![]() |
الجوانب الاجتماعية للإصلاح الاقتصادي
د.
منير الحمش
تتضمن
هذه الورقة، عرضاً لمسألة الإصلاح الاقتصادي في بعدها الاجتماعي. وسأحاول
فيها أن أُجيب في سياق البحث على بعض الأسئلة المثارة حول الموضوع،
خاصة، منها المتعلقة بالأمور التالية:
أولاً: لماذا الإصلاح
الاقتصادي؟ إلى ماذا يهدف وما هي منطلقاته؟ وما هي القوى الاجتماعية
التي يخدم الإصلاح الاقتصادي أهدافها؟
ثانياً: ما هي البرامج
المتاحة للإصلاح الاقتصادي، وأية خلفية نظرية (فكرية) تحكم هذه البرامج؟
ثالثاً: لماذا التأكيد على دور الدولة
في الشأن الاقتصادي؟ وما علاقة الجوانب الاجتماعية بالإصلاح الاقتصادي؟
ولما كنا نتحدث حول هذا الموضوع من خلال ظروف
محلية وإقليمية وعالمية معينة. لذا فإن الإجابة على تلك الأسئلة سوف
تأتي في الإطار التالي:
1- المتغيرات في الساحة
العالمية وإثر ذلك في السياسات الاقتصادية.
2- طموح الإصلاح الاقتصادي
في الساحة المحلية. من حيث ضرورته وآفاقه والخلفية النظرية والسياسية
المؤثرة في توجهاته الاجتماعية. وما هي الخطوات التي تمت في هذا الإطار؟
3- التنمية المستقلة
في زمن (العولمة). هل لازالت صالحة لأن تتم من خلالها عملية الإصلاح؟
وبالطبع
فإن الإجابة على الأسئلة المثارة حول الموضوع، تستدعي وقتاً أطول،
من الزمن المخصص لهذه المحاضرة، لذا سأحاول الاختصار ما أمكن، تاركاً
للتعقيب والمداخلات والمناقشات إغناءها. وعلى أي حال ستكون الورقة
كاملة بين أيديكم.
وفي
البداية علينا أن نجيب على سؤال محوري، وهو تحت أية ظروف داخلية وإقليمية
وعالمية يعيش اقتصادنا السوري؟ وما هو الإصلاح الاقتصادي المنشود الذي
يستجيب لهذه الظروف؟
1- بعد انهيار الاتحاد
السوفياتي، وتفككه وفشل نظامه الاشتراكي، دخل العالم مرحلة جديدة.
فقد انتهت الحرب الباردة، وانتهى بدوره نظام القطبية الثنائية وبدأ
الترويج على نحو واسع لفكرة انتصار النظام الرأسمالي وعلى رأسه الولايات
المتحدة الأمريكية التي تقف على رأس هذا النظام (الأحادي الجانب) ومع
هذا التحول في النظام العالمي، برزت أيضاً مسائل الانتقال من النظام
الاشتراكي، والنظام الاقتصادي الموجه، إلى نظام حرية السوق في إطار
الترويج للعولمة وتصويرها على أنها قدر كاسح لا يمكن الوقوف في وجهه،
أو معارضته، وأن دول العالم أجمع مدعوة للالتحاق بهذا النظام، الذي
تحكمه قواعد ومبادئ الليبرالية الجديدة.
2- في منتصف التسعينات
من القرن الماضي، وفي خلال الأجواء الجديدة، تم إقرار إقامة منظمة
التجارة العالمية، لتستكمل بذلك منظمات العولمة وهي صندوق النقد الدولي
والبنك الدولي. لقد كان كل من الصندوق والبنك الدولي مسؤولين عن نظام
النقد العالمي وعن حركة رؤوس الأموال والاستثمار وضبط هذه الحركة،
وكانا قد فرضا على الدول النامية المدينة إحداث إصلاح اقتصادي معين،
كشرط من أجل الحصول على موافقتهما لمنح هذه الدول قروض جديدة، وقبلت
العديد من الدول النامية هذا الشرط بقبولها القيام بتنفيذ حزمة من
السياسات الاقتصادية والمالية المعروفة بسياسات «التثبيت الاقتصادي»
و«التكيف الهيكلي» تحت وطأة أزمتها الاقتصادية وبهدف الحصول على تسهيلات
اقتصادية ومالية تساعدها على تصحيح الخلل في هياكلها الاقتصادية.
وبإقامة «منظمة التجارة العالمية» بادرت،
العديد من الدول النامية، أيضاً، إلى الانضمام إلى هذه المنظمة، التي
تبشر بحرية المبادلات التجارية، تحت شعار أن «التجارة» هي محرك النمو.
3- في هذه الأجواء،
أسهمت وسائل الإعلام المختلفة، مع المنظمات العالمية، مع ضغوط الأزمة
الاقتصادية، في إشاعة ثقافة حرية السوق، والترويج للفكر الليبرالي
الاقتصادي الجديد، الذي يقدم آليات السوق كبديل عن التخطيط والتوجيه
المركزي الذي تتولاه الدولة، كما تمت الدعوة إلى ما يدعى (حكومة الحد
الأدنى) لإقصاء الدولة عن التدخل في الشأن الاقتصادي.
4- ارتبط التحول في
أغلب البلاد العربية، من الاقتصاد الموجه إلى اقتصاد السوق، بالدعوة
إلى الانضمام إلى تكتلات اقتصادية إقليمية، طابعها اقتصادي، ومضمونها
سياسي يهدف إلى دمج (إسرائيل) في المنطقة العربية، وتوليها قيادة هذه
المنطقة، ليس فقط اقتصادياً، بل سياسياً وعسكرياً أيضاً، وتجلت هذه
الدعوة، بمشروع الشرق الأوسط الجديد، والشراكة الأوروبية – المتوسطية. وهناك
قواسم مشتركة عديدة بين هذين المشروعين، أهمها انفتاح أسواق البلدان
المنضمة على بعضها البعض، وإعادة تقسيم العمل الدولي فيما بينها، بما
يؤدي إلى بقاء البلدان العربية مصدراً للقوة البشرية والمال والأسواق،
في حين تتنامى قدرة إسرائيل باعتبارها المركز المهيمن في إطار كلا
المشروعين اللذين يشترطان: السلام بمضمونه الإسرائيلي – الأمريكي واقتصاد
حرية السوق.
5- كانت دول عربية عديدة،
منذ السبعينات من القرن الماضي، تعاني من أزمات اقتصادية عميقة، بسبب
فشل برامج التنمية فيها، وبعد الطفرة النفطية، وارتفاع عائدات النفط
لدى الدول المنتجة، وبعد حرب عام 1973، تدفقت مساعدات ومعونات إلى
الدول العربية، لكن ولأسباب عديدة، لم تستطع هذه الدول (النفطية والمتلقية
للمساعدات) من استخدام الأموال على الوجه الذي يؤدي إلى تحقيق تنمية
فعلية، مما أدى إلى تراكم المشكلات الاقتصادية، وتفاعلها مع غيرها
من المشكلات وانعكس ذلك على الأوضاع الاجتماعية وعلى مستويات المعيشة
وتجلى ذلك في زيادة معدلات البطالة واتساع دائرة الفقر، وتدني مستوى
التعليم.
6- مع مأزق التنمية
الذي دخلته الدول العربية، كان هناك مأزقاً آخر، هو مأزق العمل العربي
الاقتصادي المشترك. فعلى الرغم من اتفاقات عديدة وقعت في إطار جامعة
الدول العربية كاتفاقية الوحدة الاقتصادية واتفاقية السوق العربية
المشتركة، وغيرها، وعلى الرغم من الاتفاقات الثنائية التي عقدتها الدول
العربية فيما بينها، فقد ظل العمل العربي المشترك دون المستوى المطلوب،
ودون هدف إمكانية قيام تكتل عربي اقتصادي يستطيع مواجهة التحديات الاقتصادية
العالمية، ويواجه التكتلات الاقتصادية الدولية ويكون قادراً على التعامل
مع النظام الاقتصادي العالمي الجديد. وقد تعرض النظام الإقليمي العربي
لنكسات، أسهمت في ضعف أو جمود العلاقات الاقتصادية العربية البينية،
وكان من أهم هذه النكسات خروج مصر من النظام الإقليمي العربي باتفاقية
كامب ديفيد والمصالحة مع العدو الإسرائيلي، والشرخ الذي أحدثه العراق
عندما أعاد ضم الكويت إليه وما نجم عن ذلك من حرب مدمرة قادتها الولايات
المتحدة لإخراجه منها، ولم تزل آثارها الكارثية على العراق والعرب
تعمل على تفتيت العلاقات العربية البينية، وإنهاك العرب بخلافات لا
طائل منها سوى إبعادهم عن معالجة قضاياهم الأساسية في مواجهة العدو
الإسرائيلي وبناء قوتهم الاقتصادية والعسكرية واسترجاع مكانتهم بين
دول العالم.
7- اتبعت الدول العربية، كل على حدة، سياسات
اقتصادية، حكمتها عوامل عديدة مثل:
- الظروف السياسية المحلية
التي تتعلق بطبيعة النظام السياسي والاقتصادي في البلد المعني.
- مدى قدرة البلد المعني
على انتهاج سياسة اقتصادية مستقلة.
- الخلفية الفكرية والنظرية
التي يعتمدها النظام.
- النظرة القطرية الضيقة
أو القومية الأكثر شمولية التي تتحكم بالقرار الاقتصادي والسياسي.
- مدى الالتزام بالإطار
العام الذي يتحكم في العلاقات الاقتصادية الدولية.
- مديونية البلد تجاه
العالم الخارجي، ومدى اضطرار البلد المعني إلى الرضوخ لشروط المؤسسات
المالية الدولية.
والجدير بالذكر، إن نفس هذه العوامل، قادت
أغلب الدول العربية، إلى الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، وإلى
الشراكة الأوروبية – المتوسطية.
كما ارتبط مدى الاندفاع نحو لبرلة الاقتصاد،
والانفتاح، وانتهاج سياسة حرية السوق، إلى حد بعيد، بالسياسات الموالية
للولايات المتحدة خصوصاً والغرب عموماً، وكذلك بالسياسات التي تميل
على نحو أوضح للتطبيع مع العدو الصهيوني.
وهكذا فقد اتبعت كل من مصر والأردن والمغرب
وتونس والجزائر واليمن وغيرها سياسة «التثبيت الاقتصادي» و«التكيف
الهيكلي» جنباً إلى جنب سياسات قد تكون «إسرائيل» مشارك على نحو ما
فيها، كما أقامت العديد من الدول العربية علاقات سياسية واقتصادية
مع إسرائيل، تراوحت بين العلنية والسرية، والتصريح والكتمان والاندفاع
والتراجع، حسب الأجواء السياسية التي تحكم ما يدعى بـ «عملية السلام».
8- بدأ في سورية الحديث
عن (الإصلاح الاقتصادي) في منتصف الثمانينات، ومرَّت عملية الإصلاح
بثلاثة مراحل:
المرحلة الأولى: بدأت في منتصف الثمانينات
من القرن الماضي، تحت عنوان(1) «تحرير التجارة وسياسات
الإصلاح الاقتصادي» وكانت التوجهات الأساسية لهذه السياسة:
1- تخفيف القيود على عمليات الاستيراد وتبسيط
إجراءاته وتوجهه ليكون عاملاً في خدمة العملية الإنتاجية.
2- إطلاق قوى التصدير
إلى أبعد الحدود.
3- تطوير السياسات المالية
والنقدية بما يتلاءم مع هذه الأهداف.
ومع هذه التوجهات في السياسة الاقتصادية،
كان هناك مجموعة من الإجراءات الهادفة إلى إعطاء دور أكبر للقطاع الخاص،
وخاصة في مجال الاستيراد، حيث أصبح بإمكانه الاستيراد بتسهيلات ائتمانية،
وسمح له بتأمين القطع الأجنبي اللازم من صادراته كما سمح للقطاع الخاص
بالاحتفاظ بنسبة كبيرة من عائداته التصديرية، واستيراد المواد المحصورة
بالقطاع العام، وأشرك ممثليه في اللجان الحكومية التي تبحث في القرارات
الاقتصادية، وكان أهم هذه اللجان لجنة ترشيد الاستيراد والتصدير والاستهلاك
برئاسة رئيس الوزراء، والتي سبق أن شكلت عام 1981، وكانت أهم القرارات
الاقتصادية تصدر عنها. بمشاركة ممثلي غرف التجارة والصناعة.
وكان لتوقف المعونات العربية، وانخفاض أسعار
النفط، أبلغ الأثر في الاقتصاد السوري، حيث أضعف ذلك من إمكاناته في
تأمين النقد الأجنبي، وتعثر استيراد احتياجات البلاد الأساسية، وكذلك
احتياجات معامل القطاع العام من مستلزمات الإنتاج، في حين تم تسهيل
عودة القطاع الخاص إلى لعب دور أكبر في عمليات الاستيراد، دون تحويل
عملة، أو عن طريق التسهيلات الائنانية أو عن طريق عائدات التصدير،
مما أدى إلى إضعاف الرقابة على النقد، وفي هذه المرحلة انخفض سعر صرف
الليرة السورية إلى مستويات قياسية حيث وصل سعر صرف الدولار في الأسواق
المجاورة إلى ما يزيد عن 50 ل.س في نهاية عقد الثمانينات في حين أنه
كان في بداية العقد بحدود 430 ق.س للدولار الواحد وبدأ الاقتصاد السوري
يعاني من مشكلات حادة تمثلت في ارتفاع معدلات التضخم والبطالة. وعانى
قطاع واسع من المواطنين من أصحاب الدخل المحدود، من ارتفاع الأسعار،
الذي رافقه انخفاض في الأداء الاقتصادي والمزيد من الخلل في التوازنات
الاقتصادية، وانتشار الفساد، وتراجع في مستوى الخدمات التي تقدمها
الدولة إلى المواطنين.
المرحلة الثانية: وقد بدأت مع صدور
القانون 10 لعام 1991، الخاص بتشجيع الاستثمار، حيث منح هذا القانون
المزيد من التشجيع والتسهيلات والإعفاءات والمزايا للقطاع الخاص المحلي
والعربي والأجنبي. وجاء هذا القانون تتويجاً لمجموعة من الإجراءات
الأخرى المرتبطة بهذا الهدف، وقد صورت الأزمة الاقتصادية في النصف
الثاني من الثمانينات على أنها أزمة نقص في القطع الأجنبي، وعدم ثقة
أصحاب رأس المال بالنظام الاقتصادي، لذا فقد وجد الحل في تشجيع رأس
المال الوطني على الاستثمار، وإعادة الثقة إلى رأس المال العربي والأجنبي
وجذبه للاستثمار داخل البلاد،
وأُعطي الانطباع للقيادة السياسية بأن ذلك يتوقف على منح رأس المال
التسهيلات والإعفاءات والمزايا التي تجذبه إلى دخول البلاد والاستثمار
فيها.
ومنذ منتصف الثمانينات تم انتهاج سياسة ضغط
الإنفاق العام وتعظيم إيرادات الخزينة من الضرائب. وكان السبيل إلى
ذلك:
- إلغاء الدعم المقدم
للسلع الأساسية تدريجياً.
- تجميد الأجور تقريباً.
- تخفيض الإنفاق الاستثماري.
ووضع عقبات بيروقراطية. أمام تنفيذ المشروعات، والاستبدال والتجديد.
- تركيز الجهود في مجال
التحصيل الضريبي، وفرض أنواع جديدة من الضرائب والرسوم.
وأدت هذه السياسة الانكماشية في إعداد وتنفيذ
الموازنة العامة إلى:
- ارتفاع الأسعار.
- التأثير سلباً على أصحاب الدخل المحدود.
- الضغط على الطبقة المتوسطة. واتساع دائرة
الفقر، وزيادة معدل البطالة.
إلا أن هذه السياسة، من زاوية ثانية، أدت
إلى تخفيض عجز الموازنة وتخفيض معدلات التضخم.
المرحلة الثالثة: تحت ضغط الحياة المعيشية،
وما نجم عن السياسة المالية الانكماشية، اتسعت دائرة المعاناة، ووصلت
الأوضاع الاقتصادية إلى حافة الركود، ويمكن القول أن هذه المرحلة بدأت
في منتصف التسعينات من القرن الماضي. وظهرت بوادر تراجع عام في الأداء
الاقتصادي، وانخفض معدل النمو الاقتصادي حتى وصل في بعض السنين إلى
أرقام سلبية وبدأت الأصوات ترتفع بضرورة إجراء إصلاح اقتصادي، وطرحت
العديد من الآراء في هذا المجال، وكان هناك اتجاهات مختلفة، لكن من
خلال ما يجري في العالم، كان هناك اتجاهان رئيسيان:
الاتجاه الأول: يرى أن سورية بلد صغير،
لا يملك من الإمكانات الاقتصادية ما يجعله قادراً على الانزواء بعيداً
عن العالم، وأن هناك متغيرات على الساحة الدولية لابد من الانصياع
لها، لهذا فلابد لسورية أن تعيد النظر في سياستها الاقتصادية بالتخلي
عن السياسة التدخلية، وتحدث انفتاحاً حقيقياً في هذه السياسة تنطلق
من تحرير المبادلات التجارية، وفتح الأسواق المحلية أمام المنتجات
الأجنبية وجذب رؤوس الأموال العربية والأجنبية، وتخفيض مستوى تدخل
الدولة في الشؤون الاقتصادية الأمر الذي يستوجب إلغاء الدعم المقدم
للمواد الحياتية وترك آليات السوق تحدد الأسعار وتحدد تخصيص الموارد
وفقاً لمتطلبات العرض والطلب، هذا إلى جانب تخلي الدولة عن مؤسسات
القطاع العام وخصخصتها. والالتحاق بقطار العولمة والاندماج بالأسواق
المحلية قبل فوات الأوان.
وقد حكم هذا الاتجاه الفكر الاقتصادي الليبرالي
المتأثر بثقافة السوق والعولمة وبمصالح رأس المال. والتحق بهذا التيار
إلى جانب أصحاب المصالح، بعض البيروقراطيين وبعض الأكاديميين الذين
دأبوا على تغيير آرائهم وفق الظروف وبما ينم عن هشاشة معتقداتهم التي
طالما أقيمت على أسس واهية من المصالح الضيقة. ودعم هذا الاتجاه مجموعة
من الاقتصاديين السوريين الذين يعملون، أو سبق أن عملوا في المؤسسات
الدولية الأمريكية والغربية. الذين استقدمهم البعض، أو تبرعوا من تلقاء
نفسهم للترويج لثقافة حرية السوق.
ولم يكن هذا الاتجاه بعيداً عن وصايا وبرامج
صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
أما الاتجاه الثاني: فينطلق من المحافظة
على دور الدولة في التدخل بالشأن الاقتصادي، والقيام بإصلاح اقتصادي
يحافظ على استقلالية القرار الاقتصادي، ويعمل على الارتقاء بمستوى
معيشة الشعب، ويتمسك بالعدالة الاجتماعية على طريق التطوير والتحديث
وتوسيع المشاركة الشعبية، مما يعني التأكيد على تحقيق التنمية الاقتصادية
والاجتماعية، وإعادة الاعتبار إلى وظيفة التخطيط، مع السعي الجاد لزج
جميع الإمكانات والموارد المتاحة للقطاعين العام والخاص في عملية التنمية
ضمن التوجهات المقررة بالتعددية الاقتصادية.
وبالرغم من النصائح العديدة المقدمة إلى القيادة
السياسية من جهات داخلية وخارجية، فقد حسم الرئيس الراحل حافظ الأسد
النقاش حين ركز في كلمته التي وجهها إلى مجلس الشعب بمناسبة تأديته
القسم الدستوري لولاية دستورية خامسة في 11/3/1999. على النقطتين الهامتين
التاليتين:
1- الالتزام بالتنمية الشاملة، كمسؤولية وطنية
للدولة والمجتمع والتأكيد على التعددية الاقتصادية.
2- تحقيق التوازن في الاقتصاد الوطني عبر
العمل على زيادة الإنتاج، وتوسيع قاعدة التنمية والاستثمار.
وأوصى بالاهتمام بالقطاع العام، باعتباره
القاعدة الرئيسية للاقتصاد الوطني، وباعتباره عامل التوازن الاقتصادي
والاجتماعي.
كما أكد على الخيار الديمقراطي، وعلى الرقابة
والمحاسبة وعلى تطوير العمل في أجهزة الدولة ومؤسساتها.
وهذه التوجهات، تتضمن بالحقيقة برنامجاً اقتصادياً،
يصلح أساساً لبناء سياسة الإصلاح الاقتصادي المطلوبة، إلا أن ما جرى
على أرض الواقع، كان إمعاناً في السياسات والإجراءات الآيلة إلى تنفيذ
بعض توصيات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ودون الإعلان عن ذلك
ودون أن تكون الحكومة مضطرة إلى ذلك، إذ لم تكن الديون الخارجية قد
وصلت إلى الحد الخطر الذي يضطرنا للجوء إلى جدولة الديون وقد تمثلت
هذه السياسات والإجراءات في النقاط الرئيسة التالية:
1- المزيد من التسهيلات والإعفاءات الممنوحة
للقطاع الخاص، وقد أتت هذه التسهيلات تحت عنوان التعددية الاقتصادية.
ولكن للأسف لم يستفد من ذلك سوى فئة قليلة من القطاع الخاص، تلك الفئة
التي نشأت أساساً على هامش القطاع العام وقامت بنهبه باستمرار، مستفيدة
من علاقاتها مع بعض البيروقراطيين، لتحقيق منافع متبادلة، أضرت بالاقتصاد
الوطني، وأسهمت في سوء أحواله. ومما تجدر ملاحظته أن قطاعاً واسعاً
من المواطنين الذين عملوا في قطاع الصناعة التحويلية منذ القديم لم
يحظ أحد منهم بالحصول على مزايا القانون 10 لعام 1991، رغم أنهم أولى
من غيرهم بالحصول على تلك المزايا.
2- المزيد من الضغط على القطاع العام، لإظهاره
بمظهر الفاشل، لكي تجري عليه عملية الخصخصة في المستقبل، انطلاقاً
من عدم جدواه، وعدم قدرته على دعم الاقتصاد الوطني بعد أن يصبح عبئاً
عليه. فلم تخصص للشركات العامة، المبالغ الكافية من أجل التجديد والاستبدال،
وإذا ما تم تخصيصها تعمل الآلية البيروقراطية على إعاقة التنفيذ كما
أعيقت باستمرار عمليات إصلاح القطاع العام، ووقع تحت إشراف ورقابة
العديد من الجهات التي أربكت عمله بدلاً من أن تقدم له العون.
3- الإمعان في سياسة الانكماش المالي. وما
رافقها من انحسار في وظيفة الدولة الاجتماعية والاستثمارية، وإشاعة
فوضى الأسعار في الأسواق وما رافق ذلك من حالة ركود وتراجع في مستوى
الأداء الاقتصادي.
4- التوسع في (خصخصة) التجارة الخارجية، بإطلاق
الاستيراد للقطاع الخاص وتحجيم دور مؤسسات القطاع العام للتجارة الخارجية،
وجعله مقتصراً على قبض العمولات مقابل السماح للتجار بالاستيراد. واستيراد
بعض المواد المحدودة من حيث العدد والكمية. وأدى ذلك إلى رفع وزيادة
أسعار المواد المستوردة التي يستوردها أفراد محدودين من القطاع الخاص.
لقد أدت هذه السياسات والإجراءات إلى تفاقم
الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وإلى المزيد من الخلل في الإدارة وفروع
الاقتصاد وتراجع مستوى الأداء الحكومي، خاصة في ميدان الخدمات الاجتماعية،
والمشروعات الاستثمارية، وانعكس ذلك كله على أوضاع السوق وبرزت على
نحو صارخ تلك الهوة السحيقة بين الدخول والثروات، وتأثرت الطبقة الوسطى
إلى حد بعيد، مما أدى إلى انحسارها وتوسيع دائرة الفقر والبطالة وإشاعة
أجواء الفساد والإفساد.
وقد تعرض الرئيس بشار الأسد في خطاب القسم
الذي ألقاه أمام مجلس الشعب في 17/7/2000، للمسألة الاقتصادية والاجتماعية
وإلى ضرورة الإصلاح، كما تعرض لذلك في مقابلات صحفية مع بعض الصحف
العربية والأجنبية، كان من أهمها حديثه إلى جريدة دير شبيغل الذي نشرته
جريدة تشرين بتاريخ 9/7/2001، ومن ذلك نجد أن الخطوط الأساسية للإصلاح
الاقتصادي التي اعتمدها تقوم على النقاط التالية:
1- لازالت سورية دولة اشتراكية، لكن لها خصوصية
تختلف عن الدول الأخرى. واعتمد الرئيس بشار الأسد في هذا المجال مقولة
«الازدهار مع تحقيق العدالة الاجتماعية».
2- الاعتقاد بأهمية القطاع الخاص، والاهتمام
بالقطاع العام وعدم بيعه أو خصخصته.
3- التطوير والتحديث الذي يقوم على مبدأين:
- زيادة فرص العمل.
- تحسين مستوى المعيشة.
ومع ذلك فقد استمرت المناقشات والمجادلات
في أوساط الحكومة، من خلال اللجان العديدة التي شكلت لوضع برامج الإصلاح
في مختلف الميادين المالية والنقدية وفي القطاع الحكومي الاقتصادي
والإداري، ولم تستطع هذه اللجان أن تعكس في تقاريرها، احتياجات ومستلزمات
وأهداف المرحلة المتمثلة في تحقيق الإصلاح الاقتصادي المنشود، بسبب
تضارب اتجاهاتها وعدم التوافق في منطلقات عملية الإصلاح لدى أعضاء
هذه اللجان.
وما يمكن استخلاصه من هذه الأجواء، أن هناك
العديد من المفاهيم والمصطلحات لم يتفق عليها في أوساط أصحاب القرار
الاقتصادي، وأن هناك تشويشاً في النظرية الاقتصادية وعدم الإحاطة بمدلولاتها
على نحو سليم. كما لوحظ عدم وجود اتساق وترابط وفهم ما بين طموحات
وقناعات القيادة السياسية وأدوات التنفيذ الحكومية، التي يفترض أن
تحيل هذه الطموحات والقناعات إلى برامج عمل ومناهج تنفيذ. مما يعني
أن هناك حاجة ضرورية لدراسات ومناقشات حول نظرية التنمية والنظرية
الاقتصادية، بما يُمكن أصحاب القرار الاقتصادي والسياسي من اتخاذ القرار
المناسب فيما يتعلق بسياسات الإصلاح الاقتصادي في ظل مجموع هذه المتغيرات.
بين التنمية والنمو
الاقتصادي:
وهنا أجد من الضروري التعرض لمفهومي التنمية
والنمو الاقتصادي. فقد كان السائد حتى الستينات من القرن الماضي، أن
التنمية ليست سوى مرادفاً للنمو الاقتصادي السريع. وأن الدول النامية،
إذا أرادت تحقيق التنمية، فإن عليها أن تمر بنفس المراحل المتتابعة
التي مرَّت بها الدول الصناعية الرأسمالية في مسيرتها التاريخية من
حالة التخلف إلى التقدم والنمو. ولذا فقد كان التركيز على جانب النمو
الاقتصادي يُبرر بأنه الزيادة التي تتحقق في الإنتاج، حتى وإن كان
ذلك في قطاعات محدودة، ولم يستفد منها سوى قلة من السكان، وأن هذه
الزيادة لا تلبث منافعها أن تأخذ في الانتشار بعد فترة إلى قطاعات
أوسع من الناس. بحيث يتحقق القضاء على الفقر والجهل والبطالة وكذلك
على سوء توزيع الثروة والدخل، بتحقيق النمو الاقتصادي. ومن هذا المنطلق
يبرر تدهور حالة قطاعات واسعة من الناس في المراحل الأولى للنمو الاقتصادي،
انطلاقاً من الوعد بتحسن هذه الحالة في مراحل تالية.
إلا أن التجارب التي مرّت بها شعوب البلدان
النامية بعد نيلها الاستقلال السياسي، في الخمسينات والستينات، أبرزت
عدم صحة ذلك المفهوم الذي (يختزل) التنمية إلى مجرد النمو الاقتصادي
السريع. فقد حدد منظرو التنمية في منظمات الأمم المتحدة، نسبة نمو
6% كهدف يجب أن تسعى إليه الدول النامية من أجل تحقيق التنمية. وبالرغم
من تحقيق هذا الهدف في العديد من البلدان النامية في حينه، إلا أن
مستويات المعيشة لم تتحسن، ولم تضيق الفجوة بين الأغنياء والفقراء
بل زادت في البلدان التي حققت نسبة نمو مرتفعة. واستمر الناس يعانون
من الفقر والجهل والمرض والبطالة، كما لم يساعد النمو الاقتصادي على
تحسين وضع هذه البلدان في العلاقات الاقتصادية الدولية والنظام الاقتصادي
العالمي.
منذ أواخر الستينات، بدأ النظام الرأسمالي
العالمي يعاني من ظاهرة الركود التضخمي، وبرزت أيضاً ظاهرة الفائض
المالي الهائل الذي تحقق بالدرجة الأولى نتيجة عمليات نهب ثروات العالم
الثالث، حيث ضاقت الأسواق المالية الرأسمالية العالمية ومجالات الاستثمار
في الدول الرأسمالي عن استيعاب هذا الفائض، وعندها وجدت الدول الصناعية
الرأسمالية أن الحل هو في إطلاق سياسة تشجيع البلدان النامية على الاقتراض
والدول الغنية في محاولة نجحت في حينه إلى جانب بعض الإجراءات الأخرى
في تجاوز الدول الرأسمالية لأزمتها الاقتصادية والمالية مؤقتاً، لكن
نجم عن ذلك مشكلة القروض الخارجية التي أصبحت الدول النامية التي وقعت
في فخها أسيرة للمؤسسات المالية الدولية ولسياسات الدول الصناعية الرأسمالية
المتقدمة. مما أدى إلى بروز مأزق التنمية في هذه الدول. فبدلاً من
أن تحل القروض الخارجية مشكلة الفجوة بين الادخار المحلي والمتطلبات
المالية للاستثمار في مشروعات التنمية، فقد أدت إلى تفاقم الخلل في
الهياكل الاقتصادية وأرهقت موازنتها العامة وسببت في تزايد العجز في
الموازنة، والتضخم والتدني في مستويات المعيشة. فضلاً عما ترتب على
البلدان المقترضة من التزامات نتيجة خدمة الدين العام الخارجي (الأقساط
والفوائد). وإلى جانب هذا فقد أدت السياسات الاقتصادية التي رافقت
ذلك إلى إشاعة أجواء الفساد والإفساد وتفاقم المشكلات الاجتماعية.
إزاء ذلك، لم يكن أمام الدول النامية المدينة،
إلا اللجوء مجدداً للمؤسسات المالية للحصول على المزيد من القروض،
في وقت بدأت فيه أزمات الدول الرأسمالية الصناعية بالظهور مجدداً في
أواخر السبعينات من القرن الماضي، ومع عجز الكينزيون عن تقديم الحلول
الناجعة، اندفعت الليبرالية الاقتصادية الجديدة إلى إلقاء اللوم فيما
وصلت إليه الأمور على تدخل الدولة في الشأن الاقتصادي، وتبدى اندفاع
الليبرالية الاقتصادية الجديدة في نجاح تاتشر في انتخابات رئاسة الوزراء
البريطانية (1979) ونجاح ريغان في انتخابات الرئاسة الأمريكية (1980)،
حيث بدأ الحديث عن حرية السوق، وتفكيك الأسواق ذات الجذور الاجتماعية
العميقة، بهدف إيجاد نمطاً جديداً من الاقتصاد تتغير فيه جميع أسعار
السلع والبضائع، بما فيها أجور الأيدي العاملة، دون مراعاة لآثار هذا
التغيير على المجتمع. مما يعني تدمير الأسواق التي أقامتها الدولة
الكينزية (أو دولة الرفاه) والاستعاضة عنها بأسواق متحررة من الضوابط،
تعمل بصورة مستقلة عن الحاجات الاجتماعية.
وكان على الدول النامية المدينة، إذا ما أرادت
الحصول على قروض جديدة، أن تعمل على جدولة ديونها في نادي باريس، الذي
يطلب منها بدوره، أن تحصل على شهادة (حسن سلوك) من صندوق النقد الدولي
والبنك الدولي اللذين اشترطا تطبيق ما يدعى برامج التثبيت الاقتصادي
والتكيف الهيكلي كشرط مسبق للموافقة على إعادة جدولة الديون(2).
فما هي هذه البرامج؟
برامج التثبت الاقتصادي
والتكيف الهيكلي:
تستند برامج التثبيت الاقتصادي التي صممها
صندوق النقد الدولي على النظرية النيوكلاسيكية لميزان المدفوعات، انطلاقاً
من تحليل الصلة القائمة بين تراكم الديون ومشكلاتها، والتكيفات الضرورية
التي يتعين تنفيذها داخل الاقتصاد الوطني لتصحيح عدم التوازن في ميزان
المدفوعات، وذلك في الأجل القصير.
أما البنك الدولي فقد انطلق من النظرية النيوكلاسيكية
في تخصيص الموارد في تصميمه لبرامج التكيف الهيكلي مستخدماً آليات
السوق وعدم التدخل الحكومي لتبرير وجهة نظره في التكيفات المطلوبة
في مجال السياسات الكلية التي يتعين الأخذ بها لرفع كفاءة الموارد
وتخصيصها، فهو معني أساساً بمشكلات الأجل المتوسط والطويل. والترابط
واضح ومتين بين متطلبات كل من الصندوق والبنك الدوليين، فهما ينطلقان
من رؤية موحدة، فحواها أن مأزق المديونية الخارجية والركود الاقتصادي
الذي تواجهه البلدان النامية المدينة، إنما يعود في التحليل الأخير،
إلى أخطاء السياسات الاقتصادية الكلية الداخلية، وعليه فإنه للخروج
من هذا المأزق ومن حالة الركود يتعين على البلد المعني أن يقوم بإحداث
تغييرات في هذه السياسات حتى لو تم ذلك بتكلفة مرتفعة وعلى حساب الأهداف
الاجتماعية. ومما تجدر ملاحظته أن كل من الصندوق والبنك الدوليين يهملان
تماماً العوامل الخارجية، ويعتبراها غير موجودة أصلاً، ويشخصان المشكلة
على أنها مجرد أخطاء ارتكبتها البلدان المدينة ولهذا تنصب الوصفة المفروضة
من قبلهما على برامج الاستقرار والتكيف وعلى المسائل الداخلية فقط.
ويمكن تلخيص السياسات الاقتصادية والمالية
التي يفترض انتهاجها من خلال سياسة التثبيت الاقتصادي التي تفرضها
وصفة الصندوق الدولي، بأنها تتبنى وجهة نظر (النقوديون) التي ترى أن
الاختلال في ميزان المدفوعات، وما يترتب عليه من مديونية خارجية، إنما
يعكس الإفراط الداخلي في كل من الاستهلاك أو الاستثمار أو بكليهما.
مما يعني في التحليل الأخير أن هناك فائضاً في الطلب المحلي، وبالتالي
فإن برامج التثبيت تنطلق من السعي إلى خفض الطلب الكلي من خلال المحاور
التالية:
- المحور الأول: خاص بالموازنة العامة
للدولة تنطلق سياساته بإجراء تخفيض كبير في بند النفقات التحويلية
ذات الطابع الاجتماعي، وخاصة ما يتعلق بالدعم التمويني وزيادة أسعار
المحروقات، وعدم الالتزام بتعيين الخريجين الجدد، وتخفيض الإنفاق الاستثماري
بالكف عن الدخول في مجالات الاستثمار التي يمكن للقطاع الخاص (وبالذات
الاستثمار الأجنبي) أن يقوم بها. وإلى جانب ذلك تعظيم إيرادات الدولة
من الضرائب غير المباشرة وتجميد الأجور، والتخلص من القطاع العام من
خلال تصفيته أو بيعه للقطاع الخاص أو إدارته من قبل شركات خاصة (أجنبية
في الغالب) على أسس اقتصادية وتجارية كي يحقق ربحاً من خلال زيادة
أسعار منتجاته.
إن هذا المحور يرتكز على فكرة تحجيم الإنفاق
العام وزيادة الضرائب. ولما كان الصندوق لا يتوقع أن يقضي على العجز
في الموازنة مباشرة، فإنه يشترط أن يسدد ما يتبقى من عجز عن طريق موارد
حقيقية، وأن تمتنع الدولة من اللجوء إلى طبق الأوراق النقدية أو الاقتراض
من المصارف، وأن تستبدل ذلك باللجوء إلى السوق النقدي والمالي بأوعيته
الادخارية المختلفة للاقتراض منه شأنها في ذلك شأن القطاع الخاص، عن
طريق (أذون الخزانة).
- المحور الثاني: خاص بميزان المدفوعات:
وهو مجموعة من الإجراءات والسياسات التي تهدف إلى زيادة قدرة الدولة
في الحصول على النقد الأجنبي من خلال:
- زيادة الصادرات.
- تقليل الواردات.
في إطار سياسة تحرير التجارة
الخارجية، أي إلغاء القيود النوعية والكمية على الواردات والاكتفاء
بالرسوم الجمركية مع تخفيضها وإلغاء الرقابة على الصرف، والسماح بدخول
وخروج النقد الأجنبي، وإلغاء اتفاقيات التجارة والدفع الثنائية وإعطاء
حوافز للاستثمارات الأجنبية.
- المحور الثالث: وهو المحور المتعلق
بالسياسات النقدية، التي تعطي أهمية ارتكازية لضبط نمو عرض النقود
ضبطاً محكماً، لأن فائض الطلب المسبب للتضخم يرافقه إفراط في السيولة
المحلية، ولهذا فإن برامج التثبيت تتضمن سياسات نقدية صارمة أهمها
زيادة أسعار الفائدة المدينة والدائنة بهدف زيادة الادخار المحلي وترشيد
استخدام رأس المال بزيادة كلفة الاقتراض ووضع حدود عليا للائتمان المصرفي
وتنمية أسواق رأس المال وتحرير التعامل في الأسواق المالية.
أما وصفة البنك الدولي المتعلقة ببرنامج التكيف الهيكلي، فهي لا
تختلف في جوهرها ومراميها عن وصفة صندوق النقد الدولي. إلى حد يصعب
التمييز بينهما، فالسياسات قصيرة المدى المطلوبة من صندوق النقد الدولي،
تتكامل عضوياً مع سياسات التكيف طويلة المدى التي يقدمها البنك الدولي
الذي يضع إطاراً زمنياً (3 – 5 سنوات) للأهداف التي يتعين تحقيقها.
والإجراءات التي يشملها برنامج البنك الدولي
تغطي السياسات الاقتصادية الكلية والقطاعية، إضافة إلى ما يدعوه البنك
بإجراءات الإصلاح المؤسسي التي تشمل قطاعات واسعة من القضايا، فالقضايا
التكنولوجية والإدارية والمالية المتعلقة بالمشروعات، إلى جانب القضايا
الكبيرة المتعلقة بالادخار والاستثمار والموازنة العامة. وباختصار
فإن البنك الدولي يشترط تحقيق ثلاثة أهداف هي:
1-
تحرير الأسعار، بما في ذلك إلغاء الدعم للسلع التموينية.
2-
نقل الملكية العامة إلى القطاع الخاص. (الخصخصة) التي تعتبر ركناً
أساسياً من مكونات الإصلاح الاقتصادي.
3-
حرية التجارة والتحول نحو التصدير ويتفرع عن ذلك مجموعة من السياسات
الهامة مثل:
- تخفيض سعر صرف العملة المحلية وإلغاء القيود
على المدفوعات.
- إحلال الرسوم الجمركية مكان القيود الكمية.
- خفض الرسوم على الواردات.
- إلغاء المؤسسات الحكومية لتسويق الصادرات.
- التخلي عن حماية الصناعات المحلية.
- إلغاء اتفاقيات الدفع والتجارة الثنائية.
- السماح بتمثيل الوكالات الأجنبية.
لقد كان الهدف المعلن من سياسات التثبيت الاقتصادي
والتكيف الهيكلي، التحول إلى اقتصاد حرية السوق، مما يؤدي إلى «رفع
الكفاءة الاقتصادية وتشجيع النمو الاقتصادي، وتحقيق الاستقرار على
مستوى الاقتصاد الكلي» كما يعلن صندوق النقد الدولي، إلا أن النتائج
المحققة في الدول التي اضطرت تحت ظروف معينة إلى انتهاج هذه السياسات،
أدت باعتراف المؤسسات الدولية ذاتها إلى «انكماش الناتج الوطني بصورة
حادة» وإلى مجموعة من الاختلالات الاقتصادية والاضطرابات الاجتماعية،
التي أجبرت هذه المؤسسات إلى إعادة نظر في تلك السياسات حيث أطلق البنك
الدولي مبادرته الجديدة التي دعاها (الإطار الشامل للتنمية)(3)
وتستند مبادئه هذه على إعادة نظر في السياسات الليبرالية للإصلاح الاقتصادي
والتنمية، وإلى طرح (جديد) لمفهوم التنمية ومؤشراتها، فقد رأى رئيس
البنك الدولي إلى أن «السعي لتحقيق النمو الاقتصادي كثيراً ما جرى
على حساب التنمية الاجتماعية» وأن اعتبارات التوازنات المالية
واستقرار الاقتصاد الكلي قد طغت على الاعتبارات المتصلة بالجوانب الهيكلية
والاجتماعية والبشرية للتنمية. لذا فقد دعا البنك الدولي إلى أهمية
بلورة رؤية طويلة المدى للتنمية وإلى أهمية «امتلاك» الدولة لهذه الرؤية،
بما يراعي عدداً من الاعتبارات التي تؤمن فعالية أكبر في تنفيذ استراتيجيات
التنمية وتخفيض الفقر مما يستلزم توافر (مقاربة شمولية) لتحديات التنمية
وبلورة إطار كلي يتكامل فيه الجانب الاقتصادي والمالي الكلي مع الجانب
الهيكلي والاجتماعي البشري.
إلا أن البنك الدولي عاد وخفف من القوة الظاهرة
لهذا المطلب، عندما اعتبر أن الإطار الشامل للتنمية يقوم – ضمن أمور أخرى – على (المشاركة) في تحديد الاحتياجات والبرامج حيث أضاف هيئات المعونة
إلى الأطراف المشاركة في تحديد هذه الأمور، وهي الحكومة والمجتمع المدني
والقطاع الخاص.
وفاق واشنطن وتعديله:
يتضمن وفاق واشنطن (1989) مجموعة من السياسات
والتوصيات والمبادئ التوجيهية التي تم التوصل إليها فيما بين حكومة
الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وهي أطراف ثلاثة
مركزها واشنطن، بهدف تطبيقها كمرحلة أولية لسياسات الإصلاح الاقتصادي
في دول الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية المنهارة والبلدان النامية
وتتضمن هذه السياسات والتوصيات والمبادئ العامة عشرة مبادئ أو وصايا
تتمحور في النقاط الرئيسية التالية:
- حكومة الحد الأدنى، وأقل تدخل ممكن من جانب
الدولة في الشأن الاقتصادي.
- التثبيت الاقتصادي بفرض السيطرة على التضخم.
- عدم الحرص الزائد على خفض البطالة وتجنب
العمالة الكاملة.
- إحلال الواردات.
- عدم وجود معدلات شديدة الارتفاع للادخار.
- تيسير الخصخصة.
- دعم حرية الأسواق.
وخلال عقد من الزمن (عقد التسعينات من القرن العشرين) أسفرت السياسات
والإجراءات المنبثقة عن (وفاق واشنطن) التي قامت برعايتها نصائح كل
من الصندوق والبنك الدوليين خاصة في تعاملهما وإدارتهما للأزمة المالية
الآسيوية وللإصلاحات الاقتصادية في روسيا، أسفرت هذه السياسات والإجراءات
عن فيض هائل وساخن من تبادل الاتهامات والنقاش الحاد بين كل من الساسة
والمختصين والمعلقين والمهتمين بما يسمى (إصلاحات السوق) وإعادة تنظيمه
وفقاً لمبادئ الليبرالية الاقتصادية الجديدة. فقد تبين «سذاجة» وعدم
كفاءة هذه السياسات والإجراءات وافتقارها لعوامل أساسية عبر عنها أصحابها
بأنها تعود لضعف المؤسسات والفساد، في حين تبين أنها غير قادرة على
تحقيق الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي والعدالة الاجتماعية
المنشودة.
وجاء أهم نقد للسياسات المنبثقة عن (وفاق
واشنطن) من داخل البنك الدولي على يد جوزيف استجلتز(4)
فقد تحدث عن عجز توصيات سياسات الليبرالية الجديدة وعن فشل (وفاق واشنطن)
وسجل انتقادات حادة من أهمها أن هذه السياسات كانت محدودة المدى أو
ضيقة الأفق، سواء ما يتعلق بالأهداف أم بالوسائل، وكذلك في الخلط بين
الأهداف والوسائل، حيث اعتبرت الخصخصة وتحرير التجارة وتقليص دور الدولة
أهدافاً في حد ذاتها، لا وسائل لنمو مطرد وعادل وديمقراطي، وحيث تم
التعامل مع التنمية من منظور ضيق للغاية حال دون العناية بالجوانب
الهيكلية والمؤسسية ويعتقد استجلتز أن «وفاق واشنطن» عجز عن فهم دقائق
عمل اقتصاد السوق، ولم يدرك أن توافر الملكية الخاصة والوصول إلى (الأسعار
الصحيحة) أي التحرير، لا يكفيان لجعل اقتصاد السوق يعمل بنجاح. فالاقتصاد
– كما يراه استجلتز – يحتاج إلى بنية تحتية مؤسسية. ويقول رئيس البنك الدولي (في صراحة
يحسد عليها) أن الخصخصة قبل إقامة إطار ضابط أو إطار تنافسي، يمكن
أن تؤدي إلى كوارث، كما يعترف (بعد الواقعة كما يقول هو نفسه) بأن
جانباً من الفشل في روسيا إنما يعود لعدم توجيه اهتمام كاف للشروط
المسبقة لقيام اقتصاد سوق. ويؤكد استجلتز أن التنمية إنما هي عملية
«تحويل للمجتمع» . تحويل من العلاقات التقليدية وطرق التفكير التقليدية،
والطرق التقليدية في التعامل مع قضايا الصحة والتعليم، والطرق التقليدية
للإنتاج إلى طرق «أكثر حداثة» وهو يدعو إلى اعتبار التنمية إثراء «لحياة
الأفراد من خلال توسيع الآفاق أمامهم، وتقليل إحساسهم بالاغتراب» كما
يذكر أن التنمية تسعى لتخفيض المعاناة من المرض والفقر، ليس فقط بإطالة
الأعمار، بل بتحسين نوعية الحياة.
في مواجهة هذا النقد لمبادئ (وفاق واشنطن)
وفي ضوء الدروس المستفادة، خاصة من أزمة دول جنوب شرق آسيا وروسيا،
فقد أعادت أطرافه النظر فيما حققته توجيهاته من إيجابيات وما شابها
من سلبيات. خاصة فيما يتعلق بدور الدولة والتساهل في نسبة التضخم المسموح
بها، ووضع ضوابط على حركة رؤوس الأموال، وتيسير نقل التكنولوجيا..
الخ. وبينما كان التوافق يؤيد استخدام مجموعة صغيرة من الأدوات من
أجل هدف ضيق نسبياً هو (النمو الاقتصادي) أصبحت هناك دعوة إلى استخدام
مجموعة أوسع من الأدوات والأهداف، مثل رفع المستويات المعيشية عن طريق
مكافحة الفقر وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وليس مجرد زيادة الناتج
القومي الإجمالي. كما طرحت مسألة التنمية المستدامة عن طريق صيانة
الموارد الطبيعية والحفاظ على البيئة، وضمان نتيجة عادلة وديمقراطية
يكون فيها باستطاعة فئات أوسع من المجتمع، وليس فقط من هم عند قمته،
التمتع بثمارها والمشاركة بوسائل مختلفة في صنع القرارات.
إلا أننا يجب ألا نتوهم أن أصحاب (وفاق واشنطن)
قد غيروا معتقداتهم، كما أن أفكارهم المطروحة حول العديد من القضايا
قد لا يكون لها دلالات كبيرة بالنسبة للسياسات التنموية، ذلك أن هذا
التغير في الأفكار ينطوي على رفض بعض الجوانب في (وفاق واشنطن) أكثر
مما ينطوي على قبول استراتيجية جديدة للتنمية أو سياسات مختلفة عن
الليبرالية الاقتصادية الجديدة.
فالذين يشددون على التنمية العادلة، ويستنكرون
شيوع ظاهرة الفقر، لا يتفقون على الحدود التي يجب الوصول إليها في
تضييق التفاوت الصارخ في توزيع الثروة والدخول، الذي نجم عن سياسات
الليبرالية الاقتصادية الجديدة، ولا كيف يمكن تضييق هذا التفاوت.
كما أن مسألة دور الحكومة ودور السوق في إدارة
الاقتصاد الوطني، لا تحظى بتوافق في الآراء. فالمتفق عليه هو رفض التدخل
الحكومي الواسع النطاق، ورفض إهمال آليات السوق، ولكن ما هي حدود دور
الدولة، وما هي حدود آليات السوق؟ وما هو مدى عمل الأسواق دون تدخل،
ومتى وكيف وإلى أي حد تتدخل الحكومة لضبط الأسواق والحد من شططها؟
تلك قضايا لم يتفق عليها.
وأما عملية الخصخصة، فالاعتراض عليها من قبل
البنك الدولي ينصب على الأسلوب، وليس على المبدأ. ولا يعتبر هذا الاعتراض
تحولاً عن سياسة الخصخصة. فالبنك الدولي يطالب بعدم الاندفاع على طريق
الخصخصة قبل أن تقوم الحكومات بتشييد البنية التحتية المناسبة وإقامة
المؤسسات المساندة للأسواق. وتشديد البنك الدولي على فكرة «التحول
المجتمعي» يجعلنا نتساءل عن اتجاه هذا التحول الذي يراه، وكل ما يقدمه
في هذا المجال أن التحول يجب أن يكون نحو «مجتمع أكثر انفتاحاً» دون
أن يتطرق إلى (المضمون) الاجتماعي والاقتصادي لهذا المجتمع.
مأزق عملية الإصلاح
الاقتصادي في ظل العولمة:
أدت برامج الإصلاح الاقتصادي التي تم اعتمادها
في الدول الرأسمالية والنامية، ودول الاتحاد السوفياتي السابق. وأوروبا
الشرقية، والمستندة إلى سياسات الليبرالية الاقتصادية الجديدة، إلى
جانب عوامل الأخرى، إلى تراجع معدلات النمو الاقتصادي العالمي، وزيادة
معدلات البطالة، واتساع رقعة الفقر، وتزايد الفجوة بين الدول الغنية
والدول الفقيرة، وبين الأغنياء والفقراء في البلد الواحد نتيجة لعدم
المساواة في الدخول وهبوط الأجور الحقيقية، وتسريح العمال نتيجة الإفلاسات
أو نتيجة استخدام التكنولوجيا المتطورة.
وبينما أدت سياسة التثبيت الاقتصادي والتكيف
الهيكلي في البلدان النامية والدول الاشتراكية السابقة إلى الاضطرابات
الاجتماعية والتوترات السياسية، وإلى فقدان عدد من هذه البلدان درجة
كبيرة من استقلالية قرارها الاقتصادي، فقد أدت الإصلاحات الاقتصادية
في البلدان الرأسمالية الصناعية المتطورة إلى تراجع ما كان يدعى دولة
(الرفاه).
وعلى الصعيد العالمي، أدت العولمة المالية
إلى تفاقم الصعوبات الاقتصادية، وبروز الأزمات الاقتصادية وكان أبرزها
في دول جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، وآخرها أزمة الأرجنتين، لقد
أدت العولمة إلى سيادة حالة من عدم التكافؤ بين الدول(5)
وإلى عدم التكافؤ بين الأفراد داخل المجتمع الواحد، وإذا كان ذلك ليس
جديداً، فهو يقع في صلب طبيعة الأنظمة الرأسمالية، إلا أن الجديد هو
أنها نتاج مباشر لممارسات العولمة المالية وسياسات الليبرالية الاقتصادية
الجديدة التي أدت إلى الاستقطاب الذي قاد إلى (إنتاج) التفاقم المستمر
للفجوة بين البلدان الرأسمالية الصناعية المتقدمة والبلدان النامية،
من خلال آليات أنتجت التحولات التي قادت إلى انهيار تام لموازين نظام
ما بعد الحرب العالمية الثانية، خاصة وأن هذه التحولات لم تؤد إلى
قيام نظام عالمي جديد، يتسم بسمات العدالة، بل أدت إلى فوضى نجم عنها
«عولمة الفقر» وأدت إلى ما يمكن دعوته «زمن الفقر العالمي» وهو ما
يمكن وصف نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحالي والعشرين به، حيث
انهارت نظم الإنتاج في بلدان العالم الثالث وهمشت المؤسسات القومية،
وتراجعت مؤشرات التنمية البشرية، نتيجة لتراجع الاهتمام بالجوانب الاجتماعية
والتركيز على حل المعضلات الاقتصادية البحتة.
ويشير تقرير التنمية البشرية لعام 1999، إلى
أن خمس سكان العالم يعيشون في أعلى البلدان دخلاً يحصلون على 86% من
الناتج المحلي الإجمالي و82% من أسواق الصادرات في العالم و68% من
الاستثمارات الأجنبية والمباشرة و74% من خطوط العالم الهاتفية. وأما
خمس السكان ممن يعيشون في القاع، في أشد البلدان فقراً. فإنهم يحصلون
على حوالي 1% في كل قطاع من هذه القطاعات.
وفي المقابل حقق أغنى 200 شخص في العالم زيادة
بأكثر من الضعف في صافي ثرواتهم خلال السنوات الأربع الممتدة من 1995
إلى 1998، حيث بلغت تريليون دولار.
وزادت الفجوة في الدخل بين أغنى خمس سكان
العالم، وأفقر خمس، مقيسة بمتوسط نصيب الفرد من الدخل القومي، بحيث
بلغت (74) إلى (1) عام 1997 بعد أن كانت (30) إلى (1) عام 1960.
فضلاً عن ذلك فقد مكنت «أيديولوجية السوق»
والعولمة المالية، نشاطاً خطيراً، هو المضاربة في البورصات العالمية،
من الإفلات من جميع أشكال الرقابة، كما أدت الليبرالية الاقتصادية
المتوحشة إلى توليد الفقر والتبعية وإلى تهميش دور الدولة.
وإلى جانب ذلك فقد أكسبت العولمة (الجريمة
المنظمة) صفة العالمية، كما يقول تقرير معهد الأمم المتحدة لبحوث التنمية
الاجتماعية(6)، فالمجرمون هم أول من يستفيدون من تخفيف
القيود على انتقال الأموال ومن التقدم في وسائط النقل والاتصالات.
ومنذ بداية صعود الليبرالية الاقتصادية الجديدة،
وإشاعة توصيات النقود والبنك الدوليين، بدأت الصعوبات الاقتصادية في
الانتشار حيث تمثلت في تراجع معدلات النمو الاقتصادي العالمي. ففي
الستينات(7) (وهي إحدى مراحل الازدهار) «نما الاقتصاد العالمي
بنسبة 5% سنوياً بالأسعار الثابتة، لكن هذا المعدل هبط في السبعينات
إلى 3.6% في السنة، وفي الثمانينات انخفض إلى 2.8% في السنة، وفي النصف
الأول من عقد التسعينات استطاع العالم أن يحقق نمواً بمعدل 2% في السنة
فقط. وهكذا فقدت الرأسمالية خلال عقدين من السنين 60% من زخمها».
إن نتائج تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادي
الليبرالية، في العديد من البلدان أثبتت أن احتمال حدوث تنمية حقيقية
جادة على المدى الطويل، أمر مشكوك فيه وبعيد الاحتمال، ويفسر ذلك أمران:
- الأول: إن النتائج السلبية سوف تتراكم
على المدى البعيد، سواء من خلال الحد من فرص التنمية في الأجل الطويل،
أم من خلال إحداث تشوهات اقتصادية واجتماعية تعرقل مسيرة التنمية في
المستقبل، وذلك من جراء الأضرار الناجمة عن الانكماش المالي وتقليص
فرص التعليم والصحة والإنفاق على الضمان الاجتماعي مما يقلل من قدرة
المجتمع على تكوين (مزايا تنافسية)، إضافة إلى ما يسببه ذلك من أضرار
اجتماعية ونفسية وما ينعكس على التماسك الاجتماعي والأسري بسبب تفاقم
الفجوة في توزيع المدخل والثروة، وانقسام المجتمع إلى أقلية غنية وأكثرية
فقيرة مع تضاؤل فرص تحسين أوضاع الفقراء.
- الثاني: فهو يتصل بالفلسفة التنموية،
فالسياسة الليبرالية الاقتصادية الجديدة تقوم على مبدأ أن النمو الاقتصادي
هو (المفتاح) لحل جميع مشكلات المجتمع النامي، وتعتبر أن (السوق) كفيل
بإحداث النمو مما يقتضي فتح الأبواب أمام الاستثمار الأجنبي والقطاع
الخاص، وتحرير الاقتصاد والخصخصة وحرية التبادل التجاري وتقليص دور الدولة الاقتصادي.
ويقع في دائرة هذا الاعتقاد:
1-
افتراض أن (السوق) تعمل بكفاءة، وأن كل ما ينقصها هو إزالة القيود
الحكومية من طريقها، في حين أن ما سيؤدي إليه انفتاح السوق هو الاحتكار
والقضاء على المنافسة، إضافة إلى أن السوق محاطة في بيئة بيروقراطية
فاسدة الأمر الذي سيزيدها ضعفاً.
2-
وهذا الافتراض أيضاً، ينطلق من أن الرأسمالية المحلية، قادرة على تحقيق
النمو، وأن ما يعيقها هو القيود الإدارية وتدخل الدولة ووجود القطاع
العام، لكن هذا الاعتقاد برأينا خاطئ، فالرأسمالية المحلية، ليست قادرة
لوحدها أن تقوم بأعباء التنمية، وهي كثيراً ما تميل إلى الاستثمار
في القطاعات سريعة الربحية (وليس من بين هذه الأنشطة القطاعات الفاعلة
والهادفة إلى تحقيق التنمية) كما أن أغلب أصحاب رؤوس الأموال من السوريين،
يغلب عليهم طابع الحذر وعدم الثقة والبعد عن المجازفة. لذا فإنهم غالباً
ما يتجهون إلى (تهريب أموالهم للخارج) أو الاستثمار في العقارات، أو
الاستيراد والخدمات، بينما توجه جهود محدودة نحو الإنتاج والتصدير.
3-
تنطلق الفكرة الرئيسية لإطلاق حرية التبادل التجاري، من الاعتقاد بأن
التجارة هي جالبة الخير، وهي التي تحقق الازدهار والنمو.
وفي الحقيقة فإن الإنتاج، هو الذي يخلق التنمية
والازدهار، فإذا لم يكن هناك إنتاج، فبماذا يتاجر البلد؟ فإذا كان
المطلوب بحرية التجارة، فتح باب الاستيراد، وإطلاق المنافسة غير المتكافئة
مع الإنتاج الوطني، فإن هذا سوف يؤدي إلى القضاء على الصناعة والزراعة
الوطنية، وبالتالي فإن ذلك سيؤدي إلى نسف عملية التنمية والقضاء عليها.
إن سياسة حرية السوق، ستعرض البلاد للاضطرابات،
وهي غير قادة على تصحيح الاختلالات ذاتياً، ذلك أن ما يدعى بـ (اليد
الخفية) التي توفق تلقائياً بين المصالح الخاصة والمصلحة الاجتماعية
ليست إلا وهماً يروج له دعاة الليبرالية الاقتصادية الجديدة. فآليات
السوق تعجز عن تحقيق الكفاءة في تخصيص الموارد أو في تنمية هذه الموارد،
كما أنها غير قادرة على تحقيق العدالة الاجتماعية، لأن اقتصاد السوق
بسبب طبيعته، لا يهتم إلا باعتبارات الربحية، مما يعني إضراراً بالغاً
بنمط توزيع الثروة والدخل، مما يؤدي إلى كوارث اجتماعية وبيئية.
لكن هذا لا يعني استبعاد الاستثمار الخاص،
أو استبعاد آلية السوق نهائياً. إذ من المهم أن نشير إلى أن القطاع
العام غير قادر لوحده على تحقيق التنمية المنشودة، تماماً كما أن القطاع
الخاص لوحده غير قادر على ذلك كما أن التخطيط الاقتصادي والاجتماعي
الذي يجب أن تقوم به الدولة، لا يعني الاستغناء عن آليات السوق، فتدخل
الدولة لا يعني أن يحل التخطيط والتدخل الحكومي محل الأسواق. بل يعني
أن تكون الأسواق تحت السيطرة والمتابعة، من أجل تحسين عملها وتحسين
البنية الأساسية التي تساعد على عدالة التوزيع وسلامة تحريك الموارد
وتخصيصها.
لقد استطاعت الرأسمالية أن تولد الازدهار
والثروة في مجتمعاتها في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولكنها
ولدت البؤس والفقر لدى شعوب العالم الثالث، وحتى داخل مجتمعاتها، وفي
هذا الصدد يقول هيلبرونر(8) «أن توليد الثروة والبؤس في
آن واحد، جزء من آليات عملية التراكم نفسها» ومثلما كانت زيادة الرفاهية
المادية نتيجة للتنمية (الناجحة للرأسمالية) كان من نتائجها أيضاً
ظهور شكل جديد للبؤس الاجتماعي، ويقول هيلبرونر أيضاً «لقد غيرت الرأسمالية
مسار التاريخ أولاً وقبل كل شيء. لخلق بيئة اقتصادية – اجتماعية جديدة، تحسنت فيها للمرة الأولى الأحوال المادية بصورة
مطردة وملحوظة في المناطق التي ازدهر فيها النظام..» الذي نما فيه
الفقر والبؤس جنباً إلى جنب الازدهار.
هل نستطيع القول، بأن النظام الرأسمالي سيكون
نظاماً للمستقبل أيضاً؟ وهل بإمكان الرأسمالية المعولمة أن تتطور لصالح
المجتمع ككل؟ وهل بالإمكان تحقيق الإصلاح الاقتصادي في ظل العولمة؟
من حيث المبدأ، فإنه ليس هناك (وجوب) اجتماعي
في الرأسمالية، كما يقول ثورو(9)، فالرأسمالية لا تعترف
بأهمية التنظيم الاجتماعي، إذ «يختفي فيها تماماً المحتوى الاجتماعي
لتكوين الأفضلية الفردية».
ونتسائل مع ثورو كيف سيشدد مذهب قائم على
الفردانية الجذرية ذات المدى القصير على المصالح المشتركة في المدى
البعيد؟ كيف يغدو بوسع الرأسمالية أن تطور قيماً ضرورية لبقائها هي،
في الوقت الذي تنكر فيه الحاجة إلى تطوير أية مجموعة من القيم إطلاقاً؟
وفي الإجابة على هذه التساؤلات، يرى ثورو
أن الرأسمالية مطالبة بفعل شيء لم تفعله من قبل إلا في الحدود القليلة.
وهذا الشيء هو: الاستثمار للمستقبل وإدخال تعديلات مقصودة في بنيتها
المؤسساتية لتشجيع الأفراد والشركات والحكومات على اتخاذ القرارات
بعيدة المدى.
هذه القرارات يراها ثورو في القيام بتوازنات
مختلفة بين العام والخاص، وبين الاستهلاك والاستثمار. وأن توجد قيماً
جديدة ومؤسسات تسمح بتوازن استراتيجي جديد في هذه الميادين جميعها.
فهو يرى أن النجاح الاقتصادي يعتمد على الرغبة والقدرة في توظيف الاستثمارات
الاجتماعية طويلة المدى (في المهارات والتعليم والمعرفة والبيئة التحتية).
ويتساءل برنار ليفاسير(10) فيما
إذا كانت الرأسمالية قابلة للإصلاح؟ وبعد أن يبين الاعتراضات العديدة
للمقولات الليبرالية، ويبين رأيه في فشل «الاشتراكية الحقيقية» يدعو إلى المراجعة الكاملة للأفكار الموروثة «ففي
عصر العولمة حيث تتفاقم مشكلات البيئة، ويهدد تزايد عدد السكان العديد
من مناطق العالم، لم يعد النموذج الاقتصادي المنتصر حالياً مقبولاً،
لقد وجهتنا اليد الخفية لآليات السوق نحو نوع من التطور لا يتماشى
مع ما يرجوه الجميع أو يتظاهرون بأنهم يسعون إليه، ألا وهو أن يمتد
مستوى المعيشة الذي ينعم به أصحاب أكبر قدر من الثراء، ليشمل سكان
الأرض أجمعين».
ويدعو ليفاسير إلى «شكل جديد من التدخل، ينجح
في التأثير بعمق، في ظروف الإنتاج والتبادل، ويترك في الوقت نفسه للمنافسة
بين المنتجين، وللاختيارات الحرة للمستهلكين مهمة القيام بدورها».
أما هيلبرونر(11) فيرى أنه ينبغي
علاج مشكلات الرأسمالية بتأكيد الإرادة السياسية. بمعنى آخر ينبغي
«احتواء الديناميات غير المرغوبة للمجال الاقتصادي، أو علاجها، أو
إعادة توجيهها عن طريق القوة الوحيدة القادرة على إثبات وجود قوة مضادة
لقوة المجال الاقتصادي، ألا وهي الحكومة».
ويتعرض هيلبرونر إلى الطرق التي يمكن للحكومة
أن تمارس بها هذه الوظيفة على النحو التالي:
- النقص في الطلب يعوض بإضافة الطلب العام
إلى الطلب الخاص، واستخدام الحكومة كمستثمر، وكذلك المستهلك.
- الحد من الضغوط التضخمية، يمكن التوصل إليه
عن طريق ضوابط مشتركة (بين العمال والإدارة والحكومة) على مستويات
الأجور والأسعار.
- وتستخدم الضرائب لتخفيف تأثير السوق الذي
يسبب الخلل الاقتصادي بما في ذلك التوزيع غير المقبول للدخل.
- كما يمكن للحكومة أن تحد من الممارسة غير
المرغوب فيها للقوة من قبل العمل أو رأس المال.
- وفي مقدور الحكومة أن تعالج، أو على الأقل
أن تقلل، الآثار الجانبية لتسليع الإنتاج.
ويرى هيلبرونر، وهو اقتصادي أمريكي، أن المشكلات التي تهدد الرأسمالية،
تنبع من القطاع الخاص، وليس من القطاع العام. ويرى أيضاً، بأن الرأسمالية
الناجحة هي التي تكفل فرصاً آمنة للعمال في التوظف والدخل، وهي التي
تتيح للإدارة فرصة إعادة الهيكلة بفرض تحقيق الكفاءة، ويكون للحكومة
دورها المشروع كمنسق للنمو الوطني.
وإذ لا يستبعد هيلبرونر التخطيط المركزي كإمكانية
لنظام ما بعد الرأسمالية، يقول أن «نوعاً من (الاشتراكية العسكرية)
من المرجح أن يكون له جاذبيته للأمم التي تم إفقارها بصورة تدعو لليأس،
والتي تحتاج إلى تغيرات عنيفة لمجرد البقاء».
ويختصر هيلبرونر رؤيته للمجتمع البديل بالقول(12)
أنه «مجتمع لا يكون أسلوب التعاون فيه قائماً على التراث والعوائد،
ولا على إصدار الأوامر المركزية، ولا مذعناً لضغوط السوق وحوافزها.
وسيكون المحقق للتكامل هو المشاركة، مشاركة جميع المواطنين في التحديد
المشترك لكل مرحلة من مراحل حياتهم الاقتصادية من خلال المناقشة والاقتراع.
فالمشاركة تستهدف عالماً يحل فيه اتخاذ القرارات بالمشاركة على نطاق
واسع محل اتخاذ القرارات عن طريق المصلحة الذاتية وحدها.. وهي تفترض
أن المساواة الاجتماعية والاقتصادية تحل محل عدم المساواة الاجتماعية
والاقتصادية باعتبارها القاعدة التي تحكم المجتمع وتحظى بمصادقة واسعة».
وربما يكون من المفيد أن نمر على عجل، بمنطلقات
ما دُعي «الطريق الثالث» الذي وصفه توني بلير (رئيس الوزراء البريطاني)
بأنه «ديمقراطية اجتماعية حديثة» مشيراً إلى أنه ليس حلاً وسطاً بين
اليسار واليمين، فهو يسعى إلى تبني «قيم أساسية للوسط والوسط اليساري».
ويعتقد أنطوني جيدنز(13)، وهو
المنظر البريطاني للطريق الثالث، ويعتبر بمثابة المرشد الروحي لأنتوني
بلير أن «الديمقراطية الاجتماعية تستطيع، ليس فقط أن تعيش، ولكن أيضاً
أن تزدهر على المستوى الأيديولوجي، وكذلك على المستوى العملي..» وهو
إذ يرى «موت الاشتراكية» وبأنه لم يعد هناك بدائل للرأسمالية، فإنه
يرى بأن «ينبغي أن نسيطر على الرأسمالية وننظمها» ويرى هنا أنه يقع
على عاتق الديمقراطيين الاجتماعيين، اتخاذ رؤية جديدة في صلب المجال
السياسي، ويدعو إلى أخذ فكرة «الوسط النشط» أو «الوسط التقدمي» على
نحو جدي، وتجديد الديمقراطية الاجتماعية، التي تظل العدالة الاجتماعية
وسياسة الانعتاق في صلبها، لذا فهو يركز على المشاركة في الجماعة الاجتماعية
الأوسع، ويقترح أولاً الشعارين التاليين:
1- لا حقوق دون مسؤوليات (مع توسع الفردية،
يجدر والوصول إلى توسيع الواجبات الفردية).
2- لا سلطة دون ديمقراطية (فالطريق الوحيد
لبناء السلطة، يكون من خلال الديمقراطية).
3- وفي مواجهة التحديات الجديدة (العولمة،
التغير العلمي والتكنولوجي، والعلاقة بين العالم الطبيعي) يرى جيدنز:
- أن التحديث قضية جوهرية، والتحديث الذي
يراه هو تحديث الديمقراطية، والذي يحمل إحساساً بالبيئة.
- تجديد المجتمع المدني والشراكة بين الحكومة
والمجتمع المدني.
- الأساس الاقتصادي هو الاقتصاد المختلط الجديد.
- اللامركزية (تنازل عن السلطة لصالح المحليات).
إن دعوة الاشتراكيين الديمقراطيين الجديدة
لانتهاج الطريق الثالث، تأتي بعد النكسة التي تعرضت لها سياسات الليبرالية
الاقتصادية الجديدة في شكلها المتطرف الذي ظهر في إطار العولمة، فمن
المعروف أن الاشتراكية الديمقراطية في أوروبا كانت دائماً سباقة لاتخاذ
المواقف الواعية البراغماتية، في سباق مع الزمن لإجراء المصالحة المستمرة
مع المزاج العام للقوى المهيمنة في مجتمعاتها. ويأتي الطريق الثالث
استجابة لمقتضيات التطور في عصر العولمة والعلم والتكنولوجيا، وبروز
الاتجاهات الحديثة في حماية البيئة وتفعيل المجتمع المدني. وهذا الطريق
لا يعدو كونه نسخة معدلة للأفكار الكينزية، تنطلق كرد فعل على الآثار
الدرامية الناتجة عن فوضى قوى السوق، وخاصة السوق المالي والبورصات.
نحو برنامج وطني
- اجتماعي للإصلاح الاقتصادي:
ينطلق البرنامج المقترح من الواقع القائم
والخصائص الأساسية للاقتصاد السوري، ومن تطلعات الشعب إلى تحقيق التنمية
الاقتصادية والاجتماعية، في إطار مجموعة من المتغيرات العالمية والإقليمية.
ويُبنى البرنامج على مقولة «الازدهار مع العدالة
الاجتماعية» معتمداً على تطوير ما هو قائم، وتحديثه. وهو يسعى إلى
معالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، والتصدي للقضايا الرئيسية
الثلاثة التالية:
1- تباطؤ النمو الاقتصادي، والركود.
2- زيادة التفاوت في توزيع الدخل والثروة.
3- تراجع الأداء الاقتصادي.
مع التنويه إلى النقاط الجوهرية التالية:
1- لا يمكن أن يتم الإصلاح المنشود بين عشية
وضحاها. إن ما خربته الأيام لا يمكن إصلاحه بأيام، بل إننا نحتاج إلى
سنين من أجل ذلك، والمهم أن تبدأ مسيرة الإصلاح. وهذا لا يعني أننا
لن نقطف الثمار إلا بعد سنين. بل إننا سوف نلمس التحسن منذ اليوم الأول،
ولكن ما نعنيه أن مسألة الإصلاح تحتاج إلى وقت. ولا يمكن حل جميع المشكلات
بطريقة سحرية.
2- إن الإصلاح الاقتصادي، يحتاج إلى مقومات،
من أهمها، بل من أولها، إنه يحتاج إلى تفهم ودعم من الشعب الذي تجري
عملية الإصلاح في النهاية لمصلحته، وهذا لا يتأتى إلا في ظل مناخ سياسي
يتيح للناس أصحاب المصلحة، بأن يشاركوا في العمل العام، وفي الحياة
السياسية. ولعل أول هذه المشاركة، طرح البرنامج المقترح للنقاش العام،
في إطار من الشفافية والحوار.
3- إن الإصلاح الاقتصادي، يحتاج إلى إدارة
اقتصادية: قوية – واعية – مدركة ومؤمنة بأهمية الإصلاح ونزيهة، وعلى قدر كبير من القدرة على
تحمل المسؤولية، ومن القدرة على إصدار القرار وتحمل نتائجه، وأن تتمتع
بحساسية خاصة تجاه الوطن.
4- ولا يمكن للإدارة البيروقراطية التي أسهمت
في إيصالنا إلى الحد الذي أصبح فيه الإصلاح واجباً وضرورياً، لا يمكن
لهذه الإدارة أن تتولى أيضاً مسؤولية إدارة عملية الإصلاح، كما يجب
ألا نتوهم، بأنَّ منْ كان مسؤولاً عما وصلنا إليه، يُمكن أن يقبل أي
إجراء جدي من شأنه القضاء على مكاسبه أو مواقعه. ولهذا يجب أن نتوقع
أن تواجه عملية الإصلاح بعقبات جدية من هؤلاء ويقتضي الأمر، إقصاءهم
عن مواقعهم دونما مواربة.
5- إذا لم يترافق الإصلاح الاقتصادي، بجهد
مركز للقضاء على بؤر الفساد، فإنه لن يحظى بالمصداقية المطلوبة من
الشعب. وبالتالي لن يحظى برنامج الإصلاح والتطوير بالدعم والتشجيع
الشعبي ما لم يترافق بخطوات جادة للمحاسبة، تستهدف خلق مناخ نظيف ونزيه
في معرض أداء الخدمة العامة، ويرتبط وجود هذا المناخ بمحاسبة وإبعاد
رموز الفساد والحد من النزيف، وبخطوات جدية لاستعادة الأموال العامة
المنهوبة.
6- إصلاح نظام المقاضاة بإصلاح القضاء والقضاة،
ورفع شأن احترام القانون. وهذه المسألة من الأمور الهامة التي يجب
عدم الاستهانة بها، فلا أمان للناس وللاقتصاد دون قضاء عادل، ولا قضاء
عادل دون قضاة يتحلون بالمعرفة والنزاهة.
7- إصلاح النظام الضريبي، لتحقيق عدالة الضريبة
من جهة، وزيادة واردات الخزينة من جهة ثانية. ويتضمن ذلك تخفيف العبء
الضريبي على أصحاب الدخل المحدود والفئات الفقيرة، وإلغاء الإعفاءات
التي يحظى بها رأس المال. مع وضع نسبة عادلة على ضريبة الدخل يتساوى
في دفعها القطاع العام والقطاع الخاص على السواء.
8- طرحت كثيراً مسألة إدخال تعديل وتغيير
على القوانين والتشريعات والأنظمة، وطالما صدر بعض من هذه التعديلات
والتغييرات. دون أن تترك أثر تطويري في التنفيذ، وتطرح في هذا المجال
مسألة الأداة والوسائل. التي يجب أن ترقى إلى مستوى المسؤولية. إذ
وجدنا العديد من القوانين والأنظمة الجديد منها أو القديم، تدخل إلى
نفق لا نهاية له من الروتين والورقيات والتفسير الخاطئ.
من هنا، نعتقد تماماً، أن أي برنامج إصلاح،
مهما كان دقيقاً ومشروعاً وملبياً للاحتياجات ومناسباً للمرحلة، سوف
لن يجد طريقه إلى التنفيذ، ما لم تهيأ له الظروف والأدوات المناسبة
ولهذا يجب أن يواكب الإصلاح الاقتصادي إصلاحاً إدارياً، يستهدف رفع
مستوى الأداء في الدوائر الحكومية وفي القطاع العام، وإدخال التطوير
والتحديث إلى آليات العمل والأساليب المتبعة في إنجاز معاملات المواطنين،
وتخفيف الأعباء على المواطنين في سعيهم لإنجاز معاملاتهم اليومية في
مختلف المجالات.
الخلفية النظرية
لبرنامج الإصلاح الاقتصادي:
إن الخلفية النظرية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي
تقوم انطلاقاً من الاحتياجات الموضوعية لتحقيق النمو الاقتصادي المطلوب
من أجل الازدهار والعدالة الاجتماعية بالاستناد إلى الإمكانات الذاتية
في إطار علاقات تفاعلية عادلة ومتوازنة ومتكافئة مع الاقتصاد العالمي.
وهذا يعني تحقيق «التنمية الذاتية المتواصلة»
بأبعادها الثلاثة:
- البعد الأول: وهو داخلي يتعلق ببناء
قاعدة اقتصادية متينة داخلياً قادرة على النمو الذاتي المتواصل في
مختلف الظروف، وبما يسمح بتعزيز القدرة التنافسية لدى التعامل مع العالم
الخارجي، والوصول إلى إنتاج سلع وخدمات قادرة على المنافسة من حيث
الجودة والسعر.
أما تمويل بناء القاعدة الاقتصادية فيتم عن
طريق الادخار الوطني والاستثمارات المحلية بالأساس. على أنه يمكن الاستعانة بالاستثمار الأجنبي
المباشر، الذي لا يقيدنا بشروط سياسية، والمرتبط بإدخال تكنولوجيا
متقدمة.
ويجري بناء القاعدة الاقتصادية الوطنية، في
إطار نظام اقتصاد وطني مختلط، يُسهم فيه القطاع الخاص والقطاع العام
بما يضمن النجاح في بناء هذه القاعدة على أسس قوية، يراعى فيها عدالة
التوزيع وحوافز النمو والإنتاج.
- البعد الثاني: صياغة علاقات اقتصادية
عربية تكاملية، تؤدي إلى تحرير انتقال عناصر الإنتاج (البضائع والأموال
والأشخاص) بهدف إقامة فضاء اقتصادي رحب، وسوق واسع، بما ينطوي عليه
من خلق ميزات نسبية وحوافز كبيرة للنمو والتوسع والتكامل الاقتصادي.
- البعد الثالث: يرتبط بالعلاقات الاقتصادية
العربية مع العالم الخارجي، بما فيه من تكتلات اقتصادية دولية ومنظمات
عالمية، بما يسمح بتعزيز المواقف التفاوضية لكل بلد عربي ولمجموع البلدان
العربية.
ويرتبط بهذا البعد، مسألة التعامل مع المتغيرات
الدولية، ومواجهة تحديات العولمة على نحو جماعي، مما يستدعي التنسيق
والتعاون مع البلدان النامية عموماً، من أجل إعادة صياغة العلاقات
الاقتصادية الدولية على أسس عادلة ومتوازنة.
الازدهار والعدالة
وتحسين الأداء:
أهداف متوافقة:
إن برنامج الإصلاح الاقتصادي المقترح، بتحديده
للأهداف الثلاثة: تحقيق معدلات نمو مرتفعة نسبياً، وتحقيق العدالة
الاجتماعية، وتحسين الأداء الاقتصادي والإداري، إنما يطرح تحقيق أهداف
متوافقة وليست متعارضة. وهذا هو جوهر العملية الاقتصادية في إطار الإصلاح
الاقتصادي.
وتتبنى الليبرالية الاقتصادية الجديدة، فكرة
عدم الاتساق بين العدالة والكفاءة الاقتصادية، لهذا فهي تضحي بهدف
العدالة لحساب هدف زيادة معدل النمو الاقتصادي، الذي سيستفيد منه في
مرحلة لاحقة شرائح جديدة من المجتمع.
إلا أن تجارب الأمم السابقة، تثبت أنه بالإمكان
تحقيق هدفي العدالة والازدهار في آن واحد. ذلك أن السياسات الملائمة
لزيادة النمو الاقتصادي وتحسين توزيع العوائد الاقتصادية، ترتبطان
معاً بروابط سياسية واقتصادية متينة. بينما تأتي عملية تحسين الأداء
الاقتصادي والإداري، لتكسب الهدفين الأولين الديناميكية المطلوبة.
وحسب الإحصاءات الرسمية المنشورة في المجموعة
الإحصائية لعام 2001، فقد نمى الناتج المحلي الإجمالي (بأسعار 1995
الثابتة) في الفترة 1970 – 1985 بمتوسط نمو سنوي قدره (4,4%) في حين نمى ما بين 1985 – 1995 بمتوسط سنوي قدره (2.6%). ثم ارتفع معدل النمو الوسطي في الفترة
1995 – 2000 إلى 3.4%.
إلا أنه انخفض عام 2000 إلى 2.8% (رقم مبدئي).
أما تقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج
الأمم المتحدة الإنمائي عام 2001، فيشير إلى أن معدل النمو السنوي
لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي للفترة 1975 – 1999 بلغ 0.8% فقط.
ويعد معدل النمو السكاني من أعلى المعدلات
في العالم، فقد بلغ هذا المعدل في الفترة
1975 - 1999 (3.1%) حسب تقرير التنمية البشرية لعام 2001. ووفقاً للدراسات
الاقتصادية في البلدان النامية، فإن هدف تحقيق تنمية حقيقية، يجب أن
ينعكس على معدل النمو والعلاقة بين هذا المعدل ومعدل النمو السكاني
بحيث يصل معدل النمو الاقتصادي إلى ثلاثة أمثال النمو السكاني.
وبذلك نجد أن البون شاسعاً ما بين معدل النمو
الاقتصادي المحقق، ومعدل النمو الذي يجب أن نصل إليه لتحقيق التنمية
المرجوة. ومن هنا أيضاً نجد أن المسألة تضع المجتمع بكامله أمام مسؤوليات
جدية، تتعلق ليس فقط بتحسين مستويات المعيشة، بل أيضاً بمستقبل الأجيال
القادمة، وبموقع البلاد في النظام العالمي، وبهدم الفجوة الحضارية.
فإذا ما أضفنا إلى ذلك، التزامات البلاد الأمنية
والوطنية والقومية، يتضح لنا حجم العمل الجاد الذي يتعين القيام به
في مختلف المستويات الشعبية والرسمية ومن قبل القطاعين العام والخاص.
انطلاقاً من هذه المعطيات، فإن برنامج الإصلاح
الاقتصادي يتضمن حزمة من السياسات والإجراءات والتوجهات التي تساعد
على تحقيق الازدهار ودفع عملية النمو مع تحقيق العدالة الاجتماعية
على قاعدة التطوير والتحديث. ويمكن إدراج ذلك في النقاط التالية:
1- رفع معدلات الادخار والاستثمار.
2- إنهاء حالة الركود في الاقتصاد الوطني.
3- تدعيم وتوسيع الخدمات الاجتماعية.
4- إصلاح إداري شامل.
5- إحداث تحول في الهيكل الصناعي وخلق دينامية
جديدة للتطور التكنولوجي.
1- الادخار والاستثمار:
إن العلاقة بين الادخار والاستثمار هي علاقة
مزدوجة، فهي من ناحية علاقة تمويلية، كما أنها من ناحية أخرى علاقة
إنتاجية بذات الوقت. فالادخار هو مصدر الاستثمار، إضافة إلى أن المدخرات
تتحول من رأس مال نقدي إلى رأس مال عيني. أي إلى رأس مال حقيقي كالمباني
والآلات والمعدات وما إلى ذلك من سلع إنتاجية تُسهم في إنتاج سلع أخرى.
والتنمية الوطنية المستقلة، تعتمد في الدرجة
الأولى، وعلى نحو أساسي، على الادخار الوطني. الذي يتحقق من المتبقي
لدى الوحدات الاستهلاكية في المجتمع دون إنفاق. ذلك أن الدخل القابل
للتصرف ينقسم إلى: الاستهلاك والادخار. وما لا ينفق من الدخل القابل
للتصرف يعتبر هو الادخار.
إن أحد أهم معايير الجهد التنموي هو مدى ارتفاع
معدلات الادخار والاستثمار. ففي بلدان جنوب شرق آسيا، تم تحقيق قفزات
كبيرة في هذه المعدلات. فقد ارتفعت معدلات الاستثمار إلى ما يزيد عن
30% من الناتج المحلي الإجمالي، ووفقاً للإحصاءات المتاحة عن حقبة
الثمانينات(13)، وهي فترة الصعود التاريخية لهذه البلدان،
حققت كوريا الجنوبية 30% كنسبة الاستثمار إلى الناتج المحلي الإجمالي،
وسنغافورة 42% وهونغ كونغ 28% وأندونيسيا 31% وماليزيا 30%.
وفي سورية كانت معدلات الادخار الداخلي(14)
تتراوح ما بين 13.2% عام 1996 و14.88% عام 2000 وكان معدل الادخار
قبل ذلك قد وصل إلى 0.36% عام 1987. أما نسبة الاستثمار الفعلي إلى
الناتج المحلي الإجمالي(15) فقد تراوحت ما بين 15% عام
1996 و12% عام 2000.
ومن الطبيعي أن انخفاض معدلات الادخار والاستثمار،
سيُسهم إلى جانب عوامل أخرى في انخفاض معدل النمو الاقتصادي وإلى زيادة
معدلات البطالة، مما يُلقي بظلاله على الحالة الاجتماعية لمجموع السكان.
لقد اتبعت بعض الأساليب المالية والإدارية
الانكماشية التي أدت في نهاية الأمر إلى انخفاض معدلات الاستثمار الحكومي،
ولابد في مرحلة الإصلاح الاقتصادي من الإقلاع عن السياسة المالية الجديدة،
التي تسمح بتشغيل أعداد إضافية من العمال العاطلين عن العمل، وتستكمل
بناء القاعدة التحتية، وتُسهم في مجالات التنمية الصناعية والزراعية.
ومن شأن ذلك أن يكون محفزاً للأفراد للإقدام على المزيد من الإسهامات
في مشروعات التنمية.
2- إنهاء حالة الركود
الاقتصادي:
ترتبط عملية إنهاء حالة الركود الاقتصادي،
بمعرفة أسبابه الكامنة. وباعتقادنا فإن السياسة المالية والضريبية
كانت من أهم أسباب الركود الاقتصادي في سورية. وقد تجلت هذه السياسة
في النقاط التالية:
آ – إلغاء الدعم المالي المقدم لبعض السلع التموينية، مما أسهم في رفع
تكاليف المعيشة وأضر بقطاعات واسعة من السكان.
ب – عدم مرونة أسعار الفائدة المحلية، وثباتها على نحو مرتفع نسبياً،
مما جعل وضع الأموال في المصارف وشهادات الاستثمار ودفاتر الإيداع،
يبدو للمواطنين أنه يحقق عائداً أكبر وأكثر أماناً من الاستثمار.
جـ – زيادة الأعباء الضريبية غير المباشرة وتعدد أنواعها. وزيادة تعرفة
الخدمات العامة. وإيجاد مطارح ضريبية جديدة، بهدف زيادة إيرادات الدولة.
د – تخفيض حجم الإنفاق الحكومي الجاري والاستثماري. وقد رفع شعار (توازن
الموازنة) بهدف تقليص العجز في الموازنة العامة للدولة، وظهر اتجاه
في الدوائر المالية إلى تشكيل احتياطيات حكومية. وكان من بين الإجراءات
في هذا المجال الحد من زيادات الرواتب والأجور، وإيقاف التوظف.
وكان الهدف النهائي من هذه الإجراءات، الإسهام
في تخفيض الطلب الكلي أو القضاء على فائض الطلب. الأمر الذي قاد إلى
الركود الاقتصادي. خاصة وأن إجراءات تشجيع الاستثمار والإعفاءات والمزايا
المقدمة للمستثمرين المحليين والعرب والأجانب لم تَقُد إلى النتائج
المرجوة.
والواقع أن هذه السياسات تندرج تحت عنوان
الوصفة التي يقدمها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، للدول النامية
المدينة، لتأهيلها وجدولة ديونها. ولا نستطيع أن نفهم إتباع هذه السياسات
في سورية، إلا أنه استجابة لوصفة الصندوق والبنك الدوليين. في الوقت
الذي لا يوجد فيه أي سبب يدعو إلى ذلك. فالديون الخارجية في سورية
كانت، في منتصف التسعينات، لا تزال ضمن الحدود المقبولة.
ومن الواضع فإن تجاوز حالة الركود هذه، تقتضي
إتباع سياسة متعارضة مع السياسة الانكماشية، واتخاذ سياسات توسعية
تُخرج الاقتصاد السوري من حالة الركود إلى حالة الانتعاش. ولكن اتباع
السياسات التوسعية الجديدة، يجب أن يتم بحذر وعلى نحو تدريجي.
فمن المهم عودة الاستثمار العام إلى مساره،
بتقديم إسهامات جدية في مشروعات التنمية.
كما أن من المهم إعادة النظر بتشريعات الضرائب.
باتجاه تحقيق عدالة الضريبة. فليس المهم تقديم إعفاءات ضريبية لمشروعات
القطاع الخاص لمدد محدودة، بمقدار ما هو مهم أن تكون الضريبة عادلة
ودائمة. إلى جانب الاهتمام بتخفيض الأعباء الضريبية على الفئات المتوسطة
والفقيرة. والنظر بمعدلات الفائدة المحلية، واستخدامها أداة لتوجيه
الاستثمار.
3- تدعيم وتوسيع
الخدمات الاجتماعية:
يقدم البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة تعريفه
المتطور للتنمية عام 1993 على أنها «تنمية الناس من أجل الناس بواسطة
الناس. وتنمية الناس معناها الاستثمار في قدرات البشر، سواء في التعليم
أو الصحة أو المهارات. حتى يمكنهم العمل على نحو منتج خلاق. والتنمية
من أجل الناس معناها كفالة توزيع ثمار النمو الاقتصادي الذي يحققونه
توزيعاً واسع النطاق وعادلاً. والتنمية بواسطة الناس، تعني إعطاء كل
امرئ فرصة المشاركة فيها».
إن هذا المفهوم للتنمية، هو مفهوم شمولي وديناميكي،
يحفظ التوازن بين اكتساب القدرات البشرية وبين الانتفاع بهذه القدرات.
كما أنه يوسع الخيارات، اللامحدودة أصلاً، أمام البشر.
وهذا يعني أن يتم توسيع الخدمات الاجتماعية
التي تقدمها الدولة للمواطنين، وخاصة في مجال التعليم والصحة واكتساب
المهارات. على عكس التوصيات التي يروج لها من قبل الليبرالية الاقتصادية
الجديدة، وأنصار اقتصاد حرية السوق.
ويلاحظ أن تراجعاً، قد حصل في الخدمات الاجتماعية
التي تقدمها الدولة للمواطنين، مما يعني أن عملية الإصلاح الاقتصادي
لابد لها أن تراعي الجانب الاجتماعي. فرغم أن قانون إلزامية التعليم
الذي صدر عام 1981، ورغم أن القانون ينص على مجانية التعليم في جميع
المراحل، وعلى ديمقراطية التعليم إلا أننا نلاحظ أن تراجعاً قد حصل
في مستوى التعليم، وفي مناهجه التي لم تتطور، خاصة في الجامعات.
وقد تراجعت مخصصات التعليم في الموازنة العامة
للدولة من 7.3% عام 1981، إلى 4% عام 2000، على الرغم من تزايد عدد
الطلاب. ويمكن ملاحظة التدني في مستوى التعليم في ذلك التباعد فيما
بين مخرجات التعليم وسوق العمل، حيث لم تستطع هذه المخرجات من الإسهام
في عملية التطوير والتحديث المطلوبة في التنمية الإنتاجية للاقتصاد
الوطني كما لم تساعد بدورها على زيادة الطلب على قوة العمل.
وعلى ما يبدو، فإن أنصار انسحاب الدولة من
المجال الاجتماعي وتقديم الخدمات الاجتماعية، قد نجحوا في تحقيق أهدافهم،
كما حصل تماماً في المجال الاقتصادي، عندما أُهمل تجديد وإصلاح القطاع
العام الاقتصادي لإظهاره بمظهر الفاشل تمهيداً لاتخاذ سياسات من شأنها
أن تؤدي إلى إضعاف القطاع العام الاقتصادي وتراجعه مع منح القطاع الخاص
التسهيلات وفسح المجال أمامه. فالذي حصل أن فئة محدودة من القطاع الخاص
استطاعت الاستفادة من الفرصة، في حين أدت هذه السياسة إلى تراجع دور
الدولة الاقتصادي، في الوقت الذي لم يستطع القطاع الخاص ملء الفراغ.
مما أدى إلى التراجع الحاصل في معدلات النمو الاقتصادي والتراجع في
الأداء الاقتصادي وفي الخدمات الاجتماعية.
وهكذا فقد تم التوجه أخيراً إلى السماح بالتعليم
الخاص بما في ذلك التعليم الجامعي.
وفي مجال الصحة، فإن تقرير التنمية البشرية
لعام 2001 الصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة يشير إلى أن
نسبة الإنفاق على الصحة في القطاع العام في سنة 1998 بلغت 0.8% من
الناتج المحلي الإجمالي. وفي القطاع الخاص 1.6%. كما أن نصيب الفرد
السوري (حسب تعادل القوة الشرائية) في المتوسط بلغ في ذلك العام 90
دولاراً.
وعلى سبيل المقارنة، نأخذ بلداً عربياً وهو
تونس، فقد بلغت نسبة الإنفاق على الصحة من قبل القطاع العام في نفس
السنة 2,2% من الناتج المحلي الإجمالي، ومن قبل القطاع الخاص 2.9%.
وبلغ متوسط نصيب الفرد 287 دولاراً.
أما في بلد آخر تسوده الاضطرابات الاقتصادية
والاجتماعية نتيجة السياسات الليبرالية، وهو الأرجنتين، فقد بلغ نصيب
الفرد من الإنفاق على الصحة 1291 دولاراً عام 1998.
ومع تراجع الخدمات الاجتماعية المقدمة من
قبل الدولة في سورية، وتراجع الأداء الاقتصادي ومعدلات النمو، تزايدت
معدلات البطالة حتى وصلت إلى 9.5% من قوة العمل وفق نتائج مسح الهجرة
الداخلية عام 2000(16).
إن تدعيم وتوسيع الخدمات الاجتماعية في سورية،
يجب أن يحقق على نحو أساسي الأهداف التالية:
- الارتقاء بمستوى التعليم والصحة.
- تحسين مستوى المعيشة والقضاء على التفاوت
في الدخول والثروات والقضاء على الفقر وتعديل مسار الحراك الاجتماعي
باتجاه تدعيم الطبقة الوسطى ورفع مستوى الفئات الفقيرة(17).
- تخفيض معدلات البطالة وتأمين فرص عمل لجميع
القادرين على العمل والراغبين فيه.
- تمكين أفراد المجتمع من المشاركة في إدارة
أمورهم وصنع القرارات الخاصة بهم.
4- إجراء إصلاح
إداري شامل:
إن عملية الإصلاح الاقتصادي تحتاج إلى مَّنْ
يخطط لها، ويقودها، ويشرف على تنفيذها، كما تحتاج إلى إعداد الجهاز
الإداري والاقتصادي وتأهيله للقيام بتنفيذ عملية الإصلاح. لهذا فإن
هذه العملية تحتاج إلى إصلاح إداري شامل يرافقها. فالإدارة هي الأداة
المنفذة لتوجهات الإصلاح، مما يقتضي إصلاحها أولاً. ويأتي إصلاح الإدارة
في سياق عملية الإصلاح الاقتصادي ليواكبها ويقودها في آن واحد، مما
يستوجب الاهتمام بتنمية الكوادر البشرية وإصلاح القوانين والأنظمة
والتعليمات باتجاه إزالة الروتين وتحسين الأداء الوظيفي. إلا أن ذلك
يرتبط مباشرة بمكافحة ظاهرة الفساد والإفساد، عن طريق إجتثاث أسباب
هذه الظاهرة. التي يجب مواجهتها كحالة مرضية ينبغي أن تعالج، انطلاقاً
من أنه لا يمكن تحقيق إصلاح اقتصادي وإداري ما لم يصلح حال الجهاز
الإداري، بإقصاء العناصر الفاسدة وتوفير المناخ الصحي في مجال العمل.
إن عملية الإصلاح الإداري التي تأتي في إطار
التنمية الإدارية في الدول المتقدمة، يقوم بها الجهاز الإداري نفسه،
نتيجة للوصول إلى مرحلة متقدمة من الوعي، وتوفير الآليات والأدوات،
أما في بلدٍ نامٍ كسورية، فإنه لابد من إحداث جهاز مستقل يرعى مسألتي
الإصلاح والتنمية الإدارية. ويعمل على تدريب الكوادر وتأهيلها، وتزويدها
بما يساعدها على القيام بعملها من خلال وسائل وآليات متقدمة وتحت ظل
تشريعات حديثة، مما يسمح لهذه الكوادر من الإسهام في عملية التطوير
والتحديث في المجتمع. إضافة إلى ضرورة إعادة النظر بنظام الأجور و
ربطه بمستوى الأسعار.
5- إحداث تحول في
الهيكل الصناعي وخلق دينامية جديدة للتطور والتكنولوجي:
يخضع الهيكل الصناعي في سورية، لتقاليد موروثة،
تنطلق من تصنيع المواد الأولية المتوفرة داخلياً من الإنتاج النباتي
والحيواني، وبعض الموارد الطبيعية، ومن استيراد بعض المواد نصف المصنعة
أو الوسيطة واستكمال عملية تصنيعها. ومن بعض الصناعات الهامشية.
وتعتبر الصناعة جوهر عملية التنمية، لكن في
ظل سوق محلية ضيقة، وسوق عالمية تتسم بالمنافسة الشرسة والتنافسية
العالية، لابد من النظر في إدخال تحول جوهري في الهيكل الصناعي القائم.
ويستند هذا التحول إلى معطيات معاصرة تنسجم مع التحولات الجديدة ومع
التطور التكنولوجي.
والصيغة التي نقترحها في هذا المجال، تستفيد
من تجارب جنوب شرق آسيا(18)، مع الإبقاء على الخصوصية المحلية
والإقليمية العربية. وتقوم هذه الصيغة على فكرتين أساسيتين:
- الأولى: الإحلال المستمر لتركيبة
الصناعات، ولمكونات سلة الصادرات على نحو ديناميكي عبر الزمن. والانتقال
من الصناعات «الغاربة» إلى الصناعات «المشرقة» من خلال منظور تنموي
دينامي. يتم من خلاله الاتساق والتواءم مع التطورات الجديدة في التقسيم
الدولي للعمل. مما يعني التخلص تدريجياً من الأنشطة الصناعية ذات القيمة
المضافة المنخفضة واستبدالها بصناعات حديثة أكثر تقدماً في السلم التصنيعي
ذات القيمة المضافة العالية في الأسواق العالمية والإقليمية.
- أما الفكرة الثانية فهي تكوين ما
يدعى بمثلثات النمو، بين مجموعة من البلدان العربية لإقامة صناعات
تصديرية ذات قدرة تنافسية عالية سواء في أسواقها المحلية أم في الأسواق
العالمية.
وتمثل هذه المثلثات صيغة مبتكرة للتعامل مع
الاقتصاد العالمي، في ظل التقسيم العالمي الجديد للعمل، مع الاحتفاظ
بقدر معين من السياسات الاقتصادية والإنمائية المستقلة.
وفي وضعنا الحالي، يمكن أن تقوم مثلثات النمو
بين سورية ولبنان والعراق، وبين سورية والسعودية ومصر، وبين سورية
والعراق ومصر.. الخ..
إن إقامة مثلث النمو بين هذه البلدان، يساعد
على تنمية التجارة البينية، ويقلل من التداعيات السلبية لتقلبات الطلب
في الأسواق العالمية، ويساعد على إدخال التكنولوجيا الحديثة والاستفادة
من التطور التكنولوجي. ويوجد مجالات جديدة للعمل مما يرفع من شأن العمالة
الفنية ويسهم في القضاء على البطالة. ويجعل بالإمكان الاستفادة من
وفورات الحجم. ويزيد من الصادرات ويفتح آفاقاً تقانية أكثر رحابة.
أخيراً، لا بد لي من إبداء الملاحظات التالية:
1- أصبحت مسألة الإصلاح الاقتصادي والإداري
من المسائل الملحة التي يجب التصدي لها. وكونها تتصل بقضايا الوطن
الأخرى، وبعملية التنمية، فإنها تحتاج إلى إشاعة الشفافية، وتوسيع
قاعدة المشاركة الشعبية. انطلاقاً من كونها مسألة سياسية أيضاً.
2- إن النهج الذي ندعو إليه في الإصلاح، هو
مزيج من التدخل الحكومي في الشأنين الاقتصادي والاجتماعي من جهة، والأخذ
بآليات السوق من جهة أخرى. مع الاستفادة من تجارب الدول الأخرى ما
أمكن. في إطار نوع من (التنمية الذاتية المتواصلة).
والمقياس الأساسي في اختيار السياسات الاقتصادية
والمالية والاجتماعية، هو مقدار ما تحققه هذه السياسات من خير للوطن والمجتمع.
3- من الضروري أن تترافق عملية الإصلاح، مع
السياسات الآيلة إلى رفع شأن الطبقة الوسطى وأصحاب الدخل المحدود والفئات
الفقيرة، والارتقاء بمستوى خدمات التعليم والصحة والضمان الاجتماعي.
تحقيقاً لمقولة «الازدهار مع العدالة الاجتماعية».
4- لابد من إعطاء الصناعة الأهمية التي تستحقها،
فالتصنيع جوهر عملية التنمية، وانطلاقاً من ذلك، فإن من الضروري إدخال
تعديل جوهري في الهيكل الصناعي. باتجاه تحويل هذا الهيكل نحو الصناعات
«المشرقة» ذات التقنية العالية، مع تطوير وتحديث الصناعات التقليدية.
في إطار ما يدعى (مثلثات النمو) مع الدول العربية الأخرى.
5- يرتبط تعبير الإصلاح، بمسألتين: الأولى
تطهير جهاز الدولة والقضاء على الفساد والإفساد. وتحسين الأداء الإداري.
لذا لا بد من أن نتوجه بجدية إلى معالجة ظاهرة الفساد والتراخي والتواكل
والروتين وتخلف الأداء الإداري.
6- أعتقد أنه آن الأوان لإنهاء الجدل العقيم
حول دور كل من القطاعين العام والخاص. والانتهاء من طرح شعارات وثقافة
حرية السوق، مثل الخصخصة والانفتاح و... إن ذلك قد تم حسمه، كما أعتقد،
فالمطلوب هو تحسين أداء الاقتصاد الوطني، بقطاعاته المختلفة. ولكل
قطاع دوره، فالتنمية المرجوة تحتاج إلى جميع الجهود المخلصة. وقد قام
كل من القطاع العام والقطاع الخاص بدوره في تدعيم اقتصادنا الوطني،
ولن يستطيع أي منهما لوحده، أن يقوم بالأعباء المطلوبة في مرحلة الإصلاح
والتطوير والتحديث.
هوامـش:
(1) تجربة سورية في تحرير التجارة وسياسات
الإصلاح الاقتصادي – د. محمد العمادي – كراس صادر بمناسبة الدورة الحادية والأربعين لمعرض دمشق الدولي آب
1994 (ص 14).
للتوسع انظر للمؤلف: الاقتصاد السوري على
مشارف القرن الحادي والعشرين – دار مشرق من مغرب – دمشق 1997.
(2) يشترط صندوق النقد الدولي أن يوافق البلد
المعني على ما يراه البنك الدولي بشأن مسألة ما، قبل أن يوافق على
منح تسهيلاته. وفي هذا الإطار نشأ مصطلح جديد في أدبيات كل من الصندوق
والبنك، وهو مصطلح المشروطية المتقاطعة الذي أصبح يعني الترابط والتداخل
بين شروط كلا المؤسستين الدوليتين.
(3) أورد ذلك د. إبراهيم العيسوي في كتابه
التنمية في عالم متغير – دار الشروق – القاهرة – 2000 (ص 84).
(4) جوزيف استجلتز كان الاقتصادي الأول والثاني
الأقدم لرئيس البنك الدولي. وقد استقينا أفكاره وما أوردناه من أقوال
رئيس البنك الدولي عن د. العيسوي المرجع السابق (ص 86 و87 و89).
(5) بيرز عدم التكافؤ بين الدول، على نحو
صارخ، من خلال سيطرة واحتكار دول المراكز الرأسمالية لمجالات خمسة:
1- احتكار التكنولوجيا.
2- احتكار السيطرة على المعاملات والتحويلات
المالية.
3- احتكار قرار استخدام الموارد الطبيعية.
4- احتكار الإعلام والاتصال.
5- احتكار أسلحة التدمير الشامل وغير النووية.
(6) يقول التقرير المشار إليه أن المتاجرة
بالمخدرات هي الآن صناعة هائلة عبر الحدود، تصل قيمتها إلى 500 مليار
دولار في العام الواحد. كما يذكر التقرير أن ما يقرب من 100 مليار
دولار من أموال تجارة المخدرات، كان يتم غسلها كل عام في أوربا وأمريكا
الشمالية طوال العقد الماضي.
(7) ليستر ثورو – مستقبل الرأسمالية
– ترجمة عزيز سباهي
– دار المدى للثقافة والنشر – دمشق (ص 15).
(8) روبر هيلبرونر – رأسمالية القرن
21 – ترجمة كمال السيد
– مركز الأهرام للترجمة والنشر والقاهرة 1995 (ص 108).
(9) المرجع الوارد في الهامش (7) ص (337).
(10) برنار ليفاسير – اقتصادي فرنسي
– الرأسمالية هل هي قابلة للإصلاح؟ بحث مترجم عن مجلة Esprit الفصلية – العدد الأول لعام 2000. نشر في الثقافة العالمية الصادرة في الكويت
العدد 102 لعام 2000.
(11) هيلبرونر – رأسمالية القرن
21 – مرجع سابق (ص
119).
(12) المرجع السابق (ص 127).
(13) د. محمود عبد الفضيل –
العرب والتجربة الآسيوية – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت 2000 – ص (186).
(14) د. نبيل مرزوق – ورقته المقدمة
إلى ندوة الثلاثاء الاقتصادية لعام 2002 بعنوان الركود الاقتصادي السوري
أسبابه وسبل تجاوزه – ص (12).
(15) د. علي كنعان – ورقته المقدمة
إلى ندوة الثلاثاء الاقتصادية لعام 2002 بعنوان إلى متى يستمر الركود
الاقتصادي في سورية – ص (12).
(16) للتوسع في مسألة البطالة. انظر محاضرة
د. نبيل مرزوق البطالة والفقر في ندوة الثلاثاء الاقتصادية 5/6/2001.
(17) للتوسع في موضوع علاقة التنمية بالحراك
الاجتماعي في سورية. انظر محاضرة د. منير الحمش التي ألقاها في ندوة
الثلاثاء الاقتصادية بتاريخ 17/2/1998. وقد نشرت في كتاب بعنوان «أوراق
في الاقتصاد السياسي» صادر عن اتحاد الكتاب العرب (1999) – ص (248).
(18) للتوسع انظر د. عبد الفضيل - العرب والتجربة
الآسيوية – خاصة فيما أورده في الصفحة (123) وما بعد. بعنوان السياسات التصنيعية.