التأمين وتعبئة المدخرات الوطنية
الدكتور محمد صالح طباخة*

مقدمة

أبدأ حديثي في هذه الأمسية بالشكر والتقدير إلى جمعية العلوم الاقتصادية، على تكليفها لي الكتابة في ندوة الثلاثاء هذه، حول موضوع حضاري مهم، عن «التأمين في سورية وتعبئة المدخرات المحلية».

كما أشكركم على حضوركم الكريم لهذه المحاضرة التي قمت بإعدادها، والتقدير والاحترام لمشاركتكم الفكرية العلمية التي سنستمع إليها، والإجابة على ما يمكن منها من خلال الدور الفعال والمؤثر للجمعية الاقتصادية السورية في إبراز ما يمكن منها خلال الدول الفعال والمؤثر للجمعية الاقتصادية السورية في إبراز الحلول للمشاكل المحلية وما عرف عني شخصياً أن أقول ما أراه وأعيشه من دون مجاملة خوفاً من الله سبحانه وتعالى أولاً وأخيراً وخدمة للعروبة عامة ولسورية العزيزة خاصة بخصوصيتها الأبيّة المشهودة لها.

أيها الحضور الكريم:

في نفسي ذكر حقيقة لا يسعنا إغفالها، ويعرفها الداني والقاصي، بدءاً من الأوساط الشعبية وانتهاءً بالمحافل العلمية والرسمية، ألا وهي الأفق والبعد والدعم الذي أعطاه السيد الرئيس الدكتور بشار الأسد لعملة الحوار الحر المفتوح التي انطلقت منها عملية التطوير والتحديث والتأهيل والتوسع في البحث العلمي للوصول إلى الازدهار والعدالة، لأن الوقوف ضد التطوير والتحديث هو الذي يشكل السد العالي أمام زيادة الموارد المالية سواء للوطن أو المواطن، وإنني أقدس وأؤكد قول السيد الرئيس بشار الأسد: «على من يطرح مشكلة أن يطرح معها الحل لها» وأقترح أن يصبح اسم جمعيتنا الغراء «جمعية العلوم الاقتصادية السورية للحوار الوطني» في ديمقراطية مهذبة وطيبة كأفضل شكر وأصدق محبة يسعد بها سيادة الرئيس حفظه الله تعالى مع دراسة فورية لتطوير عملها أيضاً.

أيها السيدات والسادة الأفاضل:

تعلمون أن الاستثمار هو محور عملية التنمية وأساس النهوض الاقتصادي والتأمين يلعب دوراً كبيراً في البناء والتنمية بتوفيره الوعاء الادخاري المناسب للأفراد المؤمن على حياتهم وممتلكاتهم تتجمع فيه المدخرات اللازمة لهم ولأفراد أسرهم من بعدهم لمواجهة الاستمرار والمستقبل ومفاجآته.

وقلما تعرض باحث للحديث عن صناعة التأمين في إطارها العام أو المحلي وعلى الرغم من أهمية هذا الموضوع وجدية البحث فيه إلا أنه لم يرق إلى مستوى الاهتمام الجماهيري لأسباب عدة سنأتي على ذكرها لاحقاً، وكثيراً ما يفكر الإنسان في الادخار لمواجهة مخاطر المستقبل كالعجز والشيخوخة والمرض أو الموت قبل أن يضمن مستقبل أسرته، مع العلم أن التأمين في حد ذاته لايمنع العجز والشيخوخة ولا المرض ولا الموت ولكنه يساعد الإنسان في تحمل الخسائر المادية الناتجة عن تحقق هذه الأحداث.

وبالنسبة للاقتصاد الوطني نجد أن التأمين يعتبر في حد ذاته وسيلة من الوسائل التي يمكن أن تساهم في تحقيق التوازن التلقائي للاقتصاد ودفع عجلات التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدولة باعتباره أحد مصادر الادخار الرئيسية اللازمة لتمويل النشاط الاقتصادي كما يشير إليه عنوان هذه المحاضرة.

فجوهره يتضمن تشجيع الجميع على التوفير، فأقساط تأمين الحياة طويلة الأجل تعمل على تجميع مبالغ نقدية كبيرة تحتفظ بها شركات التأمين، توفر رأس مال عملاق يجب أن يستغل في خدمة الوطن في مجالات لا حصر لها، مما يعكس أثره الإيجابي على زيادة الإنتاج والتطور والدخل القومي ومكافحة التضخم وبالتالي زيادة الرفاهية والازدهار، ولكن ذلك لا يأتي صدفة بل بالمشاريع الكبيرة والصغيرة على حد سواء ولكل له دوره الفاعل والمهم في المجتمع بدون أدنى شك.

فإذا ألقينا نظرة على العالم، نرى أنه سبقنا في معظم المجالات، والفارق عنه آخذ في الاتساع وإنني أخشى من التفاؤل المفرط الذي يحكم ذهنية بعض أصحاب القرار، بما يفيد التشبث بالخطأ وعدم الاعتراف به، كأنما هو فضيلة لديهم، إلا أن العكس صحيح.

والحوار الوطني العلمي وحده كفيل بتذليل العقبات وبالتطور والتقدم على غرار ما يحصل في دول العالم المتمدن في مشكلة جذرية (الاختصاص المناسب في المكان المناسب) وجذور المشكلة هنا حتماً وأكد ذلك أجدادنا بقولهم: «أعطي الخباز خبزه ولو أكل نصفه»، أي أعط الطحين للخباز ليقوم بخبزه وإن اللبيب من الإشارة يفهم ويستحي أيضاً.

إذن:

التأمين يقوم على فكرة الاحتياط والحذر والخوف من المجهول، أي الخطر الذي قد يتعرض له الإنسان وهو ثلاثة أنواع:

الأخطار الشخصية، كالمرض والشيخوخة والعجز والوفاة..

أخطار الممتلكات ، كالحريق والسرقة وكوارث الطبيعة...

أخطار المسؤولية المدنية، الأضرار التي يتسبب بها للغير، جسدية أو مادية.

وقد تطور التأمين مع تطور الحياة الاقتصادية والاجتماعية وأصبحت شركات التأمين تشغل حيزاً كبيراً في المجتمع كونها تهدف إلى تحقيق الازدهار والرخاء وأصبحت مقياساً من أهم المقاييس الحضارية في هذا العصر.

ومنذ فترة الستينات من القرن الماضي تميزت المنظومة التأمينية السورية بتبعيتها للقطاع العام وبالجمود النسبي مقارنة بالتغيرات التي حدثت على هذا القطاع في الدول العربية والأجنبية، ومازال التعامل في سورية مقتصراً على المؤسسة العامة السورية للتأمين حصراً، حيث تسبب ذلك بنفور الكثير من التعامل مع التأمين كقطاع عام، فيه التعقيدات الإدارية التي لا يرغبوا فيها، ولابد من التفكير بطرائق جديدة لتشجيع المواطنين على التعامل مع التأمين، والجميع يدرك ويعي تماماً أهمية التحديث والتطوير في كل المجالات لمسايرة المتغيرات والتحولات المتسارعة التي يمر بها العالم اليوم بشكل مذهل يكاد لا يصدق، حيث أن هذا التطوير والتحديث يقضيان بضرورة جعل التأمين أكثر مرونة وفعالية مع متغيرات التطور التقاني والخدماتي وبضرورة إعادة تأهيل القطاعات الاقتصادية إدارياً وهيكلياً ورفع كفاية مؤسساتها وتحسين وتطوير الانتاجية فيها باستثمار أحدث التقانات المعلوماتية، بفكر جديد، يتسم بالعلمية والمرونة، وصقل الخبرات وتحفيز الطاقات في إطار الانفجار المعرفي العالمي في كل العلوم والاختصاصات، والتأكيد على دور العنصر البشري الخبير وأهمية الاستثمار فيه.

ونظراً للأهمية الكبيرة التي يتمتع بها التأمين، إذ ينظر إليه كأحد المعايير المهمة لبيان التقدم أو التخلف، فقد أصبح مؤكداً أن الاهتمام بقطاع التأمين في سورية وتطويره أمر مهم من أجل مواكبته للتطور الاقتصادي العالمي وزيادة إنتاجيته وفعاليته. كما أن جمود الوضع الراهن لقطاع التأمين في سورية على ما هو عليه، من انعدام مبدأ المنافسة وضعف الوعي والثقافة التأمينية وتجاهل دوره الاقتصادي والاجتماعي المهم يشكلان خسارة للاقتصاد السوري يجب التخلص منها.

ومقارنة مع بعض أبرز أسواق التأمين العربية والعالمية، نجد أن إنتاج قطاع التأمين السوري، ضئيل جداً يكاد لا يذكر ويشكل مشكلة اقتصادية واجتماعية مهمة تتطلب حلاً عاجلاً جداً، ولا تحتمل التأجيل، نظراً لأبعادها الاقتصادية والاجتماعية، حيث يمكن تطوير إنتاجية قطاع التأمين السوري واستغلال كامل طاقته ليقوم بدوره المهم كمصدر ادخاري واستثماري يساهم في زيادة الناتج المحلي ويدفع التنمية إلى الأمام مما ينتج عنه رفع المستوى المعيشي للمواطنين في أقصر مدة ممكنة.

ونرى أن ندعم وجهة نظرنا في هذه المشكلة بما جاء في خطاب القسم في 17/7/2000 للسيد رئيس الجمهورية الدكتور بشار حافظ الأسد أمام مجلس الشعب الموقر:

«أؤكد على من يطرح المشكلة يجب أن يطرح معها الحل» وأضاف حفظه الله ونصره «بات من الضروري السير بخطى ثابتة وإن كانت متدرجة نحو إجراء تغيرات اقتصادية من خلال تحديث القوانين وإزالة العقبات البيروقراطية أمام تدفق الاستثمارات الداخلية والخارجية، وتعبئة رأس المال العام والخاص معاً، وتنشيط القطاع الخاص، ومنحه فرصاً أفضل للعمل».

لقد مر أكثر من ثلاث سنوات على هذا القسم وهي مدة طويلة جداً في هذا العصر الذي تجاوزت سرعته سرعة البرق وفي ظل هذه الأوضاع السائدة أرى أن الأمل ضعيف جداً جداً في تدفق الاستثمارات إلى سورية إلا في حل المشكلة من جذورها وليس من حالها الآن، كي تتناسب سرعتنا مع سرعة هذا العصر لأن «العلم المستقر كالجهل المستقر».

حيث أن هدف هذه الندوات هو الإصلاح الاقتصادي ومن هذا المنبر الحر ولو كان الأمر بالتصويت ويا ليته هنا هكذا أريد أن أسأل سؤالين فقط:

هل يعد نمط الملكية عاملاً حاسماً في تحقيق أي نجاح اقتصادي؟، وهل ينجح القطاع الخاص حيث فشل القطاع العام أو العكس مع فرضية ثبات جميع الظروف المحيطة بهما؟؟!!! والسؤال الثاني:

هل الإدارة علم نتعلمه أم هي موهبة بالفطرة يصقلها العلم، أجزم بأنها موهبة وهي سر النجاح، يصقلها العلم فتكون العامل الحاسم في تحقيق النجاح.

كما أنني أؤكد على أن وجود قطاع عام في كل دولة أمر لابد منه لكن نشاطه الاقتصادي والاجتماعي يتحدد وفقاً لخصوصية كل دولة...

وبفرض وجود شركات تأمين خاصة في سورية، فإن ضعف الثقافة التأمينية لدى نسبة كبيرة جداً من المواطنين في سورية والدول العربية حقيقة لا مجال لنكرانها وهي حقيقة مؤثرة كالعامل الديني القدري، ومع ذلك فالحقيقة الحقيقية التي هي أكثر أهمية وأكبر أثراً ألا وهي ضعف الدخل الفردي وسوء توزيع الدخل القومي وبالتالي عدم القدرة الشرائية للغطاء التأميني لدى معظم المواطنين حتى لو كان الوعي التأميني والإجازة الشرعية بذلك.

وبالتالي فإن ضعف الانفاق على التأمين يأتي منسجماً مع ضعف الإنفاق بصورة عامة، وقطاع التأمين في حقيقة الأمر لا يمثل إلا الصدى للوضع الاقتصادي العام في أي بلد فلا يمكن وجود تأمين مزدهر في بلد يعاني اشكالات اقتصادية أساسية,

ومنها مشكلة الرواتب والأجور أولاً ثم أولاً ثم أولاً تحتاج إلى سياسة جديدة وجذرية أقلها أن تكون متوازنة مع الدول المجاورة الأردن ولبنان رغم عدم وجود النفط لديهما، فكيف لاستثمار أن ينجح في بلد دخله الفردي لا يتجاوز الألف دولار سنوياً، ومن هو المستثمر الذي سيجازف في هكذا بلد إلا من كان مكرهاً بسبب انتمائه لكنه يعلم أنه لابد في نهاية المطاف مفلساً وخاسراً، إضافة إلى أن بعض الاستثمار لا يمارس دوره بشكل عادل ولا اعتبار لديه إلا لمنفعته الشخصية فقط، سالكاً الأساليب الاحتيالية ضارباً عرض الحائط المصلحة العامة للوطن..

ثم تأتي مباشرة حرية التداول وعدم فرض أية قيود على ذلك فإن كان الاستثمار قوياً ومربحاً والقوة الشرائية جيدة في المستوى العام للمواطنين فإن الإصلاح الاقتصادي يمكن الاعتراف به دولياً ومحلياً بأنه حدث فعلاً وفي رؤية وجود شركات التأمين الخاصة جنباً إلى جنب مع المصارف والصرافة الحرة حيث نجد أن المصلحة العامة لابد وأن تتحقق في ضوء تحقق المصالح الخاصة ولكن بالطرق المشروعة، والكل بالفطرة الإلهية يعلم طريق الحلال والحرام كما بالفطرة يحب المال ويحب التملك.

التأمين السوري والمستقبل:

كما نعلم تقوم في سورية المؤسسة العامة السورية للتأمين منفردة في ممارسة أعمال التأمين داخل السوق السورية وهي مملوكة للقطاع العام وتعد محتكرة للسوق السورية للتأمين وهي تابعة لوزارة الاقتصاد.

سلبيات هذا الوضع غياب مبدأ المنافسة والاعتماد على زبون واحد بشكل عام ألا وهو القطاع العام حيث يعتبر الزبون الأهم إضافة إلى التأمين الالزامي بكل أنواعه حيث الربح المضمون الذي لا يمكن عدّه في مثل تلك الحالات مقياساً حقيقياً لنجاح الإدارة أو فعاليتها وكشف الأخطاء والعيوب إضافة إلى عدم إمكانية المقارنة مع الشركات الأخرى، حيث أن لدى هذه الشركات المنفردة والمحتكرة نتائج رابحة دائماً، بل الأصح نتائج مخططة مسبقاً لأن تكون رابحة، حيث بإمكانها رفع الأسعار متى شاءت بخاصة عند عدم وجود المنافسة في السوق المحلية، التي تعد أساس التقدم والنجاح بل روح الاقتصاد وتطوره ونجاحه بل روح كل نجاح «المنافسة» والمحاسبة.

ولاشك أن الثبات على شكل واحد لفترة طويلة من الزمن في أي مذهب اقتصادي هو مغالطة ومقاومة لسنة الحياة في التغير والتطور الذي يحيط بالعالم أجمع، ولابد أن يحدث التغيير يوماً ما، لأن المبررات في يوم من الأيام وإن كانت أحياناً ضرورية لمصلحة المجتمع العامة، إلا أنه يجب الإيمان بأن إيقاف هذا المجتمع عن المجتمع العالمي ومواكبته والاستفادة من منجزاته والانخراط في إطاره يعد خطأ يجب استدراكه، ولنافي هذا تجارب عديدة في مختلف أنحاء العالم.

إن العالم اليوم أصبح مجتمعاً واحداً، تحكمه رغبات وأمنيات شبه واحدة في مختلف حياتنا اليومية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يجسدها على أرض الواقع توافر وسائط النقل والاتصالات الهاتفية والمرئية بجميع أنواعها وأشكالها العصرية التي هي قيد الاستخدام والاستعمال.

والمشهد الحالي لأسواق التأمين العربية قد تغير باستثناء سورية؟.

كلها قد وضعت نهاية لاحتكار أعمال التأمين على أراضيها، وفتحت أسواقها لتعمل فيها شركات التأمين الوطنية الخاصة والمشتركة والأجنبية، اعترافاً منها بأن قطاع التأمين يعد ركناً رئيسياً في الاقتصاد العالمي والوطني.

إذن ومن خلال دراستنا لواقع سوق التأمين السورية، نرى أنه لابد من توحيد الجهود وإيجاد داسة للسوق والتخطيط الاستراتيجي له، تكون على مستوى الأحداث العالمية والمحلية والآثار المتوقعة والمترتبة عليها.

ونهيب بالجميع بوقفة صريحة وشجاعة بعيدة عن الأنانية الشخصية، سواء في قطاع التأمين أم في بقية القطاعات الاقتصادية الأخرى نجد فيها وبكل قناعة، وللمصلحة السورية دون أي اعتبار آخر على الاطلاق استحالة تحقيق أي تقدم أو نمو نطمح إليه، إذا بقينا على هذه الحالة الاقتصادية المرقعة في زاوية هنا وزاوية هناك، فالثوب المرقع سينتهي إلى التلف وعدم الصلاحية ولابد من ثوب جديد.

فشركة تأمين وحيدة في الدولة منذ مدة طويلة وأعمالها محدودة وصغيرة جداً نسبة إلى شركات التأمين المتعارف عليه، لا تكفي مع وفرة الإمكانات الاقتصادية والاجتماعية المتاحة في سورية والتي لم تستثمر تأمينياً، والمفترض أن لا يبقى أي نشاط معطلاً عن الاستثمار، كنشاط التأمين الذي يعد بخاصة في الدول المتقدمة، الركيزة الاقتصادية والاجتماعية الحامية لثروة مؤسسات الدولة ومستقبلها ومواطنيها في تعاون منظم ومستمر من خلال شركات التأمين، مع إشراف ورقابة من الدولة يتحمل مسؤوليتها رجال تأمين محلفون ومفوضون يتمتعون بحصانة لا يخشون أحداً، هدفهم الأول المحافظة والحماية لأموال ومدخرات الشعب التي خصصها لمستقبله من خلال هيئات وشركات التأمين ليحصد منها الاطمئنان للحاضر والمستقبل معاً.

والمهم أن نبدأ بالخطوة الأولى دون تردد لنشعر أننا نسير في الطريق الصحيح المؤدي إلى الحياة الأفضل في ضمير اقتصادي مخلص ومنافسة شريفة وأسلوب إدارة حديثة مؤهلة وجريئة، وعلينا البدء في الشركات المساهمة الكبيرة المناسبة لنا، لأن شركات التأمين الصغيرة ذات الإمكانات المحدودة «مالياً وفنياً وإدارياً» سوف لن تستطيع تغطية التأمينات المطلوبة أو مواجهة الشركات الوافدة مما يتطلب مراعاة ذلك الأمر بأهمية قصوى.

علماً أن نسبة مساهمة قطاع التأمين إلى الناتج المحلي الإجمالي خلال الأعوام 1995 ـ 2000 هي بحدود (5) بالألف وهي أقل من نسبة معظم الدول العربية والنسبة للدول العربية بما فيها سورية لا تزيد عن (10) بالألف بينما معدل النسبة العالمية (70) بالألف أي (7%) مما يؤكد انخفاض هذه النسبة سبعة أضعاف عن النسبة العالمية وتصل إلى (120) بالألف أي (12%) في الدولة المتقدمة عموماً.

ولهذا علينا في سورية السرعة بتنفيذ نقلة نوعية واضحة لبعث الروح والحياة في هذا النشاط المهم، حيث سيبقى دور التأمين ضرورة قائمة وملحة دائماً، لتكامل النشاط الاقتصادي الوطني من جهة وحمايته من جهة ثانية.

من جهة أخرى فإن معدل حصة المواطن السوري والعربي من أقساط التأمين سواء في سورية أو الدول العربية هو بحدود (5 ـ 25) دولار وهو معدل ضئيل جداً مقارناً مع معدل حصة المواطن من أقساط التأمين العالمية التي تبلغ (423) دولاراً أي أنها تزيد بمقدار (17) ضعفاً على معدل حصة المواطن في الدول العربية كافة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، أليست هذه مشكلة اقتصادية واجتماعية تتطلب حلاً عاجلاً أيضاً؟؟ للمساهمة في التنمية الشاملة ورفع المستوى المعيشي للمواطنين دون أي تأخر أو تردد جديدين.

المؤشرات الاقتصادية:

وكمبدأ عام فإن أوضح اللغات وأصدقها لغة الأرقام التي تحققت فعلاً وعليه:

نجد استناداً إلى الحسابات الختامية للسورية للتأمين أن أقساط التأمين كافة في عام (1996 ـ 2000) هي بحدود أربعة مليارات سنوياً وأرباحها الفنية بحدود مليار وثلاثمائة ألف ليرة سورية سنوياً.

مما يدل على جمود هذا القطاع المهم رغم أن صناعة التأمين في سورية رابحة ولكنها ضئيلة جداً لا تتناسب مع الامكانات المتاحة في سورية مقارنة بالدول المجاورة.

على سبيل المثال معدل حصة الفرد في عام 1998

الإمارات         221 دولار

لبنان         113 دولار

أمريكا       2200 دولار

قطر             150 دولار

ليبيا           42 دولار

بريطانيا      2000 دولار

البحرين          130 دولار

المغرب       35 دولار

فرنسا        1900 دولار

الكويت           100 دولار

تونس         33 دولار

ألمانيا        1500 دولار

السعودية           42 دولار

سورية        22 دولار

كوريا ج      1000 دولار

ومساهمة القطاع التأمين الناتج المحلي:

قطر           1.6%

لبنان         2%

اليابان       12%

الإمارات       1.3%

المغرب      2%

أمريكا        9%

الكويت          1%

سورية     1.5%

فرنسا        8%

نسبة الأقساط والأرباح:

استناداً إلى أنواع التأمين التي تمارسها المؤسسة السورية للتأمين:

آ ـ يأتي تأمين السيارات في المرتبة الأولى بين أقساط التأمين السورية إذ يبلغ 55% وتشكل النسبة الإلزامية منه (80%) حيث تهدف الدولة إلى تحقيق الغاية من التأمينات الإلزامية، وهي غاية اجتماعية وإنسانية هدفها تغطية المسؤولية المدنية تجاه الغير من حيث الأضرار الجسدية والمادية والوفاة ويطبق ذلك في سورية بموجب قانون السير السوري.

وأما باقي النسبة المئوية لهذه الأقساط (20%) فهي اختيارية للتأمين الشامل للسيارات، أما الأرباح الفنية في تأمين السيارات فهي 11% والاحتفاظ 100%.

ب ـ تأمين النقل البحري: يأتي في المرتبة الثانية بين أقساط التأمين السورية إذ يبلغ 22% ومعظمه الزامي على الواردات في الحد الأدنى لهذا التأمين بموجب تعليمات وزارة الاقتصاد، أما تأمين هذه الواردات لجميع الأخطار فهو يجري خارج سورية وذلك بسبب قوانين مكتب القطع وعدم وجود التسهيلات المصرفية بالشكل المطلوب تجارياً.

والأرباح الفنية في تأمين النقل البحري فهي 57% والاحتفاظ 80% والإعادة 20%.

ج ـ تأمين الحريق: يأتي في المرتبة الثالثة ويبلغ 16% من أقساط التأمين السورية وهي نسبة متدنية جداً إذا علمنا أن الزبون الرئيسي في هذا التأمين هو القطاع العام وأن هذه النسبة لا تغطيه رغم التعليمات الصادرة بذلك من الدولة، وحقق أرباح فنية 22% واحتفاظ 50% وإعادة 50%.

د ـ تأمين الحوادث يشمل (المسؤولية المدنية ـ التأمين الشخصي ـ السرقة) نسبته ضئيلة جداً 2% وتعيد المؤسسة تأمين المسؤولية المدنية للفنادق فقط.

هـ ـ تأمين الطيران يبلغ 2.5% وحقق أرباح فنية 2% وتعيد المؤسسة معظمه.

و ـ التأمين الهندسي يبلغ 1.35% وهو إلزامي لأعمال التشييد والبناء لمنشآت القطاع العام.

حقق 2.5% من الأرباح الفنية و65% احتفاظ و35% إعادة.

ز ـ تأمين هياكل السفن يبلغ 0.25% حقق أرباح فنية 0.5% واحتفاظ 90% وإعادة 10%.

ح ـ تأمين الحياة وحماية الأسرة يبلغ 1.15% ويعدان شبه معطلين عن العمل عندما لأن النسبة العالمية 58% وفي عالمنا العربي 14% وفي بعض الدول النامية 27% والاحتفاظ بالكامل والأرباح الفنية 1%.

مما سبق:

نجد أن النسبة العظمى للربح الفني ناتجة عن التأمين الإلزامي (للسيارات والبحري للواردات والحريق للقطاع العام) بلغت هذه النسبة 90% خلال عام 2000 أي 10% للتأمينات الأخرى سواء كانت إلزامية أو اختيارية وهي ضئيلة جداً.

لهذا على الدولة البدء بإصلاح هذا القطاع الاقتصادي المهم (التأمين) إلى جانب الأنشطة الاقتصادية الأخرى كالجسد الواحد لابد أن يعمل بأعضائه كافة كي يصل إلى الهدف المنشود حيث في وضعه الحالي لا يمكنه الإسهام بشكل فعال في عملية الإصلاح الاقتصادي اللازمة.

فالمستفيد حالياً من هذا الجمود التأميني، الشركات المتسللة التي تضخ أقساطها خارج سورية، فلماذا ننتظر أن تفرض علينا أموراً غير مستحبة بخاصة أن الإصلاح قادم لا محالة في ذلك مهما غاب وطال الزمن والعقول السورية لم تجف بعد والحمد لله ومنها كان ومازال يتعلم العالم منه وكم هي المفاجآت حين استدعاء الخبراء الأجانب للدول العربية سورية وغيرها، فإذا هم عرب وسوريون يا سبحان الله.

وفي نطاق الخدمات الجديدة التي نرى أن تشملها مظلة التأمين في سورية، ما يلي:

1 ـ التأمين الصحي.

2 ـ التأمين ضد أخطار التلوث.

3 ـ التأمين ضد أخطار المهن المتخصصة.

4 ـ التأمين على التلاميذ والطلاب ضد الحوادث والوفاة في المدارس والمعاهد والجامعات.

5 ـ تأمين وسائط النقل كافة، بما فيها القطارات واعتبار سيارات الجيش والأمن بحكم المؤمنة.

6 ـ تأمين المنشآت العامة والخاصة كافة ضد الحريق بالقيمة العادلة.

7 ـ التأمين الهندسي العشري للعام والخاص كافة خلال وبعد الانجاز.

8 ـ التأمين الزراعي بشقيه النباتي والحيواني.

9 ـ التأمين الافتراضي للحوادث المرورية المجهولة كافة، وذلك تحميلاً على التأمين الإلزامي.

10 ـ تأمين الفنادق كافة ضد المسؤولية المدنية دون أي استثناء لأن المتضرر هو الإنسان مهما كانت الدرجة السياحية للفندق.

11 ـ إحداث نظام التأمين على الودائع المصرفية فوراً مرافقة لإحداث المصارف الخاصة.

التوصيات:

في ضوء كل ما تقدم حول الواقع الحالي للتأمين السوري، فإننا نوصي بدون أي تأخير بما يلي:

أولاً ـ تبني سياسة تأمين جديدة وحديثة معتمدة من القيادة السياسية لدعم تطوير التأمين ليكون هدفاً وطنياً، وربطه بالبرامج الاقتصادية والاجتماعية كافة، وإصدار القوانين التي تسمح بالترخيص للشركات الوطنية والعربية والأجنبية وذلك تحقيقاً لمبدأ المنافسة والاختيار الحر المناسب لكل مواطن.

ثانياً ـ نشر الوعي والثقافة التأمينية، لإثارة دافع التأمين لدى المجتمع من خلال وسائل الإعلام كافة، بخاصة التلفزيون في قصص معبرة عن فوائد التأمين، مما سيؤدي إلى كسب ثقة الجمهور التي نحن بحاجة ماسة لها لزيادة تنشيط دور هذا القطاع المهم والمفصلي في الاقتصاد العالمي والوطني.

ثالثاً ـ إحداث هيئة متخصصة للإشراف والرقابة على التأمين في سورية، تتمتع بالاستقلالية والكفاية التخصصية العلمية العالية والخبرة العملية المميزة.

رابعاً ـ إعطاء المؤسسة العامة السورية للتأمين أوسع الصلاحيات الاستثمارية لأموالها المحولة إلى صندوق الدين العام، مع تشديد العقوبة الجزائية على إساءة الاستثمار بأشكاله كافة.

ختاماً:

آمل ألا يكون أطلت وربما كررت الأفكار وهي جافة حتى على المختصين فأرجو المعذرة لطفاً، وبعد أن استعرضنا فكرة شاملة عن التأمين، كعلم من العلوم الاقتصادية المهمة، إضافة إلى واقع قطاع التأمين في سورية ودوره في تجميع المدخرات المحلية وضرورة تفعيل ذلك الدور المهم له، ولاشك أننا في سورية في وضع لا نحسد عليه ونمر في مرحلة صعبة يجب أن نتطلع فيها إلى بناء مستقبل واعد على أسس علمية، تعتمد على التقنية المتقدمة والمستندة إلى أساليب الحداثة والأتمتة، إلى جانب اليقظة والتدقيق والحكمة للوصول إلى نتائج سليمة وصائبة، ومحاكاة التطور الجاري في العالم من غير تأخير أو تردد، وإلا كان التهميش والكارثة المفاجئة لا سمح الله تعالى، نناضل ونبني في آن واحد وليس غيرنا أقدر منا على ذلك.

فكما أن الحروب مسألة جدية للغاية ولا يجوز تركها للمسؤولين العسكريين وحدهم، فإن المسائل الاقتصادية والاجتماعية، مسألة جدية أيضاً لا يجوز تركها للمسؤولين الاقتصاديين والاجتماعيين وحدهم، وعلى الجميع أن تتضافر جهودهم لبناء سورية وحماية سورية، التي ستبقى أبية وتأبى الانصياع لأية ضغوط لا تقتنع بها.

إننا نعلم جميعاً: أنه مهما كانت الخطط صائبة والطموحات هادفة والغايات واضحة ونبيلة، فإن الإدارة المتخلقة أو الفردية أو غير المختصة، كفيلة بكل تأكيد بوأد الخطط العظيمة وإشاعة الفوضى والفلسفة البيزنطية، مما يؤكد على أهمية التغيير في الأشخاص خاصة الطفيليين والضعفاء مع الحفاظ على الأشخاص المتفوقين وهم المؤهلين والقادرين على اتخاذ القرار اليومي والفوري أصحاب الخبرة المتراكمة والرأي السديد والوطنية المخلصة مع المكافأة المجزية والأجر الحسن في إدارة لامركزية ولا بيروقراطية إطلاقاً مع إحداث وظيفة مهمة جداً وبأسرع وقت ممكن في هذه الظروف الدقيقة هي (وظيفة المفتش العام) ترتبط مباشرة بالسيد رئيس الجمهورية، لاتخاذ الإجراءات المناسبة فوراً عند حدوث أو ظهور أي مشكلة تحتاج إلى من يكشف الغطاء عنها بأمانة حملها الإنسان فقط، ومحاسبة شديدة لأن الوطن هو الأهم.

مرة أخرى أقول والغاية هي الوطن وأمانة العلم والخبرة إن المصارف والصرافة وشركات التأمين... هذا الثالوث الاقتصادي هو الإصلاح فقط والدليل والبرهان هو هذا التخبط الذي نحن فيه منذ فترة طويلة وكان الأولى أن يكون ذلك مع صدور قانون الاستثمار في عام 1991 الذي دل بدون شك على نية الإصلاح والتطور والتغيير وكان الأفضل صدوره بدون أي تعليمات تنفيذية التي تعيق كل قانون أو مرسوم فيه الخير وجوهره منفعة هذا الشعب إلا أن فيروسه التعليمات التنفيذية المضللة له وكفانا أسواق بيضاء وسوداء هنا وهناك إنها عيب وحرام وشؤم ويأس لكل تقدم ونجاح وتكافؤ للفرص.

لأن الوعي الجماهيري السوري العظيم الذي بإذن الله ينتصر على كل عائق يظهر أمامه كما تعلمون، والآمال الكبيرة التي يوحي بها دوماً رئيسنا الموهوب ابن عظيم سورية والعرب: د. بشار حافظ الأسد لابد أن تعطي ثمارها في الحاضر وفي المستقبل وباستمرار، حيث أن عشرين مليون سوري سينقلبون إلى ورشة عمل تطال كل مرفق من مرافق الحياة وتظلَّ سورية قدوة للعرب وغيرهم لأن كلنا يحب سورية وأمل سورية يرعاه الله عز وجل.

وكلمة أحب أن أختم بها وكلنا يؤمن بها:

«إن العواطف هي التي تنشئ الدولة

وإن العقول الأمينة هي التي ترسي دعائمها

وإن الأهواء والآراء المتنافرة العنيدة هي التي تجعلها ركاماً».

 

والله من وراء القصد والحمد لله رب العالمين

 

وشكراً لإصغائكم

 

دمشق في 16/9/2003

  

د. محمد صالح طباخة


(*) دكتوراه في الاقتصاد ومحاسبة التأمين.