الصناعات الصغيرة و المتوسطة
سعد بساطة *

 

موقع الصناعة بين النشاطات الاقتصادية الأخرى :

تشكـّل الصناعة و التعدين حسب الاحصائيات الرسمية نسبة مرتفعة ضمن الانتاج القومي ، فتشكلا سوياً نسبة ال 41% من مجمل الانتاج الوطني ،و عمال الانتاج (بقطاعيه العام و الخاص) ثلث اليد العاملة في سوريا.

و كونها تقدّم سلعاً تسد فراغاً في السوق الاستهلاكية المحلية و تلغي الحاجة للاستيراد ، و تميل للتصدير أيضاً،فهذه العوامل تجعلها مرشـّحةً لدراسة معمـّقة لبيان وضعها و تحليل مشاكلها و استشراف المستقبل الذي ينتظرها ضمن المعطيات الدولية و المحلية .

إضافةً لكون النشاطات الصغيرة و المتوسطة في سوريا تشكـّل مجمل النشاط الكلي في كافة القطاعات .

 

الصناعات التقليدية و الصناعات الجديدة :

قد تكون كلمة " صناعة " فضفاضة في أحيانٍ كثيرة ، لا سيما عندما نتحدّث عن صناعات الصيانة، و السياحة، و الكهرباء ، فهذه خدمات منوّعة.

لدى حديثنا عن إنتاج صناعي نقصد بقولنا تحويل مادة أولية ما إلى سلعة جاهزة أو نصف جاهزة مستخدمين وسائل و طرائق معيـّنة، و المسافة المقطوعة نسميها فضل القيمة.مراعين بذلك حاجة المستهلك، رغبات السوق ، و ألنواع و الأنماط السائدة.

لربما أن أمثلة من قبيل تصدير الزيت الزيتون التونسي و سمعته العالمية ، تفيد زيت الزيتون السوري بالسير على نفس المنهجية ، و تشجـّع الانتقال من نمط الانتاج التقليدي المعتمد على السوق المحلية إلى أنماط الانتاج المهيـّأة لولوج الأسواق الدولية .

إنّ سمعة المبرمجين الهنود الذين أفرزته مقاطعة بانغالور و أطلقتهم إلى رحاب العالم المانيا  و بريطانيا ، و الولايات المتحدة ، يخلق افكاراً جديدة للمنتـِج السوري. و لكن بالواقع ليس بإمكان المنتـِج أو حتى مجموعة من المستثمرين الإقدام على خطوة نوعية كهذه ، دون أن تكون مترافقة مع أطُر معيـّنة من تدريب و إنجاز و تسويق بمساعدة الدولة أو إحدى المنظمات الدولية غير الحكومية( NGOs ).

الأمر ينطبق على :

الاتصالات وسائلها و تطويرها و صيانتها.

البرمجيات و تطبيقاتها

هندسة المورثات ( الجينات ): و تفرعاتها و تطبيقاتها في الحقول المختلفة .

يمكن في هذا المجال الاستفادة من :

-         التجربة الهندية:التي سبقتنا بمراحل في تلك  المجالات.

-    التجربة الايرانية: في الصناعات المعدنية المتطورة( لقد ضيـّعنا على انفسنا فرصة ذهبية ببداية التسعينات عندما سمحنا بالترخيص لمشاريع النقل بحصيلةٍ هي بضع حافلات و الوف السيارات المستوردة ، بينما كان من الممكن التوجيه و التشجيع للبدء بمشروع ضخم متكامل من تجميع، و تصنيع قطع غيار ، و عمليات الإصلاح و الصيانة و التركيب ، مستفيدين من الخبرات العميقة في بعض المراكز المعروفة في سورية

( المناطق الصناعية الشهيرة بالصيانة و الصناعات المعدنية في حلب مثلاً)؛ لأضحى لدينا نواة جيدة لبداية عملية تصنيع للسيارات (under license ) أسوةً بمصر – إيران- تركيا و غيرها..موفـّرةً الملايين من العملة الصعبة و خالقةً الكثيرمن فرص العمل ، و مطوّرة الأيدي العاملة الماهرة المتواجدة حالياً و التي تعمل في هذا المجال بوسائل قديمة و خبرات محدودة.

 

-    تجربة المنظمات الدولية: في هندسة الجينات لتطوير سلالات مقاومة من الحبوب والأقطان ؛ منطلقةً من مراكز دولية مستقرّة في سورية مثل المركز العالمي للزراعة في التربة الجافة (الإيكاردا ) حيث لديها خبرات لا يُستهان بها في هذا المجال .

 

 

تعريف الصناعات الصغيرة و المتوسطة  :

نقصد بالصناعات الصغيرة و المتوسطة ما يـُرمـَز له ب ( SMEs ) ، و قد يكون المصطلح يعبـّر بحقيقة الأمر عن صناعات صغيرة و حرفية ، و هذه تشكـّل العمود الفقري للقطاع الخاص الصناعي في سوريا ؛ اسوة بدول المتوسط و الجوار . فهي تحظى بنسبة كبيرة من :

- العمالة بكافة أنواعها ( عادية و ماهرة )

- الانتاج السلعي و الخدمي

- المساهمة في الانتاج القومي

- التصدير

- نسبتها بين العدد الكلـّي للمنشآت الصناعية

إنّ المقياس المستعمل لدى وزارة الصناعة (وفي دوائر المالية ) يختلف ، و يعتمد على عدّة مؤشـّرات:عدد العمال- استهلاك الطاقة – درجة مكننة المنشأة – عدد الآلات (الأنوال مثلاً) و غيرها، و تلك قد لا تتفق بالضرورة مع المقاييس الدولية المعتمدة.

الحرفة لدينا: من 1 إلى 9 عمال قد يكون أغلبهم من عائلة واحدة – الانتاج استهلاكي – الآلات تقليدية – طريقة الانتاج يدوية الخ..

بينما الصناعة: عشرة عمال و أكثر- انتاج آلي ، و من الاحصاءآت نلاحظ أنـّه لاوجود للأعداد الكبيرة من العمال ، أو الكم الهائل من الانتاج في نشاطات القطاع الخاص إلاّ في النادر .

وهذه الصناعات الصغيرة عموماً أضحت موضع اهتمامٍ مؤخـّراً ، كونها تعرّضت لإهمالٍ شديد في السابق، و كانت تنمو بشكلٍ عشوائي و بدون تخطيط ، غير مستفيدةٍ إلاّ من الحماية التي تكفلها لها الدولة (و السبب الفعلي : عدم الرغبة بالاستيراد لنقص العملة الصعبة ). و مستفيدةً أيضاً من الفرص التي سمحت لها بها الدولة للتصدير لجمهوريات الإتحاد السوفيتي السابق (ضمن ديون السلحة) و ذلك لسلع ٍ لا تلتزم بمواصفاتٍ من أيّ نوع ، مما خلق نوعاً من العمالة اللامبالية ، و ربـّى أسليباً للإنتاج و الإدارة و التسويق ، صار من الصعب الآن التخلّي عنها ، لدى التحوّل للسوق المفتوحة أمام المنافسة من المنتجات العربية حالياً، و المجاورة ( تركيا)، و الأوروبية ( بعيد الشراكة السورية الأوروبية ) و العالمية ( بعد اتفاقية الجات ).

 

الأرقام:

سنعتمد على الاحصائيات ، و الجداول ، و الأرقام ، كونها تمثل   trends أو نزعة لخط معيـّن ، و ليست كأرقام مجرّدة ؛ لسبب وجود تباينات رقمية ما بين المصادر المتعدّدة ( هيئة تخطيط الدولة – المكتب المركزي للإحصاء- وزارة الصناعة و مديرياتها – المؤسسات الصناعية المسجّلة لدى الدوائر المالية – المنشآت الصناعية المسجـّلة لدى البلديات الخ..).

و الأسباب عديدة منها:

أ) تخلـّف الوسائل و الامكانات لدى المكتب المركزي للإحصاء.

ب) التباعـُد الزمني ما بين إحصاء شامل و الذي يليه.

ج) قلـّة الصلات بين الدوائر المعنيـّة.

د) انخفاض مستوى تمثيل الوزارات في إجتماعات المكتب المركزي للإحصاء.

و عوامل أخرى عديدة لسنا بمجال ذكرها الآن .

التصنيف:

النشاطات الصنعية هي بالأساس أقسام أربعة أساسية :

-    نسيجية : و هي كل ما يندرج تحت هذا القسم الرئيسي من أجزاء فرعية (صباغة- تحضير- حلج – عقادة- تريكو – ملابس جاهزة بأنواعها الخ..)

-         كيماوية : مواد الزينة و التجميل- اللدائن – الأطلية – الأسمدة – مواد التنظيف و الصابون –معالجة و دباغة الجلود.

-    غذائية : الصناعات الغذائية بأنواعها – الأفران – المعجـّنات- الصناعات الزراعية – منتجات الألبان- العصائر و المشروبات

-    هندسية : الميكانيكية و الآلات- قطع الغيار – المعدّات و الأدوات – صناعات القرميد والخرسانة – الإصلاح و الصيانة – و غيرها.

 

التمركز الجغرافي:

نشير بدايةً إلى أنّ الصناعة متمركزة في :

1)    حلب

2)     دمشق- ريف دمشق

 حيث تتميـّز الأولى بالصناعات النسيجية و الميكانيكية ، في حين يتمركز بالثانية صناعات الملابس الجاهزة و الكيماويات ، علماً بأنّ دباغة و معالجة الجلود تتوزّع بين المنطقتين الآنفتي الذكر و كذا الأمر بالنسبة لصناعة الأدوية .

تتبعثر بعض الصناعات الصغيرة و الخدمية في مناطق أخرى من القطر (حمص- الساحل – الجنوب ) و لكنـّها محدودة من حيث الحجم و الإنتاج.

يرغب الكثير من المستثمرين بالتمركز في ريف دمشق بسبب قربها من مراكز صنع القرار ، لا سيما في ظل المركزية الشديدة التي يكثر الحديث مؤخراً حول التخليّ عنها .

 

أشكال المشاريع :

نميـّز عدداً من التصنيفات لنشاطات الانتاج الصناعي:

1-    الصناعة

2-    الحرفة

3-    التعاونيات الانتاجية

4-    المشاريع بترخيص وفق قانون الاستثمار رقم 10 لعام 1991

و الصناعة و الحرفة تختلفا من حيث الحجم كما أسلفنا سابقا .ً

 

أما التعاونية الانتاجية ( co-operative ) فهي شكلٌ معيـّن من اشكال التعاوُن الانتاجي الحرفي لها شروط معيـّنة و يمنحها مزايا محدّدة.

لقد حذت سورية حذو الكثير من دول العالم بشرقه و غربه في مجال التصنيع رافعة ً شعار التعاون الانتاجي ، و قد بأت هذه التجربة على استحياء في الثمانينات ، و قد لاقت رواجاً بسبب:

1)    الإعفاءآت المالية التي كان تستفيد منها .

2)  سهولة تأمين المواد الأولية في فترةٍ كانت تمر بها البلاد في ضائقة مالية فيما يتعلّق باستيراد تلك المواد (خشب- حديد- المنيوم- اسمنت – زجاج) في حين كانت تصل مخصصات التعاونيات بسرعة و يُسـر (علماً بأنّ غالبيتها كانت تـُباع لمنشآت أخرى مباشرةً بأرباحٍ مجزية وفي السوق السوداء).

ساعدت هذه العوامل المشجـّعة على تسجيل ما يزيد على المائة و أربعين تعاونية انتاجية في حينه ن و لكن تقلـّص عددها بشكل ملموس و كذا نشاطاتها ، فأضحت الان ما يقارب الثلاثين واحدة أغلبها ينوء بمشاكله مالية أو يعاني من أمورٍ تتعلّق بالتسويق ، و هذه متمركزة غالباً في ريف دمشق- ريف حلب و حمص و تعمل في مجال ( البيرين- مواد التنظيف – عصر الزيتون – النجارة – الطباعة – الملابس الجاهزة ).

 

إنّ عوامل الجذب لم تعـُد مناسبة بعد مضيّ أكثر من ثلث قرنٍ على بداية نشاط هذه المؤسسات ووضع أنظمتها الداخلية، فقد تخطـّتها مسيرة الاقتصاد لكون المواد الأولية متوفّرة بأشكال و أنواع تزيد و تفيض عن الحاجات و بأسعار مناسبة و بوسائل تسديد مريحةو تنافسية ، في حين الروابط القاسية التي كانت تربط التعاونيات اضحت من عِداد الماضي و لم تعـُد مناسبة لطرائق الانتاج و علاقات الانتاج الحالية .آن الأوان للقيام بتعديلات جذرية عليها لتحويلها (إذا أمكن ) لتجمـُّعات عنقودية ( clusters ) تتمتـّع بمزايا التجمـُّعات ، و تتجنـّب بمرونتها المشاكل السابقة .

تتمتـّع الصناعات الصغيرة بمزايا كثيرة منها المرونة و سرعة رد الفعل للتأقلم مع المتغيـّرات الداخلية و المحيطة ، و لكنها في غالب الأحيان محدودة الموارد ، و تفتقر للخبرات الدولية العميقة و بخاصة في مجالات التقانات المتطورة و التسويق لا سيما في المجال التصديري .

للتغلـُّب على تلك العوائق تحتاج إلى صيغة لتجميعها لمواجهات التحديـّات المحيطة ، و تبتعد عن القوالب الماضية والتي أضحت عبئاً عليها اليوم و تحدّ من تحرّكها المالي و الاداري .

إنّ منشأة من الحجم الصغير لا تقوى على :

-    اقتناء آلات متممّة لانتاجها ، و لكن يمكن شرائها و استعمالها بشكل تعاوني بين عدة منشآت (مثال : جهاز تعبئة آلية للزيت ، بالمشاركة بين عدة معاصر زيتون ).

-    استيعاب التقنيات الحديثة و الجديدة في مجالات التغليف و الأمبالاج و التعبئة ، و التي أضحت ضرورية لإضفاء الشكل الجذاّب و حماية السلعة لا سيما عند التصدير .

-         تمويل دراسات للأسواق المحلية و العالمية من نواحي : التطوير ، المنافسة ، ردود الأفعال المطلوبة الخ..

-         الاشتراك في المعارض الدولية

-         مواضيع و حملات الدعاية و الترويج التي أضحت لازمة مؤخـّراً

-         الكثير من الأكلاف الإدارية الممكن أن تصبح مشتركة (سكرتاريا- خدمات تنظيف الخ..)

-    الكثير من الأكلاف الخدمية المساعدة على الانتاج والممكن أن تصبح مشتركة (بئر ماء- مولدة كهربائية – مقسم هاتف ..).

 

قانون الاستثمار رقم 10 لعام 1991 : كان باكورة اتجاه الدولة لتشجيع و جلب الاستثمارات و للمشاريع الجديدة . قـُصـِد منه بالدرجة الأولى استعادة الرساميل السورية المهاجرة بالخارج ، و الخطوة التالية جذب رساميل عربية و أجنبية ( أسوة بالحالات التي سبقت في جمهورية مصر العربية ).

تعرّض القانون المذكور لحملات كثيرة ، و خضع لتعديلات و تحسينات كثيرة مؤخـّراً، و يكثر الحديث عن المزيد من التحسينات و التسهيلات القادمة أيضاً، و هنالك طرح فكرة النافذة الواحدة ( One stop window ).

أحد المؤشـّرات الواضحة على اهتمام الدولة بهذا الموضوع كونها قد رفعت من سوية مكتب لاستثمار التابع لرئاسة مجلس الوزراء إلى ما يـُدعى بهيئة الاستثمار الآن ذات الصلاحيات و النشاطات الأوسع.

ما يزال الوضع الاستثماري غير ملائم ،و هذا ما لاحظناه عندما خفضت الدولة الفائدة المصرفية آملةً أن يتجه أصحاب الرساميل للإستثمار ناسية أنّ المناخ الاستثماري لم ينضج تماماً بعد .فاتجهت بعض الأموال للهجرة ، و نزحت الباقية لسوق العقارات مسببـّةً ارتفاعاً منفوخاً يتراوح بين 10-20% من اسعار العقارات في بدايات 2004 .

الصناعات المسموحة وتلك الممنوعة أمام القطاع الخاص :

ما تزال بعض الصناعات موصدة الباب أمام القطاع الخاص و محصورة بالقطاع العام لأسباب كثيرة (منها حماية منتجات القطاع العام من المنافسة ) وأذكر على سبيل المثال لا الحصر : السجاد الصوفي ؛ البطاريات الجافة ، الغزول القطنية ، حلج الأقطان ، البيرة ، المياه المعدنية ، التبوغ و غيرها ، ومن الجدير بالذكر أنّ  قائمة الحظر كانت طويلةً جداً بالسابق، و لكنها تناقصت مؤخراً و منذ بدايات التسعينات .

 

الصناعة و البطالة و هيئة مكافحة البطالة :

بدأت هيئة مكافحة البطالة بمنتصف عام 2002 ، و كانت نتيجة جهود حثيثة لمكافحة ظاهرة التعطـّل عن العمل بين الفئات القادرة على العمل لا سيما الشباب.

إنـّها هيئة مستقلـّة تابعة لرئاسة مجلس الوزراء، فترة عملها خمسة سنوات ، و ميزانيتها خلال نفس الفترة ما يقارب الخمسون مليار ليرة سورية. تمارس الهيئة عدّة نشاطات تدور بفلك تأمين فرص عمل للمتعطلين عن العمل و هي عن طريق قروض متوسطة الأجل تمنحها الهيئة وفق شروطٍ محددّة أهمها خلق فرص عمل جديدة و حقيقية لمن يفتقر للعمل و ذلك لمشاريع تتراوح ما بين الزراعية- تربية الحيوانات- السايحة- الخدمات- و الصناعية – وهي التي تهمنا في موضع دراستنا هذه- . للأسف ما يزال كمٌ كبير من المشاريع التي تتقدّم بطلب قروض للهيئة تندرج تحت بند " صناعات استهلاكية و مكررّة و متشابهة و متزاحمة فيما بينها " و لا تتسم بأيّ نوع من الابتكار أو الاختراع ، على الرغم من أنّ سعي الهيئة لأن تنتقل من مجرد مرشِّح للطلبات أو جسر ما بين المقترض و المصرف ، لتلعب دوراً أساسياً في عملية التوعية الاستثمارية ، و خلق مناخ إيجابي مبني على الابداع.

هنالك محاولات حثيثة للتقدّم في مجال ال SMEs بغية رسم خارطة للنشاطات في القطر السوري بحسب مناطقه الجغرافيـّة ، و لكن الموضوع ما يزال على الورق .

إنّ أيـّة دراسة تستعرض أوضاع الصناعات الصغيرة يجب ان تأخذ بالاعتبار وضع و نشاطات و مشاريع هيئة مكافحة البطالة .

 

هجرة الأدمغة ، هجرة الرساميل:  مقابل  كل مهندس يعمل في سورية ، هنالك آخر يعمل في الخارج: الدول المجاورة ، دول الخليج، الغرب – اوروبا و الولايات المتحدة و كندا – و المر نفسه ينطبق على اختصاصات أخرى من مثل الطب و الدراسات المحاسبية و الاقتصادية ..

هذا يضعف و يبطئ من وتيرة التطوير بشكلٍ عام ، و من تطوير الصناعة بشكلٍ أخص

ويبقيها في منأى عن التقانات الحديثة ، أو يجعل التفكير بالتطوير امراً مكلفاً للغاية ، و يجعلها بطيئة الحركة و بخاصة عندما يتعلـّق المر بالابتكار و الابداع .

الرساميل موضوعٌ آخر ، لكنـّه مشابه في مضمونه ، حيث اتجهت رؤوس الأموال بفترة الستينات و ما تلاها للدول العربية والمجاورة ( لبنان – مصر- العراق و تركيا ) للعمل في نشاطات ( بلاستيك – نسيج- جلود ) و بعضها توجـّه للغرب .

تحسّن مناخ الاستثمار الآن و ارتفع مستوى الخدمات التحتية ( المصارف الخاصة- إطلاق التعامـُل بالعملات – تسريع عملية الترخيص – القانون 10 للاستثمار و تعديلاته).

كل هذا خلق قاعدةً لا يمكن إنكارها لبدء مشاريع صناعية . يمكن القول أنـّه بعد احداث 11 سبتمبر ، و جو العراق الذي انعكس على الخليج ، هذه . كل تلك معطيات أو متحوّلات أسهمت في تأكيد المقولة التي تحضّ على عمل الرساميل العربية في المنطقة العربية .

 

الملكيـّة و الادارة:

ملكية مشروع صناعي ما و إدارته هما أمران متطابقان بالعادة ، و يستغرب التقليديون من المستثمرين ان يكون هنالك طروحاً تختلف عن ذلك. شخصية الحجي / ابن البلد ( الفهلوي ) القادر على غلإمساك بزمام الأمور : من محاسبة ، إدارة ، إنتاج ، دعاية وعلاقات عامة ، تسويق ، تصدير الخ..و إذا اضطر الأمر يستعين بأولاده و أصهرته و إخوته.

الملكية عائلية في غالب الحالات، و لو اضطر الأمر التعاقـُد مع بعض التقنيين للقيام ببعض الأعمال ، فتلك تكون وقتية و محدودة و يتم مراقبتها عن كثب و بنوعٍ من التشكـُّك.

أمـّا بعض الشركات التي تسلّم الفنيين مهمة إدارة  الأقسام التقنية فيكون ذلك غالباً بلا صلاحيات تـُذكَر ، و كل قرار لهم يبقى بلا قيمة إذا لم يأخذ قوة تنفيذه من المرجعية الأولى.

قد يكون هذا أحد العوامل التي تؤخـّر وصول الشخص المناسب لموقعه المؤهـّل لهو بنفس الوقت تؤخـّر تقدُّم المنشآت تلك .

 

العمالة و التدريب :

إنّ غالب عمال معظم المنشآت الصناعية هم من الفئة العادية و بلا اختصاصات تـُذكـَر، و لو كانت هنالك مؤهـّلات لدى التعيين فتترافق مع الخبرة الزمنية و غالباً بدون دورات للتطوير و التحديث(وقد سمعت تعليقاً يخدش الذن من أحد أصحاب المنشآت مفاده أنّ الفني إذا خضع لدوراتٍ متقدّمة ما يلبث يعتقد نفسه مخترع الذرة ، و من فوره يفكر بالاستقلال في عمله الخاص! ).

غالبية التدريب تتم في مكان العمل ( In House training ) و بواسطة عمال أقدم .

الأمية منتشرة بين شعبنا بنسبة 20-30 % و ترتفع بالريف ، و العمال العاديين ليسوا مستثنين من تلك الاحصائية .

أما المهندسين، الفنيين ، و العمال المهرة ، و غيرهم من إداريين و محاسبين ، فيلتحقون عادةً بالقطاع الخاص و هم حديثو التخرُّج و ليس لديهم خبرات مسبقة و يكتسبون خبراتهم مع الزمن وفي نفس مكان العمل . يقوم القطاع العام عادةً  بتعيين الكثير من الكوادر ، و من المألوف أن تكتسب الخبرات هناك ، و بعدها – حسب الواقع – يجذبها القطاع الخاص و يأخذها سائغةً و ذلك برواتبه العالية و شروطه المغرية .

 

الرابطة ما بين التصنيع و المؤسسات التعليمية :

أو العنوان بالأصح هو عدم وجود روابط ما بين الصناعة و أكاديميا!

سنركـّز في هذا السياق فقط على كليات الهندسة و الاقتصاد.

كلية الاقتصاد تتعرّض لمواضيع جامدة أو نظرية ، و كثيرٌ منها عفّ عليها الزمن، و لا يتخرّج منها أناسٌ يمكن الاعتماد عليهم في مجالات الادارة أو التسويق.

ينطبق الأمر على كليات الهندسة، و المعاهد الهندسية ، و مراكز التدريب المهني ،فهي تفتقر للتطبيقات العملية و للمخابر الحديثة و للكوادر المطلّعة على التقانات الحديثة .

أما المواضيع التي تـُطرَح كمشاريع تخرّج فقد أضحت متكرّرة عبر السنوات ، و لا تنفذ إلى لبّ المشكلة و بعيدة عن جوهر الممارسات اليومية في الحياة الحقيقية ز في حين نرى في الدول المتطورة أنّ تلك المؤسسات تعمل على حل المشكلات التي تتعرّض لها المنشآت الصناعية و المعضلات الانتاجية و التسويقية التي تجابهها ، و تحاول استنباط موديلات و أنماط بغية الوصول إلى ممارسات أنجع و تطبيقاتٍ أمثل .و هذه المنشآت بدورها تنفح المعاهد هباتٍ كريمة و تمنحها ثقتها لوضع المشاكل اليومية على المحك حيث تقوم المعاهد بتطوير الكوادر و التجهيزات .  نسبةٌ كبيرة من المنشآت الصناعية على اختلاف أحجامها و أنواعها ممـّن سُئلوا عن علاقتهم بالمعاهد و الجامعات ، تراوحت اجاباتهم ما بين الصفر المطلق و الدهشة لامكانية وجود علاقة عمل تحت تلك الظروف.

 

الطـاقة الكهربائية:

تقوم وزارة الكهرباء عبر مديرياتها في كافة المحافظات بتقديم الطاقة الكهربائية للمنشآت الصناعية المرخـّصة بشكل نظامي وفق عقود حسب النظام المعمول به.

و لكن في كثيرٍ من الأحيان يحصل هبوط بالتوتر أو قطع بالتيار ، و من الجدير بالذكر أنّ أغلب المنشآت الصناعية حسب آلاتها الحديثة و عياراتها الدقيقة تعاني من مشاكل لدى حدوث أعطال و انقطاعات .

من المشاهد المألوفة أمام كل منشأة صناعية مجموعة توليد و خزان وقود لتشغيلها بسبب عدم كفاية الطاقة التي تستلمها أو بسبب انقطاعات التيار ، مما يضع أعباء إضافية على كاهل المنشأة الصناعية و يتحمـّل بالنهاية المستهلك على شكل سلعة بأسعار أعلى.

هنالك حوارات كثيرة تحتج بأنّ أسعار الكهرباء مقارنةً لمستوى الدخل في سورية مرتفعة، و لكن بحقيقة الأمر فهي الأخفض في المنطقة، و الدولة تتحمـّل عبئاً كبيراً في هذا المضمار.

من الجدير بالذكر أنّ الشبكة الكهربائية في مراكز المدن تعاني من القـِدم و الاهتراء و بحاجة لتجديدأو إعادة ظر في أحسن الأحوال . أمـّا موضوع توليد الطاقة فقد استقر نسبياً مؤخـّراً ، و لكن موضوع التوزيع هو أمر متعلّق بالشبكة ، و أضحى انقطاع التيار امراً نادر الحصول في ساعات الذروة أو لدى الظروف الجوية شديدة القسوة .

 

الماء :

منطقة الشرق الأوسط هي من المناطق الأقل حظاً بالنسبة لمصادر المياه على الصعيد العالمي ، و تعاني كثيرٌ من المنشآت الصناعية من نقصٍ بالمياه ت&