الركود في سورية

الدكتور علي كنعان*

 

المحتويات:

ـ مقدمة:

أولاً: سمات وخصائص الركود.

ثانياً: الركود في الفكر الاقتصادي:

1 ـ الركود في الفكر الكلاسيكي.

2 ـ الركود في الفكر الكينزي.

3 ـ الركود لدى المدرسة النقدية.

ثالثاً: الركود التضخمي.

رابعاً: الارتفاع اللولبي لمعدل التضخم والبطالة.

خامساً: الركود التضخمي والإصلاح الاقتصادي.

سادساً: الركود في سورية.

أولاً: آلية حدوث الركود في سورية.

1 ـ الأسباب الاقتصادية العامة.

2 ـ الأسباب المالية للركود.

3 ـ الأسباب النقدية للركود.

ثانياً: قياس الركود في سورية.

ثالثاً: الآثار الاقتصادية والاجتماعية للركود:

1 ـ الآثار الاقتصادية للركود.

2 ـ الآثار الاجتماعية للركود.

رابعاً: المقترحات والتوصيات.


الركود في سورية

مقدمة:

يعتبر الركود من الأمراض الاقتصادية الحديثة، لكن ذلك لا يعني أن الاقتصاديات القديمة لم تعرف الركود، بل تعرضت أكثر الأنظمة الاقتصادية السابقة للدورات الاقتصادية وبالتالي للركود الاقتصادي الذي كثيراً ما كان يستمر لعدة سنوات. لكن ظهوره في الوقت الحاضر يختلف في الآثار والنتائج عن المراحل السابقة نظراً للعلاقات الترابطية بين الاقتصاديات العالمية.

إن تطور وسائل الإنتاج وظهور الثورة المعلوماتية والتقانات الحديثة قد دفع بعض الاقتصاديين للاعتقاد بأن الأمراض الاقتصادية كالتضخم والركود أصبحت في ذمة التاريخ، فالركود والتضخم لا يرجع للإنتاج وتقنيات الإنتاج، بل يرجع في جوهره للتوزيع وإعادة الدخل والاستثمار الحكومي والخاص في الاقتصاد الوطني، أي كلما ازداد مستوى التطور الاقتصادي كلما ازدادت إمكانية حدوث الأزمات الاقتصادية.

لقد سجل التاريخ الاقتصادي الحديث وعلى وجه التحديد منذ عام 1980 وحتى الوقت الحاضر العديد من الأزمات الاقتصادية تمثلت في أزمة أسعار الصرف في أوروبا وأمريكا في 1/1/1985 وفي أزمة الأسواق المالية في الولايات المتحدة عام 1987 وفي أزمة أسواق المال في دول جنوب شرق آسيا عام 1997 وفي أزمة روسيا عام 1998 وانخفاض أسعار النفط عام 1999.

إضافة إلى ذلك فقد تعرض الاقتصاد الأمريكي الذي يمثل 25% من الاقتصاد العالمي إلى أزمة ركود بدأت في نهاية عام 2000 عندما وصلت معدلات النمو إلى 0.6% وإلى أزمة ركود عالمية على أثر 11 أيلول حيث سجلت أكثر معدلات النمو في العالم تراجعاً ملحوظاً.

والسؤال المطروح ما هي أسباب الركود الاقتصادي والنتائج التي يؤدي إليها؟ وما هي وسائل علاج الركود؟

أولاً: سمات وخصائص الركود:

يمكن تعريف الركود من خلال آثاره فيكون: «انخفاض في معدلات نمو الناتج وتراجع حجم الاستثمار وزيادة الاكتناز والإدخار الأمر الذي يؤدي لزيادة حجم البطالة»( [2] ).

أما إذا أردنا تعريف الركود من خلال أسبابه فيكون:

«انخفاض حجم الإنفاق الحكومي يدفع المستثمرين لتخفيض استثماراتهم الخاصة مما يؤدي لتراجع حجم الإنتاج وظهور البطالة».

يركز تعريف الركود على أساس الأسباب على جانب محدد ويركز التعريف الأول على جانب الآثار فقط ولا يدخل كل منهما إلى جوهر الركود.

ويركز هذا التعريف على دور النقد فيقول:

«حركة وفعل من شأنهما تعقيم دور النقد في الاقتصاد وامتصاص الزيادة في الرصيد النقدي وتقييد الإنفاق بكافة أنواعه العام والخاص وحصر النشاط الحكومي ونشاط المشروعات وتخفيض حجم الإئتمان الأمر الذي يؤدي لانخفاض حجم النشاط الإنتاجي»( [3] ).

يلامس هذا التعريف الأسباب والنتائج معاً لكنه لا يدخل لشرح جوهر الركود ومن خلال هذه التعاريف يمكن اشتقاق تعريف يجمع بين الأسباب والنتائج ويتضمن جوهر عملية الركود كما يلي:

«حركة تراجعية تتصف بالاستمرار الذاتي الناتج عن نقص الطلب في مواجهة العرض مما يؤدي لانخفاض المستوى العام للأسعار وزيادة معدلات البطالة وتراجع معدلات النمو الاقتصادي».

يتضمن هذا التعريف الجوهر والأسباب والنتائج بآن واحد وبناءً على ذلك فإن الركود يتميز بالخصائص التالية:

1 ـ حركة تراجعية تتصف بالاستمرار الذاتي: أي لا يؤدي نقص الطلب لمرة واحدة لإحداث الركود، بل لابد من وجود نقص مستمر ليشكل حركة ذاتية مستمرة تؤدي في نهاية المطاف لتراجع الطلب الكلي في مواجهة العرض الكلي.

2 ـ تراجع الطلب الكلي في مواجهة العرض الكلي: ينجم نقص الطلب الكلي عن العوامل التالية:

أ ـ تخفيض حجم الإنفاق الحكومي (الجاري والاستثماري).

ب ـ تخفيض حجم الاستثمار الخاص.

ج ـ تقييد حركة الائتمان عن طريق رفع أسعار الفائدة.

إن هذه الإجراءات تساهم بشكل مباشر في تخفيض حجم الطلب الكلي مقابل العرض الكلي ويؤدي ذلك لتراجع حجم التوظيف وانخفاض المستوى العام للأسعار وظهور البطالة( [4] ).

3 ـ انخفاض المستوى العام للأسعار: إن تراجع حجم الاستهلاك نظراً لانخفاض دخول الأفراد يؤدي لتراجع طلبهم على السلع الاستهلاكية، وبما أن حجم العرض لم ينقص بعد لذلك نلاحظ بداية واضحة في تراجع المستوى العام للأسعار لا تلبث أن تتزايد مع انخفاض حجم الاستثمار وتراجع مستويات الدخول، وهكذا تتراجع الأسعار بشكل تدريجي( [5] ).

فالاقتصاد الأمريكي في عام 1929 بدأ بتراجع حجم الطلب الاستهلاكي وبدأ الانخفاض الإنتاجي في قطاع السلع الاستهلاكية وانخفضت الاستثمارات في قطاع السلع الاستهلاكية وتبعتها القطاعات الإنتاجية وقد سجل تراجع حجم الاستهلاك من 100% عام 1928 إلى 75% عام 1932 وتراجع حجم الإنتاج من السلع الاستثمارية من 100% عام 1928 إلى 41% عام 1933( [6] ).

إن هذا التراجع يعكس تراجعاً واضحاً في المستوى العام للأسعار.

4 ـ تراجع معدلات النمو وزيادة معدلات البطالة: إن انخفاض معدلات نمو الاستثمار الناتجة عن تخفيض حجم الإنفاق الحكومي أو الاستثمار الخاص سوف تؤدي لتراجع حجم الطلب الكلي من جهة وسوف ينتج عن تخفيض الاستثمار تراجع في حجم الإنتاج وبالتالي تراجع معدلات نمو الناتج الوطني وسوف يعقب ذلك زيادة معدلات البطالة، فكلما انخفض معدل النمو في الاقتصاد الوطني كلما ازدادت معدلات نمو البطالة الوطنية.

لقد تراجع حجم الاستثمار حتى أصبح في عام 1931 سالباً في الولايات المتحدة الأمريكية. أما البطالة فقد بلغت حوالي 32% في فترة الكساد وهبط الإنتاج حوالي 50% وتراجع حجم الأجور إلى النصف تقريباً أما أسعار الأسهم والسندات فقد تراجعت كثيراً لتصل إلى 20% من قيمتها، إن هذا الهبوط والتراجع في الإنتاج والاستثمار قد أدى لانخفاض المستوى العام للأسعار وزيادة معدلات البطالة وتراجع الأجور والاستهلاك الحكومي والخاص بآن واحد( [7] ).

إن هذه الخصائص والسماح التي تميز الركود توضح جوهر الركود وآلية حدوثه.

ثانياً: الركود في الفكر الاقتصادي:

إن الإجراءات الانكماشية لم تحقق أي نجاح يذكر في التاريخ الاقتصادي، فالمحاولات التي قامت بها الحكومات لمعالجة أزمة التضخم كانت تؤدي وبشكل سريع للانكماش الذي يؤدي للبطالة، ومما يدعم هذه الأفكار أزمة عام 1929 وما رافقها من (بطالة ـ إفلاس ـ تراجع معدلات النمو ـ انخفاض الأجور والأرباح) والفوضى الاجتماعية التي تؤثر على عوامل نمو وتطور المجتمع.

لقد مهد كساد عام 1929 لظهور أفكار اللورد كينز في كتابه الشهير «الفائدة والنقود والاستخدام» الذي نشره عام 1936 وكان رداً واضحاً على أزمة الكساد وعلى الحرية الاقتصادية وغيرها من المفاهيم والقيم في الاقتصاد الرأسمالي.

1 ـ الركود في الفكر الكلاسيكي:

اهتم الفكر الكلاسيكي بالعوامل الحقيقية التي تحدد ثروة الأمم وأكد الاقتصاديون الكلاسيك على حرية السوق وإبعاد الدولة عن التدخل وإدارة الاقتصاد الوطني وبذلك يقوم التحليل الاقتصادي برأيهم على عوامل زيادة الإنتاج والتقنية، أما النقود فإنها تسهل المعاملات، ولم ينظر الكلاسيك كثيراً لدور النقود إضافة إلى ذلك فأن الكلاسيك قد ركزوا على المواءمة الذاتية للاقتصاد القومي في حال حدوث الأزمات والاضطرابات بعيداً عن التدخل الحكومي.

يتحدد الإنتاج حسب العوامل التالية:

أ ـ حدوث تغيرات تكنولوجية من شأنها أن تزيد الإنتاج.

ب ـ وجود أرصدة من السلع الرأسمالية يمكن استخدامها وبالتالي تساهم في زيادة الإنتاج.

ج ـ تغير عرض القوى العاملة حيث كلما ازداد عرض العمل تنخفض الأجور وبالعكس عند نقص عرض العمل تزداد الأجور( [8] ).

أما عنصر الطلب عند الكلاسيك فهو يتأثر بما يلي:

أ ـ مستوى الأجور والأرباح في الاقتصاد الوطني.

ب ـ حجم الإنفاق الحكومي وقد طالب الكلاسيك بحصر الإنفاق الحكومي في أضيق الحدود لأنه إنفاق عقيم.

ج ـ الطلب على الاستثمار وهو يساوي دائماً الادخار.

إن حدوث الركود أو الرواج في الاقتصاد الكلاسيكي يعتبر ظاهرة موضوعية ويستطيع الاقتصاد بشكل تلقائي العودة لحالة التوازن لذلك لم يخصص الكلاسيك أبحاثاً خاصة بالركود أو التضخم كأمراض اقتصادية.

وبخصوص الركود يرى الكلاسيك بأن تراجع حجم الطلب الناتج عن خروج الرساميل الوطنية للخارج سوف يؤدي لنقص واضح في عرض المدخرات وبالتالي لنقص الاستثمار وهذا ما يقود حسب وجهة نظر الكلاسيك لتخفيض حجم الإنتاج وتخفيض أعداد العاملين أي زيادة معدلات البطالة وبالتالي فإن انخفاض المستوى العام للأسعار سوف يدفع الدول الأخرى لزيادة حجم الاستيراد من هذه الدولة ونظراً لأن الدفع سيكون بالذهب في فترة المدرسة الكلاسيكية سوف يزداد عرض النقد (السيولة) وسوف يزداد الطلب على الاستثمار من جديد ويكون الاقتصاد قد مر بمرحلة ركود أو ما يسميها الكلاسيك تباطؤ معدلات النمو الاقتصادي ومن ثم العودة للرواج من جديد.

إن اعتماد قاعدة الذهب في الفترة من عام 1950 ـ 1914 قد ساهم إلى حد ما في تخفيض حدة الأزمات الاقتصادية (الركود والتضخم) وبالتالي اهتم الكلاسيك بالتشغيل الكامل وسبل زيادة حجم التشغيل الكامل والآلية التي تحقق التوازن للاقتصاد دون تدخل الدولة.

2 ـ الركود في الفكر الكينزي:

ظهرت الأفكار الكينزية في مرحلة الكساد الكبير عام 1929 ـ 1933 لأن المدرسة الكلاسيكية أصبحت غير قادرة على إيجاد وسائل جديدة لمعالجة الركود وكانت عاجزة أيضاً عن تغيير توجهاتها الأساسية في تحييد دور الدولة وترك الاقتصاد يعمل بشكل تلقائي لذلك وجدت أفكار اللورد كينز أرضاً خصبة لها.

لقد ركزت الكينزية على النقاط التالية:

أ ـ لا يتحقق التوازن التلقائي في الاقتصاد الوطني ولابد من وجود الدولة التي تستطيع التدخل عبر الإنفاق العام لإعادة التوازن.

ب ـ يتوقف التوازن في الاقتصاد على مستوى الإنفاق الكلي على الناتج، فكلما ازداد الإنفاق الكلي يزداد التوظف والإنتاج حتى يصل الاقتصاد لمرحلة التشغيل الكامل وبالمقابل فإن نقص الإنفاق الكلي سوف يؤدي للركود.

ج ـ زيادة حجم الإنفاق العام على الخدمات الاجتماعية وذلك لتحسين ظروف العمال وزيادة حجم الاستهلاك الكلي.

د ـ المضاعف: إن زيادة أولية في حجم الإنفاق الكلي سوف تؤدي لزيادات متكررة في الدخل القومي تعادل حجم المضاعف الذي يشكل مقلوب الميل الحدي للادخار.

إن هذه الأفكار قد شكلت ثورة حقيقية في عالم الاقتصاد في فترة ما بعد الكساد 1933 ـ 1936.

أسباب الركود لدى كينز:

1 ـ انخفاض حجم الإنفاق الحكومي (الجاري والاستثماري) إما لعدم توفر مصادر التمويل (ضرائب أو قروض) وإما لاستخدام سياسة انكماشية.

2 ـ انخفاض حجم الاستثمار الخاص بسبب ارتفاع سعر الفائدة مقارنة بالأرباح.

3 ـ تقييد حجم التسليف إلى الناتج الوطني الأمر الذي يؤدي لتراجع حجم التمويل للقطاع الخاص.

إن هذه الأسباب الثلاثة تؤدي لانخفاض حجم الإنفاق الكلي في الاقتصاد الوطني وتراجع مستوى الدخل والعمالة كما في الشكل البياني التالي:

 

Text Box: الانفاق الكلي

 

الشكل رقم (1)

إن تخفيض حجم الإنفاق الحكومي بمقدار 60 مليار ليرة (بفرض ثبات الضرائب) سوف يؤدي لانخفاض حجم الإنفاق الكلي وبالتالي سوف ينخفض حجم الدخل من 1500 مليار ليرة إلى 1260 مليار ليرة إذا كان حجم المضاعف (4).

الميل الحدي للاستهلاك  يكون المضاعف.

 = 4

60 × المضاعف 4 = 240 مليار ليرة.

ينخفض الدخل 1500 – 240 = 1260 مليار.

إن مقدار الفجوة الانكماشية يعادل (ج تَ) ومقدارها 60 مليار ليرة.

إن تكرار الانخفاض في حجم الإنفاق العام أو الاستثمار أو تخفيض حجم الائتمان المصرفي سوف يؤدي عبر الآلية الذاتية للركود لتعمق الركود وتحوله إلى الكساد( [9] ).

ترجع الكينزية أسباب الركود للسياسة المالية بشكل واضح لأنها أسرع على تخفيض حجم الطلب الكلي من السياسة النقدية في حين تركز المدرية النقدية (النيوكلاسيكية) كما سنرى على عنصر النقد.

3 ـ الركود لدى المدرسة النقدية:

 

  Text Box: سعر الفائدةText Box: مستوى الأسعار


ترى أنصار المدرسة النقدية بأن عرض النقد يحدد حجم الطلب الكلي وبالتالي فإن انخفاض عرض النقد لسبب معين سوف يؤدي لانخفاض حجم الطلب الكلي وهذا ما يفسره الشكل البياني التالي:

الشكل رقم (2)

الشكل (ب) السلع والخدمات الجارية

الشكل (آ) الأرصدة النقدية

يوضح لنا الشكل رقم (2) ما يلي:

إن انخفاض عرض النقود يعني الانتقال (من S0 إلى S1) وسيحاول الأفراد زيادة الأرصدة النقدية لكن الفقراء وذوي الدخل المحدود لا يستطيعون وبالتالي سوف ينخفض دخلهم وبالتالي ينتقل منحني طلبهم من (D0 إلى D1) في الشكل (ب).

فإذا كانت الأجور والأسعار تامة المرونة فسوف ينخفض الإنتاج ومستوى الأسعار إلى النصف تقريباً لكن الناتج يظل دون تغيير عند (Q0) لكن الأمور تسير بشكل أسرع عندما ينخفض حجم المبيعات إلى (Q1) وينشأ فائض في عرض المنتجات وتبدأ المنشأت في بتخفيض إنتاجها وتسريح عمالها وتزاد البطالة، وهكذا تظهر أزمة الركود دون أن يمس أي أصل من الأصول الحقيقية (في المجتمع)، ومع مرور الزمن ينخفض الإنتاج وتظهر البطالة وينخفض المستوى العام للأسعار من (P0 إلى P1) ويصبح التوازن الجديد (P1 Q0)( [10] ).

إن المدرسة النقدية النقدية تعتبر عنصر النقد من العناصر الهامة التي تحدد حجم الطلب الكلي والناتج ومستوى البطالة، وبالتالي أي انخفاض في عرض النقد يؤدي إلى الركود وأي زيادة في عرض النقد تؤدي للتضخم.

ثالثاً ـ الركود التضخمي: Stagflation:

بعد أن تعرفنا على جوهر وطبيعة الركود يتوجب علينا شرح ظاهرة الركود التضخمي التي أصابت الاقتصاديات المتقدمة منذ عام 1960 وحتى الوقت الحاضر فقد أظهرت الدراسات والأبحاث الاقتصادية زيادة معدل التضخم والبطالة معاً وتراجع معدل التضخم مع معدل البطالة، فقد اندمج التضخم الذي هو عكس البطالة معها وأصبحت الإجراءات الاقتصادية تدفع هذين المتغيرين معاً يقول أنصار المدرسة الكينزية ما يلي:

«يظهر الركود التضخمي عندما يزداد الدخل القومي ويزداد الميل للادخار ويتناقص الميل للاستهلاك وتنخفض الكفاية الحدية لرأس المال. فينقص الاستثمار وتظهر مشكلة البطالة في صفوف العمال والموارد ويظهر الركود إلى جانب التضخم نتيجة حالة التشغيل الكامل»( [11] ).

ترجع أسباب الركود التضخمي للإجراءات التالية:

1 ـ سيطرة حالة التشغيل الكامل التي تؤدي في جوهرها لزيادة معدلات التضخم.

2 ـ التمويل بالعجز وما يرافقه من إصدار نقدي يؤدي لزيادة معدلات التضخم، فقد حدد الاتحاد الأوربي شرطاً للوحدة النقدية أن يخفض العجز إلى 3% لأنه وصل في بعض الدول الأوروبية عام 1990 إلى 8% من الناتج.

3 ـ زيادة معدلات الفائدة بهدف تشجيع دخول رساميل أجنبية للاستثمار والمضاربة يرفع التكاليف ويزيد معدلات التضخم.

4 ـ زيادة الميل الحدي للادخار وتراجع الميل الحدي للاستهلاك سوف يساهم في تخفيض الطلب الكلي مما يؤدي لتراجع حجم الاستثمار الصناعي والانتاجي.

5 ـ إن انخفاض الكفاية الحدية لرأس المال سوف يساهم في تخفيض حجم الاستثمار وزيادة أعداد العاطلين عن العمل.

6 ـ إن اتباع بعض الإجراءات التقشفية عند تبدل الأحزاب الحاكمة بين حزب العمال والديمقراطي والأحزاب المحافظة اليمينية يؤثر على الخدمات الاجتماعية، وبالتالي يساهم في تخفيض حجم الانفاق الاجتماعي، وتخفيض حجم فرص العمل الجديدة.

7 ـ يؤدي إدخال تكنولوجيا جديدة لفقدان العمال بشكل مستمر لوظائفهم.

إن هذه الإجراءات قد جعلت من ظاهرة الركود وظاهرة التضخم ظاهرة موحدة تتغير وتتبدل نتيجة تحرك أحد الأسباب التي قد لا تمت للثاني بصلة حتى جعلت منها ظاهرة اقتصادية مرضية في الدول المتقدمة وقد امتد أثرها للدول النامية في فترة الإصلاح الاقتصادي.

رابعاً ـ الارتفاع اللولبي لمعدل التضخم والبطالة:

إن العمل السياسي في ظل الديمقراطية يتمتع بحساسية عالية نظراً لحاجة السياسي لاتخاذ قرارات ترضي الناخبين حتى لو كانت تخالف الموضوعية المطلوبة في الاقتصاد القومي، فاستخدام السياسة التوسعية يؤدي إلى زيادة التضخم واستخدام السياسة الانكماشية يؤدي إلى زيادة معدلات البطالة، لذلك حاولت السياسات الاقتصادية إيجاد التوافق بين محاربة البطالة ومحاربة التضخم، وانتهت القرارات لظهور الارتفاع اللولبي للتضخم والبطالة( [12] ). كما هو في الشكل رقم (3).

Text Box: معدل التضخم %


الشكل رقم (3) يوضح العلاقة بين التضخم والبطالة

يلاحظ من خلال الشكل رقم (3) بأن استخدام سياسة توسعية سوف يؤدي لزيادة التضخم وتخفيض البطالة حيث ينتقل الاقتصاد من وضع A1 إلى وضع B1 وعندما تميل السياسة الاقتصادية إلى الانكماش نلاحظ بانتقال الاقتصاد إلى الوضع A2 فتزداد البطالة ويزداد معها التضخم لكن بمعدلات أقل ثم تظهر اتجاهات جديدة تطالب بالتوسع فينتقل الاقتصاد من الوضع A2 إلى الوضع B2 وهكذا من خلال السياسات الانكماشية والتوسعية يتصاعد معدل التضخم البطالة معاً، وذلك على شكل زيادة حلزونية وقد ظهرت هذه الحالة في الولايات المتحدة وفرنسا خلال الفترة من 1959 ـ 1981، وكما تبدو في الشكل البياني رقم (4):

الشكل رقم (4) يوضح تطور البطالة والتضخم في الولايات المتحدة الأمريكية

يلاحظ من الشكل رقم (4) بأن معدل التضخم ـ البطالة أخذ نمطاً عملياً في اتجها عقارب الساعة في الولايات المتحدة استناداً للسياسة التوسعية أو المقيدة التي أدت إلى ظهور اللولب الحلزوني المتصاعد الذي انتهى بمعدل بطالة 8% ومعدل تضخم 11% عام 1981، وقد استمرت الحالة في الولايات المتحدة وفي أوروبا حتى عام 1991 إلا أنه في الفترة الأخيرة منذ عام 1995 وحتى 1998 قد تراجع معدل التضخم وارتفع بالمقابل معدل البطالة حتى وصل إلى 6 ـ 8% في بعض الدول الأوروبية، وذلك بسبب تعويضات البطالة ومعدل الرفاهية وقانون الحد الأدنى للأجور والضمات الاجتماعي( [13] ).

خامساً ـ الركود التضخمي والاصلاح الاقتصادي:

تتسم البلدان النامية بتشوه بنيانها الاقتصادي وسيطرة الإنتاج وتصدير المواد الخام في اقتصادياتها وتتأرجح صادراتها استناداً لحركة الطلب العالمي، وبالتالي هذه الاقتصاديات قد خضعت لبرامج التصحيح الهيكلي من قبل صندوق النقد الدولي وذلك ظناً من الصندوق أن هذه البرامج يمكن أن تساعد هذه الدول في تخفيض حجم المديونية من جهة والتوجه بالاتجاه الصحيح في القطاعات الإنتاجية من جهة ثانية لكن تطبيق هذه البرامج قد أدى لحدوث الركود التضخمي في هذه الدول علماً وأن هذا المرض لا يصيب الاقتصاديات النامية، بل هو مرض الاقتصاديات الرأسمالية المتقدمة .

والسؤال المطروح كيف تعرضت الاقتصاديات العربية والنامية لأزمة الركود التضخمي وما هي الأسباب الكامنة وراء هذا المرض؟

1 ـ الإجراءات التي ساهمت بزيادة معدلات التضخم:

اقترح الصندوق في برامجه الإجراءات التالية:

أ ـ زيادة أسعار الطاقة الأمر الذي أدى لزيادة تكاليف الإنتاج في جميع قطاعات الاقتصاد الوطني( [14] ).

ب ـ زيادة سعر الفائدة مما زاد أيضاً في تكاليف الاستثمار وبالتالي ارتفعت تكاليف الإنتاج.

ج ـ رفع الضرائب غير المباشرة وزيادة أنواعها.

د ـ زيادة أسعار وتعريفات الخدمات العامة التي تقدمها الحكومة للموظفين.

هـ ـ إلغاء الدعم السلعي وخاصة المخصص للسلع الغذائية، حيث كان هذا الدعم يساعد الفقراء والمحتاجين وذوي الدخل المحدود، والموظفين على تدبير أمور حياتهم المعاشية( [15] ).

2 ـ الإجراءات التي ساهمت بالركود:

قدم الصندوق مجموعة من الإجراءات المالية والنقدية للدول النامية بهدف تخفيض الطلب وأهمها:

آ ـ تخفيض حجم الانفاق الحكومي بشقيه الجاري والاستثماري وإفساح المجال للقطاع الخاص لكي يستثمر مدخراته.

ب ـ وقف التوظيف الحكومي مما يؤدي لتخفيض حجم الإنفاق الحكومي.

ج ـ تخفيض عجز الموازنة أو الميل لتشكيل احتياطيات حكومية في حال توازن الميزانية.

د ـ خصخصة الخدمات الحكومية مما يؤدي لتخفيض حجم الإنفاق عليها وخاصة الصحة والتعليم والخدمات الأخرى.

هـ ـ تثبيت الرواتب والأجور وعدم زيادتها عند حدوث التضخم الأمر الذي يدفع الأفراد لترك الوظائف الحكومية والبحث عن فرص عمل أفضل.

إن هذه الإجراءات قد ساهمت وتساهم في تخفيض حجم الطلب الكلي أو القضاء على فائض الطلب الموجود لدى هذه الدول مما يؤدي إلى الوقوع في شرك الركود.

وبما أن الإجراءات السابقة تزيد التكلفة وترفع الأسعار فإن هذه الإجراءات تخفض الطلب وتؤدي للركود لذلك ظهر الركود التضخمي في الدول النامية، لقد استطاع صندوق النقد الدولي خلق قوى انكماشية تعيق نمو الاستهلاك والادخار والاستثمار وبالمقابل شجع زيادة الأسعار فزاد معدل التضخم، وفي ضوء معدل نمو السكان في الدول النامية فإن تخفيض حجم التوظيف قد أدى لزيادة البطالة بل لمضاعفتها نظراً للأعداد الكبيرة الوافدة لسوق العمل سنوياً، لذلك تعقدت المشكلة في الدول النامية، وظهرت الصيحات عالية ضد الصندوق وسياساته في هذه الدول لدرجة أنه أصبح العدو الأول للدول الفقيرة وللشعوب الفقيرة.

إن صورة الركود التضخمي في البلاد النامية أصبحت تزداد قتامة ولا أحد يعرف إلى أين تسير هذه الاقتصاديات وما هو مصير العمالة ـ الاستثمار معدلات النمو؟

وما هو الأثر الاجتماعي الناجم عن هذه الظروف الاقتصادية؟.

سادساً ـ الركود في سورية:

بدأت بوادر الإصلاح الاقتصادي في سورية في عام 1986 عندما أصدرت الدولة المرسوم رقم 10 لعام 1986 الذي قضى بإنشاء شركات زراعية مساهمة مشتركة مع الدولة وكانت بداية التعاون بين الحكومة والقطاع الخاص بهدف تحقيق الأمن الغذائي من جهة والاستفادة من الطاقات الوطنية من جهة ثانية( [16] ).

ثم سمحت الدولة للقطاع الخاص باستيراد السلع الغذائية في عام 1988، وقامت بربط الاستيراد بالتصدير وأوجدت ما يسمى (دولار التصدير) عام 1989.

وفي عام 1990 صدر قانون المغتربين رقم 19 الذي سمح للسوريين المغتربين بإقامة منشآت اقتصادية معفاة من الرسوم الجمركية والضرائب وغيرها.

وفي عام 1991 صدر قانون الاستثمار رقم 10 وقانون الضرائب رقم 20 لتشجيع الاستثمار الأجنبي في سورية.

إن هذه الإجراءات الإدارية والتشريعية قد شكلت بدايات غير واضحة المعالم للإصلاح الاقتصادي في سورية، لأن الحكومة لم توضح في خطة سنوية أو خمسية التوجهات المستقبلية وحجم كل قطاع في هذا التوجه، لذلك حدث ما يسمى بنظام التواكل أي اعتبرت الحكومة توجهات الاستثمار بمثابة إشارة واضحة لكي يقوم القطاع الخاص بالاستثمار بغض النظر عن الإجراءات والمحفزات التي شكلت عقبة كأداء في وجه الاستثمار لتجد الحكومة نفسها أمام الركود في الفترة 1995 ـ 2000. ولن تستطيع القيام بأي إجراء. لقد تراجعت الاستثمارات وحصل الركود دون الاستفادة من مساعدات صندوق النقد الدولي، لقد نفذت الحكومة منذ عام 1988 سياسة صندوق النقد الدولي بالتفصيل ووصل الاقتصاد إلى الركود كما هو الحال في مصر والمغرب، والأردن، والسودان، وتونس، ولكن دون الاستفادة من مزايا ومنح الصندوق كما استفادت الدول العربية الأخرى.

والسؤال المطروح حالياً:

ما هي أسباب الركود في سورية وما هي الآثار الناجمة عنه؟.

وهل هناك إمكانية للتخلص من الركود وآثاره السيئة في القريب العاجل؟.

وما هي أهم الإجراءات لمكافحة الركود؟.

ـ آلية حدوث الركود في سورية:

لم يكن الركود في يوم من الأيام وليد حدث معين أو كارثة طبيعية، بل هو نتاج مجموعة من الإجراءات المالية والنقدية الخاطئة أحياناً، والهادفة إلى تخفيض الطلب أحياناً أخرى.

إن الركود الذي وصلت إليه سورية في بداية عام 1996 كان نتيجة للسياسات الاقتصادية التالية:

أولاً ـ الأسباب الاقتصادية العامة:

استخدمت الدولة في بداية التسعينات من القرن الماضي وعلى الأخص في أواسط التسعينات مجموعة من الإجراءات العامة استهدفت تخفيض حجم الطلب العام وإعادة تأهيل الاقتصاد تمهيداً للدخول في مرحلة الإصلاح الاقتصادي التي يريدها صندوق النقد الدولي، وكما طبقها في الدول العربية الأخرى وكان لهذه الإجراءات الدور الفاعل في تحجيم الطلب وخلق خلل هيكلي أدى للركود، بل لتعميق حالة الركود في البلاد في عام 1999 ـ 2000 وأهم هذه السياسات:

1 ـ سياسة تثبيت الرواتب والأجور:

كانت الحكومة تزيد الأجور بمعدل 25% كل سنتين في حين كان معدل التضخم يتجاوز 30% سنوياً وبالتالي كان يخسر العمال والموظفين سنوياً 17% نتيجة تراجع القوة الشرائية للعملة السورية. إضافة إلى ذلك فقد توقفت سياسة زيادات الأجور عام 1994 وذلك حتى عام 2000. أي ست سنوات دون زيادة مما أدى لتآكل الأجور وانخفاض حجمها في الدخل القومي.

إن عملية تثبيت الرواتب والأجور كانت سياسة واضحة لتخفيض حجم الطلب الكلي من جهة إضافة إلى ذلك فإن هذه السياسة هدفت لتخفيض التكلفة عبر سياسة الأجور الرخيصة من جهة ثانية، فمثلاً تبلغ الأجور التي تدفعها الحكومة للعاملين في القطاع الإداري والاقتصادي وشركات الإنشاءات العامة والعسكرية وغيرها حوالي 130 مليار ليرة وهي تعادل للناتج البالغ 896.6 مليار ليرة لعام 2000 كما يلي:

الأجور الحكومية/الناتج = 130/896.6 = 14.5%

وإذا أخذنا أجور كل من يعمل بأجر في سورية في القطاع الخاص والتعاوني تصل إلى 120 مليار ليرة وتعادل 120/896.6 = 13.4%.

وبذلك تصبح الأجور للناتج  250/896.6 = 27.9%.

في حين يبلغ وسطي الأجور في الدول النامية للناتج 40% وفي الدول المتقدمة يصل إلى 60% من الناتج.

 

2 ـ تراجع حجم الاستثمار الحكومي والخاص اعتباراً من عام 1996:

اعتقدت الحكومة بأن القطاع الخاص سوف يستثمر حسب قانون الاستثمار رقم /10/ لعام 1991، وبالمقابل شعر القطاع الخاص بأن الحكومة لا توفر البنى التحتية للاستثمارات الجديدة ولا توفر التشريعات اللازمة لذلك تراجع استثمار القطاعين معاً، وذلك حسب الجدول التالي:

الجدول رقم (1) يوضح تطور حجم الاستثمار إلى الناتج في سورية

بمليارات الليرات السورية:

السنة

الاستثمار المخطط

الاستثمار الفعلي

الناتج المحلي الإجمالي

الاستثمار المخطط

الاستثمار الفعلي

الناتج%

الناتج%

1990

48.7

35.4

268.3

18.1%

13%

1991

58.8

44.9

311.5

18.8%

14%

1992

94.3

68.8

371.6

25.3%

18%

1993

128.4

58.9

413.7

31%

20%

1994

155.8

121.2

506.1

30.7%

23%

1995

161.4

125.5

570.9

28.2%

21.9%

1996

177.0

105.7

690.8

25.6%

15%

1997

174.0

112.9

745.5

23.3%

15%

1998

187.0

113.7

790.4

23.6%

14%

1999

184.0

107.5

819.0

22.4%

13%

2000

192.0

108.9

896.6

21.4%

12%

المصدر: المجموعة الإحصائية للأعوام المذكور (الموازنة + نسبة الاستثمار).

يلاحظ من الجدول رقم (1) ما يلي:

1 ـ تزايد حجم الاستثمار الخاص الفعلي من 24.4 مليار عام 1990 إلى 87.4 مليار عام 1995 ثم تراجع فيما بعد إلى 60 مليار عام 2000، وذلك لأن الحكومة لم توفر الظروف المناسبة للاستثمار ولم توفر المناطق الصناعية والتشريعات اللازمة لإقامة مشاريع القطاع الخاص.

2 ـ تراجع حجم الاستثمار الحكومي الفعلي حيث بلغت استثمارات الحكومة المخططة في السنة الأخيرة حوالي 132 مليار ولم ينفذ منها سوى 95 مليار ليرة أي حوالي 70% فقط، وهنا يكمن توجه الحكومة في تخفيض حجم الاستثمار.

3 ـ لقد وصل الاستثمار الكلي الفعلي ذروته عام 1995 أي بلغ حوالي 22% من الناتج وهنا كانت العمالة في حالة التشغيل شبه الكامل لكن التراجع الذي بدأ من عام 1996 استمر حتى وصل في عام 2000 حوالي 12% من الناتج أي تراجع بحدود 10% لقد أدى هذا التراجع إلى خلق بطالة في صفوف العمال وفي الموارد الإنتاجية.

 

3 ـ تراجع حجم الطلب في مواجهة العرض الكلي:

عادة ما يكون الطلب أكبر من العرض في حالات التضخم أما في حالات الركود فإن الطلب يتراجع في مواجهة العرض الكلي ومن خلال دراسة العلاقة بين العرض الكلي والطلب الكلي في سورية يتبين ما يلي:

جدول رقم (2) العلاقة بين العرض الكلي والطلب الكلي في سورية

بمليارات الليرات السورية ـ الفترة 1990 ـ 2000

السنة

الناتج

الطلب الكلي

الفجوة

الفجوة/الناتج%

1990

268.3

267.1

ـ

ـ

1991

311.5

324.2

+ 12.7

4%

1992

371.6

396.4

+ 24.8

5.9%

1993

413.7