000حريرة) 49.5ل.س/يوم   x 30 =1485ل.س/شهر.

          الممارس للأعمال المتعبة (3800حريرة) 63ل.س/يوم x 30 =1890ل.س/شهر.

          الممارسة للأعمال الشاقة (5000حريرة) 82ل.س/يوم x  30 =2460ل.س/شهر.

هذه النتائج تتعلق بتجديد إنتاج قوة العمل للإنسان العامل من خلال مؤشر واحد (الحد الأدنى من قيمة المواد الغذائية)، لكن من ناحية أخرى سوف نحصل على نتائج أخرى إذا أخذنا بالحسبان تجديد إنتاج حياة الأسرة والذي يعتمد على دخول العاملين فيها بصورة أساسية. وتفيد المعلومات التالية المبينة على دراسات علمية احتياجات الفرد من الحريرات حسب العمر كما يلي:

          طفل أقل من 5سنوات (متوسط)              1400حريرة/يوم

          طفل ما بين 7-10 سنوات (متوسط)         2000حريرة/يوم

          فرد ما بين 11-24 سنة (متوسط)  3000حريرة/يوم

فإذا أخذنا على سبيل المثال عائلة مفترضة مكونة من ستة أشخاص وهو متوسط عدد الأسرة السورية. وافترضنا أيضاً إن اثنين من العائلة يقومون بعمل (جهد متوسط وجهد يدوي ثقيل)، وإن الأربعة الباقين يتكونون من طفلين أقل من خمس سنوات وطفل ما بين 7-10 سنوات وآخر ما بين 11-24 سنة فإن عدد الحريرات  الضرورية لتجديد إنتاج حياة الأسرة تكون كالتالي:

          طفل عدد 2 أقل من 5 سنوات: 1400حريرة x  2طفل =2800حريرة/يوم

          طفل واحد فقط ما بين 7-11سنة: 200 x 1 طفل= 2000حريرة/يوم

          فرد واحد ما بين 11-24سنة: 3000 x 1يافع =3000حريرة/يوم

          فرد عامل (جهد متوسط): 3800 x  1عامل =3800حريرة/يوم

          فرد عامل (جهد شاق): 5000 x 1 عامل = 5000حريرة/يوم.

إن مجموع الحريرات/يوم للأسرة مؤلفة من ستة أشخاص 16600حريرة/يوم وبالاعتماد على الحسابات السابقة (50ل.س يومياً لكل 3030من الحريرات)، فإن المعادل النقدي الشهري لشراء المواد الغذائية الضرورية لتأمين الحد الضروري من الحريرات اللازمة للأسرة المفترضة (ستة أشخاص) يساوي:50÷3030حريرة/يوم x 30يوم=8200ل.س/شهر.

والجدير بالذكر أن النتائج التي توصلنا إليها مبنية على تركيب غذائي غير متوازن من البروتين والدهون والسكريات ومشتقاتها. إذ من المعلوم أن نسبة كبيرة من التركيب الغذائي في سوريا تعتمد على مشتقات الحبوب، وتشير الدراسة التي أشرنا إليها إلى متوسط نصيب الفرد في السنة من المواد الغذائية الضرورية وفق الكميات التالية:

1- متوسط نصيب الفرد من مشتقات الحبوب (خبز، رز، برغل، وغيره،…)                   177كغ/سنة

2- متوسط نصيب الفرد من البقوليات                                                          16كغ/سنة

3- متوسط نصيب الفرد من اللحوم الحمراء والبيضاء                                          27كغ/سنة

4- متوسط نصيب الفرد من البيض                                                            120 بيضة/سنة

5- متوسط نصيب الفرد من الحليب ومشتقاته                                                  64كغ/سنة

6- متوسط نصيب الفرد من الزيوت النباتية والحيوانية                                         13كغ/سنة

7- لوزيات (جوز وخلافه)                                                                     3كغ/سنة

8- متوسط نصيب الفرد من الخضار                                                           138كغ/سنة

9- متوسط نصيب الفرد من الفواكه                                                            110كغ/سنة

10- متوسط الفرد من السكر والمشروبات                                                      39كغ/سنة

لعدم توفر معلومات عن توزيع الدخل القومي وتفاوت الدخول بين الطبقات والفئات الاجتماعية، فإن معلومات أخرى مأخوذة من إحدى مؤسسات القطاع المنشورة تساعدنا على المقارنة بين ما توصلنا إليه من نتائج تتعلق بالدخل الشهري الضروري بتوفير الغذاء (8200ل.س للعائلة المكونة من ستة أشخاص) وبين الدخول في هذه المؤسسة. حيث ظهرت في استمارة خاصة بذلك بتاريخ 31/12/1995 على النحو التالي:

                   الأجر الشهري (ل.س)                                  عدد العاملين

1951-2200                                                                                                        13

2201-2450                                                                                                        1

2451-2700                                                                                                        1

2701-2950                                                                                                        1

2951-3200                                                                                                        5

3201-4350                                                                                                        31

3451-3700                                                                                                        14

3701-3950                                                                                                        11

3951-4200                                                                                                        19

4201-4450                                                                                                        13

4451-4700                                                                                                        12

4701-4950                                                                                                        15

4951-5200                                                                                                        17

5201-5450                                                                                                        6

4551-5700                                                                                                        3

5700 فأكثر                                            5

إجمالي عدد العاملين                                   167

والدخول أعلاه تمثل الرواتب والأجور قبل خصم ضريبة الدخل على العمل وحسميات التأمينات الاجتماعية والتي تصل إلى أكثر من 22% لمن يتقاضى راتباً قدره 4000ل.س. والجدير ذكره أن هذه الشركة تحقق أرباحاً عالية وإنتاجية العمل فيها مرتفعة، إذا أخذنا بالاعتبار القيمة المضافة، وهي تمثل قيمة العمل، وعدد العاملين بتاريخ13/12/1996 .

                   متوسط إنتاجية العمل=

تشكل الرواتب والأجور قبل حسم الضريبة والأجور 20% من القيمة المضافة حيث بلغت كتلة الرواتب والأجور في عام 1996 (13.285.000)ل.س وشكل معدل الضريبة الوسطى 36% من القيمة المضافة وبلغ الربح الصافي بعد حسم الضريبة 44% من القيمة المضافة. ويتبين من الجدول أعلاه أن أعلى راتب شهري أقل بكثير من قيمة المواد الغذائية الضرورية لتأمين احتياجات أفراد الأسرة المؤلفة من ستة أشخاص أو أقل.

ورغم ارتفاع دليل التنمية البشرية النسبي في سوريا مقارنة بالعديد من البلدان النامية الأخرى، إلا أن جهوداً حثيثة يجب أن تبذل بغية تحسين مستوى التنمية البشرية والقضاء على ظواهر الفقر والحرمان البشري، ويشير تقرير التنمية لعام 1998 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى الملامح الأساسية للفقر البشري في سوريا على النحو التالي:

1-    دليل الفقر البشري نسبة مئوية عام 1995                       20.9%

2-     أشخاص لا يتوقع أن يعيشوا حتى سن الأربعين.                         8%

3-     معدل الأمية بين البالغين                                         29.2%

4-     السكان الذين لا يحصلون على مياه مأمونة                     14%

5-    السكان الذين لا يحصلون على خدمات صحية                             10%

6-     السكان الذين لا يحصلون على خدمات الصرف الصحي                33%

7-     أطفال دون الخامسة يعانون من نقص الوزن                    13%

ويستخلص من هذا العرض أن شروط تجديد إنتاج السكان يتوقف بصورة أساسية على الإمكانيات المادية وغير المادية المتاحة لتجديد إنتاج قوة العمل وخاصة العاملة منها في مجالات الإنتاج المادي وتؤكد هذه المعلومات المتاحة أمامنا على أهمية إنجاز المتطلبات الاقتصادية والاجتماعية الضرورية لتغيير بنية العمالة ضمن رؤيا استراتيجية شاملة وبعيدة المدى للتطور الاجتماعي، خاصة وإن التغيرات الديموغرافية تتسم بالبطء الشديد مقارنة بالتغيرات التي تحدث في المجالات الاقتصادية.

رابعا- تصحيح بنية العمالة- موضوعات أساسية:

          إن تطوير القوى العاملة وتصحيح بنيتها بمفهومها الشامل والذي يتلخص في نهاية المطاف في تحسين تركيبها النوعي يهدف إلى الاستخدام العقلاني لقوة العمل الاجتماعي، ويعتبر هذا الجانب العامل الأهم في رفع فعالية الإنتاج الاجتماعي. بالإضافة إلى ذلك يفترض بالاستخدام العقلاني للأيدي العاملة في المجتمع تأمين العمالة الكاملة لجميع السكان القادرين على العمل أو ما يطلق عليه البعض تحقيق التطابق الكامل بين عرض العمل والطلب عليه في سوق العمل. الأمر الذي يعكس نمو حاجة الناس إلى العمل المادية والروحية، ومن الناحية النظرية فإن تأمين العمالة الكامل أو التشغيل الكامل يشكل الشرط الأهم لحل المسائل المتعلقة بتأمين شمولية العمل.

          إن معيار فعالية استخدام الأيدي العاملة يتحدد بمستوى إنتاجية العمل في الإنتاج المادي وتقديم الخدمات للسكان على أفضل وجه. ولتحقيق هذه الغاية تبرز أمامنا الموضوعات الأساسية التالية:

1-    ضرورة وجود استراتيجية للتطور الاقتصادي والاجتماعي في سوريا لا تقتصر على المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية (التعليم، الصحة) إنما تتطلب إدماج المتغيرات السكانية بصورة عامة والتطور الكمي والنوعي للقوى العاملة باعتبارها العامل الحاسم في عملية الإنتاج.

2-     بلورة هذه الاستراتيجية في إعداد النموذج يعتمد على إعادة هيكلة الاقتصادات الوطني وتحقيق التوازن العقلاني بين القطاعات الاقتصادية الإنتاجية والخدمية عبر سياسات الاستثمار وخلق المناخ المناسب لتشجيعه وزيادة حجمه وتغيير بنية الاستثمار الحالية بحيث تحقق الطلب الفعال والمستمر على القوى العاملة المتنامية وتأمين فرص العمل التي تقدر حالياً ما بين 250000-300000 فرصة عمل يتوجب تأمينها كل سنة بالإضافة إلى توفير فرص عمل للعاطلين حالياً عن العمل، مع ضرورة تحقيق التوزيع العقلاني للقوى العاملة بين القطاعات الإنتاجية وغير الإنتاجية. فما زالت هياكل الإنتاج تتسم بالطابع التقليدي والمتمثل في غلبة ما يعرف بالأنشطة الأولية إضافة إلى ارتفاع نصيب الخدمات في الناتج المحلي الإجمالي. إن الخدمات القائمة حالياً تتسم من جهة أولى بارتفاع نصيب الخدمات المتدنية والمرتبطة بأجهزة ومؤسسات الدولة المتضخمة. وممن ناحية ثانية فإنه حيثما توجد الخدمات المسماة بالإنتاجية، فإنها لا تمارس وظيفة إنتاجية حقيقة بسبب تضاؤل النصيب النسبي للقطاعات السلعية من الناتج المحلي الإجمالي (قطاعات الصناعة والزراعة والطاقة وغيرها) كقاطرة يمكن أن تفرض الطابع المنتج للخدمات الإنتاجية المتمثلة بقطاعات التجارة والنقل والمواصلات والمال. فضلاً عن أنها تحمل الطابع العام للاقتصاد المتخلف. وتأكيد لما سبق نجد أن أهم القطاعات الاقتصادية في البلدان العربية عموماً هي الزراعة التقليدية، والتعدين، وخدمات التجارة والمال.

3-     ضرورة التلازم والترابط بين استراتيجية جديدة للاقتصاد الوطني وبين الاستراتيجية والسياسات والخطط الهادفة إلى تصحيح بنية العمالة وتوزيع القوى العاملة بين القطاعات بغية تلبية متطلبات سوق العمل المتغيرة، وتحقيق المردود الاقتصادي والاجتماعي الأمثل من تشغيل قوة العمل الاجتماعي مع تركيز خاص على تطوير البنية التعليمية والفنية والمهنية والعمل على تطوير القدرة على اكتساب وتوطين التكنولوجيا عبر رفع نصيب السلع الإنتاجية في الهيكل الصناعي والذي يعتبره البعض الرافعة الأساسية للشق العيني من المقدرة التكنولوجية والمعروف بالعنصر الصلب. وضمن هذه الفئة العريضة من السلع الإنتاجية يمكن اعتبار إنتاج الآلات والمعدات الإنتاجية بالمعنى الدقيق هي المحور الحقيقي للقدرة التكنولوجية.

4-     استراتيجية بعيدة المدى لاكتساب وتوطين التكنولوجيا وتطوير التكنولوجيا الوطنية، ونظراً لتوفر عمل فائضة فإن سياسة الاستثمار المقبلة يجب أن تقوم على استخدام تكنولوجيا كثيفة العمل Labor Intensive Technology ، مع الأخذ بعين الاعتبار مصالح مؤسسات الإنتاج الصغيرة والمتوسطة والبنى التقليدية الواسعة الانتشار التي سوف تتعرض حسب رأي العديد من الباحثين للدمار والإفلاس مع التوسع السريع في استيراد التكنولوجيا الحديثة. وقد نصت المادة الرابعة من قانون الاستثمار رقم 10 على ضرورة مراعاة استخدام الآلات والتقنيات الحديثة الملائمة لحاجات الاقتصاد الوطني.  ويفهم من ذلك أنه يجب التعامل مع استيراد التكنولوجيا انطلاقاً من المعطيات الاقتصادية والاجتماعية بما فيها أساساً واقع القوى العاملة وتركيبها الكمي والنوعي مع الأخذ بعين الاعتبار أن التكنولوجيا بمفهومها العلمي ليست محايدة اجتماعياً.

وحيث جاء نص المادة مناسباً إلا أن الجهات المعنية باتخاذ قرارات الاستثمار لا تلجأ إلى استخدام معايير فنية دقيقة في تحديد المستوى التقني للمشاريع بحيث يأتي فعلاً ملائماً لاحتياجات الاقتصاد الوطني والواقع الاجتماعي. إذ أن الأخذ بمثل هذه المعايير يحدد طبيعة الطلب على قوة العمل واستخدامها الأمثل إلى حد بعيد.

5-    مازالت الوثيقة العالمية لعام 1975 التي جاءت بعنوان "العمالة والنمو والحاجات الأساسية مشكلة عالمية واحدة" مرجعية هامة وهي تحدد الحاجات الأساسية في أمرين:

الأول: المتطلبات الدنيا لاستهلاك الأسرة: الغذاء المناسب، المأوى الصحي، الكساء والأثاث المنزلي.

الثاني: الخدمات العامة الأساسية التي يتوجب توفرها للجماعات البشرية للجميع مثل مياه الشرب النقية، الصرف الصحي، النقل العام، والخدمات الصحية والتعليمية، وهذا يستلزم إعادة النظر في استراتيجيات التنمية بدءاً من إعادة النظر في توزيع الدخل القومي بين أفراد المجتمع وتأمين العدالة الاجتماعية والسعي إلى توسيع نطاق العمل الاجتماعي لتأمين فرص عمل جديدة وتأمين سلعة قليلة التكلفة، ودعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة كثيفة العمالة وملائمة للشروط البيئية والاجتماعية.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الأوساط الرسمية في بلدنا العزيز تعتبر أن "الأيدي العاملة الرخيصة" من مزايا الاستثمار الأساسية. حقاً إن سوريا تتمتع بمزايا نسبية عديدة للاستثمار في حين تشهد عملية الاستهلاك الفردي والجماعي تراجعاً شديداً نتيجة انخفاض الدخول والقدرة الشرائية لمعظم فئات الشعب، هذه العوامل بما فيها السياسة الضريبية التي أصبح المستهلك العادي هدفها الرئيسي تسبب كما نلاحظ اختناقات خطيرة في تصريف السلع والخدمات بما ينعكس سلباً وإلى حد مدمر على عملية تجديد الإنتاج ليس فقط على المشاريع القائمة وإنما أيضاً على استمرارية وديمومة الاستثمار وتفاقم البطالة وانخفاض حاد في الطلب على العمالة وتضاؤل فرص العمل الذي يعيق على المدى القريب والبعيد في حال استمرار هذه الظاهرة عملية تجديد قوة العمل وانعكاس ذلك على تجديد إنتاج السكان عامة.

من الملاحظ أنه ومنذ أوائل السبعينات تزايد الاهتمام بقضايا السكان والتنمية والبيئة واقتصر هذا الاهتمام على علماء الاجتماع بصورة أساسية. في حين ظل العديد من الاقتصاديين لا يعبرون الاهتمام الكافي بقضايا البشر واكتفوا في التطبيق بحديث قاصر عن "تنمية الموارد البشرية" وهذا المفهوم يتدنى بالإنسان إلى مستوى مورد لازم لزيادة الإنتاج. واقتصر التطبيق في معظم الحالات على مفهوم التأهيل المهني والتقني. أما غيرهم من بعض علماء الاجتماع فقد أجادوا الإبداع في دراسات حول ما يحيط بالإنسان المعاصر من أزمات.

ورغم ما حدث من تطورات على المستوى النظري والعملي فإن البشر كما يرى البعض، لم يدخلوا بعد مملكة الاقتصاد الأكاديمي. ولكن منذ عام 1990 حدث تطور هام لم تكتمل أبعاده بعد على المستوى العلمي والعملي عندما صدر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي "تقرير التنمية البشرية"، حيث يعرف مفهوم التنمية البشرية بأنه "عملية توسيع الخيارات المتاحة للناس".

لقد طغى في الماضي القياس الكمي للعائد على مفهوم الترابط الكمي والنوعي للتنمية البشرية. وبدون اعتبار كاف لهذا المفهوم قامت مشروعات التنمية بصورة أساسية على إيجاد المركب الأفضل بين العمل ورأس المال بغية تحقيق الريعية المثلى.

وحسب هذا المفهوم كان ومازال ينظر إلى الموارد البشرية والطبيعية ليست أكثر من عناصر ذات وظيفة محددة في الإطار العام لمفهوم العقلانية القائم أساساً على مقولة العائد الاقتصادي الأقصى، إلا أن التطورات الاقتصادية والديموغرافية والاجتماعية والبيئية الخطيرة خلقت شروطاً جديدة فرضت نفسها من أجل بلورة منظور مختلف لمستقبل البشرية. وانكشفت بالتالي تداعيات وإرهاصات الفكر التنموي التقليدي. ولكن رغم الجهود الهامة التي قام بها بعض الباحثين والمفكرين، فإن بعض إشكاليات البحث وكيفية الوصول إلى الأهداف المنشودة مازالت قائمة.

يتعرض مفهوم التنمية البشرية في حالات عديدة إلى تشويه وخلط بين الوسيلة والهدف، بمعنى آخر فالبشر ليسوا مجرد أدوات لإنتاج السلع والخدمات، وإن الغاية من الإنتاج ليست مجرد إنتاج قيم مضافة دون اعتبار لأسلوب وطرق توزيعها واستخدامها. وغني عن الذكر أيضاً أنه لا معنى للحديث عن التنمية البشرية دون التأكيد على ضرورة ما يجب أن يتمتع به البشر من حقوق أساسية وحريات عامة تسمح لهم بالمشاركة الواسعة والجادة بصياغة وإقرار وتحقيق خياراتهم المستقبلية.

د. سعيد النابلسي