مداخلة في مسألة البطالة

الدكتور مطانيوس حبيب

 

البطالة تهميش اجتماعي وهدر اقتصادي. وظاهرة مرضية في الاقتصادات الوطنية. والبطالة في حدود مقبولة إحدى سمات اقتصاد السوق، حيث يكون العاطلون عن العمل بمثابة جيش احتياطي لرفد القطاعات المحدثة في الاقتصاد الوطني، أو لمد القطاعات القائمة بيد عاملة إضافية، عندما تبدأ مرحلة النهوض الاقتصادي. وتتحول البطالة إلى حالة مرضية، عندما ترتفع نسبة العاطلين عن العمل عن حد معين. كثيراً ما تسقط حكومات وتنتقل السلطة إلى حكومات جديدة عندما تفشل الحكومة في مكافحة البطالة.

أما الاقتصادات المخططة وحتى الموجهة فقط؛ فيفترض ألاَّ تقع في مشكلة البطالة، لأن الإدارة الاقتصادية فيها تحدد كيفية استخدام الموارد الطبيعية والمالية والبشرية بما يحقق الانسجام الضروري للاستفادة من كل هذه الموارد بالحد الأمثلي.

ولهذا السبب فإن دول اقتصاد السوق تلحظ في موازناتها وفي تنظيمها الاقتصادي تخصيص اعتمادات واسعة للضمان الاجتماعي، بما في ذلك تعويض التعطل عن العمل. وبذلك فإن المجتمع بكامله يتحمل العبء الاجتماعي للبطالة فيحصل العاطل عن العمل على دخل يسمح له بالعيش بمستوى مقبول وفقاً لمستويات المعيشة السائدة في بلده حتى يتسنى له العودة إلى العمل. فالتعويض الذي يتقاضاه المتعطل عن العمل في ألمانية مختلف عن التعويض الذي يتقاضاه المتعطل عن العمل في فرنسة أو في إيطالية وذلك بسبب اختلاف مستوى المعيشة وتكاليف الحياة.

في حين أن دول الاقتصاد الموجه أو المخطط لا تهتم بقوانين الضمان الاجتماعي، لأن الدولة أساساً مسؤولة عن تأمين الخدمات الاجتماعية لمجموع مواطنيها،بما في ذلك الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية مجاناً، أو بتكاليف زهيدة تتناسب مع مستوى الأجور المدفوعة. ومن ناحية ثانية فالدولة مسؤولة عن إيجاد العمل لكل قادر عليه بما يتناسب مع تأهيله وإمكانياته.

وهكذا نجد أن معالجة البطالة تتم بطرق مختلفة في المجتمعات وتكرِّس لها الحكومات موارد كافية لمواجهة أخطارها الاجتماعية وانعكاساتها الاقتصادية.

أما الدول النامية، وبصرف النظر عن توجهاتها السياسية الاجتماعية؛فلا تهتم بمسألة البطالة إلا نادراً ولا تأخذ على عاتقها معالجة آثارها النفسية والاجتماعية والاقتصادية، وكأن حكومات هذه الدول لا تدرك أن كيانات الدول هي عبارة عن عقود اجتماعية بين المواطنين، بحيث يتحقق بينهم عبر الحكومات نوع من التكافل والتضامن الاجتماعي. ولهذا السبب تجد في البلدان النامية ضعف رابطة المواطنة لصالح رابطة القبيلة والعشيرة والطائفة. وتجد غالبية العاملين في مؤسسة من المؤسسات الخاصة وحتى العامة أحياناً من لون واحد حسب لون المالك أو المدير.

 

 

البطالة في الدين واللغة .إن مواجهة مسألة البطالة إحدى المهام الرئيسة للحكومات، مهما كان توجه النظام السياسي الاقتصادي الاجتماعي، إذا أريد للمجتمع أن ينمو ويتطور ويحقق السلام الاجتماعي والاستقرار السياسي. ولعل هذه المهمة تكون أكبر في حكومات الدول الإسلامية والعربية على الخصوص. لقد كرَّم الله تعالى العمل وحث المؤمنين عليه. وجاء هذا التكريم في أشكال مختلفة فقد ورد ذكر العمل والعاملين في 359 آية كريمة وعدَّ العمل الأساس الوحيد للمكافأة والجزاء "وما تجزون إلا ما كنتم تعملون" (39 سورة الصافات). والإسلام الحنيف يعتبر العمل نوعاً من العبادة، بل لعله أول العبادات. فقد ورد في سورة التوبة قوله تعالى: ) وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون( (التوبة، 105) وفي سورة الجمعة: ) فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله( (الجمعة، 10).

وكان الرسول r يحث على العمل ويعدّه قبل الصلاة. فقد امتدح قوم رجلاً إلى رسول الله r بالاجتهاد في العبادة والغنى عن العمل وقالوا: صحبناه في سفرنا فما رأينا بعدك يا رسول الله أعبد منه، كان لا ينتقل من صلاة ولا يفطر من صيام. فقال عليه الصلاة والسلام فمن كان يمونه ويقوم به؟ فقالوا كلنا يا رسول الله. قال: كلكم أعبد منه. وهكذا فقد فضل رسول الله السعي للرزق على الانقطاع إلى العبادة.

ونحن العرب يجب أن نكون معنيين، حكومات وشعوباً، بالبطالة أكثر من غيرنا للدلالة النفسية والاجتماعية العميقة التي يعطيها تعبير البطالة في اللغة العربية، خلافاً للغات الحية الأخرى واسعة الانتشار. فقد ورد في معجم الإصحاح للغة العربية أن البطالة مشتقة من بَطُلَ بمعنى لم يعد صالحاً أو أنه فقد حقه والبطَّال (أي الشخص الباطل عن العمل) يعني أنه فقد حقه وصلاحيته. في حين أن البطالة في اللغتين الإنكليزية والروسية لا تعني أكثر من الانقطاع عن العمل وبالتالي الشخص المتعطل عن العمل يمر بمرحلة عدم نشاط يمكن أن تعقبها مرحلة نشاط آخر مكثف. وفي اللغة الفرنسية كلمة "Chomage" والتي تعني البطالة مشتقة من فعل بَطُلَ أي تعطَّل عن العمل ولكن فعل "Chomer" يعني أيضاً الاستظلال من الشمس بمعنى أن الباطل عن العمل، في اللغة الفرنسية، إنما يعني ذلك الشخص الذي يستريح في الظل ومن ثم سيستأنف عمله.

فشتان بين تعبير البطالة في لغتنا العربية وبين نفس التعبير في اللغات الحية الأخرى. ويتأكد معنى البطالة بمعنى عدم الصلاحية ومعارضة الحق في كل الآيات القرآنية الكريمة ولا يقل عددها عن 35 آية. ) يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى( (264 سورة البقرة).

يجب النظر إلى إيجاد فرصة عمل لشخص,من الوجهة الدينية, انها بمثابة تمكينه ممارسة نوع من العبادة . لهذا يكون من واجب أصحاب الأموال المنعم عليهم أن يستثمروها لتوفير المنافع لخلق الله (الخلق كلهم عيال الله ) وتمكينهم من ممارسة عباداتهم فيكون لهم بذلك ربح مادي في الحياة الدنيا وكسب في الحياة الآخرة.

 

البطالة في الاقتصاد

يعرّف القاموس الفرنسي من إصدار دالوز البطالة، بأنها اللا نشاط اللا إرادي اقتصادياً وبذلك يفرق القاموس بين اللا نشاط الاقتصادي الإرادي وهو يعبر عن حالة الأشخاص القادرين على العمل وغير الراغبين فيه وأسبابهم في ذلك كثيرة (اللا حاجة، الكسل، التفرغ لأنشطة غير اقتصادية... إلخ) وبين اللا نشاط اللا إرادي (الإجباري) كما في حالة الأشخاص النشطاء الذين يبحثون عن عمل ولا يجدونه. ويميز الاقتصاديون بين المتعطلين عن العمل كلياً أو جزئياً، مؤقتاً أو بصورة دائمة... إلخ.

كما يميز الاقتصاديون بين أشكال مختلفة للبطالة سنكتفي بتعدادها فقط: بطالة ظاهرة، بطالة مقنَّعة، بطالة ، بطالة موسمية، بطالة هيكلية، بطالة تقنية، بطالة تكنولوجية وبطالة إرادية أو لا إرادية.

إن حرص الاقتصاديين على تعداد أنواع البطالة وتعرُّف أسباب كل منها لا ينفي إطلاقاً إتفاقهم على أن البطالة هي حالة من اللا نشاط الاقتصادي اللا إرادي الناتج عن غير إرادة المتعطل عن العمل.

ومن غير المقبول أخلاقياً واجتماعياً ولغوياً أن نسمي الشخص الذي لا يوفر له مجتمعه فرصة العمل باطلاً ولا حتى متعطلاً عن العمل لأنه فعلاً مُعطَّلٌ عن العمل. إنه يبحث عن عمل ليسهم بدوره في بناء وطنه وكسب لقمة عيشه فلا يُعطى هذه الفرصة. فقد قال الرسول r : "إن أشرف الكسب كسب الرجل من يده".

وبالمفهوم الاقتصادي يعني اللا نشاط الاقتصادي حرمان المجتمع من الاستفادة من إنتاج المتعطل عن العمل وتحويله إلى العيش عالة على المجتمع وكذلك حرمانه من الكسب الشريف الذي يطمح إليه. لكن الأمر المهم أن اللا نشاط الاقتصادي يعني بالضرورة خسارة المجتمع لقسم من أهم مورد وهو مورد العمل وبالتالي تقليص الإنتاج الوطني. وفي حال تزايد عدد المعطَّلين عن العمل يتردى الوضع الاقتصادي ويتدنى الناتج المحلي وينخفض نصيب الفرد من الدخل ويسوء مستوى المعيشة وتزداد مسألة الركود الاقتصادي تعقيداً. فالمستثمرون يحجمون عن الاستثمار إذا لم يتوافر الطلب الفعَّال على منتجاتهم . البطالة الهيكلية المتمثلة بوضع يكون فيه عرض العمل ناجماً عن نقص في الطاقات الإنتاجية تعد إحدى سمات الإقتصادات النامية .وهذا النقص في الطاقات الإنتاجية يكون مترافقاً مع فائض في الطلب الذي يبقى غير مشبع أو يُشبع بالاستيراد من الخارج. فيكون هذا الطلب على الاستيراد عاملاً في تفعيل نشاط العمال في الخارج وتقليص نشاط العمال في الداخل وتحويلهم إلى مُعطَّلين ولا أقول متعطلين عن العمل. ويزداد الأمر سوءاً ويكاد يتحول إلى جريمة اقتصادية واجتماعية بحق الوطن، عندما يكون نقص الطاقات الإنتاجية بسبب هجرة الأموال الوطنية (تهريبها إلى الخارج!!) لتتحول إلى استثمارات تنتج سلعاً، ثم تستورد لإشباع الطلب المحلي في الداخل وتسهم في طرد العمال من مواقعهم وتحويلهم إلى معطّّلين عن العمل.

 

سوق العمل والبطالة في سورية

يمكن التأكيد بأن كل أشكال البطالة متوافرة في سورية ويضاف إليها ما تمكن تسميته بالبطالة البنيوية "Structural" وهي,بنظرنا تختلف عن البطالة الهيكلية و تعني اشتغال بعض العاملين في أعمال بإنتاجية متدنية وأحياناً معدومة، بسبب عدم التناسب بين عنصري العمل ورأس المال. ومثل هذه البطالة تلاحظ بسهولة في القطاع غير المنظم مثل باعة أوراق اليانصيب وماسحي الأحذية والعاملين في مجال التهريب.

تختلف الأرقام المعطاة عن أعداد المعطَّلين عن العمل، تبعاً للمعيار المعتمد في تعريف اللا نشاط الاقتصادي وكذلك تبعاً لصدقية مصدر الأرقام. بحسب مشروع برنامج الإصلاح الاقتصادي قدرت نسبة العاطلين عن العمل في عام 2002 بنسبة 9.5% من مجموع قوة العمل. وبحسب المجموعة الإحصائية السورية قدر عدد المعطَّلين عن العمل لذات العام ب637805 أشخاص ؛ أي ما يعادل 11.6% من قوة العمل. وتشير أرقام هيئة مكافحة البطالة إلى أن عدد المعطّلين عن العمل بلغ 800 ألف شخص أي بنسبة 15%. وفي محاضرته حول نموذج التنمية الاقتصادية في سورية، قدر الدكتور عصام الزعيم وهو وزير تخطيط سابق جرى في مدة وزارته بحث عن البطالة في سورية، قدر عدد المعطّلين عن العمل بـ 900 ألف شخص، مما يرفع نسبة المعطلين إلى 17% وفي تقديرات لباحثين سوريين وعرب تصل نسبة البطالة إلى 22%(صحيفة تشرين ) في حين أورد التقرير الإقتصادي العربي الموحد لعام 1998 نسبة البطالة في سورية ب 20% . ويقصد بنسب البطالة هذه، البطالة الظاهرة فقط والتي لا تشمل أعدادها سوى المعطَّلين كلياً عن العمل، إما بصورة دائمة أو مؤقتة، في وقت التعداد وغالباً ما يحسب على أساس متوسط عدد المعطَّلين في السنة المعنية.

فإذا أضفنا إلى هذه البطالة الظاهرة أرقام البطالة المقنَّعة، سواء في القطاع الزراعي أو جزءاً من العمالة الفائضة في القطاع الإداري الحكومي، أو في القطاع العام الاقتصادي وكذلك ذلك الجزء من البطالة البنيوية وجزء من العاملين في القطاع غير المنظم أمكننا أن نتصور حجم الهدر في مورد القوة العاملة في الاقتصاد الوطني ومدى الخسارة التي تلحق بالاقتصاد نتيجة ذلك. وعندها، وعندها فقط, تتوضح لنا أسباب جمود اقتصادنا الوطني عن النمو أو تراجعه أحياناً، على الرغم من غناه الواسع بالموارد المادية والبشرية.

 

تهتم الإحصاءات الرسمية وكذلك الباحثون بأعداد العاطلين عن العمل كليا" ,وذلك إنطلاقا" من النظرة الإجتماعية للبطالة (تهميش إجتماعي) ولا يولى الإهتمام الكافي للبطالة من منظور إقتصادي (الهدر الإقتصادي ) وهو الأهم برأينا. والبطالة إذا أخذت من المنظور الإقتصادي تشمل جميع المعطلين عن العمل كليا" أو جزئيا".

 

يشكل العاملون في قطاع الزراعة الغالبية العظمى من قوة العمل في المجال الإنتاجي ويبلغ عددهم 1.9 مليون بما في ذلك العاملون لحسابهم أو العاملون بأجر. منهم 1.6 مليون عامل موسمي أو مؤقت، يعمل كل منهم وسطياً 59 يوم عمل فعلي؛ أي بنسبة 23% من زمن العمل النظامي (البعث 27/5/2003). وهكذا يمكن تقدير البطالة المقنَّعة في الزراعة لوحدها 1.6 مليون (1 ـ 0.23) = 1.23 مليون عامل.

وفي القطاع الحكومي الذي يشكل العاملون فيه حوالي 25% من عدد المشتغلين في الاقتصاد الوطني، يقدر المحللون أنهم يعملون بالمتوسط بنسبة 50% من زمن العمل المعلن. يبلغ عدد العاملين في القطاع الحكومي الإداري والاقتصادي (هنا لا بد من التمييز بين العاملين في القطاع العام الاقتصادي والذين يعمل معظمهم طيلة زمن العمل المعلن وإلا كانت نسبة عمل فعلي 50% نسبة عالية جداً فيما يتعلق بالقطاع الإداري)، يبلغ عددهم حوالي (1200) ألف شخص وبالتالي يكون المعطَّلون عن العمل فعلاً أي البطالة المقنَّعة تشمل 600 ألف شخص أيضاً.

ويبلغ عدد العاملين في القطاع غير المنظم حوالي /1100/ ألف شخص. فإذا فرضنا أنهم يعملون كل أيام العمل السنوية وخلال كل ساعات العمل اليومية المقدرة بثمان ساعات عمل يومياً، والأمر ليس كذلك فعلاً، فإن إنتاجية عملهم الضعيفة تمكننا من حساب أن 50% من عملهم يعد بمثابة العمل الضائع أو بمثابة لا نشاط. وبكلام آخر فإنهم معطَّلون، بحكم طبيعة أعمالهم وكثرة أعدادهم، بنسبة 50% عن العمل.

وبحساب بسيط لأعداد العاملين المعطَّلين فعلاً يكون لدينا ما يلي:

ـ عدد المعطَّلين عن العمل تعطُّلاً ظاهرياً كاملاً حوالي 800 ألف شخص وهنا أخذنا بالآراء المتفائلة (رأي هيئة مكافحة البطالة).

ـ عدد المعطَّلين عن العمل على نحو مقنَّع في الزراعة وذلك بسبب ضعف تكثيف الزراعة والاعتماد على العمل الموسمي والزراعة الأفقية وعددهم يصل إلى 1.23 مليون عامل بحساب ساعات العمل التي لا يمارسونها وتحويلها إلى عامل سنوي.

ـ عدد المعطَّلين عن العمل في القطاع الحكومي بسبب سياسة التشغيل الاجتماعي الذي لجأت إليه الدولة خلال حوالي 40 عاماً وحشرت خلالها أعداداً كبيرة من العاملين، حيث لا حاجة لهم ولا جدوى اقتصادية من تشغيلهم. هذا إذا لم يكن تواجد الكثيرين منهم في مكان مخصص أصلاً لعمل شخص واحد سبباً في عرقلة العمل والوصول إلى إنتاجية سلبية. إن عدد المعطَّلين على هذا النحو لا يقل عن 600 ألف شخص أيضاً.

ـ وعدد المعطَّلين في القطاع غير المنظَّم بنسبة لا تقل عن 50% من وقت عملهم يبلغ 550 ألف شخص على الأقل.

فيكون مجموع الأشخاص المعطَّلين عن العمل فعلاً يزيد على (3) ثلاثة ملايين شخص وهو ما يشكل حوالي 54% من قوة العمل في سورية، وهكذا يكون أكثر من نصف الموارد البشرية المتاحة في الاقتصاد السوري، في أحسن الحالات، معطَّلة عن العمل. وهذا هو برأينا السبب الرئيس في تدني متوسط إنتاجية العمل في سورية قياساً بمثيلاتها في الدول العربية متوسطة الدخل، إذ يأتي ترتيب سورية عام (2000) في الدرجة الخامسة بعد كل من لبنان والأردن ومصر وتونس وبملغ 3634 دولار سنوياً للعامل الواحد بعد أن كانت تحتل المرتبة الثالثة وبمبلغ 5275 دولار للعامل الواحد سنوياً في عام 1980. بلغ متوسط إنتاجية العمل في الدول العربية متوسطة الدخل في عام 2000 كما يلي : لبنان 13130$,الأردن 5406$ ,تونس 5080$

مصر 3783$ , سورية 3634$ وفي المغرب 2793$ . وفي عام 2001 تحسن موقع سورية إلى الترتيب الرابع قبل مصر والمغرب,مع العلم أن متوسط انتاجية العامل في سورية تراجعت إلى 3569 $ فقط , أما التحسن في ترتيبها فيرجع ألى أن انتاجية العامل في مصر تراجعت بنسبة أكبر في هذا العام .

وإذا تجردنا عن تراجع إنتاجية العامل الواحد السنوية بين عامي 1980 و 2000 بنسبة 31% وأجرينا الحسابات على أساس إنتاجية العامل السنوية المسجلة في عام 2001 والبالغة 3569 دولارا" للشخص وهي في تراجع عن عام 2000 يمكننا تقدير الخسائر الاقتصادية البالغة التي يتكبدها اقتصادنا الوطني سنوياً بسبب البطالة وإخراج المعطَّلين من مجال النشاط الاقتصادي كلياً (كما في البطالة الظاهرة) أو جزئياً (كما في حالة البطالة المقنَّعة في الزراعة والقطاع الحكومي وكذلك العاملين في القطاع غير المنظم). هذه الخسارة تصل إلى حوالي (11) أحد عشر مليار دولار أمريكي سنوياً 3569 دولار (متوسط إنتاجية العامل السنوية) (3000000 عامل معطَّل عن العمل= 10.707 مليار دولار سنوياً.

فكيف يمكننا تلافي مثل هذه الخسارة التي تعادل أكثر من 50% من الناتج المحلي الإجمالي وهو رقم يتساوق تماماً مع نسبة البطالة الفعلية المحتسبة!!

 

مشكلة البطالة

لقد اهتمت الأبحاث والدراسات وحتى مشروع برنامج الإصلاح الاقتصادي بالبطالة الظاهرة والتي يقدر عدد أفرادها بين 800 ألف و 1200 ألف شخص وذلك انطلاقاً من انعكاساتها السلبية اجتماعياً وسياسياً ولم يولَ الاهتمام الكافي لأعداد المعطَّلين فعلياً والمخرجين من دائرة النشاط الاقتصادي والذين يبلغ عددهم حوالي (2) مليوني شخص من الناحية الاقتصادية. فقد بينا سابقاً أن خسارة تعطيلهم عن العمل، وحتى بفرض الحساب على أساس متوسط الإنتاجية المتدني تبلغ حوالي 11 مليار دولار أي أكثر من 50% من الناتج المحلي السنوي.

إن طرح مشكلة البطالة يجب أن يتناول جميع الأشخاص المعطَّلين عن العمل ليس فقط من الناحيتين الاجتماعية والسياسية، بل من الناحية الاقتصادية بل ومن الناحية الاقتصادية في المقام الأول.

لقد تنبهت الحكومة لظاهرة البطالة واهتمت وزارة التخطيط (قبل تحولها إلى هيئة تخطيط الدولة) وشكلت لجاناً قامت بمسح أعداد المتعطلين عن العمل وتوزُّعهم على المحافظات. كما عمدت الحكومة إلى إعادة تفعيل مكاتب الاستخدام بهدف تعرُّف حجم البطالة من ناحية وكذلك منح المعطّلين عن العمل فرص متكافئة للحصول على فرصة عمل من ناحية ثانية. غير أن مثل هذا الإجراء لم يسهم في حل مسألة البطالة كما إنه لم يوفر فرص متكافئة للمعطّلين عن العمل!! فمن جهة يتحدث البعض عن تلاعب في موضوع التسجيل والدور (تسري في الشارع شائعات عن أمور أكثر من التلاعب) ومن جهة ثانية تلجأ بعض الجهات لتجاوز مسألة الدور عن طريق إجراء مسابقات للتعيين تطبيقاً لأحكام القانون الأساسي للعاملين في الدولة (عما يجري في المسابقات حدِّث ولا حرج!!) ويكفي أن نشير إلى أن مسابقة أجرتها وزارة المالية وأعلنت نتائجها ألغيت بناء على تقرير تفتيشي أشار الى تلاعب ومحاباة البعض في إعلان النتائج ,فاعادت وزارة المالية الفحص للمتسابقين. والغريب أن متخذي القرار لا يلاحظون ذلك. ثم هل يعقل أن العلامات التي يحصل عليها خريج الجامعة نتيجة امتحاناته التي يشارك في تقويمها أربعون عضو هيئة تدريسية على الأقل (المتخرج من الجامعة يدرس أربعين مقرراً على الأقل خلال دراسته الجامعية الأولى)، مع أن التصحيح يجري في أوراق مغلقة، هذه العلامات لا تصلح لتقويم تأهيل المتخرج، في حين أن فحصه أمام لجنة من ثلاثة أو أربعة أشخاص يكون أكثر قدرة على تقويم أدائه!! وكذلك فيما يتعلق بنتائج امتحانات الشهادتين الثانوية والمتوسطة. فلماذا لا تعتمد علامات الشهادة أو درجات التخرج مقياساً لتسلسل القبول في الوظيفة؟؟ وإذا كان القانون الأساسي للعاملين في الدولة عقبة في هذا الطريق!! لماذا لا يتم تعديله لتوفير فرص متكافئة للمواطنين المتساوين دستورياً في الحقوق والواجبات. ثم لماذا لا توضع معايير جديدة في استيعاب الباحثين عن عمل، كما في جمهورية مصر العربية، من حيث أخذ سنوات التخرج بالحسبان وبذلك يمكن أن يتوقع كل طالب عمل، أن فرصته قادمة دون الحاجة إلى وساطة من متنفذ أو إلى دعم أكبر من الوساطة!!

لفهم تفاقم ظاهرة البطالة في سورية، يجب العودة إلى ثلاث متغيرات: معدل النمو السكاني والذي كان في عقدي السبعينات والثمانينات من القرن العشرين المنصرم حوالي 3.4% سنوياً ومعدل نمو قوة العمل والذي كان بين عامي 1995 و 2001 حوالي 4% سنوياً ومعدل نمو التكوين الرأسمالي الثابت الذي كان سالباً بين عامي 1995 و 2000 حتى بلغت نسبة التكوين الرأسمالي الثابت (بأسعار عام 2000 الثابتة) عام 2001 (66.8%) فقط من التكوين الرأسمالي الثابت عام 1995.

إن مقارنة بسيطة بين معدل نمو قوة العمل في المدة بين 1995 و 2001 والبالغة 4% سنوياً، وبين معدل النمو السالب للتكوين الرأسمالي الثابت خلال ذات المدة، تعطينا صورة واضحة عن تفاقم ظاهرة البطالة والسبب الرئيس في حدوثها. في عام 2002 فقط تنبهت الحكومة إلى خطر تراجع الاستثمار في حدوث الركود الاقتصادي وتفاقم ظاهرة البطالة فسحبت من احتياطي الخزينة في المصرف المركزي وزادت المبالغ المخصصة للاستثمار بنسبة 75% عن عام 2001.

ولكن العبرة في التنفيذ الفعلي وليس في تخصيص الاعتمادات. طيلة عقد التسعينات لم يكن تنفيذ الموازنة الاستثمارية يصل في أحسن الحالات 70% فعلياً.

 

 

 

ما الحل إذا"

 

غريب جداً أن نقرأ في مشروع الإصلاح الاقتصادي الذي أقرته الحكومة في صيغته النهائية أنها (الحكومة) تعمل على تأمين 265 ألف فرصة عمل من قبل القطاع العام الاقتصادي والإداري، إضافة إلى تعيين بدل عن المتسربين بطريق الاستقالة والتقاعد بما في ذلك التقاعد المبكر ملقية على القطاع الخاص المنظم وغير المنظم وعلى هيئة مكافحة البطالة مسؤولية توفير 773 ألف فرصة عمل خلال سنوات الخطة (جريدة تشرين 22/5/2003)!!

صحيح أن البطالة مشكلة وطنية تهم الجميع ومكافحتها مسؤولية جميع الجهات الحكومية منها وغير الحكومية، ولكنه صحيح أيضاً أن القطاع الخاص يبحث عن الربح وإسهامه في حل مسألة البطالة يأتي كمنتج ثانوي وليست مسؤوليته المباشرة.

فقد لاحظنا في الفقرة السابقة كيف تفاقمت ظاهرة البطالة بين عامي 1995 و 2001، بسبب اعتقاد الحكومة أنها تستطيع دفع القطاع الخاص للاستثمار والمحافظة على وتيرة استثماراته بين عامي 1992 و 1994 بعد صدور قانون الاستثمار رقم 10 لعام 1991، فاتجهت إلى التراخي في هذا المجال، مما قاد إلى تراكم أعداد المعطَّلين عن العمل وما ترتب على ذلك من نقص نصيب العاملين في الناتج المحلي الإجمالي، الذي قاد بدوره إلى تدني الطلب الفعَّال والركود الاقتصادي وبالتالي إلى انعدام الحافز على الاستثمار لدى القطاع الخاص.

وتتبُّع نشاط هيئة مكافحة البطالة، بالرغم من كل الجهود التي تبذلها للقيام بمهامها، يوضح أنها قد تسهم في توفير بعض فرص العمل ولكنها لن تكون قادرة على أن تكون اللاعب الأساسي في هذا المجال. إن مكافحة البطالة وخلق فرص عمل لامتصاص المخزون التاريخي من المعطَّلين عن العمل، إضافة إلى تشغيل الوافدين الجدد إلى سوق العمل والمقدَّر عددهم سنوياً بأكثر من 250 ألف وافد، هي مسؤولية الحكومة بالدرجة الأولى ولا يجوز لها أن تلقي هذه المسؤولية على القطاع الخاص، كما ورد في مشروع الإصلاح الاقتصادي.

وليس المقصود بمسؤولية الحكومة أن تحشر مزيداً من البطالة المقنَّعة في القطاع الحكومي الاقتصادي والإداري، كما فعلت خلال الثلاثين سنة الماضية. إن من شأن ذلك أن يفاقم مشكلة البطالة فيستبدل البطالة المقنَّعة والبطالة البنيوية بالبطالة الظاهرة، فيصح فيها القول "كالمستجير عن الرمداء بالنار". إذاً المقصود بمسؤولية الحكومة هو أن تتبنى سياسات اقتصادية عقلانية تشجع على الاستثمار في القطاعين العام والخاص، أن تحسُّن في المناخ السياسي والقضائي والاستثماري. بحيث يمكن تحفيز القطاع الخاص المقيم على الاستثمار، إضافة إلى جذب الاستثمارات و/أو التوظيفات السورية في الخارج لإعادتها للاستثمار في الداخل.

 

وإذا علمنا أن متوسط تكلفة فرصة العمل في سورية تزيد على (20) ألف دولار،

أمكننا بحسبة بسيطة التأكيد أنه من أجل توفير فرص عمل للوافدين الجدد إلى سوق العمل يجب استثمار ما لا يقل عن (5) خمس مليارات دولار سنوياً. وأنه من أجل امتصاص قوة العمل المعطَّلة حالياً والبالغ عددها (1) مليون شخص في أحسن الحالات لا بد من استثمار (20) عشرين مليار دولار وذلك لامتصاص قوة العمل الظاهرة المعطلة، أما إذا كنا جادين في إعادة هيكلة اقتصادنا الوطني ووضعه على سكة التحديث والتطوير ونقله من الركود إلى النمو علينا أن نفكر بطريقة امتصاص البطالة المقنَّعة والبنيوية في الزراعة والقطاع الحكومي والقطاع غير المنظم والمقدرة أعدادها بأكثر من مليوني شخص(2 مليون) وتحويلها إلى قوة عمل بإنتاجية عالية. وفي هذه الحالة الأخيرة يجب البحث في تأمين ما لا يقل عن (40) مليار دولار لتحديث اقتصادنا الوطني. وهكذا فإننا بحاجة خلال السنوات العشر القادمة من أجل إيجاد فرص عمل للوافدين الجدد إلى سوق العمل وامتصاص قوة العمل المعطَّلة كلياً (بطالة ظاهرة) وتحويل البطالة المقنَّعة إلى عمالة منتجة فعلاً، لا بد من إيجاد مصادر تمويل استثمارية لا تقل عن 12 مليار دولار سنوياً للسنوات العشر القادمة وهذا بفرض اعتماد التقانات الحالية وبقاء معامل رأس المال على حاله. وهذه مهمة ليست سهلة ولكنها ليست مستحيلة. إن دراسة تجربة ماليزيا والنمور الآسيوية يمكن أن تساعدنا في هذا المجال. إن تجربة ماليزيا التي اعتمدت على تعبئة مواردها الذاتية وتضحيات شعبها بكامل فئاته، وفي المقدمة قياداتها السياسية والروحية على اختلاف طوائفها؛ فاستطاعت خلال عشرين عاماً، بناء اقتصاد وطني متطور بعيد عن التبعية وضاعفت خلال هذه المدة متوسط دخل الفرد حوالي ثلاث مرات وصولاً إلى 4000 دولار في عام 2001 وبما يعادل 8750 دولار بمكافئ القوة الشرائية. وبذلك احتلت ماليزيا المرتبة 58 بمعيار مؤشر التنمية البشرية. أما كوريا الجنوبية وسنغافورة اللتان اعتمدتا على الاقتراض وفتح اقتصادهما للاستثمارات الأجنبية فقد حققنا نجاحات أكبر إذ بلغ متوسط نصيب الفرد من الناتج فيهما 8917 دولار في الأولى و 20733 دولار في الثانية ومبلغ 15090 دولار للأولى و 22680 دولار للثانية بمكافئ القوة الشرائية. وهذه الدول الثلاث لا تعاني من ظاهرة البطالة إلا في حدود معدلات البطالة الدورية التي تعرفها الدول الصناعية، كما أنها انطلقت من مستوى أجور متدني، ثم بدأت الأجور ترتفع على نحو يتناسب مع زيادة النمو في اقتصاداتها الوطنية.

ونحن في سورية أمامنا خياران: إما اعتماد الأسلوب الماليزي في تعبئة مواردنا الذاتية المقيمة والمغتربة، وإما السعي باتجاه الأسلوب الكوري في الاقتراض وفتح اقتصادنا الوطني أمام الاستثمارات الأجنبية لرفد مواردنا الذاتية بتدفق رؤوس الأموال من الخارج من أجل تحديث اقتصادنا الوطني وإيجاد فرص عمل لاستيعاب قوة العمل الداخلة حديثاً إلى سوق العمل أو الفائضة المعطَّلة عن العمل.

 

يبدو من دراسة الواقع الراهن، وفي ظل اتخاذ مواقف وطنية وقومية مستقلة من دون ركوب القطار الأمريكي وإبرام اتفاق "سلام" نهائي مع العدو الصهيوني بالشروط الأمرو ـ صهيونية، فإن العمل باتجاه الأسلوب الكوري في الاقتراض واستقدام الاستثمارات الأجنبية يكاد يكون عملاً ميؤوساً منه. ونتائج إصدار قانون الاستثمار رقم /10/ لعام 1991 وتعديلاته تؤكد عدم جدوى مثل هذا الاتجاه. يضاف إلى ذلك أن القوى الاقتصادية الكبرى، قررت فيما بينها الحد من المعونات وتقليص القروض باتجاه تشجيع الاستثمارات الدولية المباشرة، كما أنها تناقش الاتفاق لوضع نظام دولي للاستثمارات المباشرة، مما سيضع قيوداً محددة على الاستثمارات المباشرة تكون ملزمة للجهات مصدرة الاستثمارات وكذلك للجهات المتلقية لها. وإذا أضفنا إلى كل هذا العرقلة التي واجهها اتفاق الشراكة السورية الأوربية واحتمال طلب الأوربيين شروطاً لا نقبل بها لن يكون أمامنا سوى خيار وحيد وهو خيار الاعتماد على مواردنا الذاتية، وهي في كل الحالات ليست قليلة، ويمكن إذا تمت تعبئتها على نحو سليم، أن تفي بالغرض وتحل مشكلات اقتصادنا بما في ذلك مشكلة البطالة.

لتحقيق تعبئة الاستثمارات الوطنية في القطاعات الأربع: العام والخاص والمشترك والتعاوني، إضافة إلى العمل على عودة الأموال المهاجرة أو قسم منها على الأقل لا بد برأينا من الإجراءات التالية:

1 ـ العمل على تحسين المناخ الاستثماري في سورية بجوانبه المختلفة: التشريعية والإدارية والاقتصادية، بما في ذلك اعتماد الشفافية في الإفصاح عن المعلومات الاقتصادية، إضافة إلى إصلاح القضاء.

2 ـ إحداث مؤسسة متخصصة لإجراء دراسات الجدوى الفنية والاقتصادية للمشروعات بما في ذلك، وعلى الأخص، المشروعات المتوسطة والصغيرة ووضع هذه الدراسات بتصرف الراغبين للاستفادة منها.

3 ـ عقد مؤتمر وطني لرجال الأعمال السوريين المقيمين منهم والمغتربين بمشاركة الإدارة الاقتصادية والباحثين الاقتصاديين ومنظمات العمال وأرباب العمل لمناقشة عقبات الاستثمار في سورية وتعرُّف شكاوى رجال الأعمال وطلباتهم من أجل تشجيع الاستثمار في الاقتصاد السوري.

4 ـ تعديل التشريع الضريبي ليشمل النقاط التالية:

 

أ ـ قصر الإعفاءات على بعض المشروعات المختارة التي تسهم في زيادة الناتج ولها ترابطات خلفية وأمامية كثيفة لتشكل قاطرة النمو في الاقتصاد الوطني.

ب ـ ربط الإعفاءات الضريبية بمعيار مستوى استخدام المواد الخام المحلية وقوة العمل وكذلك بمعيار علاقة العمل/رأس المال.

ج ـ تنزيل المبلغ الإجمالي الذي يسدده المشروع لقاء ضرائب دخل الرواتب والأجور من مبلغ الضريبة المترتب على أرباح المشروع.

د ـ إعفاء أرباح المشروعات بالغاً ما بلغت، وبصرف النظر عن النشاط الذي تعمل فيه، فيما إذا أعيد استثمارها في الاقتصاد الوطني خلال مدة يحددها القانون.

هـ ـ تحقيق عدالة في التكليف والجباية وبما يسمح بإعادة توزيع الدخل لتوسيع السوق الداخلية.

 

5 ـ تعديل قانون العمل والتعليمات التنفيذية المتعلقة به، فيما يتعلق بشروط التشغيل والتسريح ومستوى الأجور وبما يؤمن مرونة أكبر لأصحاب المشروعات بمراعاة اقتصادية المشروعات وظروف سوق العمل.

6 ـ إشراك ممثلي منظمات أرباب العمل في كل ما يتعلق بتعديل الأجور وسماع شكاواهم عند الضرورة وعدم تحريك الأجور بقرارات إدارية، من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بالنسبة للمشروعات الخاصة. فمن شأن تفعيل سوق العمل على أساس اقتصادي أن يسهم في امتصاص أعداد أكبر من المعطَّلين عن العمل كما من شأنه أن يؤثر في توضُّع الأسعار في السوق الداخلية بما يتوافق مع مستويات الأجور.

7 ـ تفعيل مبدأ سيادة القانون ومحاسبة كل من يخرق الأحكام القانونية ويعرقل عمل المستثمرين لابتزازهم، مما يسيء إلى سمعة سورية في الداخل والخارج ويؤدي إلى ابتعاد المستثمرين عن الاستثمار في سورية. فهل يعلم أولئك الذين لا يردون توقيفات الشركات الأجنبية أو يعرقلون تحرير كفالاتها ورد الضمانات لها بعد تنفيذ التزاماتها وفقاً لأحكام العقود المبرمة معها، هل يعلمون كم يسيئون إلى مناخ الاستثمار في اقتصادنا ويبعدون الخير عن الوطن وأهله!! أحد أسباب عدم إستقطاب الإستثمارات الأجنبية يكمن في السمعة السيئة لممارسة الموظفين السوريين وتعاملهم مع رجال الأعمال الوطنيين والأجانب .

ثم هل يتولى أرباب الشعائر الدينية من الفقهاء وأئمة المساجد ورجال الدين المسيحي تبصير اتباع الديانتين السماويتين من أصحاب الأموال بأهمية استثمارها وإنفاقها في سبيل الله، بما يوفر فرصة عمل لمن يبحث عنها ويزيد من تفعيل الموارد لزيادة الناتج وتحسين مستوى معيشة الشعب. هل ندرك جميعاً أبعاد قوله تعالى (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم( (التوبة، 34). أو مضمون الحديث القدسي الشريف "الخلق كلهم عيال الله، أحبهم إليه أنفعهم لعياله". أم هل ندرك أبعاد قول السيد المسيح عندما يصور يوم الحساب قائلاً للأبرار: جعتُ فأطعمتوني، عطشتُ فسقيتموني، كنت... عرياناً فكسوتموني.. ولما سألوه متى فعلنا هذا قال لهم: "الحق أقول لكم بما أنكم فعلتموه بأحد أخوتي هؤلاء الأصاغر فيَّ فعلتم". (إنجيل متى، 40) وقوله للملاعين جعتُ فلم تطعموني، عطشتُ فلم تسقوني... وعندما سألوه متى رأيناك جائعاً أو عطشاناً... إلخ. أجابهم قائلاً "الحق أقول لكم بما أنكم لم تفعلوه بأحد هؤلاء الأصاغر فيَّ لم تفعلوه".

إن البطالة مشكلة معقدة وكان من نتيجة إهمال التعامل معها أن ازدادت تعقيداً. وحلُّها يحتاج إلى سياسة شفافة ومشاركة عامة وعمل دؤوب لزيادة الاستثمار ورفع معدل النمو الاقتصادي. في عقد السبعينات من القرن المنصرم أدى ارتفاع معدل النمو الاقتصادي، بسبب تدفق المعونات الاقتصادية، وزيادة الصادرات، أدى إلى خلق أكثر من 500 ألف فرصة عمل سنوياً وانعدمت البطالة من سوق العمل السورية. بينما تراجع التشغيل في الثمانينات بسبب أزمة الركود العالمية وتراجع المعونات وتدني معدلات الاستثمار وبدأت البطالة تزداد تراكمياً حتى وصلت إلى أكثر من 15% من قوة العمل.

ألم ينبِّه الباحثون والاقتصاديون إلى مسألة البطالة سابقاً؟ أم أن أوراقاً كثيرة قدِّمت

ولم تُقرأ كما يزعم البعض!!

 

 

د.مطانيوس حبيب