التعددية الاقتصادية:

اتجاهات المستقبل

د. فؤاد السيد

تمهيـد:

احتدم الخلاف لزمن طويل بين أنصار ( دور الدولة ) في النشاط الاقتصادي وبين أنصار " اقتصاد السوق" ويمكن القول بأن أبرز ما تميز به القرن العشرون هو ذلك الصراع الكوني بين النظريتين؛ حيث كان الاتحاد السوفييتي (سابقاً) يتبنى ويتزعم ويقود أنصار المدرسة الأولى،  وذلك استناداً إلى دور مركزي للدولة لا تحده حدود في ملكية الاقتصاد أدارته على كافة الصعد والوظائف في التخطيط والتنفيذ والإشراف والتوجيه والرقابة وبتجاهل كبير لحقائق السوق وقوانينه ومتطلباته وتفاعله مع المجتمع وقد أدت المغالاة في هذا الاتجاه إلى نتائج كارثية ، إذ أن الاخفاق الاقتصادي كان هو السر الكبير لتداعي هذا النظام وانهياره الدراماتيكي.

 وعلى الجانب الآخر ، حيث تتصدر الولايات المتحدة الأمريكية دون منازع زعامة دول الاقتصاد الحر استناداً إلى مبادئ الحرية الاقتصادية والى انحسار دور الدولة بل تخليها عن دورها الاقتصادي لصالح الفعاليات الخاصة شركات وأفراداً .وعلى الرغم من كل النجاحات والنتائج الباهرة التي حققها أبناء هذه المدرسة إلا أن ذلك لم يحل دون حدوث الأزمات المتتالية التي تتعرض لها اقتصاداتها ولم يحل كذلك دون التحديات والمشاكل المزمنة التي تعاني منها شعوبها ؛ كما أن الشواهد تثبت عدم واقعية هذه المدرسة في تخلي الدولة عن دورها الاقتصادي فلم تزل الحكومات في دول الاقتصاد الحر هي التي ترسم السياسات الاقتصادية وتقوم بالدور الأساسي في الإنفاق الاجتماعي والخدمي والبحث العلمي وتملك أو تشارك في بعض الصناعات الاستراتيجية إضافة إلى دورها في الإشراف والرقابة .. وتفرض العقوبات الاقتصادية على التي الدول تتعارض مع إرادتها أليست مثلاً إجراءات الحصار والحظر التي تفرضه على هذه الدولة أو تلك هو تعطيل لقوانين الحرية الاقتصادية و حرية انتقال السلع ورؤوس الأموال.

من ذلك فإن الخلاف النظري الذي ينهض من جانب ، على أساس أن دور الدولة الاقتصادي هو حتماً دور متعارض مع قوانين السوق .ومن الجانب الآخر على أساس أن السوق يقتضي بالضرورة غياب دور الدولة هو مقولة خاطئة .

        فهي أولاً تفتقر إلى مرجعية فلسفية و تتجاهل حقيقة أن القوانين الأساسية لاقتصاد السوق وعلى رأسها قانون العرض والطلب هي قوانين طبيعية نجمت عن انتظام البشر وتوافقهم في مجتمعات تتبادل فيما بينها المنافع والحاجات وفق أعراف وتقاليد ورغبات تناسبها في الزمان والمكان ..

وهي ليست قوانين وضعية ابتكرتها الرأسمالية لتحتكرها احتكار المالك لملكه ، وإن كانت قد أحسنت في كثير من الحالات استخدامها وتطويرها واستثمارها إلى الحد الأقصى ..

وهي مقولة خاطئة ، ثانياً، لأنها تتجاهل الوقائع التاريخية المثبتة ، حيث كانت الدولة منذ أول نشوء لها ،وقبل ظهور علم الاقتصاد والاقتصاديين وقبل الاشتراكية ، راعية للمجتمعات التي تنضوي تحت ولايتها ،وكان من أول ما تلتزم به تجاه رعاياها تحقيق الأمن والاستقرار والوفاء بالحاجات وتوفير أسباب المعيشة وتنظيم توزيعها وإحقاق العدل ؛ هذا في حالة السلم . وأما في حالة الحرب فلم تكن تتوانى عن حشد وتعبئة كل ما تتطلبه مستلزمات الحرب من موارد بشرية أو مادية .

إنَّ دور الدولة هذا ، وإن تطور في الدولة الحديثة وتغيرت نظمه وأدواته ، هو ضرورة اقتصادية واجتماعية وسياسية وشرط لتعزيز السيادة والأمن الوطني ..

إن هذه النتيجة لا تعني أبداً إطلاق يد الدولة في المجال الاقتصادي ، وأن يبقى دورها مهيمناً في كافة الأنشطة ، جامداً في أساليبه وأدواته ، مغرماً  بالتدخل في كل صغيرة وكبيرة .. لكي لا يكون عبءاً على التنمية وعائقاً من عوائقها ..

إن الدور المنشود هو الذي تحدده شروط التطور الأمثل اقتصادياً واجتماعياً وفي ضوء الظروف والتحديات والمستجدات الطارئة في كل مرحلة من مراحل التطور.

 

 

 

نهج التعددية الاقتصادية:

منذ مطلع الحركة التصحيحية عام 1970 برز التوجه نحو إرساء أسس التعددية الاقتصادية والتي تهدف إلى جانب الدور القيادي للقطاع العام في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية إلى إفساح المجال أمام القطاع الخاص ليؤدي دوره في بناء الاقتصاد الوطني؛ فلقد ورد في رسالة الرئيس الخالد حافظ الأسد إلى مجلس الشعب بتاريخ 22/2/1971 ما يلي:

" لما كان بناء الوطن مهمة وطنية تقع على عاتق المواطنين كافة وتستوعب جهودهم وخبراتهم وإمكاناتهم جميعاً فإن الدولة تشجع المبادرة الفردية في القطاع الخاص وتوفر لهذا القطاع مجال العمل البناء لما فيه خدمة الفرد والمجتمع.

وعلى هذا فإن الباب مفتوح أمام إمكانات كل فرد من أبناء القطر العربي السوري والوطن العربي مغتربين ومقيمين ضمن خطة الدولة وتوجيهاتها للمساهمة في الجهد العام لبناء بلادنا سواء كانت مساهمتهم خبرة أم كفاءة أم مالاً يستثمر في المشروعات المخصصة للقطاع الخاص".

كما ورد في رسالته الموجهة إلى مجلس الشعب بتاريخ 8/3/1978 ما يلي:

" تنشيط القطاع الخاص والعمل على إزالة العوائق التي حالت في المرحلة الماضية دون أن يلعب القطاع الخاص كامل الدور الذي خطط له في مختلف القطاعات الاقتصادية وإيجاد الأساليب المختلفة التي تكفل قيام هذا القطاع بالمسؤوليات المسندة إليه وضمان الأموال الخاصة المستثمرة في بناء الاقتصاد والوطني وحمايتها من جميع المخاطر وضمان ربحية مقبولة له.

- إقامة قطاع مشترك بين القطاعين العام والخاص وإيجاد الصيغ والأساليب والمشجعات الكفيلة بزيادة حجم الأموال الخاصة المستثمرة في القطاعات الاقتصادية المختلفة".

وبمناسبة افتتاح مجلس الشعب بتاريخ 27/2/1986 ورد ما يلي:

" إنني لا أضع خطاً اقتصادياً جديداً ولا تنظيماً اقتصادياً جديداً لأن القطاعات الاقتصادية هي نفسها، فالقطاع العام هو نفسه بمسؤولياته الأساسية القيادية في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتوفير حاجة الجماهير ومقتضيات الدفاع.

والقطاع الخاص هو نفسه الذي يجب أن يمارس دوره الوطني في المساهمة في التنمية الاقتصادية وتحقيق الاكتفاء الذاتي؛ والقطاع المشترك هو نفسه الذي يؤدي دوراً وطنياً في أكثر من مجال من مجالات التنمية ، ونأمل أن يتصاعد دوره، وقد عملنا وسوف نعمل على تشجيع وتنمية قطاعاتنا الاقتصادية الثلاثة بحيث تعمل مجتمعة على نمو هذا الوطن وازدهاره".

وبمناسبة انتهاء الدور التشريعي الرابع في 28/2/1990 جاء في كلمته خلال تكريمه لأعضاء مجلس الشعب ما يلي:

" لا شك أن لنا وجهة نظر نهائية وثابتة حول اللوحة الاقتصادية.. وقد اخترنا التعددية الاقتصادية ولسنا في نهاية الطريق. وفي كل مرحلة من الحركة قد تكون هناك صيغ مناسبة أو صيغ أكثر مناسبة ولدينا الآن قطاعات اقتصادية ثلاثة القطاع العام القطاع الخاص القطاع المشترك.

.. إننا نشجع القطاعات الثلاثة وهناك حاجة ملحة لأن نزج بكل طاقات أبناء هذا البلد في خدمة وتطوير هذا البلد".

وفي كلمته بمناسبة افتتاح الدور التشريعي الخامس لمجلس الشعب في 11/5/1990 جاء ما يلي:

" لقد أكدت التعددية الاقتصادية التي التزمنا بها مع بداية السبعينات أنها صيغة ناجحة للعمل الاقتصادي وعندما تبنينا هذه الصيغة كانت لدينا القناعة بنجا عتها ذلك أنها تفتح الباب أمام رغبات المواطنين المختلفة ويستطيع كل مواطن يمارس عملاً اقتصادياً أن يمارسه بالطريقة التي يراها مناسبة في ظل تعدد الأنماط الاقتصادية وهذا يمكن البلاد من كسب جهود جميع المواطنين العاملين في المجال الاقتصادي ولذلك وانطلاقاً من المصلحة الوطنية فإننا سنتابع طريقنا على أساس التعددية الاقتصادية بقطاعاتها الثلاثة العام والخاص والمشترك وسنشجع النمو في القطاعات الثلاثة وبلادنا بحاجة إلى ذلك".

إن القراءة المتأنية لما تضمنته هذه المقتطفات من كلمات الرئيس الراحل حول التعددية الاقتصادية في مناسبات متعددة وعلى فترات زمنية متتالية لا بد من أن تؤدي إلى استخلاص نتائج بالغة الأهمية منها:

1-               أن التعددية الاقتصادية هي النهج الاستراتيجي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في سورية ، وهي الأساس الثابت لبناء الوطن بما يضمن وحدته وسيادته ويضمن أمنه واستقراره .

2-                إن التعددية الاقتصادية تقوم على ركائز ثلاثة :
- القطاع العام وهو صاحب الدور القيادي في عملية التنمية باعتبار" أن تحقيق التنمية

  الاقتصادية مسؤولية تقع على عاتق الدولة" ويترتب على القطاع العــام أن ينهض

        " بمسؤولياته الأساسية القيادية في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، وتوفير حاجة

          الجماهير ومقتضيات الدفاع ".

-         القطاع الخاص باعتباره شريكاً أساسياً في عملية التنمية لأن " بناء الوطن مهمة

       وطنية تقع على المواطنين كافة وتستوعب جهودهم وخبراتهم وإمكاناتهم جميعاً ".

-         القطاع المشترك هو أسلوب للتعامل بين القطاع العام والقطاع الخاص في المجالات التي يكون فيها هذا التعاون هو الصيغة المناسبة أو الأنسب لتحقيق أهداف محددة أو ممارسة أنشطة " في أكثر من مجال من مجالات التنمية " .

3-               إن المجال متاح ، و " الباب مفتوح أمام إمكانات كل فرد من أبناء القطر العربي السوري ، والوطن العربي مقيمين ومغتربين ضمن خطة الدولة وتوجيهاتها للمساهمة في الجهد العام لبناء الوطن ".

4-               في إطار التعددية الاقتصادية يجب ألا تكون هناك مفاهيم جامدة أو صيغ نهائية لأننا :

" لسنا في نهاية الطريق ، وفي كل مرحلة من الحركة تكون هناك صيغ مناسبة ، أو صيغ

أكثر مناسباً ".

وبعد مضي ثلاثة عقود على نهج التعددية يجب التساؤل عما إذا كانت مسيرة التعددية قد نجحت في تجسيد مضامين وأهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية كما أريد لها ونجحت في تشجيع وتنمية القطاعات الاقتصادية الثلاثة بحيث تضافرت جهودها مجتمعة على تحقيق نمو الوطن وازدهاره و منعته.

إن الإجابة على هذا التساؤل تقتضي التمعن الدقيق بما أنجزه كل قطاع وما حمله من مهام وما أسهم به من نتائج في ضوء ما توفر له من شروط وإمكانات وما واجهه من صعاب ومن تحديات بغية تقويم وتتبع مسارات التطور النسبي للقطاعات الثلاثة لمعرفة مدى تغير أو ثبات حجومها النسبية في البنية الهيكلية للاقتصاد الوطني كما سيتضح مما يلي:

 

 

 

القطـــــــاع العــــــام :

 

كان على القطاع العام وهو يتصدى لمسؤولياته الجسيمة في إطار التعددية ومن خلال دوره القيادي في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية أن ينهض بمهامه ووظائفه في المجالات المختلفة.

 

وبناءً على خطط يتم إقرارها مركزياً وتتراوح بين خطط متوسطة الأجل (5 سنوات) أو قصيرة الأجل (سنة) ، تحدد فيها الأهداف والوسائل وترصد لها الإمكانات والموارد ومن ثم تترجم إلى برامج تنفيذية تتعهدها الإدارات والجهات المعنية والتي تعمل جميعاً وفق أنظمة وقوانين وتعليمات مركزية صارمة تفتقر في مجمل الحالات إلى المرونة الكافية يضاف إلى ذلك جهات عديدة للإشراف والرقابة أدت إلى إضعاف روح المبادرة وتغليب الشكل على الجوهر بصرف النظر عن النتائج وما انطوت عليه في حالات عديدة من هدر وضياع وتراجع .

 

في هذا الخضم، خاض القطاع العام تجربته وأدى دوره في عملية التنمية حيث اختلفت الأهمية النسبية لهذا الدور بالمقارنة مع الأهمية النسبية لدور القطاع الخاص تبعاً لنوع النشاط الاقتصادي .

 

واستناداً إلى أرقام الجدول المتعلق بالناتج المحلي الإجمالي للفترة المحددة بين عام 1970 وعام 1999 وبالأسعار الثابتة لعام 1995 يمكن ملاحظة ما يلي:

 

 

الناتج المحلي الإجمالي

 1970- 1985 - 1999

( بالأسعار الثابتة لعام 1995 ، بملايين الليرات السورية )

 

1999

1985

1970

بعض أقسام النشاط الاقتصادي

مجموع

خاص

عام

مجموع

خاص

عام

مجموع

خاص

عام

181509

176909

4600

112508

109323

3186

47803

41686

6117

الزراعة

122973

65208

57765

33639

18726

14913

13660

13056

604

الصناعة

39995

917

39078

8709

470

8239

3631

60

3571

الاستخراجية

72827

64291

8536

24417

18256

6161

9956

12996

-3040

التحويلية

10151

---

10151

513

---

513

73

----

73

الكهرباء والماء

26932

8979

17935

39884

12921

26963

6780

2610

4170

البناء والتشييد

139277

112910

26367

111320

51822

59498

37641

24136

13505

التجارة

86330

61069

25261

34940

24671

10269

13359

5853

7506

النقل والمواصلات

663688

455062

208626

419536

240625

178911

143106

97424

45682

الناتج المحلي الإجمالي

6%

0.1%

5.9%

2.1%

0.1%

2%

2.5%

0.04%

2.5%

نسبة مساهمة الصناعة الاستخراجية من الناتج المحلي الإجمالي %

27.3%

26.7%

0.7%

26.8%

26.1%

0.8%

33.4%

29.1%

4.3%

نسبة مساهمة الزراعة من الناتج المحلي الإجمالي %

 

1- ضآلة أهمية القطاع العام في مجال الزراعة بالنسبة إلى أهمية القطاع الخاص ، حيث بلغت مساهمة القطاع في عام 1970 نسبة 4.3% ونسبة القطاع الخاص 29.1% تدنت هذه النسبة عام 1999 إلى 0.7% قطاع عام و 26.7% قطاع خاص.

 

2- هيمنة القطاع العام في مجال الصناعة الاستخراجية حيث بلغت مساهمته عام 1970 نسبة 2.5% بالمقارنة مع القطاع الخاص 0.04% ووصلت عام 1999 إلى 5.9% قطاع عام و 0.1% قطاع خاص.

 

3- تطورت مساهمة القطاع العام في مجال الصناعة التحويلية من (3040 مليون ل .س)  عام 1970 إلى ( 4249 مليون ل.س ) عام 1980 وانخفضت إلى (1141 مليون ل.س) عام 1990 ومن ثم لترتفع إلى (8536 مليون ل.س) عام 1999.

بينما تطورت مساهمة القطاع الخاص في هذا المجال من (12996 مليون ل.س) عام 1970 إلى (22071 مليون ل.س ) عام 1980 ولتنخفض إلى (15690 مليون ل.س ) عام 1990 وترتفع إلى (64291 مليون ل.س ) عام 1999؛ وبما يشير إلى أرجحية القطاع الخاص في هذا المجال مع تزايد أهميته النسبية بالمقارنة مع القطاع العام .

 

4-الهيمنة المطلقة للقطاع العام في مجال الكهرباء والماء .

 

5-تفاوت مساهمة كل من القطاع العام والخاص في مجال البناء والتشييد من عام لآخر خلال الفترة المذكورة مع استمرار أرجحية الأهمية النسبية للقطاع العام بالمقارنة مع القطاع الخاص.

 

6-أرجحية الأهمية النسبية للقطاع الخاص في مجال التجارة خلال عقد السبعينات واستمرار هذه الأهمية مع التفاوت خلال عقد الثمانينيات ومن ثم إلى تراجعها لصالح القطاع العام في عام 1999(الأمر الذي يشير إلى تأزم حالة الركود في الوسط التجاري ) .

 

 

7-هيمنة القطاع الخاص في مجال النقل والمواصلات .

 

-         وإذا نظرنا إلى مجمل تكوين رأس المال الثابت حسب الملكية كما ورد في الجدول التالي:

 

 

 

 

 

 

 

مجمل تكوين رأس المال الثابت حسب الملكية وأرقامه القياسية

1970-1975-1980-1985-1990 -1995-1996-1997-1998

( بالأسعار الجارية ، بملايين الليرات السورية )

 

السنوات

البيان

1998

1997

1996

1995

1990

1985