تأهيل القطاع الصناعي السوري واقع وآفاق

دكتور خالد عبد النور *

إن معالجة تطوير وتأهيل القطاع الصناعي تستلزم التعرف على الوضع الاقتصادي العام أولاً وواقع الصناعة التحويلية ثانياً مع تقصي أسبابهما ثم تحديد للتحديات المطروحة والمبادئ التي يجب أن تحكم الحلول ثالثاً تمهيداً لاقتراح السياسات والإجراءات المطلوبة رابعاً في ظل مناخ ملائم للاستثمار خامساً.

أولاً- واقع الاقتصادي السوري:

1-   كان الاقتصاد السوري مرتبطاً سلباً أو إيجاباً بالموسم الزراعي, ولكن على الرغم من القفزة النوعية التي حققها قطاع الزراعة, والتي لم تحقق الأمن الغذائي السوري فحسب بل أنتجت فائضاً للتصدير من الحبوب والخضار والفواكه منذ مطلع التسعينات. فإن اقتصادنا يعاني في السنتين الأخيرتين من ظاهرة الركود حيث انخفض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي عام  1996 إلى ثلث معدل النمو في العامين السابقين, وحقق نمواً سلبياً عام 1997 بمعدل 5% عن عام 1996 .

وهذا يرجع أساساً إلى ضعف معدلات الاستثمار في القطاع الإنتاجي والخدمي بصورة رئيسية وإلى أسباب أخرى:

1-1-      كان إجمالي الاستثمارات المحلية من القطاعين العام والخاص عام 1996 أقل –بالأسعار الثابتة- بـ 9% من إجمالي الاستثمارات عام1985 , علماً بأن عدد سكان سورية قد زاد بين هذين العامين (1996-1985) بنسبة تبلغ2.3% وتناقصت استثمارات القطاع الخاص لنقل عام 1996 بمعدل 21.5% عما كانت عليه عام 1994. وبعد أن كانت هذه الاستثمارات تشكل حوالي نصف استثمارات القطاع العام عام1985, انعكست الآية عام1993, بفضل قانون الاستثمار رقم10 , لتصبح مساهمة القطاع الخاص ضعف مساهمة القطاع العام. غير أنها عادت وانحدرت إلى أقل من نصف إجمالي الاستثمارات عام 1996, وإلى حوالي40% عام 1997 حيث انخفضت استثماراته بمعدل 27.05% عن العام الذي سبقه. أما استثمارات القطاع العام فقد بدأت تتناقص ابتداءً من عام1986 حتى وصل محلها عام1990 إلى27.05% من استثماراته عام 1985 ثم بدأت بالتزايد النسبي حتى بلغت عام1996 نسبة 70% وعام 1997 87% من استثمارات عام 1985 (المرجع المجموعة الإحصائية السورية).

1-2-       انعكس ذلك بوضوح على نمو العمالة في سورية. إذ لم يزد عدد العمالة في القطاع الصناعي عامة (أي الصناعات التحويلية والتعدين بما ذلك استخراج النفط) خلال العشرة سنوات الفاصلة بين عامي 1985و1995 بأكثر من 23.3% أي بمتوسط نمو سنوي قدره 1.25%.

1-3-       إن قسماً عاماً من الادخار المحلي للقطاع الخاص (والادخار مصدر الاستثمار) قد تم توظيفه في القطاع العقاري: السكن والأرض. ويقتصر الأثر الإيجابي لهذا الاستثمار في تحريك الاقتصاد الوطني, ومن خلال البناء السكني فقط, على مرحلة التنفيذ فحسب. ثم استفحلت المضاربات العقارية – وأكثرها مصطنع – فأدت إلى تضاعف قيمة العقارات عدة مرات خلال فترة وجيزة, فانخفضت معدلات تداولها إلى حد كبير, وزاد العرض عن الطلب, وأصيب من ثم السوق العقاري بالركود وحركة البناء بالتدهور. مما ساهم أيضاً في الانكماش الاقتصادي الذي نعيشه الآن. إذ ظلت هذه الاستثمارات مجمدة في الحجر أو الإسمنت (بالنسبة للمباني) أو في التراب (بالنسبة للأراضي). وهي تشكل مبالغ ضخمة جداً. وعلى سبيل المثال, تفيد المعلومات المتوفرة عن القطاع العقاري في مدينة حلب فقط, إلى وجود 60ألف شقة , على الأقل, فارغة ومقفلة. وبافتراض أن قيمة الشقة الواحدة بالمتوسط 2مليون ل.س يكون المبلغ المجمد 120مليون ل.س, كما تشير التغيرات إلى مبلغ مماثل مستثمر ومجمد في الأراضي فيصبح المجموع 240مليار ل.س, أي ما يعادل حوالي 5مليار دولار.

1-4-       ومن جهة أخرى تضاءلت الصادرات الصناعية بعد انهيار المعسكر الاشتراكي في أوربا وإنهاء العمل باتفاقيات المدفوعات. ولم يستطع الصناعيون السوريون الحفاظ على هذه الأسواق, بسبب ما ارتكب البعض من غش واحتيال, تشوهت معه سمعة الإنتاج السوري, أو بسبب التكلفة العالية لعملية التصدير  "بصحبة مسافر" إلى جمهوريات الاتحاد السوفييتي الإسلامية السابقة (خاصة ارتفاع رسوم المطارات والركاب والتعقيدات البيروقراطية الثقيلة وتخلف التجهيزات الخاصة بالتحميل). فنوجه المستورد من الجمهوريات المذكورة إلى الأسواق الأخرى, وخاصة سوقي تركيا ودبي. كما لم يستطع الصناعيون السوريون دخول سوق أوربا الغربية, بصورة تعوض عما فقدوه بسبب غياب الشركات التجارية المختصة بعمليات التسويق في الخارج, كما تفعل دول جنوب آسيا, وعي عملية معقدة يصعب على الغالبية العظمى من الصناعيين أن يقوموا بها منفردين أولاً, أو بسبب ارتفاع التكلفة الناجمة عن ضغوط الأسعار المرتفعة للمواد المنتجة محلياً, والتي تستخدم في تصنيع المنتج النهائي كما كان عليه الحال في الغزول حتى وقت قريب جداً ثانياً. وبسبب سوء إدارة الصناعي لمنشآته وما يترتب على ذلك من زيادة في التكلفة وانخفاض في الجودة ثالثاً, أو بسبب عدم توفر التسهيلات المصرفية الخاصة بتمويل الصادرات رابعاً.

1-5-       وأخيراً, لم تعط المشاريع الإنتاجية التي أنشئت في ظل قانون الاستثمار رقم10 ثمارها على الوجه المنتظر. سواء بسبب التأخر في التنفيذ وطول فترة حضانة المشروع الناجمين عن عدم انقطاع الإعداد الجيد للمشروع من قبل المستثمر نفسه, أو بسبب ارتباط إنجاز المشروع واستكمال مستلزماته من كهرباء وماء وصرف صحي وهاتف…الخ, بعدة هيئات ومصالح حكومية مبعثرة مكانياً, ومتباينة في اجتهاداتها لتفسير النصوص المعمول بها. أو بسبب مواجهة إنتاج عدد من هذه المشاريع لمنافسة غير متكافئة من المنتجات المماثلة المستوردة, والتي تدخل السوق السورية بتكلفة أدنى من خلال: (أ)خضوعها لتعرفة جمركية أقل مما بفرض على المواد الأولية والوسطية التي تستوردها تلك المشاريع لتصنيع منتجاتها , (ب)وانخفاض مصطنع لقيمة فاتورة شراء هذه المنتجات والتي تدفع الرسوم الجمركية عليها.

2-           يرجع ضعف معدلات الاستثمار في سورية إلى مجموعة من العوامل, منها ما يتعلق بالمستثمرين أنفسهم, أو بافتقاد المؤسسات المعنية بالاستثمار وترويجه, أو  بقنوات الاستثمار الملائمة, أو بالبنية التحتية أو بالبنية التنظيمية. ويمكن إجمالها بالتالي:

2-1- لا تتوفر بعد في سورية فئة المقاولين Entrepreneurs  بعدد كاف, والذين يتخذون المبادرة بحثاً عن فرص الاستثمار متوسطة وطويلة الأجل في القطاع الإنتاجي والخدمي. وإنما يتوجه أكثرهم إلى الفرص السهلة سريعة العائد, كما حدث في مكاتب تأجير السيارات Leasing .

2-2- ومن جهة أخرى لا توجد شركات قابضة Holding Co , مهمتها اكتشاف فرص الاستثمار ودراستها وتعبئة المستثمرين للمشاركة بها, وتساهم هي بنسبة محددة 5-10% في كل مشروع بحيث تضفي على المشروه المصداقية التي تجتذب المستثمر.

2-3- كما لا تتوفر مؤسسة حكومية مختصة بالتحفيز على الاستثمار والترويج له وتعمل على اكتشاف وتحديد فرص الاستثمار وتسعى لاجتذاب المستثمرين لها, أما مكتب الاستثمار القائم الآن, فيقتصر نشاطه على عملية "تشميل" المشروع بقانون الاستثمار  رقم10 لا أكثر.

2-4- تشكو سوريا من غياب كلي لشركات الأموال, بالذات الشركات المساهمة, التي أثبت تاريخ التطور الاقتصادي فعاليتها في تعبئة الادخار  الفردي في مشاريع تدعم الاقتصاد الوطني, سواء في الدول المتقدمة أو الدول الصناعية الجديدة. غير أن السياسة الضريبية المعمول بها في مواجهة هذه الشركات تشكل عاملاً هاماً في تفسير غيابها. فرسم الطابع (1% من رأس المال) يشكل عبئاً يجب تسديده منذ البداية كجزء من نفقات التأسيس, وكذلك ضريبة ريع العقارات التي تنصب بصورة دائمة وبمعدل 45% على 8% من قيمة الآلات بغض النظر عن تشغيلها, لتصبح جزءاً من التكاليف المباشرة للإنتاج ويشكل هذا العامل أهمية خاصة في حالة الشركات المساهمة التي تتميز بحساباتها النظامية وفق القانون والتي لا يمكن التلاعب بها.

2-5- لا يتوفر التمويل المصرفي للمشاريع الاستثمارية, إلا في حالات استثنائية جداً. إذ يقتضي الوضع الراهن عملياً, أن يقوم المستثمر السوري بتمويل نشاطه كاملاً من موارده الذاتية. وهذا وضع فريد من نوعه في العالم, ذلك لأنه لا يتجاوز عادة رأس المال الذي يجب توفيره من المستثمرين لإقامة مشروع ما (equity capital)  أكثر من 50-60% من مجموع التكاليف الاستثمارية ويغطى الباقي عادة بالقروض المصرفية.

2-6- تعاني البنية التحتية للاقتصاد السوري من قلة المناطق الصناعية التي  أحسن تجهيزها, بكل ما يجب أن يتوفر فيها, من شبكة مواصلات برية وحديدية وصرف صحي وماء وكهرباء وهاتف ومنطقة جمركية يتم فيها مباشرة تخليص السلع المستوردة أو المصدرة. مع كل ما يعنيه ذلك من ترشيد في الوقت والنفقات.

2-7- أما الأسباب التنظيمية فتتعلق أساساً بعدم توفر سوق وطنية لتداول الأسهم للمساهمين السوريين حصراً بسرعة ويسر, وتضخم العمليات البيروقراطية بسبب غياب هيئة تمنح التراخيص وتوفر كافة الخدمات المطلوبة, كما فعلت تونس من خلال أسلوب (النافذة الواحدة) وتعدد أسعار الصرف والقيود على تداول العملة بحكم المرسوم24 .

2-8- بكلمة أعم لا تتوفر بعد مقومات الاستثمار الأخرى من نظام مصرفي فعال وإدارة كفوءة  ورؤية أو استراتيجية واضحة وتشريعات مبسطة وأنظمة ميسرة, ناهيك عن قانون الاستثمار رقم10 لم يؤت أكله لقصوره من جهة وسوء تطبيقه من جهة أخرى.

بعد التعرف على واقع الاقتصاد السوري بصورة عامة, يجب أن نتعرف على واقع الصناعة التحويلية السورية تمهيداً لتصور الحلول الممكنة.

ثانياً- واقع الصناعة التحويلية السورية:

1-   تفيد الدراسة التحليلية لواقع الصناعة التحويلية السورية بالنتائج التالية:

1-1-      تتسم الصناعة السورية عامد, بأنها قامت في إطار الإحلال محل الواردات وعملت في ظل ستار واق من الحماية. وفي مأمن من المنافسة, دون أن تتمكن من قطف ثمار إيجابياتها, من تدعيم لكيانها في فترة الطفولة حتى تشب عن الطوق. والارتفاع بجودة إنتاجها وفق المواصفات المطلوبة وتخفيض تكلفتها, اللهم إلا استمرارها في الحياة أو تحقيق أرباح من خلال الاحتكار, بل حصدت, باستثناء عدد محدد من المنشآت, سلبياتها من ترهل وخمول فظل إنتاجها, بصورة عامة, لا يرقى إلى المواصفات المطلوبة, يفرض على المستهلك في الداخل بفعل الحماية, ولا يصمد أمام المنافسة في الخارج بحكم قصور جودته وارتفاع تكلفته, ولن يصمد في الداخل في ظل انفتاح تجاري. وتفيد دراسة تسويقية قام بها مركز الاتصال السوري الأوربي أن علبة بازلاء سورية تباع بسعر يزيد بنسبة25% عن مثيلتها في أوربا.

1-2-      يتصف النسيج الصناعي السوري بطابعه الأسري من جهة وبالتفتت والتذرر من جهة أخرى, فلا يزيد عدد المنشآت التي تستخدم10 عمال فأكثر عن2444(أي حوالي 2% من إجمالي عدد المنشآت البالغ 85467), تشكل الصناعات الغذائية والنسيجية60% منها بواقع 32% و 28% على التوالي. كما لا تعدو المنشآت التي تستخدم 6-9 عمال 5054 منشأة أي حوالي 6% من الإجمالي. أما الـ91% الباقية (حوالي78 ألف منشأة) فإنها تضم بين 1-5 عمال فقط.

1-3-       لا تزال مساهمة قطاع الصناعة التحويلية في الناتج الإجمالي محدودة جداً, إذ لا تتجاوز نسبة هذه المساهمة 6% بينما تصل هذه النسبة إلى 16.1% (أي الضعف) في مصر و18.2% في تونس, ومن جهة أخرى تطور الناتج المحلي للصناعة التحويلية السورية وبمعدلات بطيئة جداً, إذ نما الناتج المحلي لهذا القطاع بمعدل لا يتجاوز بالأسعار الثابتة  2% بالمتوسط خلال العشرة سنوات الفاصلة بين عامي 1985و1995, وكان هذا المعدل أقل من 1% (0.85%) بالنسبة للقطاع العام و2.8% بالنسبة للقطاع الخاص.

1-4-       لا تزال معدلات الاستثمار في القطاع الصناعي ضعيفة جداً لا تساهم في خلق فرص عمالة, ومن ثم في تنشيط الاقتصاد الوطني, إلا بصورة محدودة جداً, فعلى الرغم من الزيادة النسبية التي تحققت في عدد المشاريع الصناعية المنفذة عام 1996 بمعدل 28% وفي رأس المال المستثمر بمعدل 45% عما كان عليه الحال عام 1995, عاد للتراجع عامي 1997و1998 بالمقارنة مع عام 1996. ولئن انخفاض هذه المشاريع المنفذة عام 97 بنسبة 14% بينما ازداد عام 1998 بنسبة 2%, فإن رأس المال المستثمر قد تراجع بمعدل 9% عام 1997 وبمعدل 70% عام 1998, في حين تناقص عدد العمالة التي أوجدتها هذه الاستثمارات من 4274 فرصة عمل عام 1996 إلى 2787 فرصة أي بمعدل 11% و3252 فرصة أي بانخفاض نسبته 24% ومهما يكن من أمر فإن فرص العمل المستحدثة في كل من الأعوام المذكورة تقل عن 3% من العمالة الجديدة الوافدة إلى سوق العمل كل عام.

1-5-       بلغ عدد المشاريع الصناعية التي نفذت فعلاً في ظل قانون الاستثمار رقم10 حتى نهاية عام 1998, 196 مشروعاً برأسمال يقارب 24.5 مليار ل.س خلقت 8185 فرصة عمل , وتمثل هذه الأرقام بالنسبة للمشاريع التي تم تشميلها بقانون الاستثمار 21% من عدد المشاريع 6.5% من رأس المال و10.2% من فرص العمل.

1-6-       تسيطر الصناعات الاستهلاكية على هيكل الصناعة السورية التي تقتصر غالباً على الحلقات الأخيرة من السلسلة التكنولوجية (باستثناء صناعة النسيج القائمة على الغزول القطنية وبعض الصناعات الغذائية القائمة على تصنيع المنتجات الزراعية المحلية). بمعنى أن مستلزمات الإنتاج المستوردة تشكل القسم الأكبر من التكلفة, أي أن القيمة المضافة المتحققة داخل الاقتصاد السوري محدودة جداً, وهذا يعني ضآلة التشابك داخل النسيج الصناعي السوري, والذي يعتبر مؤشراً هاماً على مستوى تماسك الصناعة الوطنية, لأن زيادة هذا التشابك (بمعنى أن تكون مخرجات بعض الصناعات مدخلات لبعضها الآخر) تمثل دليل صحة وتناقصه دليل الضعف.

1-7-       نمت الإنتاجية (قيمة الإنتاج+عدد العمال) بالأسعار الثابتة لعام1985 بين عام1990-1995, بمتوسط قدره 6.45% سنوياً فقط, وقد كان هذا المعدل بالنسبة للقطاع العام 1.25% بالمتوسط سنوياً , علماً بأن هذا النمو قد تحقق بين عامي 1990و1993 وانعدم بين  هذا العام وعام 1995, أما القطاع الخاص فقد كان متوسط معدل النمو السنوي للإنتاجية (في الصناعات التحويلية والحرفية معاً) 5.6%, وقد تحقق هذا النمو خلال الفترة 1992-1995 فقط.

1-8-      ارتفاع الإنتاجية المعطلة, بسبب تدني الإنتاج الفعلي عن الطاقات الإنتاجية النظرية أو التصميمية لخطوط الإنتاج والآلات, وقد ساهم في حدة هذا التدني, التراحم بين صناعات متماثلة, أنشئت بصورة عشوائية وغالباً على سبيل التقليد, حتى فاقت طاقاتها الإنتاجية حجم السوق بكثير ويترتب على ذلك زيادة في التكلفة تحد من القدرة على المنافسة. ومن ثم سباق على تخفيض هذه التكلفة على حساب جودة المنتجات, مما يؤدي إلى زيادة المخزون غير المباع.

1-9-      يتسم القطاع الصناعي بخسارة ميزانه التجاري أي نسبة صادراته إلى وارداته. إذ لم تعط الصادرات الصناعية من واردات الصناعة التحويلية أكثر من 18% عام 1991 و27% عام 1995, يمثل استيراد القطاع الخاص الصناعي عام1995, نسبة 62% من مجموع واردات الصناعة والقطاع العام 37% منها وتساهم صادرات كل قطاع في تغطية مستورداته بنسبة 30% بالنسبة للقطاع الخاص و21.2% للقطاع العام.

وفي ضوء ما سبق ذكره, فإن النسيج الصناعي السوري سيتعرض ولاشك إلى هزة عنيفة من جراء الانفتاح التجاري سواء من خلال منطقة التجارة الحرة العربية أو من خلال منطقة التجارة الحرة التي ستترتب على الشراكة السورية الأوربية إذ سينهار قسم من الصناعة السورية-كما سنرى فيما بعد- أمام منافسة السلع المماثلة المستوردة.

2-          إن التحري الموضوعي لأسباب القصور هذه يؤدي بنا إلى تلخيصها فيما يلي:

2-1-      ندرة الكفاءات الإدارية لقيادة المشاريع الصناعية سواء في مرحلة التنفيذ أو التشغيل وكذلك لدرة الطلب على هذه الكفاءات بسبب خطأ شائع مفاده: من امتلك رأس المال يمتلك الكفاءة الإدارية بالضرورة. وعلى الرغم من مضي أكثر من ثلاثين عاماً على نشوء القطاع العام فلم تتكون بعد فئة من المدراء العامين  أو المدراء الآخرين قادرة على تسيير المشاريع بالصورة المطلوبة, ويرجع ذلك إلى كثرة التغيير في شاغلي هذه المواقع, مما ينتفي معها عملية تراكم الخبرة والمعرفة من جهة وإلى تسمية هؤلاء المدراء, انطلاقاً من معايير لا تعتبر الكفاءة بالضرورة شرطاً مسبقاً يجب توفره قبل كل شيء .

2-2-      غياب مراكز الخدمات الصناعية التي تقدم استشاراتها الاقتصادية والإدارية والفنية والهندسية والمالية والمحاسبية على الرغم من أهميتها في إنجاح الصناعة. كما أن المراكز الخدمية الرسمية الموجودة تفتقد إلى الصلة العضوية, التي يجب أن تقوم بينها وبين المنشآت الصناعية العائدة للقطاع العام ومن باب أولى مع تلك التابعة للقطاع الخاص.

2-3-      إهمال الإعداد الجيد في مرحلة ما قبل الاستثمار, وليس من المبالغة أن تؤكد ندرة المشاريع التي تمت دراسة جدواها بصورة علمية, من حيث اقتصادية المشروع واختيار المشروع المنتج المناسب وتحديد البدائل التكنولوجية لاختيار الأنسب فيما  بينها, وهذا يفسر إلى حد كبير كثيراً من الظواهر السلبية وخاصة انخفاض معدلات التشغيل وارتفاع الثقافة, وإقامة منشآت متماثلة يفوق إنتاجها القدرة الاستيعابية للسوق فتؤدي إلى منافسة ضارة بالجميع.

2-4-      اللجوء في حالات عديدة, إن لم نقل كثيرة, إلى تشغيل الخط الإنتاجي من آلات مستعملة, يتم شراؤها غالباً دون معرفة دقيقة بها وبخصائصها وبمدى صلاحيتها والفترة الزمنية الحقيقية لهذه الصلاحية, مما يؤدي إلى توقف متكرر لهذه الألات ومن ثم إلى انخفاض معدل التشغيل وارتفاع التكلفة.

2-5-       غياب الاهتمام الجدي والمنهجي بتكوين وتأهيل وتدريب المهندسين والفنيين اللازمين للمشروع في مرحلتي التصميم والتنفيذ. إذ أن مشاركة المهندسين الوطنيين في مرحلة تصميم المشروع من الناحية الفنية والإنشائية أو مشاركة الفنيين المحليين في مرحلة تصنيع الآلات وتدريبهم عليها, أمر حاسم  في اكتساب التكنولوجيا, بحيث لا يقتصر هذا التدريب على تشغيل الآلة وكيفية استعمالها, بل يمتد ليشمل تعلم  "ميكانيكية" عمل هذه الآلات والأسلوب الأمثل لصيانتها.

2-6-      ضعف عملية الصيانة, وهذا داء عضال ينهض العالم الثالث إجمالاً ويبدد ثروته القومية. فكم هي قليلة تلك المنشآت التي تمتلك نظاماً واضحاً ومبسطاً للصيانة اليومية والدورية من منطلق الوقاية خير من العلاج فيتعثر الإنتاج ويتدهور معدل التشغيل.

2-7-       افتقاد أنظمة محاسبة التكاليف وإدارة المستودعات وإدارة الأفراد, ونتساءل كيف يمكن في غيبة نظام لمحاسبة التكاليف مثلاً, اتخاذ قرار سليم بالتسعير والتشغيل. كما أن غياب نظام لإدارة المستودعات يقتضي إلى تجميد قسم من رأس المال العامل دون مبرر أو إلى توقف الآلة أو خط الإنتاج, وفي ذلك كله مزيد من هدر الطاقات ورفع التكلفة. وترتبط هذه الظاهرة أساساً بضعف مستوى الإدارة وافتقارنا لفئة المديرين الناجحين.

2-8-       غياب المؤسسات التجارية المنظمة والمتخصصة في عمليات التصدير لتشكل صلة الوصل الفعالة بين المنتج المحلي والمستورد الخارجي, كما هو الحال في دول شرق وجنوب آسيا. وهذا عمل يتطلب مهارات خاصة ونفقات كبيرة لتعميق المعرفة بالأسواق الخارجية وتوسيع قاعدة الزبائن فيها وهو أمر تعجز منشآتنا الصناعية, بحكم حجمها المتواضع عن أن تقوم به منفردة كل لوحدها.

2-9-      ندرة توفر التمويل اللازم لتشغيل المشاريع الصناعية ولتشجيع الصادرات وإذا  ما تم إقراض البعض فإن هذه العملية تتم ضمن شروط معقدة جداً وببطء نموذجي في اتخاذ القرار. إذ لا يتوفر للمصرف  الصناعي الكوادر الفنية المطلوبة, حيث لا يزيد عددها في أكبر فرع للمصرف عن 3 أفراد من مجموع عدد العاملين الذين يتجاوز المائة, يضاف إلى ذلك ضآلة موجودا ته, ومن ثم يجب أن يقترن القرض الذي يتجاوز3 ملايين ل.س بموافقة المصرف المركزي الذي يحتاج إلى فترة تمتد حتى ستة أشهر حتى يتخذ قراره, والذي غالباً ما يغير في شروط القرض بتخفيض مبلغه أو  إنقاص فترته.

2-10-   غياب قاعدة للمعلومات الصناعية سواء تعلق الأمر بالصناعات القائمة وما يتوفر في كل منشأة من آلات وعمالة فنية وغير فنية ومهندسين وإداريين وما تستهلكه من مواد أولية أو نصف مصنعة محلية كانت أم أجنبية والمنتجات التي تصنع أو تعلق الأمر بالمعلومات عن التكنولوجيات المتوفرة وتطورها والفنون الإنتاجية, والآلات ومصادر توريدها, ومصادر توريد المواد الأولية أو نصف المصنعة والتي تهم الصناعات السورية.

2-11-   وأخيراً هناك أسباب تتعلق أساساً بالقطاع العام نذكر منها على وجه الخصوص:

-  تعدد الجهات الو صالية وتداخلها وتعدد أجهزة الرقابة والإشراف.

- فقدان التوازن بين المسؤوليات والصلاحيات الممنوحة على مستوى الشركة أو المؤسسة أو الوزارة مما  ساعد في بروز ظاهرة التهرب من تحمل المسؤولة.

-         عدم تسديد كامل رأسمال الشركات وبطء الوزارة المعنية بزيادة رأس المال العامل للشركات بما يتناسب مع ظروف عملتها.

ثالثاً- التحديات القائمة والمبادئ الحاكمة للحلول:

          إن محاولة تبين الحلول التي يمكن اقتراحها لتطوير الاقتصاد السوري  عامة والصناعي على وجه الخصوص, يتطلب بداية تحديد المعطيات الرئيسية التي تنطلق منها صياغة هذه الحلول من جهة والمبادئ الأساسية التي تحكم  عملية اختيارها من جهة أخرى.

1- هذه المعطيات الرئيسية تمثل تحديات ثلاثة:

1-1-إن النفط ناضبة كمصدر لموارد مالية من التصدير خلال فترة تقل عن 12 عام, تتنافس أثناءها الموارد تدريجياً وبصورة هامة. ولابد بالتالي من إيجاد البديل عن هذا المورد هذا هو التحدي الأول.

1-2- يتزايد سكان سوريا بمعدل 3.4% سنوياً. وهي من أعلى نسب التزايد في العالم, ويترتب على ذلك أن تستقبل سوق العمالة في كل عام 150-200 ألف طالب عمل جديد . فإذا أخذنا بالحد الأدنى وافترضنا أن التكلفة الاستثمارية لكل فرصة عمل واحدة تبلغ بالمتوسط وعلى الأقل مليون ل.س (وهو رقم يمثل حوالي 60% من متوسط التكلفة الاستثمارية للعامل الواحد في الاستثمارات الصناعية التي نفذت في عامي 1996-1997), فيصبح مبلغ الاستثمارات الضرورية لذلك 150 مليار ل.س بحد أدنى. أي ما يزيد على ريع الناتج المحلي الإجمالي لعام1996. ولو أخذنا بفرضية كامل متوسط التكلفة الاستثمارية سالف الذكر والبالغ 1.6مليون ل.س لوصل المبلغ المطلوب سنوياً  للاستثمار إلى 240 مليار ل.س. أي ما يعادل 43.5% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 1996 وهذا هو التحدي الثاني.

1-3- سيترتب على الانفتاح التجاري, الناجم عن منطقة التجارة الحرة العربية أو تلك الناجمة عن الشراكة السورية الأوربية أو من خلال الانتساب المحتمل لعضوية الجات هزة عنيفة تصيب النسيج الصناعي السوري إذ لن يصمد عدد لا يستهان به من الصناعات السورية التي تعيش في ظل الحماية, وإذا كانت الدراسات التي أعدت في تونس بصدد أثار اتفاقية الشراكة التونسية الأوربية. قد توقعت انهيار ثلث نسيجها الصناعي ةتهديد الثلث الثاني ما لم يدعم ويؤهل على الوجه المطلوب, وصمود الثلث الأخير, وإذا ما عرفنا أن تونس قد حققت تطوراً صناعياً ملحوظاً, وأن صادراتها الصناعية من المنتجات النسيجية والألبسة تبلغ 3 مليار دولار وإنها قد بدأـ بسياسات التكيف الهيكلي والانفتاح المتعاظم منذ عام1987, فلنا أن نتوقع منطقياً أن يكون الوضع كذلك بالنسبة لسورية على الأقل إن لم يكن أسوأ وبكثير:

أ‌-           فالصناعات القادرة على الصمود هي أساساً تلك التي تتوفر لإنتاجها المزايا النسبية من حيث توفر المادة الأولية والخبرة الفنية محلياً وحجم المنشأة المناسب وخطوط إنتاج بتكنولوجيا متقدمة وقادرة على المنافسة في الداخل والتصدير إلى الخارج. وتتعلق بصناعة النسيج والألبسة الجاهزة و التريكو القائمة على القطن وببعض الصناعات الغذائية أو الهندسية فالإسمنت أو الكيميائية كالأسمدة الفوسفاتية.

ب‌-        وبالمقابل هناك صناعات ستؤول إلى الزوال بحكم اعتمادها الكلي على المكونات COMPONENTS من الخارج كصناعة الأدوات الكهربائية المنزلية أو مستلزمات الإنتاج المستوردة كصناعة المنظفات والمناديل الورقية والحبيبات البلاستيكية والمشروبات الغازية والدهانات, حيث يقتص هامش القيمة المضافة محلياً على حيز ضيق جداً, يتعذر معه الوقوف في وجه منافسة المنتجات المثيلة المستوردة.

ت‌-        أما الجزء الثالث فيتعلق بالمنشآت القادرة على الصمود إذا ما تمت إعادة هيكلتها وتأهيلها  بجدية, سواء لتوفر المزايا النسبية لإنتاجها أو لأنها صناعات كثيفة العمالة.

3-          أما المبادئ التي تحكم اختيار وصيغة الحلول فيمكن إيجازها بالتتالي:

1-1-      يخطئ من يتصور بأن الحل كامن في نقل تجربة ناجحة في أي بلد آخر  وتطبيقها كما هي في بلدنا, فليس هناك من وصفة طبية جاهزة لمعالجة الاقتصاد في بلد ما.  ولابد , من ثم من أن يكون الحل منسجماً مع الخصائص الموضوعية لسوريا, وواقعها السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وهذا لا ينفي أبداً دراسة التجارب الناجحة في الدول الأخرى المستمد منها ما يعتبر إيجابياً في إطار واقعنا وخصائصه.

1-2-       ترجع النجاحات التي كانت قد حققتها حتى نهاية 1996 للدول الآسيوية , ولا تزال تحققها الصين إلى إقامة توازن بين دور اقتصاد السوق وتفعيل القطاع الخاص من جهة وبين دور الدولة الضروري وحضورها  المكلف في إدارة الاقتصاد وسياسات الإقراض المصرفي وتحديد أولويات الاستثمار وتطبيق سياسات متلاحمة, منسقة , شفافة ويمكن التنبؤ بسلوكها من جهة أخرى. وإن الدرس الأهم الذي تلقيناه من الأزمة العاصفة التي أحاطت بدول جنوب شرق آسيا مع منتصف عام 1997. هو أن دور الدولة كان حاسماً في تحقيق نجاحاتها. وكان حاسماً في أيضاً في حدوث الأزمة بسبب تراخيها, بعد ثمالة النجاح , في أحكام الرقابة على سياسة الإقراض المصرفي الداخلي والإقتراض المصرفي من الخارج, وعلى تدفق رؤوس الأموال "الطيارة" التي قدمت لتكون ضماناً لاقتراض أصحابها أموالاً من السوق المحلية كي تضارب بها في بور صات الأسهم وتحقق أرباحاً سريعة ونقل هاربة. ومن ثم فإن المبدأ الثاني هو دور الدولة الرائد في إدارة الاقتصاد الوطني بنزاهة, دون تحيز أو تحالف موبوء مع البعض على حساب الآخر.

1-3-       يترتب على ذلك أن الحديث عن إلغاء القطاع العام في بلد كسورية لغو لا طائل له. لأنه لا يزال يستطيع أن يلعب دوراً هاماً في الاقتصاد السوري. وليست المشكلة واجبة الطرح أو الإبقاء على القطاع العام. وإنما تتعلق بكيفية تطوير القطاع العام ليلعب دوره الاقتصادي والاجتماعي, من حيث استيعاب العمالة وإعادة توزيع الدخل أولاً, وبتحديد نشاطه الذي يجب أن تتركز أساساً في الصناعات ومشاريع الخدمات الضرورية للاقتصاد الوطني والتي يعجز القطاع الخاص عن تبعاتها ثانياً. إن كفاءة منشأة ما لا يرتبط بنوع ملكيتها, عامة أو خاصة وإنما بحسن إدارتها أولاً وأخيراً. وعلى التوازي يجب تشجيع ودعم القطاع الخاص, باعتباره الجهة التي يقع عليها العبء الأكبر والأساسي في توفير وتنفيذ الاستشارات اللازمة لتحقيق النمو  الاقتصادي, وبحيث ينشأ تعاون ذكي, مفتوح وخلاق كي يتكامل دور القطاعين في وضع سياسات للدولة التنموية موضع التنفيذ.

1-4-       يستهدف تطوير الاقتصاد السوري تحقيق تنمية شاملة قائمة على أعمدة ثلاثة: النمو والاستقرار والعدالة فلا نمو بلا استقرار ولا استقرار بلا عدالة, وعلينا أن نوظف الاستقرار الذي تكاد تنفرد به سورية بالنسبة لكثير من الدول الأخرى المجاورة والبعيدة لتحقيق النمو الذي نصبو إليه.

1-5-       أصبحت عوامل الإنتاج في الاقتصاد الحديث ثلاثة: رأس المال والعمالة والتقدم التكنولوجي ويأتي رأس المال المستثمر من مصدرين الادخار المحلي والاستثمار الأجنبي. وإذا كان هذا الأخير هاماً, فإن الاعتماد على الادخار المحلي هو الأصل وهو الأساس. فإذا نجحنا في تعظيم الادخار المحلي وأحسنا توظيفه واستثماره فإننا نجتذب الاستثمار الأجنبي على أن نوجهه نحو القطاعات ذات الأولوية والتي من شأنها تدعيم القدرة التكنولوجية الوطنية. ويجب أن لا ننسى في هذا السبيل أن الادخار المحلي متوفر لكنه مجمد في قنوات غير منتجة كالمجوهرات والحلي والعقارات كما سبق ذكره. وعلينا تعبئة هذا الادخار إذ (ما حك جلدك مثل ظفرك) . أما العمالة فلا بد من أن تولي اهتماماً خاصاً بتكوين الكوادر الإدارية والفنية بكافة مستوياتها لأن ذلك شرط أساسي في إنجاح المشاريع الإنتاجية والخدمية والارتفاع بالإنتاجية, وتطوير القدرة الوطنية على اكتساب التكنولوجيا وتحقيق النظام التكنولوجي الذي يجب أن ينمو وفق رؤية واضحة لبناء القاعدة التكنولوجية الوطنية.

1-6-       وأخيراً لابد لنا من تحديد واضح لأولويات الاستثمار تجنباً لنمو غير متوازن, ويكون هذا التحديد على مستوى القطاعات والتكنولوجيا أولاً وعلى مستوى التوجه الاقتصادي نحو الداخل أو الخارج ثانياً.

أ‌-           فعلى مستوى القطاعات والتكنولوجيات يقترح أن تسير في خطين متوازيين في آن معاً, خط الصناعات والتكنولوجيا التقليدية, التي تتوفر لنا فيها المزايا المقارنة, أي صناعة النسيج والألبسة. إذ يجب تصنيع القطن السوري بكامله وتصديره نسيجاً وألبسة, والصناعات الغذائية الخاصة بتصنيع المنتجات الزراعية المحلية بدءاً من القمح مروراً بزيت الزيتون وانتهاءً بالخضر والفواكه. أما الخط الآخر فيتمثل بالتكنولوجيا العالية التي تتطلبها صناعة قطع الغيار الخاصة بالصناعات الكهربائية والميكانيكية. وكذلك بالتكنولوجيا الرفيعة والمتطورة القائمة على ثورة المعلوماتية التي تجسد المستقبل: صناعة المكونات الإلكترونية من جهة وصناعة البرمجة وتطبيقاتها والتي يمكن أن تصبح سورية معها مركزاً لتصدير خدماتها إذا ما تابعنا وطورنا مسيرة الرعاية التي تحظى بها المعلوماتية حالياً من جهة أخرى.

ب‌-        أما على مستوى توجه النشاط الاقتصادي فلابد من السير معاً في طرقي التوجه الداخلي والخارجي, بمعنى أن نعطي أولوية للصناعات التصديرية تعويضاً عن نضوب النفط وضماناً لتوازن ميزاننا التجاري وتحقيق فائض فيه. وفي الوقت ذاته نقوم بتشجيع وتدعيم الصناعات الموجهة للسوق المحلي لتكون قادرة على منافسة السلع المستوردة في الاستجابة لمتطلبات الاستهلاك الداخلي جودة وسعراً.

واهتداءً بما سبق ذكره يمكن اقتراح السياسات والإجراءات الخاصة بتطوير القطاع الصناعي وتلك المنطقة بتنشيط الاقتصاد الوطني بصورة عامة.

رابعاً- سياسات وإجراءات التطوير الصناعي:

1-   لابد من وضع استراتيجية خاصة بتنمية القطاع الصناعي, تتدرج في استراتيجية اقتصادية عامة نتجنب من خلالها النمو العشوائي, وتعطى فيها الأولوية للصناعات التي تتوفر فيها المزايا المقارنة وخاصة توفر المواد الأولية اللازمة لها (القطن والمنتجات الزراعية المحلية) وتلك التي تحقق قيمة مضافة عالية وإن اعتمدت على مواد أولية مستوردة, كصناعة المكونات الكهربائية والميكانيكية والقوالب وقطع الغيار, وتلك التي تعزز تشابك النسيج الصناعي القائم, بالإضافة إلى تركيز خاص على صناعة المكونات الإلكترونية والبرامج, وأن تتحد في هذه الاستراتيجية التسهيلات والمزايا التي تمنح لهذه الصناعات التي تتميز من جهة أخرى بإمكاناتها التصديرية.

2-    وعلى هذا فقد أصبح من الضرورة بمكان صياغة سياسة واضحة تنصب على تطوير وتشجيع الصناعات التصديرية, تبعاً لتنفيذها الجهود المكثفة والمركزة لأن الصادرات الصناعية تشكل قارب النجاة الأساسي لاقتصادنا الوطني أمام شبح نضوب النفط. وقد تكون تجربة كوريا الجنوبية بهذا الصدد نموذجاً يدرس ويمكن الاسترشاد به بعد أن حقق نجاحاً صارخاً لا ينازع فقد انطوت هذه السياسة على نظام للحوافز من شأنه أن يوجه الموارد نحو الصناعات التصديرية:

أ‌-           معونات مالية مباشرة.

ب‌-        السماح للمصدرين بالاحتفاظ بعوائد التصدير من القطع الأجنبي لتغطية مستورداتهم مع إعفاء كلي تقريباً من الرقابة والرسوم الخاصة بهذه الواردات.

ت‌-        حرص النظام المصرفي على  توفير الأموال اللازمة لإقامة وتشغيل المشاريع التصديرية وإقراضها بمعدلات فائدة تفضيلية.

ث‌-        اعتبار حجم الإنجاز في التصدير معياراً أساسياً في تحديد سقف التسهيلات الائتمانية للمصدرين.

ج‌-         تحديد الحكومة أهدافاً كمية معينة على مستوى فرع الصناعة وعلى مستوى المنشأة في بعض الحالات ومنح جوائز تقديرية وطنية لأبرز المصدرين.

ح‌-         الأخذ بسياسة ضريبية تفضيلية.

خ‌-         إقرار نظام حماية يتناسب عكساً مع قدرة المنشآت على المنافسة, فهي منخفضة في الصناعات القادرة على المنافسة الدولية ومرتفعة في الصناعات التي تفتقر مرحلياً لهذه القدرة.

د‌-          إنشاء بيوت تجارة متخصصة بالتصدير لتكون العنصر الفاعل في تنشيط التصدير بمواصفات دولية تستجيب لذوق المستهلك وتضمن تنفيذ العقود وفق الشروط المتفق عليها وتكون على علم تام بتطورات الأسواق وتوجهاتها وبمصادر المنافسة, ويتطلب هذا العمل معرفة متخصصة متابعة مستمرة لا تتوفر للكثير من الصناعيين القادرين على التصدير, وتكلفة يعجز عن تحملها الصناعيون منفردين.

3-   تطوير المعاهد الفنية المتخصصة, التي سبق لسورية أن ركزت عليها وقطعت شوطاً لا بأس به في هذا المضمار, إلا أنه يجب تفعيلها من حيث جدية البرامج والتدريس وتوزيع الدراسة فيها مناصفة بين العملي والنظري (كما هو الحال في مدارس الهندسة في ألمانيا, والتي تشكل نموذجاً يحتذى به) مع التركيز بداية على المعاهد المتصلة بصناعة النسيج والصناعات الغذائية. كما يجب الإسراع في إنشاء معهد عال متخصص بالغزل والنسيج.

4-    تطوير البنية التحتية وخاصة إنشاء ثلاث مناطق صناعية (في دمشق وحمص وحلب), تشتمل على جميع المرافق وتتكامل فيها كافة الخدمات, بما فيها منطقة جمركية حرة بجوارها, وترتبط بشبكة الخطوط الحديدية. إذ لم تعد المناطق الصناعية مجرد مكان تتجمع فيه الصناعات بعيداً عن المناطق الحضرية والزراعية, بل مركز جذب للاستثمار الصناعي الوطني والأجنبي, إضافة إلى الآثار الإيجابية الأخرى من تخفيض الازدحام في المدن وتجنب التلوث ووقف تدهور البيئة. ويمكن تنفيذ هذه المناطق في إطار التعاون الثنائي الفني والاقتصادي بين سوريا وكل من فرنسا وأسبانيا وهما البلدان المشهود لهما بالخبرة والنجاح في هذا المجال.

5-   تكوين قاعدة معلومات صناعية متينة وشاملة عن النسيج الصناعي السوري. وهذه لا يمكن أن تتم إلا من خلال مسح صناعي شامل, يمكن في ضوئه معرفة الواقع الحقيقي لهذا النسيج وما يتوفر لديه من آلات تقنيات وعمالة وما يستهلكه من مواد أولية أو سلع وسيطة ومصادرها, ومن ثم معالجته في اتجاهي المشاكل العامة لهذه الصناعة أو تلك, والمشاكل الخاصة لبعض المنشآت لبعض المنشآت كما يسمح بتحديد دقيق للمنشآت التي ستزول أو تلك التي ستهدد وتتطلب إعادة التأهيل بسبب الانفتاح التجاري, وقد تم بالفعل تنفيذ مرحلة هامة من المسح الصناعي الذي انطلق بمبادرة من وزارة الصناعة وغرفتي صناعة حلب ودمشق بالتعاون مع الجمعية السورية للمعلوماتية ومركز الأعمال السوري الأوربي. كما أن من شأن قاعدة المعلومات هذه, التي يجب تحديثها باستمرار, أن تلقي الضوء على الفرص الاستثمارية القائمة وتحول دون استثمارات متماثلة ضارة.

6-    إعادة تأهيل المنشآت الصناعية المعرضة للتهديد. وخاصة في نطاق الفئة التي تستخدم أكثر من 10 عمال سواء بسبب دخولنا منطقة التجارة العربية الحرة بسبب احتمال ارتباطنا بالشراكة الأوربية,بحيث تعاد هيكلتها لتصبح قادرة على الصمود والمنافسة. وهذا يستلزم بالضرورة أن نحتذي حذو البرتغال, عندما انتسبت للمجموعة الأوربية, بإنشاء صندوق خاص تديره وزارة الصناعة, ويشمل على شقين أولهما لتمويل الاستشارات وثانيها لتمويل النشاط التأهيلي وإعادة الهيكلة. وهذا ماتفعله تونس الآن بمعونة الاتحاد الأوربي , وهذه قضية ملحة جداً يجب معالجتها بالسرعة الممكنة وقبل فوات الأوان.

أما المنشآت الأخرى فيمكن إعادة تأهيلها من خلال التالي:

6-1-      لابد للمنشآت المهددة بالزوال, في ظل الانفتاح التجاري, لاعتمادها على المكونات المستوردة (الأدوات الكهربائية والأجهزة الإلكترونية) أو على مستلزمات الإنتاج من الخارج (المنظفات, الدهانات, المحارم الورقية, المياه الغازية), من أن تتحد في إطار تجمعات صناعية ترشد من خلالها نشاطها الإنتاجي بتقسيم العمل فيما بينها, وتأمين مستلزماتها وتطوير مهارات أفرادها بصورة جماعية.

6-2-       تحتاج المنشآت التي تستخدم أقل من 10 عمال وخاصة الفئة التي يعمل لديها بين 6-9 عمال (وهي تمثل مجالاً رحباً لتوفير فرص العمالة), إلى اتخاذ عدد من الإجراءات الداعمة منها:

أ‌-           إيجاد الأطر المناسبة وتوفير الحوافز الملائمة لضمها في اتحادات وجمعيات تعاونية من شأنها تعظيم كفاءتها الإنتاجية والاقتصادية والأخذ بمبدأ التخصص فيما بينها من جهة والعمل بعقود من الباطن  Subcontracting  مع المنشآت الأكبر وبالذات تلك القادرة على التصدير لإنتاج ما يلزم وفق المواصفات المطلوبة من جهة أخرى.

ب‌-        توفير البنية المادية المناسبة لتسهيل نظام هذه المنشآت في اتحادات أو جمعيات والمتملكة بالمناطق الصناعية الخاصة بها, وتأجيرها أو تمليكها ما تحتاجه من أمكنة لممارسة نشاطها الإنتاجي بشروط ميسرة كما فعل عدد من الدول الأخرى.

7-             تطوير المصرف الصناعي من حيث رأسماله وكفاءاته الفنية والإدارية والسيولة التي يجب أن تتوفر لديه كيما يكون قادراً على تمويل الصناعة بالحجم المطلوب. وخاصة الصناعات التصديرية أو التي تحقق قيمة مضافة عالية لإقامتها أو تنفيذ توسعاتها وتشغيلها وتمويل صادراتها, كما هو عليه الحال في كافة الدول المنظمة أو الصناعية الجديدة. ويجب ألا ننسى في هذا الصدد, أن الدولة تستطيع من خلال سياسة التمويل أن تلعب دوراً حاسماً في نوجيه الاستثمار الصناعي نحو الأولويات المحددة وتطوير عمل المنشآت الصناعية ذاتها كما سنرى في الفقرة التالية.

8-              وأخيراً فهناك عدد من السياسات التي يجب تنفيذها لتعظيم العائد الصناعي, والتي وإن كانت تتعلق مبدئياً بالصناعي ذاته, إلا أن الدولة تستطيع أن تلعب دوراً أساسياً في الحث على الأخذ بها وخاصة من خلال ربط الإقراض والتمويل والمزايا الضريبية والتسهيلات الأخرى ومنح التراخيص بإبراز ما يثبت القيام بها وتحقيقها أو من خلال الإرشاد والتوجيه.

8-1-      توجيه عناية خاصة بمرحلة ما قبل الاستثمار التي تنطوي على دراسة الجدوى المبدئية ودراسة الجدوى التفصيلية لما لهذه المرحلة من آثار تحكم مستقبل المشروع, إذ لا يزال الصناعي السوري بصورة عامة, ينفق عشرات بل ومئات الملايين على الآلات والأعمال الإنشائية, ويبخل بالجزء اليسير منها على هذه الدراسات التي يجب أن تقوم بها مكاتب استشارية متخصصة . إن تطوير هذه المكاتب أمر حيوي بالنسبة إلى سورية لتصبح مراكز لتراكم الخبرة والمعرفة.

8-2-      التركيز على تدريب المهندسين والفنيين وتأهيلهم منذ لحظة البدء بتنفيذ القرار الاستثماري, أي منذ الاتفاق مع الجهة الأجنبية الموردة للآلات والخط الإنتاجي وذلك بإيفاد العدد اللازم من المهندسين والفنيين إلى مكاتب الشركة الأجنبية المذكورة ليعملوا يداً بيد, ومنذ البداية, مع مهندسيها وفنييها أثناء فترة  تصميم الخط  الإنتاجي وتصنيع الآلات وتركيبها وتشغيلها, وهذا ما تفعله الصين الشعبية وكوريا الجنوبية, لأن السبيل الأوحد والأمثل لاستيعاب التكنولوجيا واكتسابها يتم عبر هذا النوع من الممارسة, على أن عملية التدريب يجب أن تكون سياسة مستمرة وشاملة للعاملين المعنيين في المنشأة طيلة حياة المشروع. من أجل تحديث معارفهم وتطوير وتدعيم قدراتهم, مما يشكل الضمان الأفضل للتعظيم العائد والإنتاجية وتخفيض الفاقد والهدر, ومن ثم تدعيم القدرة على المنافسة.

8-3-       إيلاء الصيانة بالذات اهتماماً خاصاً وجهداً مركزاً ومكثفاً, ليس فقط باعتبارها وسيلة لإطالة عمر الآلات والمعدات وتشغيلها بأعلى كفاءة ممكنة فحسب, بل باعتبارها قاعدة ومنهجاً سلوكياً يلتزم بهما الجميع من الحارس إلى المدير العام. وهذا يستلزم وضع أنظمة للصيانة, واضحة وسهلة الاستيعاب, وتتم متابعة تنفيذها باستمرار ودقة وحزم.

غير أن كل هذه التدابير والإجراءات تستلزم أن تتوج بتحسين وتطوير مناخ الاستثمار الذي يشكل القاعدة الأساسية لتنمية الاقتصاد بكافة قطاعاته, وعلى رأسها الصناعة التحويلية ذلك لأن تطوير وتنشيط الاقتصاد يرتبطان أساساً بتفعيل الاستثمار, وهذا يقودنا إلى الجزء الخامس والأخير من هذه الدراسة.

خامساً- تطوير مناخ الاستثمار:

لابد للسياسات الخاصة بتطوير الصناعة أو القطاعات الأخرى سالفة الذكر من أن تكون مشفوعة بمناخ استثماري يجتذب الاستثمارات الوطنية أولاً والعربية ثانياً  والأجنبية ثالثاً , ذلك لأن النجاح في اجتذاب الاستثمارات الوطنية, بما في ذلك استثمارات المقيمين السوريين في الخارج. وتحقق نجاحاتها المنتظرة من شأنه أن يشجع الاستثمارات العربية والأجنبية على القدوم إلى سورية. وبهذا الصدد علينا في سورية أن تعرض على تشجيع الاستثمارات العربية والأجنبية المباشرة في القطاعين الإنتاجي والخدمي فقط, وخاصة بصورة مشاريع مشتركة دون الاستثمار المالي في سوق الأسهم والمضاربة على العملة الوطنية. فقد أثبتت تجربة مصر الأخيرة, أن السماح لرأس المال الأجنبي بالدخول إلى سوق تداول الأسهم الوطني من شأنه أن برفع الحد الأدنى بالاقتصاد الوطني. كما أثبتت الأزمة التي عصفت بدول جنوب شرق آسيا الضرر الجسيم الذي وقع عليها بسبب الانفتاح بدون رقابة على الاستثمار المالي الأجنبي, على أنه يجب أن ندرك في كل الوقت نفسه أن قانون الاستثمار رقم10 لم يستطع تعبئة الاستثمارات الوطنية على الوجه المبتغى على الرغم من التسهيلات والإعفاءات الضريبية الممنوحة. كما لم يجتذب من الاستثمارات العربية والأجنبية إلا الضئيل الضئيل, على الرغم من هذه التسهيلات والمزايا بالإضافة إلى انخفاض تكلفة العمالة في سورية وموقعها الجغرافي المتميز. ومن ثم فإن الأمر يتطلب إيجاد مقومات أخرى لمناخ الاستثمار مستفيدين من اتساع السوق السورية من خلال منطقة التجارة الحرة العربية, في وقت تستمر فيه المنافسة لاجتذاب الاستثمارات من جهة وتتضاءل فيه معدلات الاستثمارات الوطني, وهو السبب الرئيسي من جهة أخرى. ويمكن إيجاز هذه المقومات بالإضافة إلى ما سبق ذكره من توفير المناطق الصناعية واتخاذ سياسة تمويل ديناميكية للنشاط الاقتصادي بما يلي:

1-   توفير خدمات البنية التحتية الأساسية للاستثمار: الكهرباء والماء والهاتف والبريد الالتروني والصرف الصحي وقنوات وتجهيزات الإطفاء بأقصى سرعة ممكنة وبأيسر السبل.

2-    تطوير القدرات الإدارية والفنية وتعظيم المهارة والمعرفة التقنية على المستوى الإداري والتنظيمي والتقني أو ما يمكن تسميته بالاستثمار التكنولوجي فإن التكنولوجيا كامنة بالأفراد قبل الآلات وهذا يستلزم:

2-1-      العمل على إيجاد فئة المديرين الناجحين وهذا يتطلب الإسراع بتنفيذ مشروع مدرسة إدارة الأعمال التي سبق للاتحاد الأوربي أن طرحه مع سورية ويمكن أن تكون مثل هذه المدرسة نقطة إشعاع في المنطقة كلها, إذا أحسن تصميم برامجها واختيار جهازها التعليمي وطلابها وتمت إدارتها بصورة مستقلة عن النظام التعليمي القائم.

2-2-       ومن جهة أخرى يجب العمل على تطوير فئة الماليين والإداريين- بما فيها السكرتارية- وتزويدهم بالمعرفة وبالمهارة اللازمتين لأكفأ استخدام للإمكانات التي يتبعها الكومبيوتر في تنظيم المحاسبة – وخاصة محاسبة التكاليف- وتنظيم الأرشيف وإدارة المستودعات وأنظمة تدفق المعلومات داخل المنشأة (MIS) .

3-           تطوير وتحديث النظام المصرفي الحالي من خلال:

3-1-      تسريع إنجازات المعاملات المصرفية اليومية باستخدام الأتمتة والاستعانة بالكومبيوتر تسهيلاً وتبسيطاً للمعاملات الورقية.

3-2-      تخصيص واحد من فروع المصرف التجاري السوري في عدد من مراكز محافظات القطر بالعمليات المصرفية المتعلقة بالتعامل مع الخارج. على أن تتميز بسرعة الإنجاز وتطبيق أحدث أساليب الإدارة المصرفية. بحيث تستقطب هذه الفروع المتخصصة كافة رجال الأعمال السوريين الذين يتعاملون الخارج استيراداً وتصديراً من خلال مصارف الدول المجاورة في قبرص أو انطاكية أو عمان أو بيروت.

3-3-       إنشاء مصرف مشترك بين المصرف التجاري السوري والقطاع الخاص السوري وأحد المصارف العربية, يتخصص أيضاً بالعمليات المصرفية الخارجية, ويدار بأحدث الأساليب, ويتنافس في عمله هذا مع الفروع المتخصصة للمصرف التجاري السوري المذكورة في الفقرة السابقة.

4-           إحداث سوق مالية لتداول الأسهم يقتصر التعامل فيها على رأس المال الوطني, لكونها عنصراً هاماً في تشجيع قيام الشركات المساهمة المغفلة التي تشكل أداة رئيسية في تعبئة الادخار الفردي ولأنها تطمئن المستثمر, إذ لا يستطيع التصرف بأسهمه بيسر وسهولة حسبما يراه مناسباً, أضف إلى ذلك توحيد سعر الصرف وإصدار التعديل الخاص بالمرسوم 24 .

5-            إعادة النظر بالسياسة الضريبية بحيث تكون عنصراً محركاً للاقتصاد السوري وعاملاً نشطاً في تنفيذ سياسات الدولة في الاستثمار وأولوياته. وتستهدف زيادة المطارح الضريبية, وليست عملية جباية فحسب, تؤدي من ثم إلى زيادة في موارد خزينة الدولة. مع توجيه عناية خاصة إلى تحسين معدلات الأداء الضريبي.

6-            تبسيط التشريعات المعنية بما فيها الضريبة وأحكام التجارة الخارجية وتدفق رأس المال وإعادة ترحيله وشروط الترخيص ومتطلبات الحصول على الخدمات اللازمة من كهرباء وماء وهاتف والمبادئ التي تحكم تسعير الطاقة وبقية مستلزمات الإنتاج, بحيث تكون واضحة يتضمنها دليل استثماري موجد, أحسن تبويبه وفهرسته, ليسهل فهمه والرجوع إليه, بحيث تنحسر لأبعد مدى ممكن الاعتبارات والتصرفات الذاتية, والقرارات الآلية التي حتى لو اتخذت بحسن نية, تنعكس سلباً على الاقتصاد السوري.

7-            إيجاد المؤيدات التشريعية الحازمة لتدعيم هذا المناخ, بحيث يشيع جو من الثقة والطمأنينة لدى الجميع, والضرب بقوة, عبر إجراءات فضائية سريعة وعادلة وتنفيذ فوري للأحكام القضائية. على كل عمليات النصب والاحتيال, سواء كان ضحيتها الدولة أو المواطن أو المستثمر اياً كانت جنسيته, وبحيث يسود جو من الانضباط يطمئن معه المستثمر إلى أنه يتعرض لعقبات غير متوقعة نتيجة إهمال أو عمد, ولن يضيع مالاً ووقتاً لمحاولة الحصول على حق يكفله القانون.

8-            القضاء على كافة العقبات البيروقراطية وإعادة تنظيم إجراءات الترخيص والتعديل والحصول على كافة الخدمات في اتجاه التبسيط والوضوح, بحيث ينتفي التبعثر المكاني القائم حالياً, لتكتمل الإجراءات في مكان واحد يضم مكاتب لكافة الجهات الرسمية ومؤسسات الخدمات(كالطاقة والاتصالات) ومخولة بالبت في كل ما يعرض عليها. كما فعلت تونس وهذا يعني إقامة مؤسسة لترويج الاستثمار تقوم إضافة إلى تقديم هذه الخدمات, بتوفير كافة المعلومات والإحصاءات للمستثمر, كما تقوم باستكشاف فرص الاستثمار وبإعداد دراسات الجدوى الأولية لتقدمها إلى المستثمرين المحتملين , وطنيين كانوا أم عرباً أو أجانب.

9-            صياغة استراتيجية اقتصادية واضحة ومعروفة للجميع بحيث توفر رؤية واضحة للمستثمر تتيح له إمكانية التنبؤ السليم بالظروف آلتي سوف تسود في المستقبل, مما يسهم في ضمان صحة القرار المتخذ ويزيد من الإقبال على استثمارات طويلة الأجل, كما تضمن تحقيق العدالة بين المستثمرين دون تمييز بين قطاع خاص وعام أو في شروط الحصول على مستلزمات الإنتاج, وتكون واضحة لمتخذي القرارات اليومية في مختلف الإدارات الحكومية, ويعملون على هديها.

الخلاصة:

لقد حان الوقت لأن نعيد النظر في سياستنا الاقتصادية من خلال تحليل معمق وتقييم نقدي موضوعي, كما حان الوقت للقيام بتنفيذ أكثر المهام إلحاحاً واستعجالاً, وهي صياغة استراتيجية اقتصادية متكاملة, من خلال رؤية اقتصادية شاملة, تترجم بصورة ديناميكية وفعالة مبدأ التعددية الاقتصادية, لتصبح دستوراً يهتدى ويلتزم به الجميع.

ويجب أن تتميز هذه الاستراتيجية بوضوح الأهداف وجلاء السياسات والإجراءات والسبل المحققة لهذه الأهداف, وبإبراز مراحل التنفيذ وبأن تشتمل على تحديد وتجديد جريء للمؤسسات القادرة على تنفيذها بدقة وشجاعة, رائدها الأوحد مصلحة الوطن ومصلحة الاقتصاد السوري غير عابئة بالمصالح الذاتية, التي من شأنها تفريغ أية سياسة من مضمونها أو أي نص تشريعي أو تنظيمي من محتواه.

                                                          دكتور خالد عبد النور



[1] مستشار اقتصادي