حول إصلاح النظام النقدي والمصرفي

الدكتور محمد الأطرش(*)

 

يجدر التنويه بداية إلى أن إصلاح النظام النقدي والمصرفي يجب أن يكون جزءاً من إصلاح اقتصادي شامل يهدف إلى تحقيق ما يأتي:

آ ـ نسبة عالية وممكنة من النمو الاقتصادي.

ب ـ التخفيف الكبير من حدة البطالة والفقر.

جـ ـ درجة عالية من العدالة الاجتماعية في التوزيع وإشباع الحاجات الأساسية للناس بأسعار يمكن للغالبية دفعها.

د ـ تعزيز الأمن الوطني والقومي.

هـ ـ درجة عالية من استقلالية القرار الوطني والقومي بجميع جوانبه.

و ـ تحسين البيئة متضمنة التخفيف من حدة التلوث الذي يؤثر سلبياً على صحة المواطن.

ز ـ التوازن الاقتصادي العام الداخلي (أي بشكل أساسي تفادي تضخم غير مرغوب فيه) والخارجي (أي الحيلولة دون حدوث عجز كبير في ميزان المدفوعات على الحساب الجاري يصعب تمويله).وتالياً المحافظة على استقرار سعر صرف الليرة السورية وربما تحسينه بالنسبة للعملات الأجنبية الرئيسية وأهمها الدولار الأمريكي.

ويتعين العمل على تحقيق الأهداف المذكورة في الأجل المتوسط وضمن إطار خطة إنمائية خمسية تتضمن الأهداف والسياسات الضرورية والهادفة إلى تحقيقها. ومن الواضح من أهداف الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي المذكورة أعلاه بأن لها أبعاداً اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية، فالتأكيد مثلاً على هدفي العدالة الاجتماعية وعلى إزالة البطالة والفقر يتضمن أبعاداً اقتصادية واجتماعية وسياسية. كما ن التأكيد على تعزيز الأمن الوطني والقومي وعلى تحقيق درجة عالية من استقلالية القرار الوطني يتضمن أبعاداً سياسية وأمنية واقتصادية. إذ أن هناك علاقة متبادلة بين التنمية الاقتصادية من جهة والأمن الوطني والقومي من جهة أخرى، وهذا يعني وضمن أمور أخرى بأن جهود التنمية يجب أن تتوجه وضمن أهداف أخرى ليس فحسب لبناء صناعات خفيفة وإنما لبناء صناعات ثقيلة وصناعات (سلاح) و(ضمن إطار من التعاون أو التوحد العربي) تعزز الأمن الوطني والقومي أيضاً. كما أن الأمن الوطني والقومي يدعم مكتسبات التنمية ويحميها. وهذا التأكيد على العلاقة المتبادلة بين التنمية الاجتماعية والاقتصادية من جهة والأمن الوطني والقومي من جهة أخرى ضروري جداً في حالة أمتنا العربية التي تخوض صراعاً شرساً مع العدو الصهيوني ومع الإمبريالية التي تهدد الأمن الوطني والقومي.

وقبل الانتقال للدخول في صلب موضوع هذه المحاضرة، يتعين التنويه بأن الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي المتضمن الإصلاح النقدي والمصرفي يتطلب كشرط أساسي العمل على تحسين كفاءة مؤسسات الدولة بما فيها جهازها الإداري والقضائي وبقية أجهزتها فضلاً عن منشآت القطاع العام، وهذه الأجهزة تسهر على تطبيق القوانين والأنظمة النافذة وتؤمن حكم القانون وتساهم في رسم سياسة الدولة وتعمل على تنفيذها. إذ أن أي نظام اقتصادي واجتماعي يتطلب مؤسسات مشرفة ومراقبة وموجهة ومنفذة لسياسة الدولة. ومن الصعب جداً تحقيق درجة عالية من كفاءة مؤسسات الدولة والقطاع العام ضمن إطار الرواتب الهزيلة المدفوعة للعاملين فيها. إذ أن هناك فارقاً كبيراً بين دخول العاملين في مؤسسات الدولة متضمنة العاملين في القطاع العام وبين دخول القطاع الخاص. وهذا الفارق يظهر بوضوح إذا قارنا نصيب العاملين في الدولة والقطاع العام من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية ونصيب بقية العاملين في القطاع الخاص وبخاصة أصحاب الاستثمارات الخاصة. إن مقتضيات العدالة والكفاءة تتطلب تعديلاً جذرياً في دخول العاملين في الدولة والقطاع العام وبدرجة كبيرة ويجب تنفيذ هذا التعديل على المدى المتوسط. كما أن متطلبات جذب الكفاءات العلمية والتقانية والإدارية للعمل في الدولة تشير إلى ضرورة دفع رواتب مجزية. إنني أرى بأن أجهزة الدولة والقطاع العام هي التي تدفع ثمن الإعفاءات الكبيرة من الضرائب والرسوم الممنوحة لفعاليات اقتصادية خاصة في هذا القطر.

وسأنتقل الآن إلى الكلام حول الإصلاح النقدي والمصرفي متناولاً المواضيع لتالية:

أولاً ـ مصرف سورية المركزي:

وهذا يتربع على سدة النظام النقدي والمصرفي، ولا يتسع المجال في محاضرة كهذه للتحدث بإسهاب حوله، وكان إنشاؤه بالمرسوم التشريعي رقم (87) تاريخ 28 آذار 1953. جزءاً من ظاهرة اتصفت بها غالبية بلدان العالم الثالث التي نالت استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية، إذ كان الهدف الأساسي من إنشاء مصارف مركزية هو تعزيز الاستقلال السياسي، بتحقيق درجة عالية من استقلالية السياسة النقدية والمصرفية عن الدول المستعمرة. وتمثلت التبعية النقدية لبلدان العالم الثالث وحتى استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية في الظواهر الثلاث التالية:

الأولى:  وهي أنها لم تكن قادرة على إصدار عملتها الوطنية دون أن تكون مغطاة بالكامل تقريباً بديون البلد الخاضع للاستعمار على المركز المستعمِر، أي أنها لم تكن أساساً قادرة على أن تصدر عملتها إلا لقاء تغطيتها وبنسبة 100% تقريباً بالإسترليني في حال البلدان الخاضعة للاستعمار البريطاني أو بالفرنك الفرنسي في حال الدول الخاضعة للاستعمار الفرنسي. وهذا يتضمن بطبيعة الحال أن مؤسسة إصدار النقد الوطني لم تكن قادرة على إصدار النقد الوطني لقاء تغطيته بالديون على القطاعين العام والخاص في البلد المعني.

أما الظاهرة الثانية للتبعية النقدية فهي ربط سعر صرف عملة البلد الخاضع للاستعمار لعملة الدولة المستعمرة على أساس سعر صرف ثابت وتعديل سعر صرف عملة البلد الخاضع للاستعمار إذ تعدل سعر صرف عملة البلد المستعمر تجاه عملة ثالثة.

وكانت الظاهرة الثالثة للتبعية النقدية ـ وهي نتيجة للظاهرتين السابقتين ـ هي اعتماد التنمية الاقتصادية في البلد الخاضع للاستعمار على عوامل خارجية لدرجة كبيرة عن إرادته، أي على تحقيق فائض في ميزان المدفوعات الجاري وتدفق القروض والاستثمارات الأجنبية إليه. فإذا تعرض البلد لعجز في ميزان المدفوعات الكلي بسبب ظروف خارجية فسيكون غير قادر على اتباع سياسة نقدية توسعية تحد من الأثر الانكماشي لعجز ميزان المدفوعات على الكتلة النقدية وعلى الدخل القومي، ولهذا السبب بالذات كان أثر الكساد العالمي في ثلاثينيات القرن الماضي كارثياً على بلدان العالم الثالث التي كانت خاضعة للاستعمار.

هذه الظواهر الثلاث للتبعية النقدية والتي كانت نتيجة لفقدان الاستقلال السياسي تمثلت في سورية في عهد الانتداب الفرنسي، ففي عام 1920 منح المفوض السامي الفرنسي امتياز احتكار إصدار الليرة السورية لمصرف إفرنسي هو مصرف سورية ولبنان. وأعطيت الليرة السورية قوة ابرائية في التداول وتسديد الديون.

وتم ربط سعر صرف الليرة السورية بالفرنك الفرنسي على أساس أنها مساوية لعشرين فرنكاً إفرنسياً. كما تم النص على أن تكون تغطية إصدارها بحدود مائة بالمئة تقريباً بالفرنكات الإفرنسية، وكان الهدف الأساسي لسلطات الانتداب الإفرنسي من إنشاء مصرف سورية ولبنان ووضع الليرة السورية على قاعدة الفرك هو تمويل نفقات جيش الاحتلال الإفرنسي عبر إصدار الديون على الخزينة الإفرنسية، فالعملة المتداولة قبل ذلك في سورية كانت الجنيه المصري والليرة العثمانية الذهبية، فلو لم توضع سورية في عهد الانتداب على قاعدة الفرنك عبر الإجراءات المذكورة أعلاه لاضطرت فرنسا لكي تمول جيش احتلالها في سورية لشراء الذهب أو الجنيه المصري مما سيضع ضغوطاً على ميزان مدفوعاتها. فالنظام النقدي الذي طبقته فرنسا في عهد انتدابها كان جزءاً من نظام نقدي استعماري شامل ذكرنا مساوئه أعلاه، فضلاً عن ذلك تم ربط الليرة السورية من حيث سعر صرفها وتغطيتها بعملة ضعيفة. إذ تعرض الفرنك الإفرنسي ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية ولفترة معتبرة فيما بعد لتقلبات وانخفاضات عديدة تجاه الذهب والدولار والإسترليني وتجاه سلع حقيقية، ولقد تبعته الليرة السورية في كل هذه التقلبات والانخفاضات محافظة على سعر صرف ثابت معه مساوياً عشرين فرنكاً.

ونتج عن كل هذا عدم استقرار اقتصادي في سورية كما تعرضت تغطية الليرة السورية بالفرنك لخسائر جسيمة. ولقد حاولت الفعاليات الاقتصادية السورية التخفيف من أثر انخفاض الفرنك وتالياً الليرة السورية عبر تحديد عقودها وديونها بعملة قوية كالذهب والإسترليني.

ولقد تضمن إحداث مصرف سورية المركزي التخلص من مساوئ التبعية النقدية المذكورة أعلاه وشكّل دعامة لتحقيق درجة عالية من الاستقلالية الاقتصادية لسورية والداعمة للاستقلال السياسي. وأعطى نظام النقد الأساسي المحدث بالمرسوم التشريعي (87) لعام 1953 المصرف الوظائف المعهودة المعهودة للمصارف المركزية، وهي احتكار إصدار النقد الورقي، مصرف الحكومة وعميلها المالي، مستشار الحكومة في الحقل النقدي والمصرفي، مصرف المصارف، والإدارة النقدية. وتضمنت الوظيفة الأخيرة إدارة مكتب القطع الذي تم إنشاؤه عام 1952 وإدارة احتياطيات البلاد من العملات الأجنبية فضلاً عن تقديم التمويل الإنمائي المباشر للدولة وتمويل فعاليات القطاع الخاص، بصورة غير مباشرة.

كما تضمنت وظيفة الإدارة النقدية قيام مصرف سورية المركزي، وحين تدعو الحاجة إلى اتخاذ إجراءات مباشرة وغير مباشرة معروفة وذلك للتأثير على حجم التسليف المصرفي وعلى توزيعه بين مختلف القطاعات الاقتصادية.

وكان الهدف الأساسي للوظائف المذكورة أعلاه توسيع امكانات الاستخدام وزيادة الدخل القومي ضمن إطار تثبيت النقد السوري وتأمين حرية تحويله إلى العملات الأخرى.

ولقد عُهد إلى مجلس يدعى مجلس النقد والتسليف إدارة مصرف سورية المركزي. وتعرضت تشكيلة المجلس منذ عام 1953 لبعض التعديلات غير المهمة، وكما هي معدّلة بالمرسوم التشريعي رقم (34) تاريخ 16/2/1965 تألف المجلس كما يلي:

1 ـ حاكم مصرف سورية المركزي                              رئيساً.

2 ـ نائب حاكم مصرف سورية المركزي                        نائباً للرئيس.

3 ـ ممثل عن وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية               عضواً.

4 ـ ممثل عن وزارة المالية                                      عضواً.

5 ـ ممثل عن وزارة التخطيط                                    عضواً.

6 ـ ممثل عن وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي              عضواً.

7 ـ ممثل عن القطاع المصرفي                                  عضواً.

8 ـ ممثل عن القطاع الصناعي الاشتراكي                      عضواً.

9 ـ خبير في الشؤون النقدية والمالية                             عضواً.

إضافة إلى ذلك تضمنت أحكام نظام النقد الأساسي المتعلقة بالتغطية إمكانية أن تكون غالبية تغطية الأوراق لنقدية الصادرة عن مصرف سورية المركزي مع التزاماته الأخرى تحت الطلب مؤلفة من ديونه على القطاعين العام والخاص. كما نصت المادة (21) الفقرة (2) بألا تقل نسبة التغطية من الذهب والعملات الأجنبية القابلة للتحويل عن (30) بالمئة على أن: «يعمل مجلس النقد والتسليف… على تحقيق الحد الأدنى المذكور بصورة تدريجية شرط ألا تتدنى نسبته المئوية في أي وقت كان عن (10) عشرة بالمئة». وبهذا تحررت عملية إصدار الأوراق النقدية السورية وتالياً عملية التنمية في سورية من خضوعها حصراً لميزان المدفوعات.

ومن المعلوم بأنه دارت في سورية مؤخراً نقاشات تحت شعار إصلاح مصرف سورية المركزي وتركزت حول الموضعين التالين:

1 ـ تحقيق استقلالية مصرف سورية المركزي عن الدولة أو درجة عالية منها وتالياً استقلالية السياسة النقدية.

2 ـ وضع سقف محدّد بصك قانوني على استقراض وزارة المالية الإنمائي والموضوع في التغطية من مصرف سورية المركزي استناداً إلى المادة (35) الفقرة (5) من نظام النقد الأساسي.

وسأحاول أولاً مناقشة موضوع استقلالية مصرف سورية المركزي عن الدولة وتالياً استقلالية السياسة النقدية.

لقد تم وضع نظام النقد الأساسي المتضمن إحداث مصرف سورية المركزي من قبل خبير نقدي بلجيكي هو فرانسوا كراكو. وساعده في ذلك المرحوم الدكتور عزت الطرابلسي ـ أول حاكم لمصرف سورية المركزي ـ والدكتور عوض بركات، ولقد تعرض واضعو النظام إلى العلاقة بين المصرف والدولة وتوصلوا إلى الاستنتاج بأنه لا يمكن لمصرف سورية المركزي أن يكون مستقلاً عن الدولة وتذكر الأسباب الموجبة للمرسوم التشريعي ذي الرقم (87) لعام 1953 وتحت عنوان «العلاقات بين السلطات النقدية والسلطات العامة»، وهنا أقتبس: «بأنه أياً كانت الحلول (لهذه العلاقات) فهي لا تضمن استقلال السلطات النقدية استقلالاً مطلقاً تجاه السلطات العامة. وحتى في حالة النص صراحة على مثل هذه الضمانة فليس بإمكان أية سلطة نقدية مهما كانت قوية أن تثابر على اتباع سياسة لا تحظى بموافقة السلطة السياسية، فحرية العمل التي تتمتع بها السلطة النقدية تظل في كل وقت خاضعة لصلاحية السلطات العامة بتعديل القانون».

[ص93، من آخر طبعة على الستانسل لنظام النقد الأساسي وإحداث مصرف سورية المركزي].

واستناداً إلى هذه القناعة تضمن نظام النقد الأساسي نصوصاً تؤمن مساهمة الحكومة ولدرجة كبيرة في رسم السياسة النقدية وفي حال اختلاف وجهة نظر مجلس النقد والتسليف مع وجهة نظر الحكومة حول السياسة النقدية تسود وجهة نظر الحكومة ومن أهم هذه النصوص:

آ ـ ما نصت عليه المادة (61) الفقرة (1) على أن: «مصرف سورية المركزي مؤسسة عامة مستقلة تعمل تحت رقابة الدولة وبضمانتها وفي حدود التوجيهات العامة التي تصدر إليه من مجلس الوزراء».

ب ـ ما نصت عليه المادة (2) الفقرة (1) والمتضمنة تشكيلة مجلس النقد والتسليف على أن غالبية أعضائه أو عدداً كبيراً منهم يمثلون عدداً من الوزارات المعنية مباشرة بالشأن الاقتصادي وهؤلاء يعكسون بطبيعة الحال وجهة نظر وزاراتهم في مجلس النقد والتسليف.

جـ ـ ما نصت عليه المادة (7) الفقرة (3) وهذا هو الأهم على أن: «لممثل وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية أن يوقف تنفيذ أي قرار يراه مخالفاً للقانون أو لمصلحة الدولة وعليه اطلاع وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية على ذلك، فإذا لم يبت وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية بالأمر خلال ثمانية أيام من تاريخ التوقيف يصبح القرار قابلاً للتنفيذ».

ومن الواضح بأن قرار وزير الاقتصاد سيكون نهائياً. كما نصت المادة (7) الفقرة (2) على أنه: «لا تعتبر مداولات (مجلس النقد والتسليف) قانونية إلا بحضور أكثر أعضائه المطلقة على الأقل على أن يكون بينهم ممثل لوزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية…».

ولقد انعكست المطالبة في تحقيق استقلالية مصرف سورية المركزي عن الدولة أو تقليص دور الدولة في رسم السياسة النقدية في مشروع نظام نقد أساسي مقترح من قبل مصرف سورية المركزي يتضمن عدة تعديلات على نظام النقد الأساسي القائم، ومن أهم التعديلات التي تهمنا بهذا الصدد النص في المشروع المقترح على أن لا يمارس أعضاء مجلس النقد والتسليف مهامهم كممثلين عن الوزارات أو الجهات التي يعملون بها بل يقومون بالمهام المناطة بهم في المجلس كفنيين حياديين، ومن الصعب جداً أن نرى كيف يمكن لممثل وزارة أو جهة معينة إلا أن يعكس وجهة نظرها.

وهذا هو الهدف من التمثيل تحديداً. كما انعكست الرغبة في المشروع المقترح في تقليص دور الحكومة في رسم السياسة النقدية في إلغاء حق وزير الاقتصاد في إيقاف قرارات المجلس التي يراها مخالفة للقانون أو لمصلحة الدولة.

فضلاً عن ذلك أكد بعض المطالبين باستقلالية مصرف سورية المركزي بأنه لا يمكن أن يكون فعالاً وقوياً ومحترماً إلا إذا كان مستقلاً.

وسأحاول فيما يأتي الرد على وجهة النظر هذه بادئاً بالتأكيد بأنني من مؤيدي أن يكون مصرف سورية المركزي قويا وفعالاً ولكن أرى بأن قوته لا تكمن في التأكيد على استقلاليته عن الحكومة أو الدولة وإنما في العمل ضمن إطار التعاون مع وزارات الدولة لتحقيق الأهداف الاقتصادية المرغوبة والتي ترسمها الدولة. فالتأكيد على الاستقلالية عن الدولة ستجعله غير فعَّال أو مؤثر حين تتعارض السياسة النقدية مع بقية عناصر السياسة الاقتصادية للدولة، ولقد ذكرت في مكان آخر [صحيفة الثورة تاريخ 28/1/2001، وتاريخ 21/2/2001] السبب الرئيسي الذي طرحته ضد درجة عالية من استقلالية مصرف سورية المركزي في رسم السياسة النقدية. وهذا السبب هو أن السياسة النقدية هي جزء من السياسة الاقتصادية العامة للدولة. ولكي تكون السياسة الاقتصادية فعّالة يتعين التنسيق بين مكوناتها كسياسة الموازنة وسياسة التسليف وسياسة العملات الأجنبية وسياسة الأجور والأسعار والسياسة الزراعية وسياسات أخرى في حقل زيادة الإنتاج على سبيل المثال. ولا يمكن لوزارة من وزارات الدولة أو لجهاز من أجهزتها كمصرف سورية المركزي القيام بمفردها أو بمفرده في عملية التنسيق هذه إذ يجب أن يتم من قبل جهة أعلى كاللجنة الاقتصادية أو مجلس الوزراء.

تصور بأن مصرف سورية المركزي يريد أن يتبع سياسة تسليف انكماشية بينما ترغب الدولة اتباع سياسة توسعية في الإنفاق، فإذا أصر مصرف سورية المركزي على موقفه تحت شعار استقلاليته وأصرت الحكومة على موقفها فالنتيجة ستكون نوعاً من الشلل الاقتصادي أو إصرار الدولة ـ وهذا من حقها ـ على أن تكون لها كلمة الفصل في الموضوع. ولقد لحظ واضعو نظام النقد الأساسي القائم هذه الإمكانية لذلك أعطوا دوراً كبيراً لممثلي الحكومة في مجلس النقد والتسليف وأعطوا حق النقض لوزير الاقتصاد والتجارة الخارجية وفق ما ذكر أعلاه.

وإذا أردنا أن نكون أكثر تحديداً يمكن التساؤل هل المقصود باستقلالية مصرف سورية المركزي أن يكون لديه الحق في تعديل سعر الفائدة أو تعديل سعر صرف الليرة بدون الرجوع إلى الحكومة وأخذ موافقتها؟ إذا كان الأمر كذلك فلا توجد وزارة في الدولة مستقلة بهذا المعنى. هل يمكن مثلاً لوزارة المالية إصدار الموازنة دون موافقة مجلس الوزراء وموافقة السيد رئيس الجمهورية وموافقة مجلس الشعب. كما أنه لا يمكن لوزارة المالية أن تحدث ضريبة جديدة أو تعدل من ضريبة قائمة إلا بقانون يصدره مجلس الشعب.

لقد سبق أن ذكرت في مكان آخر كيف أن رفع سعر الفائدة على الودائع الادخارية في شباط 1981 وإحداث السوق الموازية للعملات الأجنبية في نيسان من العام ذاته من قبل وزارة الاقتصاد تم بعد أخذ موافقة القيادة السياسية العليا للبلاد.

إن ما اقترحه في هذا المجال هو المحافظة على دور الدولة في رسم السياسة النقدية كما هو منصوص عنه في نظام النقد الأساسي القائم حالياً. فهذا النظام لم يحل دون ممارسة مصرف سورية المركزي في عهد حاكمه الأول المرحوم الدكتور عزت الطرابلسي دوراً فعالاً ومؤثراً في رسم السياسة النقدية. ونجم هذا الدور عن شخصية الدكتور عزت الطرابلسي وعن خبرته وعن قدرته على الإقناع. كما مارس مصرف سورية المركزي دوراً فعالاً ومؤثراً في عهد حاكميه المرحوم الدكتور عدنان الفرا ما بين 1963 و1970 حين غادرنا في هذا العام الأخير إلى جوار ربه. ولقد عملت تحت قيادته وعن كثب. إذ قاد مصرف سورية المركزي في فترة اتصفت بعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي. ومع ذلك نجح في تطبيق سياسة مصرف سورية المركزي ونجح في تحقيق استقرار في سعر صرف الليرة السورية في تلك الفترة العصيبة. وكان ذلك محصلاً ليس لاستقلالية مصرف سورية المركزي التي لم تكن موجودة وإنما لعلمه وخبرته وكفاءته وتواضعه وللرصيد الكبير من الاحترام والمحبة الذي تمتع به لدى المسؤولين ولدى مرؤوسيه. ولا أتذكر بأن أحداً من الوزراء
الذين تعاقبوا على وزارة الاقتصاد في تلك الفترة اعترض على اقتراحاته في حقل السياسة النقدية والمصرفية بل قاموا بدعم هذه الاقتراحات.

لقد أعطيت هذين المثالين عن قوة وتأثير مصرف سورية المركزي وضمن إطار نظام النقد الأساسي القائم في عهد حاكمين بارزين من حكامه. وأرجو بألا يفهم من اختياري هذين المثالين بأن بعض الحكام اللاحقين لم يكونوا فعالين.

إنني أقدم هذين المثالين لأثبت مقولة وهي أن قوة أو تأثير مصرف سورية المركزي لا تعتمد على استقلاليته عن الدولة وإنما على قدرة حكامه على التعاون مع وزارات الدولة وعلى حسهم السياسي وعلى علمهم وكفاءتهم وقدرتهم على إقناع الآخرين بوجهة نظرهم.

وأخيراً سأقدم بعض الأمثلة عن مصارف مركزية قوية ومحترمة في العالم تكون فيها الكلمة الأخيرة في رسم السياسة النقدية للحكومة في حال اختلاف وجهات النظر بينها وبين المصرف المركزي. أول هذه المصارف هو مصرف إنكلترا. ويُعتبر أقدم مصرف مركزي في العالم من حيث أنه أول من طوّر مهام المصارف المركزية. إذ أنشئ عام 1694 بهدف تقديم قرض للحكومة مقابل منحه امتياز إصدار النقود. وخلال فترة طويلة فيما بعد كان يُجدّد امتيازه مقابل إقراضه الحكومة. وهكذا نجد بأن عملية استقراض الحكومة من المصرف المركزي قديمة قدم إنشاء أول مصرف مركزي في العالم.

ومن الأدلة على أن كلمة الحكومة هي التي كانت تسود بالنسبة لمصرف إنكلترا وحين وجود اختلاف بين وجهة نظره ووجهة نظر الحكومة ما ذكره أقوى حاكم لهذا المصرف وهو اللورد مونتاغو نورمان. ففي عام 1926 ـ وكان المصرف ما يزال ملكية خاصة ـ سئل اللورد نورمان عن علاقة مصرف إنكلترا بالحكومة فيما يتعلق بالسياسة النقدية فأجاب بأن لمصرف إنكلترا الحق في تقديم المشورة إلى الحكومة إلى درجة الإلحاح على تبني وجهة نظره ولكن الكلمة الأخيرة بطبيعة الحال هي للحكومة [ أنظر ريتشارد سايرز: المصارف المركزية بعد باجهوث، بالانكليزية مطبعة اكسفورد 1957 ص36 ].

وبعد تأميم مصرف إنكلترا عام 1946 تضمن القانون الأساسي للمصرف نصاً يفيد بأن لوزارة المالية الحق وبعد استشارة حاكم المصرف إصدار توجيهات للمصرف تراها في خدمة المصلحة العامة. كما تبنى المصرف المركزي في الهند وبعد تأميمه عام 1948 نصاً مماثلاً. وبعد تأميم المصرف المركزي في هولندا بعيد الحرب العالمية الثانية تضمن قانونه الأساسي نصاً أُعطي بموجبه وزير المالية الحق في إصدار توجيهات للمصرف المركزي بهدف التنسيق بين سياسة الحكومة المالية والنقدية وسياسة المصرف المركزي. ولكن أعطى المصرف الحق في استئناف توجيهات وزير المالية إذا اختلف معها برفعها إلى سدة العرش الهولندي حيث ستكون كلمته هي الأخيرة [ حول ذلك انظر دي كوك المصارف المركزية (بالإنكليزية) لندن 1954 ص11 و ص325 ].

وسأنتقل الآن إلى مناقشة ناحية أخرى متعلقة بمصرف سورية المركزي وهي ـ وكما ذكرت سابقاً ـ تتضمن موضوع وضع سقف محدد بصك قانوني على استقراض وزارة المالية الإنمائي والموضوع في التغطية من المصرف استناداً إلى المادة (35) الفقرة (5) من نظام النقد الأساسي القائم. وأرى من غير الحكمة وضع سقف كهذا. فكما أنه لا يوجد سقف محدد بصك قانوني على استقراض القطاع الخاص من المصارف المتخصصة فكذلك يجب أن يكون عليه الخال بالنسبة لاستقراض وزارة المالية استناداً للفقرة (5) من المادة (35) من نظام النقد الأساسي. إذ أن لاستقراض وزارة المالية من مصرف سورية المركزي الأثر نفسه لاستقراض القطاع الخاص من المصارف المتخصصة على الكتلة النقدية وعلى مجرى الإنفاق الوطني. أنا مدرك بطبيعة الحال بأن مصرف سورية المركزي يضع حدوداً لديه على تجهيز وحسم بعض عناصر المحفظة المالية للمصارف المتخصصة كما أنه قادر ـ إذا اقتضت الضرورة واستناداً إلى المادة (119) من نظام النقد الأساسي ـ على وضع سقوف كلية أو انتقائية على إقراض هذه المصارف للقطاع الخاص. ولكن هذه الحدود أو السقوف تنسيبية ولا تحتاج إلى صك قانوني لزيادتها. وأرى من الضروري وجود حدّ يتعين عند الضرورة لاستقراض الدولة والقطاعين العام والخاص من الجهاز المصرفي يتم تحديده استناداً إلى اعتبارات اقتصادية وليس استناداً إلى صك قانوني ستتجاوزه التطورات الاقتصادية. ويتمثل هذا الحد بألا يسمح المشرفون على رسم السياسة الاقتصادية بزيادة التسليف إلى الدولة والقطاعين العام والخاص بحيث يؤدي إلى تضخم غير مرغوب فيه أو عجز كبير في ميزان المدفوعات يصعب تمويله.

ومن أهم الأسباب العملية التي تدفعني إلى عدم تأييد وضع سقف محدد بصك قانوني على استقراض وزارة المالية من مصرف سورية المركزي استناداً إلى المادة (35) الفقرة (5) من نظام النقد الأساسي هو أن التجربة في سورية أثبتت بأن هذا السقف يتم تجاوزه نتيجة التطورات الاقتصادية اللاحقة ومن ثم يغطى هذا التجاوز بإصدار صكوك قانونية لاحقة أو سابقة تسمح بهذا التجاوز. وعلى سبيل الزيادة في التفصيل يمكن أن نذكر بأن السقف المحدد قانونياً عام 1953 في الفقرة (5) من المادة (35) من نظام النقد الأساسي بمبلغ ستين مليون ليرة سورية أصبح غير واقعي في ضوء التزايد الكبير في حجم الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية وفي ضوء زيادة حجم موازنة الدولة. لذلك تم تجاوز السقف المذكور، وتم بدءاً من أواخر 1959 إصدار العديد من الصكوك القانونية اللاحقة والسابقة للسماح بتجاوز السقوف المحددة قانونياً. ولم تكن تجربة سورية في هذا المجال استئثناءاً من التجارب العالمية بهذا الصدد. إذ ذكر الاقتصادي الإنكليزي الشهير جون ماينردكينز في المجلد الثاني من كتابه عن النقود [ طبعة 1960 بالإنكليزية الناشر مكميلان ـ لندن ص264 ] «بأنه في جميع الحالات المعروفة تقريباً حيث تعارضت قوانين إصدار النقود مع رغبات الحكومة كانت الأولى هي الضحية».

ثانياً ـ المصارف المتخصصة:

لعل الكثير من النقاش الذي دار مؤخراً حول هذه المصارف وحول ضرورة السماح بإنشاء مصارف خاصة استند إلى أن مصارف القطاع العام المتخصصة لا تقدم التمويل الكافي للقطاع الخاص وأنها لا تفتح اعتمادات للتمويل بالعملات الأجنبية استيرادات هذا القطاع، وأنها بالتالي غير كفؤة.

إن الأرقام لا تؤيد الادعاء بأنها لا تقدم تمويلاً كبيراً أو كافياً للقطاع الخاص. فمنذ نهاية 1990 وحتى نهاية 1999 ارتفع حجم تسليف هذه المصارف للقطاع الخاص من (13.2) مليار ليرة سورية إلى (61.3) مليار أي بزيادة سنوية وسطية تبلغ (40.1) بالمئة. وهي نسبة مرتفعة جداً. كما أن ودائع القطاع الخاص بالليرة السورية لدى المصرف التجاري السوري زادت خلال الفترة ذاتها من (22.6) مليار ليرة إلى (89.9) مليار، أي بنسبة تزايد سنوية وسطية قدرها حوالي (33) بالمئة.

فضلاً عن ذلك زادت ودائع التوفير والودائع لأجل لدى مصرف التسليف الشعبي من (5.7) مليار إلى (25.3) مليار خلال الفترة ذاتها أي بنسبة تزايد وسطية سنوية قدرها (38.2) بالمئة [ مصدر الأرقام المجموعة الإحصائية لعام 2000 ص484، 488، 489 ].

إن المصارف المتخصصة القادرة على تأمين هذا التوسع الكبير في التسليف إلى القطاع الخاص وعلى استقبال التزايد الكبير في ودائعه لا يمكن أن تكون على تلك الدرجة من عدم الكفاءة التي يدعيها البعض. أما الانتقاد الموجه إلى المصارف المتخصصة بأنها لا تفتح اعتمادات للتمويل بالعملات الأجنبية استيرادات القطاع الخاص فهو انتقاد غير منصف، إذ أن سياسة العملات الأجنبية المطبقة تمنع المصارف من ذلك. إذ تقضي هذه السياسة بأن يؤمن المستوردون في القطاع الخاص العملات الأجنبية أما عبر الحصول على تسهيلات ائتمانية من الخارج أو شراء القطع من المصدرين.

لعل العديد من الأصدقاء والزملاء الحاضرين هذه الندوة يعلمون بأنني من غير المؤيدين لإقامة مصارف خاصة وذلك للأسباب التالية:

1 ـ إن المصارف الخاصة ليست أكثر كفاءة بالضرورة من مصارف القطاع العام المتخصصة. لا ريب أن الأخيرة تعاني من بعض الصعوبات ولكنها لا تقارن بالأزمات المالية والافلاسات التي تعرضت لها مصارف أجنبية وعربية خاصة. فعلى الرغم من بعض الصعوبات التي عانت منها بعض مصارفنا المتخصصة إلا أنه لم يتعرض أحد منها للإفلاسات كما لم يتوقف مصرف واحد من مصارف الدولة عن تلبية طلبات المودعين لسحب ودائعهم منذ تأميم المصارف عام 1963 ومع الأخذ بعين الاعتبار حربي عام 1967 وعام 1973 فضلاً عن ذلك ساهمت مصارفنا المتخصصة في تمويل الفعاليات الاقتصادية وثانياً عملية التنمية ولم تكن تلك المصارف المضاربة والمغامرة لأنها لم تكن مدفوعة بتعظيم الربح الخاص. ويكفي في هذا المجال أن نشير إلى أنه خلال الثمانينات من القرن الفائت أفلست في الولايات المتحدة حوالي (12) ألف مؤسسة من مؤسسات الادخار والتسليف. كما أن اعرق مصرف بريطاني وهو مصرف بارينفز أفلس منذ عدة أعوام نتيجة مضاربات موظف مغمور لديه في سنغافورة. فضلاً عن ذلك كانت الأزمة الآسيوية لعامي 1997 و 1998 ناجمة لدرجة معتبرة عن قيام بعض المصارف الدولية الخاصة في المراكز والمقرضة والمصارف المحلية المستقرضة في عدد من البلدان الآسيوية باتباع سياسات تسليف غير رشيدة بل مغامرة. ولقد أفلس العديد من المصارف في كوريا الجنوبية وتايلند وأندونيسيا واليابان نتيجة ذلك. ولولا تقديم صندوق النقد الدولي قروضاً كبيرة لكل من كوريا الجنوبية وتايلند وأندونيسيا لتمكينها من تسديد ديونها إلى المصارف الدولية في المراكز لربما أفلس عدد من هذه المصارف الأخيرة. وأخيراً يمكن التذكير بالأزمة التركية الراهنة والتي أدت لإفلاس مصارف عديدة خاصة في تركيا وإلى انهيار عملتها.

2 ـ تشكل مصارف القطاع العام المتخصصة مركزاً استراتيجياً في اقتصاد القطر كما أنها تولد فائضاً اقتصادياً كبيراً ترفد فيه موازنة الدولة لاستعماله كلياً أو جزئياً في عملية التنمية. ولا يجوز أن يذهب جزء كبير منه إلى أصحاب المصارف الخاصة أو فروع المصارف العربية والأجنبية التي يدعو البعض إلى إنشائها. إذ سيؤدي ذلك إلى انخفاض كبير في الفائض الاقتصادي المصرفي الذي يرفد موازنة الدولة مما قد يؤثر سلبياً على عملية التنمية.

3 ـ سيؤدي إحداث مصارف خاصة وفروع لمصارف عربية وأجنبية ونتيجة الرواتب العالية نسبياً والتي ستدفعها وتمولها من الفائض الاقتصادي المصرفي (والذي يذهب حالياً بكامله إلى موازنة الدولة) إلى إضعاف مصارف الدولة وحرمانها من كفاءات مصرفية قليلة نسبياً تنتقل للعمل في المصارف الخاصة. وأرى بأنه لو دفع للعاملين في القطاع العام المصرفي (وضمن إطار إجراءات تنطبق على جميع العاملين في الدولة والقطاع العام) رواتب مجزية لحقق هذا القطاع على الأغلب درجة أعلى من الكفاءة من تلك المتوافرة حالياً.

وعلى كل لقد تم اتخاذ القرار من قبل السلطة السياسية العليا في البلاد بالسماح بإنشاء مصارف خاصة وفروع لمصارف عربية وأجنبية. لذلك أرى من الضروري إخضاعها لمراقبة مصرف سورية المركزي والتأكد من التزامها بالنصوص المنظمة لفعالياتها ولأحكام الباب الرابع من نظام النقد الأساسي. كما يتعين عند السماح بإقامة فروع لمصارف عربية وأجنبية التأكد من رشادة المصرف الأم ومن أن سجله في الماضي لم يتضمن أية انحرافات عن القوانين والأعراف المصرفية. كما يجب ألا يسمح للمصارف الخاصة بالمضاربة في الأسواق المالية والنقدية لأن هذه المضاربة شكلت وتشكل أحد أهم أسباب إفلاسها.

ثالثاُ ـ السوق المالية:

إن الداعين لإحداث سوق مالية يقصدون إنشاء بورصة مالية يتم فيها طرح سندات أو اسهم الشركات المساهمة على الجمهور ويتم فيها تداول هذه السندات أو الأسهم. إن القضية الاقتصادية الأساسية لإقامة هذه السوق هي أنها تمكّن الشركات الطارحة لأسهمها من التوسع والمساهمة في عملية التنمية عبر تجهيز جزء من الادخارات الحقيقية للجمهور وتالياً تفادي الاقتراض من الجهاز المصرفي الذي سيؤدي إلى زيادة الكتلة النقدية. إذ أن هناك حداً لتمويل التنمية عبر تزايد الاستقراض من الجهاز المصرفي لا يمكن تجاوزه دون أن يؤدي هذا التجاوز إلى تضخم غير مرغوب أو ضغوط كبيرة على ميزان المدفوعات. أما الاستقراض المباشر من الجمهور عبر السوق المالية فلن يؤدي إلى زيادة الكتلة النقدية وإنما إلى إعادة توزيعها.

أنا لا أرى مانعاً من إحداث سوق مالية (علماً بأنها ستكون محدودة وضعيفة) وذلك بشرطين أساسيين الأول عدم السماح للجهاز المصرفي بتمويلها إما مباشرة عبر شراء الأسهم من البورصة أو بصورة غير مباشرة عبر تقديم قروض لشراء الأسهم. فتمويل الجهاز المصرفي للسوق المالية سيؤدي إلى زيادة الكتلة النقدية وسيؤدي تالياً إلى انهيار قضية إنشاء هذه السوق من أساسها فضلاً عن ذلك يتضمن تمويل الجهاز المصرفي للسوق المالية المحاذير التالية:

أ ـ يعرض هذا التمويل المصارف للإتهام بأنها متحيزة لمنشأة معينة عندما تتدخل لشراء أسهمها ودعم أسعارها ومنحازة ضد منشأة أخرى عندما تمتنع عن القيام بذلك أو عندما تبيع أسهمها.

ب ـ قد يؤدي التمويل المصرفي للسوق المالية إلى تفاقم أية أزمة تتعرض لها، وتالياً قد يؤدي إلى تفاقم انهيار أسعار الأسهم. فمثلاً إذا كان لدى امرئ مجموعة من الأسهم قد موّل شراءها من ادخاراته فلن يكون مضطراً لبيعها عند ظهور بادرة انخفاض أسعارها، بل قد يحتفظ بها منتظراً ارتفاع أسعارها. أما إذا موّل شراءه للأسهم عبر الاستقراض من المصارف فإنه سيضطر إلى بيع ما في حوزته وذلك لتسديد دينه تجاه المصارف. وستفاقم عملية البيع هذه من انهيار أسعار الأسهم.

أما الشرط الثاني لإنشاء سوق مالية فهو عدم السماح للأجانب بالاستثمار المالي فيها. وأرى بأن الأجانب لن يقبلوا على شراء الأسهم الوطنية المطروحة في السوق في حال قيامها لأن شراءهم مشروط بقدرتهم على بيعها في أية لحظة وتحويل قيمتها في أية لحظة إلى عملات أجنبية. وهذا الشرط غير متوافر لأن القطر العربي السوري لا يسمح حالياً وبحق بحرية تمويل الجهاز المصرفي لنزوح الرساميل إلا تلك المتمثلة في تسديد أقساط قروض سابقة أو أقساط تصفية استثمارات حقيقية سابقة أجنبية أو عربية غير سورية. ولكن ما يمكن أن يخشاه المرء هو أن احداث سوق مالية محلية سيولد ضغوطاً داخلية وخارجية في اتجاه تحرير كامل لحركة الرساميل المالية سواءً أكانت عربية أو أجنبية وهذه ستكون خطوة مضرة جداً في اتجاه اندماج سورية في نظام العولمة المالية. فأزمات هذا النظام كثيرة ومعروفة وكان آخرها حتى الوقت الراهن الأزمة التركية.

رابعاً ـ في بعض نواحي سياسة العملات الأجنبية:

أرى من الضروري أن تتمركز موجودات سورية من العملات الأجنبية لدى مصرف سورية المركزي لأنه مسؤول عن إدارة موجودات البلاد من العملات الأجنبية. كما يمكن للمصرف التجاري السوري الاحتفاظ بأرصدة من هذه العملات وذلك لتحقيق الأهداف التالية:

1 ـ زيادة إمكانيات الدولة وتالياً مصرفها المركزي في دعم سعر صرف الليرة.

2 ـ وضع موجودات البلاد من العملات الأجنبية تحت تصرف الدولة لاستعمالها حسب الأولويات الاجتماعية والأمنية والاقتصادية.

3 ـ دعم إمكانات الدولة أو مصرفها التجاري في بيع المستوردين في القطاع الخاص حاجاتهم من العملات الأجنبية لتمويل استيراداتهم. فالسياسة المتبعة حالياً هي الطلب من هؤلاء المستوردين تمويل استيراداتهم عبر شراء العملات الأجنبية من المصدرين أو عبر فتح تسهيلات ائتمانية في الخارج. فالطلب من هؤلاء المستوردين شراء العملات الأجنبية من المصدرين أدى إلى ظاهرة التصدير الوهمي كما أدى إلى ارتفاع سعر دولار التصدير وبنسبة معتبرة فوق سعر الدولار في الأسواق المجاورة أو في السوق السورية غير النظامية.

4 ـ الحيلولة دون الزحف البطيء لدورة الاقتصاد. وهذا الزحف يتمثل حالياً في أن للمصدرين ولبعض المنشآت السياحية الحق في الاحتفاظ بحسابات بالعملة الأجنبية لدى المصرف التجاري. وتجدر الإشارة هنا بأن الولايات المتحدة لا تسمح لمواطنيها أو للمقيمين أو غير المقيمين فيها بفتح حسابات في مصارفها إلا بعملتها وهذا شأن الكثير من الدول. لا نرى مانعاً من السماح ـ كما كان الحال في السابق ـ للمغتربين أو لغير المقيمين بفتح حسابات بالعملة الأجنبية. ولكن الاعتراض ينصب على تعميم هذا السماح ليشمل المواطنين السوريين المقيمين في القطر فالسعي البطيء لدولرة الاقتصاد يؤدي إلى إضعاف السياسة النقدية في التحكم بسعر صرف الليرة السورية كما يسهل عملية نزوح الرساميل. وتجدر الإشارة بأن واضعي نظام النقد الأساسي لحظوا النتائج الخطيرة الممكن أن تنجم عن دولرة الاقتصاد. لذلك نصت الفقرة (2) من المادة (15) على أنه للأوراق النقدية السورية «وحدها حق التداول القانوني وقوة ابرائية غير محدودة لتسديد كافة الديون العامة والخاصة».

ولكي يتم تحقيق تمركز العملات الأجنبية لدى مصرف سورية المركزي وجزئياً لدى المصرف التجاري بهدف تحقيق الأهداف المذكورة سابقاً يتعين:

أ ـ المحافظة على سعر رسمي واقعي لسعر صرف الليرة مساوياً للسعر السائد فعلياً في السوق أو في الأسواق المجاورة وتعديل هذا السعر ليظل مساوياً لسعر السوق أو رفع سعر الليرة في السوق إذا كانت احتياطيات البلاد من العملات الأجنبية تسمح بذلك. فتساوي السعر الرسمي مع سعر السوق هو الذي يؤمن بيع العملات الأجنبية للجهاز المصرفي بدلاً من بيعها في الأسواق غير النظامية.

ب ـ الطلب من المصدرين وأصحاب المنشآت السياحية وكل الجهات الأخرى التي تحتفظ بحسابات بالعملات الأجنبية بيع موجوداتهم بالعملات الأجنبية للمصرف المركزي أو للمصرف التجاري بأسعار السوق الفعلية كما يتعين بيع حصيلة صادرات القطر المنظورة وغير المنظورة إلى الجهاز المصرفي بأسعار السوق الفعلية. وبالمقابل يتعين على الجهاز المصرفي بيع العملات الأجنبية لتمويل الاستيراد من سلع وخدمات وتسديد أقساط قروض سابقة بأسعار السوق الفعلية كما يتعين عدم السماح للجهاز المصرفي بيع العملات الأجنبية لتمويل نزوح في الرساميل.

وأرى بأن تطبيق سعر صرف فعلي لليرة السورية مساوياً لسعر السوق سواءاً من حيث شراء الجهاز المصرفي للعملات الأجنبية أو بيعه لهذه العملات يزيل المبرر لاحتفاظ المصدرين أو جهات أخرى بحسابات بالعملة الأجنبية.

وأخيراً يجدر التأكيد ـ وكما سبق ذكره في مقدمة هذه المحاضرة ـ بأن النجاح في تحقيق استقرار في سعر صرف الليرة يعتمد لدرجة كبيرة على وجود درجة عالية من التوازن الاقتصادي الداخلي والخارجي في القطر العربي السوري.

الدكتور محمد الأطرش

19/3/2001

 



(*) مفكر اقتصادي عربي ووزير اقتصاد سابق.