بسم الله الرحمن الرحيم

الصناعات الغذائية في ظل المنافسة

المهندس عدنان عفارة [1]

 

 

واقع الصناعات الغذائية في سورية : إن للصناعات الغذائية أهمية خاصة وخطورة خاصة كونها متعلقة بصحة وحياة البشر من جهة ، ومن جهة ثانية كونك تتعامل مع مادة حية لها فترة صلاحية قصيرة نسبياً لاستعمالها للبشر ، وطرق خاصة لعمليات التعقيم و التعليب و الحفظ.

وبالتالي فإن سرعة التحرك بتصريفها واستهلاكها عمل أساسي بعد عملية التصنيع. ومن هنا تأخذ المواد الغذائية أكبر حيز من الاهتمام في ظل السوق الحرة و المنافسة ، وبالتالي من المفيد بداية أن نميز بين مرحلتين للصناعات الغذائية في سورية ، وهما مرحلة ما قبل صدور قانون الاستثمار لعام 1991 ومرحلة ما بعد صدور قانون الاستثمار.

حيث تميزت المرحلة الأولى بوجود صناعات غذائية عمادها الأساسي في القطاع العام بالإضافة إلى بعض الصناعات الغذائية الصغيرة و البسيطة في القطاع الخاص ويمكن أن نذكر بعض الصفات الأساسية التي كانت تميز المنتجات الغذائية في تلك المرحلة :

1-  نوعية جيدة ومطابقة للمواصفات القياسية السورية خالية من الغش وقد اكتسبت ثقة المواطنين بهذه الناحية.

2-  منتجات نمطية تكاد تخلو من أي تجديد

3-  أسعار محددة وثابتة نسبياً وفق أسعار تموينية مبنية على أسعار إدارية للمواد الأولية بالإضافة إلى التكاليف الإنتاجية مع هامش ربح معين.

4- العبوات نمطية لاتتميز بأي تجديد سواء بالشكل أو بالسعات.

    وكانت تقوم تلك المنتجات بتلبية الحاجات الأساسية للمستهلك دون أن تساير تطور حاجة المستهلك وأذواق المواطنين.

وكما هو معروف فإن سبب ذلك يعود إلى عدم وجود المنافسة بالسوق وتصريف المنتجات دون أي عناء سواء لكون الإنتاج أقل من الطلب أو لكون الجهات المسوقة غير الجهات المنتجة.

 وكان الهاجس الأساسي للمصانع هو الإنتاج وتحقيق الخطط الإنتاجية فقط بينما تتولى عمليات التسويق جهات أخرى أنشأت خصيصاً لهذه العملية مثل :  المؤسسة العامة الإستهلاكية - الشركة العامة لتجارة التجزئة - المؤسسة الإجتماعية العسكرية، الخ.

وبما أن أغلب الصناعات الغذائية بتلك المرحلة هي للقطاع العام وأن الجهات المسوقة أيضاً للقطاع العام فلم يكن يوجد أي تنافس في هذا المجال لابين المنتجين ولابين المسوقين وهناك حماية للمنتج الوطني سواء من خلال الأسعار الإدارية أو بمنع الاستيراد.

فوقعت كافة منتجاتنا بالنمطية وعدم التجديد و الجمود بالنوعية و السعات الحجمية و بعمليات التعليب و التغليف وحتى الحفظ ولانبالغ إذا قلنا التخلف في بعض المنتجات و الصناعــــــــات ( يمكن استعراض تجربة تركيا بهذا المجال مع وجود فارق بالتجربة أن القطاع العام هو الرائد في سورية بينما تركيا القطاع الخاص هو الرائد ) وكلا التجربتين تؤكد نفس النتيجة السابقة. رغم إختلاف النظم في كلا البلدين ولكنها متوافقة بالاجراءات الاقتصادية العامة سواء بمنع الاستيراد أو بعدم توجيه المسار الإقتصادي  وفقاً للحاجات الفعلية بكافة الاتجاهات وليس التركيز على نوع من الصناعات على حساب صناعة أخرى.

وما أن بدأت التوجهات الجديدة بالاقتصاد في سورية لاستقطاب رؤوس الأموال لاستثمارها في الداخل منذ مطلع التسعينات حيث صدر أول مرسوم يشجع الاستثمارات بالداخل وهو المرسوم /10/ لعام 1991 وما طرأ عليه من تعديلات حيث بدأت الأموال الخاصة بانشاء مصانع ومنشآت صغيرة وفقاً للمرسوم /103/ لعام 1952 أو منشآت ومصانع متوسطة وكبيرة أحياناً وفقاً للمرسوم /10/.  وهنا تبدأ المرحلة الثانية للصناعات الغذائية أي بعد صدور المرسوم. وقد تركزت أغلبية هذه المنشآت في مجال الصناعات الغذائية بالدرجة الأولى وأنشأت مئات المشاريع الغذائية الخفيفة منها المرخص أصولاً ومنها غير المرخص مما أدى إلى إغراق السوق الداخلية بتلك المنتجات وبأشكال متنوعة جداً ،  مما خلق منافسة سعرية غير عادلة أدت إلى إغلاق كثير من المنشآت الصغيرة التي لم تستطع الصمود بوجه الطفرة الانتاجية ببعــــض السلع ويمكن أن نسجل بعض مميزات تلك المرحلة.

1- أغلب الصناعات لم تكن صناعات بمعنى الصناعات الفعلية وإنما صناعات بسـيطة أو صناعات تحويلية أو مزجية. مثل صناعة العلكة - صناعة الشيبس والبسكويت.00الخ

2- ظهور موضوع الغش بالنوعية نتيجة المنافسة السعرية والعرض الكبير أو نتيجة لجشــــع

    بعض أصحاب تلك المنشآت وتكاد لاتخلو الصحف المحلية اليومية من نبأ عن إغلاق بعض تلك المنشآت نتيجة مخالفاتها للمواصفات أو عدم تقيدها بالقواعد الصحية لانتاج تلك

    الصناعات

3- عدم وجود سياسة اقتصادية واضحة ومحددة تهدف إلى توجيه المستثمرين باستثمار رؤوس أموالهم باتجاهات مختلفة ومتنوعة مستندة إلى إحصائيات عن الاحتياجات الفعلية وحجم الطاقات المطلوبة بدلاً من أن تتركز أغلبيتها في صناعات بسيطة أدت إلى الكثافة في بعض الصناعات والقلة في صناعات أخرى.

   وتدل الإحصائيات الموجودة في وزارة الصناعة ( الجهة المخولة بإصدار التراخيص )

   للمنشآت المنفذة حتى نهاية عام 2000 على تلك المميزات المذكورة أعلاه.

-  حيث بلغ عدد المنشآت المنفذة لصناعة أغذية الأطفال /5/ خمسة منشآت بطاقة إنتاجية 2745 طن / سنوياً.

-  وبلغ عدد المنشآت المنفذة لصناعة عصر الخضار و الفواكه /12/ أثنى عشر بطاقة إنتاجية66,324 طن / سنوياً.

-  وصناعة حفظ الخضار والفواكه /3/ ثلاث منشآت بطاقة 6,120 طن / سنوياً

-  وصناعة الزيوت النباتية /8/ ثمانية منشآت

   بينما بلغ عدد المنشآت المنفذة لصناعة المقبلات الغذائية /97/ منشأة بطاقة انتاجية 32,475 طن سنوياً.

   وصناعة البسكويت /137/ منشأة بطاقة إنتاجية 67,245 طن / سنوياً

   وصناعة الشوكولا / 128/ منشأة بطاقة إنتاجية 453,931 طن / سنوياً

   وصناعة البوظة / 200 / منشأة بطاقة إنتاجية 20,290,369 طن / سنوياً

   وصناعة التغطيس بالشوكولا / 158 / منشأة بطاقة إنتاجية 82,227 طن / سنوياً

هذا إضافة إلى المنشآت غير المرخصة أو المسجلة تحت اسم الحرف أو المنشآت التي أغلقت خلال تلك الفترة نتيجة المنافسة وعدم الترشيد في ترخيص المنشآت.

ملاحظة : (( مرفق بنهاية الدراسة احصائيات كاملة عن عدد المنشآت الغذائية المنفذة حتى نهاية عام 2000 مع التوزع الجغرافي لها وفق المحافظات السورية وكذلك الطاقات لانتاجية المسجلة في التراخيص ).

وأود هنا أن أقدم الصورة الحقيقية عن واقع إحدى الصناعات الغذائية الأساسية لمالها من أهمية : وهي صناعة الزيوت النباتية الناتجة من عصر بذور القطن. ومعروف لدى الجميع أهمية محصول القطن في سورية.

-  حيث يبلغ انتاج القطن في سورية بين 900 ألف طن إلى /1/ مليون طن سنوياً حسب المواسم.

-  وتبلغ نسبة البذور فيه حوالي 63 % من وزن القطن المحبوب

-  وبالتالي فان كمية البذور الناتجة هي مابين / 560/ إلى / 630 / ألف طن سنوياً.

ولدى عصر تلك البذور ينتج عنها المواد التالية :

-  زيت بذر القطن بنسبة تتراوح بين 13,2 إلى 16 % حسب نوعية البذور والتكنولوجيا المستخدمة في عملية العصر.

- مادة الكسبة بنسبة 40 % وهي مادة علفية للحيوانات

-        مادة القشرة بنسبة 28,8 %  

-        - مادة اللنت ( زغب القطن ) بنسبة 8-9 % وهي مادة تصدر للخارج.

وما يهمنا بالموضوع هو مادة الزيت كمادة غذائية

تقوم شركات القطاع العام وعددها /3/ ثلاثة بعصر البذور حسب طاقاتها الانتاجية لكمية /307 / ألف طن سنوياً.

( 241 ألف طن زيوت حلب - 39 ألف طن زيوت حماة - 27 ألف طن زيوت حمص )

ينتج عنها كمية من الزيت بحدود / 45 / ألف طن زيت.

-  يذهب من أصل كمية البذور الإجمالية حوالي /35/ ألف طن لمؤسسة اكثار البذار.

-  وبالتالي الكمية المتبقية من البذور هي بحدود ( 218 - 288 ) ألف طن متاحة لمنشـــآت القطاع الخاص.

- عدد المنشآت الصناعية الخاصة المنفذة هما / 8/ ثمانية بالإضافة إلى /8/ ثمانية منشآت أخرى قيد التنفيذ، منوهين إلى أن هذه المنشآت الخاصة تقوم بعصر بذور القطن وعباد الشمس والذرة وفول الصويا.  وأن طاقاتها الانتاجية للمشاريع المنفذة هي /40/ ألف طن زيت بذر القطن حسب كمية البذور المتاحة والموجودة في سورية وحوالي /100/ ألف طن لبقية الأنواع.

وبالنتيجة فإن كميات الزيوت الممكن انتاجها لدى القطاعين العام و الخاص هي :

          -  /85/ ألف طن زيت بذور قطن

          - / 100/ ألف طن بقية أنواع الزيوت

- إذا أضفنا الطاقات الانتاجية للمشاريع قيد التنفيذ تصبح الطاقات الانتاجية للزيوت بحدود /232/ ألف طن سنوياً.

- تقدر احتياجات القطر من الزيوت النباتية بحدود /100/ ألف طن بحالاته القصوى علماً أن معطيات الخطة السنوية لوزارة التموين لعام 2001 تفيد بأن حاجة القطر بحدود / 67,500/ طن.

-  هذا يعني أنه لدينا حالياً فائض عن الاحتياج مالايقل عن / 85 - 100 / ألف طن من الزيوت النباتية المنتجة محلياً.

-  وبعد تنفيذ المشاريع قيد التنفيذ سيكون الفائض بحدود / 130 - 150 / ألف طن.

-  ورغم كل هذا الفائض تفيد المعطيات في وزارة الاقتصاد و التجارة الخارجية أن استيراد القطاع الخاص من مادة الزيوت النباتية  للإستهلاك المباشر حوالي / 32090/ طن في عام /2000 و الجميع يعلم أن مادة الزيوت النباتية بكافة أنواعها هي لنفس الاستهلاك.

هذا الواقع أدى إلى احجام أغلب أصحاب المنشآت الصناعية للزيوت النباتية عن الاستمرار بعصر بذور القطن نتيجة سياسة الاغراق وقد يصبح لدينا فائض في بذور القطن ليهدر في بيعه للأعلاف بدلاً من عصره واستعمال الزيت للإستهلاك البشري واستعمال نواتجه كالكسبة للأعلاف.

ونستخلص مما سبق أهمية وجود سياسة اقتصادية سليمة وضرورة التكامل والتنسيق بين الجهات المنتجة و الجهات المسؤولة عن الاستيراد وليس بالضرورة منع الاستيراد وإنما باتخاذ اجراءات أخرى تخلق توازن بين الاحتياج مع فائض بسيط من طرف وبين المنتج والمستورد من طرف ثاني ولأي مادة كانت.وهذا ماحصل فعلاً من اتخاذ اجراءات فعلية من قبل الحكومة بهذا الموضوع.  ولكن بعد أن حصل ماحصل ومن المفيد أن تدلنا هذه التجربة على عدم تكرارها في بعض المنتجات الأخرى من خلال وجود جهة أو هيئة تتبع إحدى الوزارات لتوجيه المستثمرين باستثمار أموالهم في منشآت لانتاج مواد غذائية متنوعة و لمنع التركيز على منتجات محددة.

والسؤال المطروح الآن ماهو إذاً المطلوب في مجال الصناعات الغذائية في ظل السوق المفتوحة ( التجارة الحرة ) في سورية والاجابة على هذا السؤال يحتاج إلى دراسة من المختصين الاقتصاديين لوضع سياسة اقتصادية واضحة وأنا لست من المختصين الاقتصاديين ولكن من خلال  تجربتي المتواضعة يمكن أن أضع بعض المقترحات في هذا المجال منوهاً إلى أن بعض هذه المقترحات موضوعة باعتبارات الحكومة وتتخذ اجراءات عملية بها.

1- اعطاء ميزات ومشجعات للمشاريع الصناعية المتوسطة و الكبيرة والتي تتعلق باقتصاد البلد والتي تساهم في موضوعة الأمن الغذائي واستقرار السوق وخاصة الصناعات التي تعتمد على المواد الأولية المنتجة محلياً كالخضراوات الفواكه والالبان ومشتقاتها شريطة عدم الوصول إلى سياسة الإغراق. وسورية أصبحت تنتج من هذه المواد كميات تفوق حاجة البلد وخاصة أثناء المواسم حيث تصل أسعار تلك المنتجات في بعض الأحيان إلى أقل من تكلفة جني هذه المحاصيل.

2- التأكيد على استخدام التكنولوجيا الحديثة لهذه الصناعات من أجل امكانية الصمود بوجه تحديات المنافسة وانتاج سلع ذات نوعية جيدة وبأقل الأسعار.

3- اعتماد نظم وأساليب عمل حديثة ومرنة تتيح لادارة هذه المنشآت سرعة اتخاذ القرار والتصرف حسب احتياجات السوق ومتطلباته وان اعتماد أنظمة الجودة الشاملة سواء نظام الايزو /9000/ وعائلته أو نظام الأداء الإداري سوف يكون ركن أساسي في نجاح العمــل

4-الاهتمام والتأكيد على عمليات التعبئة والتغليف بحيث تكون العبوات مناسبة بسعاتها وكمياتها لاحتياجات الناس وفق دخل الفرد وقوته الشرائية والشريحة الاجتماعية التي تصنع لها المادة سواء كانت للإستخدامات المنزلية أو سلعة للأطفال أوسلعة للإستهلاك السريع على الماشي أو.00الخ.

5-  تطوير أساليب التسويق وتحديد أساليب التعامل مع الزبائن أو الموزعين وطرق استخدام الدعاية والإعلان باتجاه ارشاد المواطنين وتعويدهم على استخدام المنتجات الغذائية المصنعة والمراقبة صحياً بغية تطوير عادات الاستهلاك القديمة غير الصحيـة وغير المراقبة وقد لايتوفر بها أية شروط صحية كاستخدام الألبان والأجبان ومشـتقاتها المكشوفة والمصنوعة بطرق بدائية جداً ولو اضطلع أحدكم على طريقة صنع الأجبان البلدية بالكميات الكبيرة أي ليست للإستخدام الشخصي أو العائلي لما قبل أحداً منكم استهلاكها نهائياً وبالتالـي فان عمليات الدعاية والاعلان ليست من أجل الترويج للمنتجات فقط بل وكذلك لتنمية الوعي الصحي للمواطنين وتوجيههم باتجاه المنتجات الغذائية الصحية والمصنعة بطرق علمية ومعبأة بطرق تكنولوجية حديثة تضمن لنا منتجات بأقل مايمكن من الحمولات الجرثومية

   وضمن المواصفات القياسية.

6- إن للأسعار أهمية كبيرة في عملية صمود أية صناعة بوجه التحديات و المنافسة بالسوق الحرة فسواء كانت الأسعار مرتفعة جداً أو منخفضة جداً فسوف تؤدي إلى إغلاق المنشآت (ففي حالة ارتفاع الأسعار سوف تؤدي إلى الكساد وبالتالي الاغلاق أو في حالة الانخفاض أي البيع بأقل من التكلفة ومن ثم الخسارة وبالتالي الافلاس والاغلاق ) أي أن سياسة التسعير أيضاً لها علاقة كبيرة في نجاح العملية الصناعية ومن المفترض أن تصــــل كل منشأة إلى ربح معقول يعينها على الاستمرارية بالعمل سواء من أجل تطويرها أو توسيعها وكل منشأة مهما كانت رابحة وناجحة لايمكن أن تستمر إن لم تطور صناعتها باستمرار وتحديث آلية عملها وإلا ستصل إلى اليوم التي ستغلق به حتماً. وأن اعتماد تكنولوجيا حديثة ومتطورة تؤدي بالضرورة إلى زيادة الطاقات الانتاجية بواحدة الزمن وكذلك زيادة المراديد الانتاجية فكلاهما يؤديان إلى خفض التكاليف وبالتالي طرح المنتجـات بأسعار مناسبة ومنافسة. 

7-  العمالة المدربة والرواتب والأجور :

إن عمليات التدريب والتأهيل لإعداد الكوادر هي من أهم العوامل في نجاح العملية الصناعية التي تؤدي بالضرورة إلى سهولة ويسر تطبيق أنظمة العمل ورفع كفاءة العامل وازدياد انتاجيته بواحدة الزمن وبالتالي الاستخدام الأمثل للطاقة العمالية دون استخدام عمالة زائدة لاتؤدي إلى أية فاعلية إنتاجية إن لم تؤدي إلى تأثير سلبي أحياناً على العملية الانتاجية وربما يكون القطاع الخاص أكثر فاعلية في هذا المجال واستخدامه الاعداد الضرورية و اللازمة للعمل  دون أية زيادات وبالتالي توجد فرصة أكبر لأن يكون دخل العامل بالقطاع الخاص أعلى منه بالقطاع العام.  إلا أن عملية التدريب والتأهيل في كلا القطاعين مازالت دون المستوى المطلوب وأن الخبرة المتوفرة في الكوادر الفنية بالقطاع العام اكتسبت من خلال تجربتها وممارستها العمل وهذا أدى إلى نزوح الكوادر الفنية من القطاع العام إلى القطاع الخاص وخاصة مع بداية التسعينات واحداث المنشآت الصناعية على قانون الاستثمار رقم /10/ ومن اللافت للنظر أن كثير من شركات القطاع العام تقدم التبريرتلو الآخر وفي مقدمتها تضع أن ارتفاع تكاليف منتجاتها مقارنة مع تكاليف منتجات القطاع الخاص هو بسبب العمالة الزائدة لديها وارتفاع كتلة الرواتب والأجور من جراء تلك الزيادة و برغم قناعتي واعترافي بوجود عمالة زائدة بالقطاع العام أكثر من الحاجة إلا أن تأثيره على التكلفة ليس بالحجم الذي يقال عنه ولا يشكل عبئاً على تكاليف الانتاج بالقدر الذي تشكله عناصر أخرى من عناصر التكلفة. وللوقوف على هذه الحقيقة سوف أقدم النسب الأساسية لبنود التكلفة لبعض الشركات دون ذكرها وهي من واقع ميزانياتها كوسطي لعامي (99 - 2000 ).

في مجال صناعة الزيوت النباتية :

1-  بلغت نسبة كتلة الرواتب والأجور مع متمماتها من اجمالي التكاليف هي 8 %

2-  بلغت نسبة كلفة المواد الأولية و المساعدة ( الخامات الرئيسية والمساعدة ) 78 %

3-  بلغت نسبة التكاليف الصناعية بكافة مكوناتها 14 %.

هذه النسب لمعدل تنفيذ الخطة الانتاجية ( 76 )%

في مجال صناعة الألبان :

1.   نسبة الرواتب والأجور من اجمالي التكاليف                   7  %

2.   نسبة كلفة المواد الرئيسية و المساعدة                           79%

3.   نسبة التكاليف الصناعية                                              14%

هذه النسب لمعدل تنفيذ الخطة الانتاجية (87)%

في مجال صناعة الكونسروة :

1- نسبة الرواتب والأجور من اجمالي التكاليف                  19%

2- نسبة الخامات الرئيسية والمساعدات                             34%

3- نسبة التكاليف الصناعية                                              47%

هذه النسب لمعدل تنفيذ الخطة الانتاجية (44)%

والنتيجة : إن نسبة 7 أو 8% لكتلة الرواتب والأجور ليست هي النسبة الكبرى في مكونات التكاليف وهي بحدودها الدنيا وعالمياً تصل إلى 30% أحياناً.  وأصبح الآن ارتفـــاع هذا المؤشر لايعني بالضرورة إلى تضخم العمالة بل يعني مؤشر عن زيادة دخل العامل في المنشأة وذلك عند معدل تنفيذ للخطة يتجاوز 76%.

أما ارتفاعه في صناعة الكونسروة إلى نسبة 19 % فهذا بسبب كون العمل بهذه الشركات عمل موسمي حيث يوجد حوالي /5/ خمسة أشهر خلال السنة بدون عمل إضافة إلى أن نسبة تنفيذ الخطة بحدود (44)% فتصوروا كم ستنخفض نسبة كتلة الرواتب بالنسبة للتكلفة لوكانت نسب التنفيذ 90% وبالرغم من أنه ليس لدي النسب المماثلة لمنشآت القطاع الخاص ولكن أعتقد أنها ليسـت أقل من ذلك إن لم تكن مساوية أو أكثر نظراً لكون راتب العامل بالقطاع الخاص أعلى منه بالقطاع العام وقد تصل هذه الزيادة بإجمالها تعادل نسبة الزيادة في العمالة لدى القطاع العام.

يمكن أن نقدم بعض التوجهات في دراسة نسب ومعايير الاستهلاك التي تلعـب دوراً رئيسياً في ارتفاع تكاليف الإنتاج وأهمها :

1-ارتفاع نسبة الاستهلاك بالطاقة ( وقود - زيوت - كهرباء ) وتقاس بكمية الاستهلاك بالنسبة إلى وحدة المنتج. 

2-  انخفاض الطاقة الإنتاجية في واحدة الزمن ، أي عدم استغلال طاقة الآلات الكاملة أثناء التشغيل ( تشغيل الآلات بتغذية قليلة - تشغيل الآلات بدون حمل - كثرة عمليات التوقف والاقلاع -.00الخ).

3-  انخفاض المراديد الإنتاجية باستخدام مواد أولية غير مطابقة للمواصفات

4-  ازدياد نسب الهدر الصناعي حيث تكون المعادلة الإنتاجية غير متوازنة اي أن المخرجات أقل من المدخلات وعند التدقيق يقال هذا هدر صناعي دون الوقوف بعمق على هذه النقطة ودراستها لتقليلها أو إلغائها في بعض الصناعات.

5-  قدم الآلات الإنتاجية أو قدم التكنولوجيا المستعملة وهذا يكون بعمليات الاستبدال و التجديد و التطوير وأنني أؤكد أن أية صناعة مهما كانت متطورة وتستعمل أحدث تكنولوجيا فإنه بعد مضي عدة سنوات على استعمالها تصبح متخلفة ولابد من تطويرها وإلا ستصل إلى مرحلة الإغلاق حتماً أو الجمود0

6-عدم اعتماد أسلوب الصيانة المبرمجة و المسبقة للآلات وعدم الاستفادة من برامج الكمبيوتر في هذا المجال سوف يؤدي بالضرورة إلى ازدياد تكاليف الصيانة والإصلاح.

 وفي الختام فإن المنتجات ذات النوعية الجيدة واستخدام طرق التعليب والتغليف الحديثة وفق متطلبات السوق وتلبية حاجات وأذواق المواطنين واعتماد أساليب ونظم العمل الصحيحة سوف يؤدي بالضرورة إلى صمود المنتجات الغذائية بوجه المنافسة الشديدة سعرياً ونوعياً.

 

 

 



[1] معاون مدير عام الصناعات الغذائية