واقع النمو الاقتصادي وتوزيع الدخل الوطني

الدكتور قدري جميل(*)

1ـ واقع النمو في سورية:

 

إذا كانت التنمية تعتبر، بشقيها الاقتصادي والاجتماعي المعيار الأساسي لتقييم إنجازات أي نظام اقتصادي ـ اجتماعي، فإن النمو الاقتصادي الذي تعبر عنه أرقام الدخل الوطني من خلال تطوره السنوي، هو الشرط الضروري لكل تنمية، وإن كان غير كاف. فالنمو إذا تحقق يمكن ألا يؤدي إلى تنمية، إذا لم ترافقه إجراءات اجتماعية ملموسة لصالح أكثرية الناس، وبالمقابل فإن التنمية لا يمكن التفكير فيها بدون معدلات نمو معقولة .

فما هي هذه المعدلات؟ إن التجربة التاريخية تبين أن بلداناً مثل الاتحاد السوفييتي والصين قد أمنت بتطورها خلال فترات لا بأس بها، نسباً وصلت إلى 15% سنوياً، أي أنها كانت قادرة على مضاعفة الدخل الوطني خلال خمس سنوات تقريباً.

إن وضع البلدان التي كانت، ومازالت تعتبر متخلفة قياساً للدول الرأسمالية المتقدمة، يبين أنها بحاجة إلى نسب نمو عالية لردم الهوة الكبيرة بينها وبين الدول المتقدمة النمو. وهذا لم يتحقق طبعاً خلال الفترات الماضية وله أسبابه.

وتائر النمو المتحققة

إن نظرة سريعة لوتائر نمو الدخل الوطني في سورية خلال السنين العشر الماضية تبين أن وسطي نمو الدخل سنوياً قد وصل إلى حوالي 4% (أنظر الجدول رقم 1)، وكان يتراوح خلال هذه الفترة من حد أدنى (3.55 ــ %) إلى حد أعلى (7.3%)، وهذه النتيجة تعني فيما تعنيه أن الزيادة في الدخل الوطني لا تكاد تغطي الزيادات السكانية. فكيف الحال بمعدلات النمو الضرورية للتنمية، وبضرورات تحسين معيشة الناس، وبمواجهة الاستحقاقات التي تفرضها الظروف العالمية والإقليمية المستجدة؟!

إن رفع وتيرة نمو الدخل الوطني إلى أعلى المعدلات الممكنة أصبح ضرورة وطنية واجتماعية قصوى، وهذا لم يتحقق خلال السنوات العشر الماضية، وليس هناك مؤشرات جدية تدل على إمكانية تحقيقه خلال الفترة المنظورة القادمة إذا كان الاعتماد سيبقى قائماً على احتمال تدفق الاستثمارات الخارجية من أجل حل هذه المهمة.

ولمعرفة واقع النمو في سورية، لا بأس من مقارنته مع آفاقه اللاحقة مع نماذج لن نأخذها من بلدان متقدمة، لأن الهوة أصلاً بيننا وبينها كبيرة، بل سنأخذها من نماذج تعتبر متوسطة النمو ومتوسطة معدلاته.

سنقارن واقع النمو الحالي واللاحق في سورية مع بلدين، هما: ماليزيا واليونان:

إذا أخذنا أرقام الأمم المتحدة في تقرير التنمية البشرية لوجدنا أن معدل النمو السنوي لدخل الفرد في سورية بين عام (1990 ـ 2001) هو 1.9% سنوياً، (أنظر الجدول رقم 2). وإذا افترضنا أننا سنحافظ على هذا المعدل، فإنه سيلزمنا للوصول إلى مستوى ماليزيا بالنسبة لوسطي دخل الفرد (61) عاماً، أي إذا توقف التطور عند النقطة التي وصلت إليها ماليزيا اليوم، فإننا سنستطيع اللحاق بها في عام (2063).

أما اليونان، فإن الأمر سيتطلب للحاق بوسطي دخل الفرد فيها لـ (120) عاماً، أي في عام 2122، حسب معدلات النمو السابقة في بلدنا.

أما إذا لم نعتمد أرقام الأمم المتحدة، وإذا استندنا إلى مجموعاتنا الإحصائية التي تقدر وسطي النمو بالأسعار الثابتة لعام 1995 استناداً لسنة الأساس 1990 بـ 4.2% سنوياً لتبين أن الوصول إلى مستوى ماليزيا سيتطلب 29 عاماً، أما الوصول إلى مستوي اليونان فسيتطلب (56) عاماً.

وما دمنا في مجال الافتراضات، فإن رفع معدل النمو السوري إلى 10% سنوياً سيسمح باللحاق بماليزيا بعد ثلاثة عشر عاماً، وباليونان بعد 24 عاماً. وإذا كنا أكثر طموحاً وافترضنا أننا سنسير على أساس وتائر النمو القصوى التي عرفها التاريخ الاقتصادي، مثلاً: في الاتحاد السوفييتي في الثلاثينات، أو في الصين اليوم والتي وصلت إلى 15% سنوياً، فإننا سنلحق بماليزيا في عام (2010)، أما اليونان ففي عام (2018).

هذا من حيث وسطي دخل الفرد. أما إذا أخذنا الدخل الوطني بإجماله كوحدة قياس، فإن مضاعفته مرة واحدة ستتطلب (38) عاماً، ومرتين ستتطلب (56) عاماً، على أساس نسبة النمو حوالي 2% حسب أرقام الأمم المتحدة.

وإذا استندنا إلى معدلات النمو الموجودة في المجموعة الإحصائية السورية، أي 4.2%، فإن مضاعفة الدخل الوطني ستتطلب (18) عاماً، ومضاعفته مرتان ستتطلب (29) عاماً.

وما دمنا في العالم الافتراضي فلا بأس من افتراض نمونا بـ 15% سنوياً من الآن فصاعداً، مما سيسمح بمضاعفة الدخل الوطني مرة واحدة بعد (6) سنوات ومرتان بعد (9) سنوات.

أمام هذه الأرقام يصبح من الضروري التفكير الجدي ببحث موضوع معدلات النمو والتي لا تبحث حتى الآن، إن كان على المستوى الأكاديمي أو على المستوى العلمي بشكل جدي، ومن نافل القول التأكيد أنها هي بالذات التي ستقرر مصير بلدنا ومستقبله خلال العقود القادمة.

وأمام هذا الواقع القاسي لا يبق إلا حلين نظرياً لزيادة حصة الفرد جدياً من الدخل الوطني، والتي تتطلب على الأرجح مضاعفتها مرتين خلال فترة زمنية قصيرة لكي تتلاءم مع الحدود الدنيا الضرورية للحد الأدنى لمستوى المعيشة:

الحل الأول: إذا أصرينا على إبقاء معدلات النمو الحالية القائمة فإن مضاعفة حصة الفرد مرتين خلال العقد القادم ستتطلب ليس تخفيض النمو السكاني، وإنما اختصار عدد سكان سورية إلى الثلث. وليس هنالك ضمانة أكيدة في هذه الحالة للوصول إلى الهدف المنشود لصعوبة معرفة تأثير انخفاض عدد السكان على النمو الاقتصادي نفسه في الظروف الحالية.

الحل الثاني: أما إذا أردنا الحديث جدياً، فأمامنا حل وحيد وهو رفع وتائر النمو إلى 15% سنوياً. فهل هذا ممكن؟! إن هذا ليس ممكناً فقط، بل أصبح أمراً ضرورياً لا مجال للهروب منه. فقضية النمو الاقتصادي أصبحت قضية تمس الأمن الوطني بمعناه العام السياسي و الاجتماعي والاقتصادي. فمن أين يمكن تأمين الموارد الضرورية لذلك النمو الذي يتطلب تعبئة كل الموارد.

٭ هل القروض والديون حل مقبول؟ طبعاً لا، وتجربة بلدان كثيرة في أمريكا اللاتينية وآسيا تنهانا عن ذلك، ناهيك أن سورية قد تجنبت حتى الآن الوقوع في فخ الديون الذي نصب لبلدان عديدة من قبل المؤسسات المالية الدولية مما أدى إلى أزمات شديدة عصفت باقتصادياتها وبمستوى معيشة شعوبها.

٭ هل الانتظار اللاحق لاستثمارات خارجية حل مقبول؟ لقد طال الانتظار ولم تأت، ومشكوك بقدومها لاحقاً، وبناء الآمال عليها قبض للريح كما تبين تجربتنا الخاصة، وقدومها له شروطه التي لا يمكن توفيرها في ظل الظروف السياسية في المنطقة.

٭ هل الاستثمار الداخلي هو الحل؟ نعم إنه الحل الوحيد الممكن الذي لن يتم إلا بحال إيقاف النهب البرجوازي الطفيلي والبرجوازي البيروقراطي الذي يقتطع أجزاء هامة من الدخل الوطني ولا تقل عن 20% منه، ويمنعها من التوظيف في مجال الاستثمار وكذلك. الاستهلاك العام والخاص.

 

2ـ العوامل المؤثرة في النمو:

 

من الناحية النظرية، من المعروف أن هنالك ثلاثة عوامل أساسية تؤثر على النمو الاقتصادي وهي:

معدل التراكم في الدخل الوطني:

فالدخل الوطني حين الاستخدام ينقسم إلى تراكم واستهلاك. والتراكم ضروري لعملية إعادة الإنتاج، وتفيد التجربة التاريخية الاقتصادية أن معدل (10%) من الدخل الوطني يسمح فقط بإعادة الإنتاج البسيط، أي يسمح بالحفاظ على حجم إنتاج الثروة الجديدة السابقة، أي بكلام آخر يؤمن معدل نمو (0)، وهذا مفهوم لأن هذا الحجم من التراكم يتجه نحو الاستبدال والتجديد لتعويض الاهتلاكات. وكل نقطة تراكم إضافية تؤمن نسبة نمو معينة لها علاقة في نهاية المطاف بعائدية الرأسمال الموظف، أي ما يسمى ريعية الاقتصاد الوطني، التي ماهي إلا علاقة الثروة الجديدة المنتجة بحجم الرأسمال الموظف والضروري لإنتاجها.

وبالعودة إلى مشكلة التراكم قبل الدخول في تفاصيل ريعية الاقتصاد الوطني، يتضح أن وسطي حجم التراكم خلال العقد الماضي في سورية لم يتجاوز 15%، وهذا يفسر إلى حد كبير ضعف وتائر النمو المحققة.

لقد عرف التاريخ العالمي للتطور الاقتصادي وتائر عالية من التراكم حينما كانت الضرورة تستدعي نمواً انفجارياً، وهي قد تصل إلى 40% من الدخل الوطني الذي يعتبر خطاً أحمراً لا يجوز تجاوزه لأنه حين ذاك سيؤثر سلباً على معدلات الاستهلاك مع ما يحمله ذلك من خطر عدم القدرة على إعادة إنتاج قوة العمل. ولكن قوة العمل لدينا تعاني فعلياً من خطر عدم القدرة على إعادة إنتاجها بسبب مستوى الأجور المتدنية، والذي يكمن سببه في العلاقة المختلة بين الأجور والأرباح.

العلاقة بين الأجور والأرباح:

إن العلاقة الحالية بين الأجور والأرباح في ظروف بلادنا هي 25% أجور و 75% أرباح. والمعروف أن العلاقة بين الأجور والأرباح في بلد الرأسمالية الأول، الولايات المتحدة الأمريكية، هي 60% أجور و 40% أرباح، وهي تزيد أو تنقص بحدود (+ - 20%) حسب كل بلد من البلدان الرأسمالية المتطورة لأن الطبقة المالكة والحاكمة فيها تعي تماماً أن انخفاض مستوى الأجور عن حد معين سيؤدي إلى الإضرار بكل التطور الاقتصادي من خلال تخفيضه للقدرة الشرائية التي ستؤثر سلباً على الطلب، مما لن يسمح لعجلة الإنتاج بالاستمرار. حتى أن الدور الوظيفي لمؤشرات الأسعار هو امتلاك ذلك الباروميتر الذي يحمي من الوصول إلى منطقة الخطر في قدرة الطلب العام على تنشيط الإنتاج، الذي تكمن مصلحة المالك في الحفاظ على استمراريته.

إن كتلة الأجور في سورية قد وصلت بعد الزيادات الأخيرة إلى حوالي (170) مليار ليرة سورية، في الدولة وقطاعاتها المختلفة، وإذا أضفنا إليهم العاملين في القطاع الخاص فإنها تصل إلى (250) مليار ليرة سورية من أصل (950) مليار، وهي مجموع الدخل الوطني.

وغني عن الذكر أن هذا التناسب يؤثر سلباً على الاستهلاك العام وعلى التراكم. وإذا أضفنا إلى ذلك:

عائدية رأس المال:

التي لا تصل إلى أكثر من 20% من مجمل الاقتصاد الوطني، يتضح حجم المشكلة من جهة، والاحتياطات الهائلة الممكنة لحلها. وهذا الاحتياطات هي منطقياً وبالتدرج حسب الأهمية التالية:

٭ رفع معدلات التراكم.

٭ تغيير العلاقة جذرياً بين الأجور والأرباح.

٭ رفع عائدية رأس المال.

إن النموذج الاقتصادي القائم حالياً لم ولن يسمح بتعبئة الإمكانيات والموارد المذكورة أعلاه من أجل تحقيق النمو الاقتصادي المطلوب. لماذا؟

3 ـ الفاقد الاقتصادي، السبب الأساسي في انخفاض معدلات النمو:

 

لذلك فإن قضية معرفة أسباب ضمور نمو الدخل الوطني ترتدي أهمية كبيرة. هناك من يبسط القضية، إذا كنا لا نريد أن نتهم أحداً بسوء النية، بالقول: إن السبب هو قطاع الدولة والبيروقراطية التي تمارس في إدارة أعماله، فإننا نعتقد أن السبب أعمق من ذلك بكثير، والوصول إليه ومعالجته يرتدي أهمية منهجية كبيرة.

إن كل التقديرات تتفق، تقديرات الذين هم ضد قطاع الدولة ومعه، فإن الفاقد من الدخل الوطني بسبب النهب الكبير الذي يتعرض له الاقتصاد الوطني، وقطاع الدولة خصوصاً، الذي هو أحد المكونات الأساسية لهذا الاقتصاد، هو سبب أساسي، وتصل التقديرات إلى أن حجم هذا الفاقد يعادل في أحسن الحالات (20%) من الدخل الوطني المنتج سنوياً، ومن نافل القول إن النهب بهذه الحالة قد تحول إلى سبب لقصور النمو، وإلى نتيجة من نتائج النمو القاصر، لأن هذا الحجم من الدخل الوطني المقتطع يحول دون التراكم الضروري للاستثمارات التي لابد منها للنمو اللاحق، ونظرة سريعة لمعدل نمو الاستثمارات خلال فترة السنوات العشر الماضية تبين أن المعدل الوسطي لنمو الاستثمارات سنوياً كان بحدود 2.5%، وهي نسبة لا يمكن أن تحل المهمة المطلوبة. كما أن الدراسات تبين أن حجم التراكم للدخل الوطني، رغم ازدياد الدخل الوطني بحدود (35%) خلال الفترة المدروسة، لم يتجاوز (15%)، وهي نسبة متدنية، فما هي الإشكالات التي يسببها نمو منخفض نسبياً؟!

إشكاليات النمو المنخفض

1. في ظل شكل توزيع الدخل الوطني المختل بين الأجور والأرباح لصالح الأخيرة لا يمكن تأمين متطلبات تحسين مستوى المعيشة. والمعروف أن الدراسات المختلفة قد بينت أن مستوى الأجور الحالي هو أدنى من المطلوب بثلاث مرات، مما يتطلب إصلاحاً اقتصادياً جوهره رفع نسب النمو وتصحيح الخلل بين الأجور والأرباح.

2. إن نمواً بهذا الحجم لا يمكن إلا أن يراكم من مشكلة البطالة من خلال عدم قدرته على تأمين فرص العمل الضرورية لليد العاملة الجديدة التي تدخل سوق العمل سنوياً، والتي هي بحدود (200) ألف شخص، لا يجري امتصاص إلا ربعها في أحسن الأحوال، وغني عن البيان أن تراكم نسب البطالة خلال فترة زمنية لاحقة سيزيد من نسبة البطالة التي وصل حجمها اليوم إلى (20%) من قوة العمل.

3. إن النهب الكبير الذي يسبب تخفيضاً للنمو يؤثر بشكل مباشر على عائدية الرساميل الموظفة في الاقتصاد الوطني ويجعلها في أحسن الأحوال لا تتعدى الـ (20%) أي أن كل خمس ليرات موظفة في الاستثمار تعطي مردوداً قدره ليرة سورية واحدة، لذلك من غير المعقول رفع نسب النمو دون رفع عائدية الرأسمال الذي لا يمكن أن يتحقق دون إيقاف النهب.

4. كما أن هذا النهب يؤدي بدوره إلى تخفيض نسب التراكم التي يجب أن تصل بحدودها الدنيا في ظروفنا الحالية إلى (25%) من الدخل الوطني، وهذا ما لم يتحقق خلال أي سنة من السنوات العشر الماضية.

لذلك يصبح من الواضح أن رفع نسب النمو ليست قضية اقتصادية صرفة، بل هي قضية اجتماعية وسياسية، ولا يمكن القول إلا أنها أصبحت قضية وطنية من الدرجة الأولى. فكيف السبيل إلى معالجة هذه القضية؟!

هذا الواقع يتطلب تغيير جذري للنموذج الاقتصادي القائم والانتقال إلى نموذج اقتصادي جديد يؤمن متطلبات النمو العالية، والواضح أن هذا النموذج لا يتفق نهائياً مع الرؤى الليبرالية الجديدة التي تحمّل قطاع الدولة مسؤولية الوضع الحالي، وهي أصلاً باقتراحها لنموذجها الجديد، والذي يتطلب التخلي عن دور الدولة في العملية الاقتصادية والاجتماعية، لن تؤدي إلا إلى نتيجة واحدة، كما برهنت كل التجارب في أوروبا الشرقية وفي منطقتنا، وهي انخفاض معدلات النمو إلى ما تحت الصفر. وإذا حصل ارتفاع طفيف لمعدلات النمو في بعض هذه البلدان مؤخراً فالحجم المطلق للدخل الوطني لم يصل إلى مستوى ما قبل الإصلاحات الليبرالية، أي أن النمو بمجمله على مقطع زمني يمتد منذ بدء هذه الإصلاحات حتى اليوم، مازال بمجمله سالباً.

4 ـ من أجل نمو معدلات النمو:

 

يحاول مشروع الإصلاح الاقتصادي المعروف، معالجة هذه المشكلة باقتراحه الوصول إلى معدل نمو 6% سنوياً بعد سبع سنوات. أي أنه بكلام آخر يقترح إجمالي النمو خلال سبع سنوات أكثر من 30% بقليل، انطلاقاً من معدل النمو الحالي المفترض (3%) والذي يشكك أصلاً البعض بصحته مبرهناً أنه إذا حُسب بالأسعار الثابتة فإنه سيكون بين (0ـ 1%). وفي كل الأحوال فإن مشروع الإصلاح الاقتصادي لا يوضح على أي أساس بنى هذه النسبة.

يقترح المشروع نسبة نمو سنوية للدخل الوطني 6 % بعد سبعة سنوات، وإذا كانت هذه النسبة قياساً لنسب النمو المحقق سابقاً تعتبر نسبة طموحة، فإن المسودة لا توضح على أي أساس بنيت هذه النسبة. فإذا كان بناؤها يستند على إسقاط نسب النمو السابقة على المستقبل، فهذا يعني أن ميل واضعي البرنامج كان ببساطة محاولة مضاعفة نسب النمو المحققة، إلا أن هذه النسبة غير مؤسسة على رؤية واضحة للضرورات التي يفترضها نمو الدخل الوطني خلال فترة زمنية طويلة، فإن نسبة الـ6% نمو سنوي تعني أن الهدف هو مضاعفة الدخل الوطني مرة واحدة خلال 16 سنة، فهل يمكن انتظار هذه الفترة الزمنية لتحقيق الأهداف المرجوة من وراء مضاعفة الدخل الوطني في الظروف الملموسة التي تعيشها بلادنا؟! من الواضح أن مضاعفة الدخل الوطني هو هدف مشروع وضروري، ولكن ضمن فترة زمنية كهذه يفقد أهميته وضرورته، والأرجح أن واضعي البرنامج كان يجب أن ينطلقوا بالعكس أي من تحديد الإطار الزمني الضروري لمضاعفة الدخل الوطني، وصولاًً إلى تحديد وتائر نموه السنوي. وإذا وضعنا الأمر كذلك، فإن الفترة الزمنية المطلوبة والضرورية لمضاعفة الدخل الوطني قد لا تكون أكثر من (6 ـ 7) سنوات، مما يتطلب معالجة مسألة النمو السنوي على هذا الأساس، والتي ستتطلب حينذاك تحقيق نسبة نمو 10 % سنوياً كحد أدنى.

تحديد معدلات التراكم:

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فمن المعروف أن أي نسبة نمو تتطلب تحديد معدلات التراكم في الدخل الوطني، أي تحديد حجم الاستثمار المقتطع من الدخل الوطني لتأمين النمو اللاحق. وتبين التجربة والأرقام أن نسب التراكم السابقة خلال السنين العشر الماضية كانت أقل من 15 %، وقد حققت هذه النسبة نمواً يتراوح بين (0 و 3 %). وإذا استندنا إلى هذه الأرقام فهذا يعني أن نمو 6 % للدخل الوطني يتطلب لا أقل من 30 % تراكماً مقتطعاً من الدخل الوطني لتوسيع الاستثمار وهذا ما لم تلحظه ولم تعالجه مسودة البرنامج.

عائدية الرأسمال:

ومن الواضح أنه في ظل عائدية الرأسمال في ظروفنا الحالية، والتي تعتبر لأسباب عديدة متدنية، ولا يمكن الوصول إلى نسبة نمو 6 % ضمن معدلات التراكم السابق، وإذا افترضنا أن 6 % غير كافية فزيادتها تتطلب رفع نسب التراكم التي تصبح مستحيلة من وجهة النظر الاقتصادية البحتة في ظروفنا الملموسة أكثر من (30 / 40 %)، لذلك فإن الحل الوحيد لرفع نسب النمو والتراكم، هو رفع مستوى أداء الاقتصاد الوطني لرفع نسب النمو والتراكم. وإذا افترضنا، حسب التقديرات الأولية، أن عائدية الرأسمال في ظروفنا تدور حول (20 %)، فإن رفعها يصبح ضرورة ملحة لتأمين نمو المؤشرات الأخرى، وهذا مالا يمكن أن يتحقق في ظل الفاقد الكبير الذي ينزف من اقتصادنا الوطني، سواء كان بسبب الفاقد الضريبي أو الجمركي، أو بسبب النهب الكبير بكل بساطة.

هل النسب المقترحة جدية؟

إن عدم تطرق المشروع لموضوع حجم التراكم المطلوب لتأمين نسب النمو المفترضة، يضع بإطار الشك، حتى نسبة النمو المقترحة التي يتطلب الوضع زيادتها لحل المشاكل الكبرى المنتصبة أمامنا في ظل فترة زمنية هي لا قصيرة المدى ولا طويلة المدى، فلنقل متوسطة المدى، أي (6 ـ 7) سنوات.

إن نسبة النمو غير المؤسسة بشكل جدي، والتي تعد العمود الفقري لأي برنامج اقتصادي، يمكن أن تنسف كل البرنامج إذا لم تبرر علمياً، وإذا لم يؤمن لها الموارد الضرورية. وفي كل الأحوال فإن إعلان الرقم والالتزام به خطوة هو هامة لتقييم أداء الاقتصاد الوطني لاحقاً، ولمحاسبة المسؤولين عنه. أي أن هذه النسبة، رغم الاعتراضات التي يمكن أن تثار عليها، يجب أن يصبح تحقيقها أو عدم تحقيقها مؤشراً أساسياً لتقييم أي أداء اقتصادي بعد الإعلان عن الالتزام بهذا الرقم.

استناداً إلى كل ذلك يمكن اقتراح نموذج اقتصادي جديد يؤمن النسب العليا الضرورية من النمو، وهذا النموذج يتطلب تأمين المتطلبات التالية:

ـ الوصول بالتراكم إلى 40% من الدخل الوطني.

ـ تغيير العلاقة بين الأجور والأرباح كي تصبح 40% أجور و 60% أرباح.

ـ إن تأمين الشرطين الأوليين سيسمح برفع إنتاجية العمل، مما سيوصلنا في ظروف بلادنا التي تتوفر فيها قدرات بشرية هائلة، وثروات باطنية كبيرة إلى عائدية عالية للرأسمال الموظف يمكن تقديرها حسب الحسابات الأولية إلى 50%.

كيف سيترجم ذلك على أرض الواقع؟‍.. تبقى المسألة الأساسية والإشكالية الكبرى هي إيقاف النزيف الكبير الذي يسببه النهب الكبير للاقتصاد الوطني، والذي يقدر بـ 20% من الدخل الوطني بالحد الأدنى، وحتى 40% بحده الأعلى.

ـ ففي ظل النموذج القائم 25% أجور، 75% أرباح.

ـ وفي ظل 15% تراكم.، 85% استهلاك.

تتكون العلاقة بين هذين النموذجين من المعطيات على الشكل التالي:

تسترجع الدولة من أصحاب الأجور عبر الضرائب المباشرة وغير المباشرة والرسوم، أي خلال عملية إعادة التوزيع للدخل الوطني 40% من دخولهم التي تبلغ حجم 10% من الدخل الوطني، وهي من حيث الاستخدام تذهب إلى التراكم. مما يعني أن أصحاب الأرباح يساهمون في التراكم فعلياً بـ 5% لكي يبلغ مجموعه 15% من الدخل الوطني. وهذه النسبة (0.7) من مجموع الأرباح.

وبالتالي يستهلك أصحاب الأجور استهلاكاً نهائياً فعلياً 60% من أجورهم. بينما يستهلك أصحاب الأرباح استهلاكاً نهائياً 93% من أرباحهم، وبما أن قدرة السوق المحلية بالنسبة للاستهلاك الفعلي عبر هذه الشريحة محدودة، فمن المفهوم أن يذهب حوالي 30% من الـ 70% المخصصة لاستهلاكهم إلى التراكم، ولكن في الخارج كي تتراكم هذه الثروات ودائعاً في المصارف الأجنبية تقدرها أكثر المصادر تفاؤلاً بـ (100) مليار دولار، بينما لا يبلغ مجموع الدخل الوطني السنوي اليوم أكثر من (20) مليار دولار.

إن كسر هذه الحلقة أصبح ضرورة وطنية بالنسبة لتطور مجمل الاقتصاد الوطني.

إن إيقاف النزيف عبر تحويل هذا الفاقد إلى أجور وتراكم سيسمح بتغيير المعادلة نهائياً وصولاً إلى 40% أجور و 40% تراكم، وغير ذلك فإن المستقبل لا يعد بالخير للبلاد والعباد.

أخيراً، حتى اليوم كان يمكن الحديث عن نمو بلا تنمية في بلدان العالم الثالث، وهو ما جرى فعلاً في كثير من الأحيان، فذلك النمو الاقتصادي الذي لا ينعكس إيجابياً على مصالح غالبية الناس في المجتمع لا يمكن أن يتحول إلى تنمية، والسبب في ذلك طبعاً هو اختلال عملية التوزيع وتمركز الثروة المستمر في أيدي قلة قليلة. وكان النمو في هذه الحالة شرطاً ضرورياً للتنمية حتى ولو لم تتحقق.

ولكن هل يمكن القول بذلك اليوم؟ الأرجح لا يمكن. لماذا؟

■ إذا كان مؤشر النمو هو مؤشر كمي، فالتنمية هي مؤشر نوعي.

■ وإذا كان مؤشر النمو هو مؤشر بسيط، فالتنمية هي مؤشر مركب.

■ وإذا كان مؤشر النمو هو مؤشر اقتصادي بحت، فالتنمية هي مؤشر اقتصادي ـ اجتماعي ـ سياسي.

اللا نمو بلا تنمية

واليوم في ظل الأزمة العميقة التي تعصف بالنظام الرأسمالي العالمي والتي تضطره إلى رفع معدلات نهب بلدان العالم الثالث، يمكن القول أن كل احتياطات النمو بلا تنمية قد استنفدت وتعقد الموضوع وأصبح لا نمو بدون تنمية، أي أنه إذا كان في السابق من الممكن تأمين معدلات نمو ولو ضعيفة في ظل سياسات اجتماعية منحازة لأقلية من ذوي الثروة، وفي ظل سياسات داخلية تمنع تطور الديمقراطية للناس، فإن ذلك اليوم أصبح مستحيلاً وأية دولة تريد أن تستمر في أبقاء مبرر وجودها، وهو قدرتها على حل قضايا المجتمع، أصبح غير ممكن بالنسبة لها حل قضايا النمو دون حل حزمة القضايا الاجتماعية ـ السياسية الملازمة للموضوع. وفي ذلك تعبير واضح عن شكل التجلي الحالي لقانون تناسب القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج، لذلك فإن الخيار الحالي إما دولة وطنية قادرة على حل مشاكل المجتمع، وإما مجتمع قادر على إيجاد الدولة المناسبة لحل مشاكله ولا مفر من ذلك، ويبقى الخيار الأول هو الخيار الأقل كلفة وزمناً، أما الخيار الثاني فهو خيار وإن كان من المحتم الوصول إليه إذا استحال تحقيق الخيار الأول. إلا أنه خيار أكثر كلفة وزمناً والوصول إليه لن يكون طريقاً مستقيماً.

 

 

 

 

 

 

جدول (1):

مقارنة بين تطور ن.م.ص بسعر السوق (بأسعار 1995 الثابتة)، وتطور النمو السكاني خلال الفترة 1990 ـ 2002 لأساس ثابت (سنة الأساس 1990)

 

العام

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

2000

2001

2002

المؤشر

التطور النسبي ن.م.ص لأساس ثابت %

100

108

123

129

139

147

157

161

173

170

171

175

182

عدد السكان في منتصف العام (1000 نسمة)

12116

12529

12958

13393

13782

14285

14760

15066

15473

15891

16320

16720

17130

تطور النمو السكاني لأساس ثابت

100

103

107

110.5

114

118

121

124

128

131

135

138

141

 

 

المجموعات الإحصائية 2000 ـ 2001 ـ 2003

جدول 21/16

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جدول رقم (2)

 

GDP PER CAPITA ANNUAL GROWTH RATE %

GDP PER PPP US $, 2001

GDP per capita us $, 2001

GDP ppp us $ billions 2001

GDP us $ billions 2001

COUNTRY

HDI RANK

2001 -90

2001-75

2

1

17440

11063

184.7

117.2

Greece

24

2.1

0.9

12340

5097

125.7

51.9

Hungary

38

3.7

ـ ـ

ـ ـ

ـ ـ

ـ ـ

ـ ـ

Cuba

52

3.9

4.1

8750

3699

208.3

88

Malaysia

58

1.9

0.9

3280

1175

54.4

19.5

Syria

110

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جدول (3):

تطور ن. م.ص بسعر السوق خلال الفترة 1990 ـ 2002 (بأسعار 1995 الثابتة، ملايين الليرات)

وتطوره النسبي لأساس ثابت (سنة الأساس 1990)

وتطوره لأساس متحرك (معدلات النمو)

 

 

السنة

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

2000

2001

2002

المؤشر

ن.م.ص

375423

405560

460592

484285

521198

550631

590703

604583

650669

638460

640753

655251

682782

التطور النسبي لأساس ثابت %

100

108

123

129

139

147

157

161

173

170

171

175

182

معدل النمو %

ـ

8

13.5

5

7.6

5.6

7

2

7.6

-2

0.4

2

4

 

المجموعة الإحصائية للأعوام 2000 ـ 2003 ـ جداول 15/16 ـ 32/16

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جدول (4):

تطور حصة الفرد من ن.م.ص بسعر السوق (الأسعار الجارية.

وتطور حصة الفرد من ن.م.ص بسعر السوق (بأسعار 1995 الثابتة)، لأساس ثابت (سنة الأساس 1990)

 

العام

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

2000

2001

2002

المؤشر

حصة الفرد الواحد بالأسعار الجارية (ل.س)

21336

23993

27680

29811

35439

38546

45303

47486

49039

49387

53027

54758

55992

التطور النسبي لأساس ثابت %

100

112

130

140

166

181

212

222.5

230

231

248.5

257

262

حصة الفرد بالأسعار1995 الثابتة (ل.س)

30986

32370

35545

36160

37817

38546

40239

40129

42052

40177

39262

39702

40088

التطور النسبي لأساس ثابت

100

105

115

117

122

124

130

129.5

136

130

127

128

129

 

المجموعات الإحصائية 2000 ـ 2001 ـ 2003

جداول 21/16 ـ 36 /16