المصارف الخاصة الواقع والآفاق

د. راتب الشـلاح*

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،

إسمحوا لي بدايةً أن أتوجه بالشكر والتقدير للسادة رئيس وأعضاء مجلس إدارة جمعية العلوم الإقتصادية على هذه الدعوة الكريمة. التي عودتنا دائماً على طرح المواضيع ومناقشتها بكل جرأة وشفافية وذلك من خلال أسلوب علمي.

 

وكل الشكر والإحترام للأخ العزيز الدكتور عصام الزعيم "رئيس الجمعية" على هذه اللفتة الكريمة بدعوتي اليوم، والشكر الموصول لجميع الأخوة أعضاء الجمعية والشكر الخاص للحضور الكريم الذي يمثل النخبة من المفكرين والباحثين والأساتذة الذي سيسعدنا نقاشهم وملاحظاتهم. كما اشكر صديقي العزيز الدكتور حيان سليمان لتعقيبه على كلمتي وعلى الرأفه التي سيبديها في تقيمه لها.

 

منذ البداية أود أن أقول لكم بأنني لم أحضر إلى هنا لكي أفض سراً قد إستعصى عليكم فيما يتعلق بالمصارف الخاصة. بل أقول وبكل صراحة جئت إلى هنا لكي أحاور وأتفهم وأناقش وأتعلم وهذا ليس تواضعا" من جانبي بل لقناعتي بأنكم هنا في هذه المدينة الفاضلة في هذا البلد العظيم تمثلون فكراً راقياً، فكراً أرسى جذوره منذ مئات السنين.

 

كما تعلمون جميعاً فقد دخلت سورية القرن الحادي والعشرين بكل ما تحمل من تحديات ومتغيرات وتطورات، مع حدث مهم وكبير تمثل بتولي السيد الرئيس بشار الأسد مقاليد الحكم وما رافق ذلك من رؤية جديدة ومنفتحة لمعالجة المشاكل الإقتصادية، ومن هذا المنطلق تم البدء بإعداد برنامج طموح في الإصلاح والتطوير. لقد نبع هذا البرنامج من دوافع كثيرة ومتعددة فمنها ذو منشأ محلي وبعضها ذو منشأ إقليمي والبعض الآخر دولي.

 

فعلى الصعيد المحلي كان لابد من إيجاد حلول للمشاكل التي تفاقمت وأدت لتراجع معدلات النمو الإقتصادي وضعف أداء المؤسسات الإقتصادية وتزايد معدلات البطالة وتفاقم مشكلة الفقر. وتراجع مستوى القوة الشرائية للمواطن السوري بالمقارنة بالدول المجاورة مما صاحب ذلك فجوة نمو مع دول الجوار أدت إلى تزايد هجرة الكفاءات العلمية بحثاً عن دخل أفضل. حتى أن إستجابة الإقتصاد السوري كانت بطيئة للتأقلم مع التغيرات العالمية وبشكل خاص مع ما يسمى اليوم بالعولمة والإنفتاح الإقتصادي والتطور العلمي والتكنولوجي.

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

عندما بدأ في إنجاز برنامج الإصلاح الإقتصادي جرى تحليل شامل وجزئي للواقع الإقتصادي والإجتماعي ولمواطن الضعف والقوة في الإقتصاد السوري وما هي التهديدات المستقبلية والفرص المتاحة للتطوير والتحديث. بناء على ذلك قامت الحكومة بخطوات جريئة نحو الإسراع إلى اقتصاد السوق الاجتماعي وتحرير التجارة وتفعيل دور القطاع الخاص والاستمرار في تطوير القطاع المالي والمصرفي.

 

 

كما أقرت الحكومة أخيراً قانون الاستثمار الجديد وإحداث هيئة عليا للاستثمار وذلك بهدف تعزيز النمو الاقتصادي وتطوير الاقتصاد السوري ورفع قدرته التنافسية وبالتالي تحسين مستوى التنمية الإقتصادية المتمثلة في توزيع أفضل للدخل ومكافحة الفقر ورفع المؤهلات والقدرات البشرية وتحسين كفاءة الإدارة وبيئة العمل عبر تحديث التشريعات وإعادة هيكلة المؤسسات.

 

وتعمل سورية حالياً على تحقيق هذه الإستراتيجيات وقد سنت لهذه الغرض قوانين وتشريعات مدروسة وهي تعمل على توفير القاعدة الأساسية التي تساعد على رفع مستوى الخدمات المالية والتفاعل مع المستوى الخارجي العربي منه والدولي في ظل المراسيم التشريعية المتلاحقة فمنها ما يختص بالسرية المصرفية، والمصارف الإسلامية، ومكافحة تبييض الأموال وفتح مجال للمصارف العالمية لدخول السوق المصرفي السوري بما يساهم في تطوير السوق المصرفية والمالية، وإجتذاب المدخرات المالية وتمويل المشروعات التنموية للنهوض بالإقتصاد الوطني.

 

أولاً: المصارف الخاصة البداية والمهام:

 

أخذت التشريعات المالية والنقدية دوراً بارزاً في عمليات الإصلاح وذلك لأهميتها في تحريك عجلة الإقتصاد وجذب الودائع السورية في الخارج (المقدرة بحوالي "60 مليار دولار). واستقطابها لرفد القطاع المالي والمصرفي السوري الذي يساهم 10% من الناتج المحلي السوري.

 

بالرغم من حداثة تجربة المصارف الخاصة في سورية (حيثث نشأت منذ أقل من ثلاث سنوات) إلاّ أن العمل المصرفي الخاص في سورية ليس بالجديد فهو وريث تقاليد مصرفية عريقة وحجم مصرفي كبير وصل في مطلع الستينات من القرن الماضي وقبل التأميم إلى ما يقارب 50 مصرفاً ومن جنسيات متنوعة وفروع مختلفة.

 

مع أن العودة لم تكن سهلة وصاحبها العديد من الآراء والتيارات المؤيدة والمعارضة إلاّ أن الولادة تمت أخيراً بيسر وسهولة، وبدأ تأسيس المصارف الخاصة وتتالى إفتتاح الفروع وتنوعت الخدمات المصرفية المقدمة، إلا أن هناك تساؤلات كثيرة حول الدور المنتظر لهذه المصارف في العملية التنموية وبشكل خاص حول دور هذه المصارف في التمويل المتوسط وطويل الأجل للمشاريع الإنتاجية والخدمية .

 

إن هذه التساؤلات مشروعة ومحقة ولكن الإجابة عليها لن تكون بهذه السهولة المتوقعة لأن دخول هذه المصارف إلى الأسواق المالية والمصرفية صاحبها عدم الوضوح في بعض الأحيان سواءً أكان ذلك من جانب السلطة المصرفية أو لغياب شفافية في البيئة التشريعية والقانونية التي تحكم العمل الصناعي والتجاري (والتي تجعل احياناً من تقديم البيانات والمعطيات الصحيحة مشكلة بدلاً من أن تكون وسيلة لضمان عملية الإقراض).

 

السادة الحضور

في هذه الأمسية العلمية سأحاول جاهداً إبراز الدور الجديد الذي نأمل أن تلعبه المصارف الخاصة في تشجيع وتطوير الإستثمار في سورية. وذلك ضمن سوق مالية فاعلة ومتطورة.

 

كان قرار الحكومة التاريخي بترخيص المصارف الخاصة إلى السوق السورية قراراً صائباً وحكيماً إستشف متطلبات المرحلة المستقبلية القادمة لعملية الإصلاح والتطوير، وبصورة خاصة تعاظم فاعلية دور القطاع الخاص في العملية التنموية وحاجته لخدمات مصرفية جديدة ومتطورة لم تكن المصارف العامة قادرة على تقديمها لأسباب إدارية وروتينية.

 

المصارف الحكومية وقصور خدماتها

حيث لم تستطع المصارف الحكومية مواكبة تطور القطاع الخاص الذي كان بحاجة إلى تمويل إستثماراته حيث بلغ حجم القروض المقدمة له عام 1999 حوالي 65 مليار ليرة سورية في حين بلغت إيداعاته حوالي 203 مليار ليرة سورية.

 

هذا بالإضافة إلى أن فروع المصارف العامة الستة في ذلك الوقت كانت تقدم الخدمة إلى 66000 شخصاً لكل فرع أي بمعدل حساب مصرفي واحد لكل 26 شخص مقابل حساب مصرفي واحد لكل 7 أشخاص في لبنان و 16 في مصر وشخص واحد في فرنسا حتى أن أساليب التعامل في المصارف العامة إعتمدت على الأسلوب التقليدي ولم تكن هناك صيرفة إلكترونية.

 

كذلك وصل حجم موجودات الجهاز المصرفي الحكومي عام 1999 إلى حوالي 14.2 مليار دولار أي ما يعادل 84% من حجم الناتج النحلي الإجمالي في حين وصلت هذه النسبة في الأردن إلى حوالي 217% و 244% في لبنان و 128% في مصر.

 

أيضاً وبنفس الفترة وصل حجم الودائع 6.7 مليار دولار أي ما يعادل 40% من الناتج المحلي مقارنةً بـ 110% في الأردن و 83% في مصر، في حين بلغت التسهيلات الإئتمانية 6.6 مليار دولار ما نسبته 39.7% من الناتج المحلي مقارنةً بـ 94% في الأردن و 172% في لبنان و 73% في مصر مما يؤكد أهمية الحاجة في حينه للتطوير المصرفي للمساهمة بصورة أكبر في التنمية.

 

بروز الحاجة الى خدمات مصرفية جديدة

 

أمام تنامي القطاع الخاص السوري ووصول نسبة مشاركته في الناتج المحلي الإجمالي إلى ما يقارب ألـ 63% في عام 2006 (وهي في إزدياد مستمر في تطبيق نظام إقتصاد السوق الإجتماعي) فإن الحاجة أصبحت ملحة لدعم المصارف العامة بخدمات مصرفية جديدة لا تقوم به حاليا" الا المصارف الخاصة بالإضافة إلى دورها في دعم إقامة السوق المالية، وتسهيل عمليات تداول الأسهم والسندات في السوق وتسهيل عمليات ترويج الإكتتاب بالأسهم للشركات المساهمة الجديدة.

 

 

نمو المصارف الخاصة الباهر وانجازته

 

مع وعينا الكامل بأنه لم تمض فترة زمنية كافية لكي تنضج إتجاهات أداء المصارف الخاصة حتى يتمكن المحلل من التمييز فيما بينها من حيث الإستراتيجية والمنتجات والخدمات والتغطية القطاعية والسوق، وعلى الرغم من البطء في تأسيس وتطوير أدوات السياسة النقدية ومعدل صرف العملة، فقد حققت المصارف الخاصة السورية معدلات نمو متقدمة في عامها الثالث فقد نمت الإيرادات حوالي 6 أضعاف لتصل إلى 1438 مليون ليرة، بينما صافي مصاريف التشغيل لم ترتفع لأكثر من 82% بالمقارنة مع السنوات السابقة حيث بلغت 694 مليون ليرة، وقد تضاعفت الأرباح الصافية 3 مرات تقريباً (2.8 مرة) لتصل إلى 424 مليون ليرة.

 

عوامل مساعدة في نجاح المصارف الخاصة

 

إن هذه المعدلات العالية كانت متوقعة بالرغم من حداثة هذه المصارف ساعدت في تحقيقها عدة عوامل من أهمها:

1.    القاعدة الصغيرة والمدروسة التي إنطلقت منها المصارف الخاصة في عام 2004 وذلك من حيث الودائع والتسليفات والتوظيفات والكفالات والإعتمادات المستندية وإجمالي الموجودات والكادر والفروع.

 

2.    إتساع السوق المصرفية السورية وضآلة تغطيتها من قبل المصارف العامة.

 

3.    توفر الرغبة القوية لدى المصارف الخاصة على إستحواذ مساحة أوسع في العمل المصرفي في الإقتصاد السوري وبشكل خاص توطين المصارف الخاصة في التجمعات الإقتصادية التي تحتاج لتقديم الخدمات المتطورة.

 

4.    نمو الناتج المحلي الإجمالي بمعدلات 5%-6% وذلك لعام 2006 حسب تقرير بعثة صندوق النقد الدولي.

 

5.    التطورات الطارئة في العلاقة بين سورية ولبنان التي أدت إلى تحويل قسم من إيداعات السوريين في لبنان إلى مصارف سورية.

 

 

ترخيص المصارف الخاصة ودورها اليوم في النشاط المصرفي العام

 

هناك ستة مصارف خاصة تقوم بالعمل في السوق السورية بالإضافة إلى التراخيص التي منحت لثمانية مصارف جديدة لبنانية وخليجية وأردنية ولثلاث مصارف إسلامية.

 

إنعكس عمل هذه المصارف على حجم التعامل المصرفي فقد إرتفعت نسبة الإيداعات بشكل عام بين عامي 2005-2006 إلى حوالي 30% بينما إرتفعت في القطاع الخاص المصرفي بنسبة 154% لعام 2005 و 96% لعام 2006.

 

أما من حيث التسليفات فقد إرتفعت لدى المصارف الخاصة والعامة بنسبة 140% لعام 2005 و 215% لعام 2006، والجدول التالي يوضح لنا ذلك:

 

جدول يبين توزّع الودائع والتسليفات بين القطاعين العام والخاص ونسبتها إلى إجمالي القطاع المصرفي خلال عام 2005 "القيمة بملايين الليرات السورية"

 

ودائع

تسليفات

2005

عام

%

خاص

%

مجموع

عام

%

خاص

%

مجموع

 

ل

1

206.159

34

391.474

66

597.633

131.081

53

116.775

47

247.856

12

235.131

38

686.230

62

621.361

155.933

47

175.990

34

331.923

 

 

$

1

37.437

55

30.327

45

67.764

2.696

54

2.269

46

4.965

12

37.479

43

49.527

57

87.006

1.745

29

4.248

71

5.993

 

 

أما من حيث الإيداعات بالقطع الأجنبي فقد إرتفعت إيداعات القطاع العام المصرفي ما نسبته 63% خلال عام 2005 وكان هذا الإرتفاع بالنسبة للقطاع الخاص المصرفي حوالي 92% كما وصلت هذه الإيداعات في عام 2006 إلى حوالي 197%.

 

أما بالنسبة للتسليف بالقطع الأجنبي فقد نما لدى الجهاز المصرفي بشكل عام حوالي 87% عام 2005 وكانت هذه النسبة منخفضة لدى المصارف الخاصة التي وصلت إلى 7.7% تقريباًُ.

تنامي القطاع الخاص المصرفي الجديد لم يصبح عائقا" امام القطاع العام المصرفي

 

وبالرغم من تنامي هذا القطاع فإنه لم يكن ليشكل عائقاً أو منافساً للقطاع العام المصرفي بل كان هذا النمو يرجع لعودة رؤوس الأموال الوطنية الخاصة التي كانت مودعة لدى مصارف في الدول المجاورة هذا من جهة، ومن جهة ثانية إعادة تثمير الأموال المجمدة بدلاً من إكتنازها, الامر الذي يؤكد التكامل بين هذين القطاعين وهو تكامل ضروري لتنظيم التحديث المصرفي وتفعيل الاقراض لصالح الاستثمار والتنمية ورفع معدلات النمو الاقتصادي.

 

دور القطاع المصرفي في التنمية الاقتصادية

 

إن للقطاع المصرفي دوراً كبيراً في عملية التنمية الاقتصادية يمكن استعراضه من خلال النقاط التالية:

        المساهمة في زيادة الناتج المحلي الإجمالي

        المساهمة في إدخال وتوطين التقنيات المصرفية الحديثة من الطرف الآلي والحسابات المصرفية المتطورة.

   المساهمة في تنمية الموارد البشرية وتدريبها وتأهيلها لتكون مؤهلة لتطوير القطاع المصرفي السوري بشكل عام.

        جذب جزء كبير من الأموال المكتنزة والمجمدة خارج القطاع المصرفي لكي تدخل الدورة الاقتصادية وتساهم في العملية التنموية.

   تأمين القروض اللازمة سواء كانت قصيرة الأجل أو طويلة الأجل للعمل في القطاع الصناعي والتجاري والخدمي بحيث تساهم في إقامة وتوطين مشاريع استثمارية جديدة.

        المساهمة في حل مشكلة البطالة (ولو أن هذه المساهمة ما زالت محدودة).

 

ثانياً: تشجيع الاستثمارات المهمة الملحة ودور المصارف الخاصة

 

تؤكد كافة الدراسات الاقتصادية أن التنمية بشكل عام وفي سورية بشكل خاص لايمكن أن تتطور دون استثمارات كبيرة ومتنوعة تصل حدودها إلى ما يعادل 40% من حجم الاستثمار المحلي الإجمالي وذلك لتحقيق معدلات نمو تصل الى حدود 8% وكما هو معروف ودون ذلك فان سورية لن تستطيع تحقيق نقلة تنموية كبيرة يتم فيها تغيير بنية الاقتصاد الوطني وردم الهوة بينها وبين ما فاتها من تباطء في الإصلاح والتطوير وتدنّ في معدلات النمو وتراجع في الدخل الفردي وتفاقم مشكلة البطالة.

 

إن تشجيع الاستثمار يتطلب تفعيل أدواته أولاً وهي الجهاز المصرفي والمالي بغية منح القروض المتوسطة وطويلة الأجل سواء أكان ذلك بهدف إقامة مشاريع إنتاجية أو خدمية. هذا بالإضافة إلى توطين شركات مساهمة وطرح أسهمها للاكتتاب العام وذلك لتحويل المدخرات الوطنية وجعلها كتلة استثمارية فاعلة، ومن هنا تكمن وظيفة المصارف الأساسية التي يجب أن تقوم بها لتحقيق معدلات نمو عالية من خلال تفعيل الاستثمارات.

 

إن الميزة الهامة للمصارف الخاصة في سورية تتركز في كونها توفر مصادر تمويلية وطنية ستكون أكثر ضمانة وسهولة وأقل كلفة من أي مصادر تمويل أجنبية بديلة ( وهي ميزة تنافسية كبيرة يتمتع بها الاقتصاد السوري).

 

ان طبيعة وأجواء العملية المصرفية في الوقت الحالي ومستوى أدائها الذي تجعلها محفزة وحاضنة للعديد من المشاريع الواعدة والمبتكرة من خلال التوظيف المباشر فيها أو الوساطة لصالها وتوجيه المدخرات المتوفرة لديها الى تلك المشاريع.

 

وهذا ما يجعل تحقيق الطموحات السورية وخلق مشاريع إنتاجية استثمارية أقرب منالاً وأسرع تنفيذاً، والأرقام التي تم إيرادها عن حجم تعاملات المصارف الخاصة ومعدلات نمو إيداعاتها وتسليفاتها خلال عامي 2005-2006 (وهي أعوام بداية عملها الفعلي) يؤكد تطورها المتنامي رغم انه مازال فتياً في بدور التأسيس والإنشاء والتوسع.

 

 

المصارف الخاصة تكمل المصارف العامة وتحرضها على التحديث

 

الملاحظة المهمة هنا أن هذا التطور لم يأت على حساب الجهاز المصرفي القائم والمتمثل بالمصرف التجاري السوري وباقي المصارف العامة، ويلاحظ ايضا" أن أداء وخدمات ومستوى التقانة وتنوع الخدمات التي أصبحت متوفرة بالمصارف العامة قد ارتقت لمستوى أكثر فعالية ونشاطاً. بينما كان الكثيرون يراهنون على أن يكون أي تقدم ونشاط للمصارف الخاصة على حساب المصارف العامة.

 

 

 

ثالثاً: الخدمات والأعمال التي تقدمها المصارف الخاصة:

 

يمكن إجمال الخدمات والوظائف التي تقوم بها المصارف الخاصة والتي تشهد اليوم على المستوى العالمي تطوراً كبيراً والتي من أهمها:

 

1-   خدمات الأعمال والخدمات الشخصية INVESTMENT & PRIVATE BANKING

 

- تمويل طويل الأجل للشركات والمنشآت (LONG TERM FINANCING)

-       تقديم الاستشارات المالية.

-       عمليات الوساطة لإصدار وطرح الأسهم (UNDERTAKING IPO).

-       تقييم الشركات لتحديد قيمة الأسهم في حال طرحها للاكتتاب في الأسواق المالية (EVALUATION).

-       الاستشارات المالية وتمويل عمليات الدمج ما بين الشركات.

-       المساهمة وإدارة القروض الكبيرة (LOAN SYNDICATION) مع مجموعة مصارف.

-   تقديم خدمات لتغطية المخاطر (HEDGING) ولاسيما مخاطر ارتفاع أسعار الصرف ( FUTURES, OPTION, FORWARD SWAP) وأسعار المواد الأولية والسلع..

-   تقديم أدوات مالية لتمويل الشركات (FINANCIAL ENGINEERING) إما على شكل مساهمات في الشركة مع مراعاة خصوصيتها (COMMON STOCKS, PREFERRED STOCKS, CERTIFICATE OF INVESTMENT)

أو على شكل صكوك دين عادية (OBLIGATIONS, CORPIRATE BONDS) أو مسددة بأسهم من الشركة (CONVERTIDLES) بالإضافة إلى الحوافظ للمدراء والموظفين لحثهم على رفع أداء الشركة (STOCK OPTIONS).

-   ادارة الموجودات والذمم (ASSET & LIABILITY MANAGEMENT) مع إمكانية بيع الصكوك (SECURITIZATION).

-       الـ (LEASING) كأسلوب لتمويل شراء المعدات والعقارات وآليات النقل.

-       الودائع الائتمانية للأفراد والشركات.

-       الودائع لأجل بكافة العملات.

-   تقديم خدمات الوساطة للتداول في الأوراق المالية والمراهنات (SPECULATION)..(PORTFOLIO MANAGEMENT).

-       التداول بالمعادن الثمينة.

-       تقديم أدوات مالية للاستثمار مع ضمانة لرأس المال المودع (CAPITAL GUARANTEED).

-   كما يمكن للخدمات الـ PRIVATE BANKING أن تمتد لخدمات شخصية أكثر وبعيدة عن المال والتمويل وذلك لزبائن مهمين..( كالحجوزات وخدمات الشخصيات المهمة VIP)..

 

2-   الخدمات التجارية CORPORATE BANKING:

 

-       الحوالات الداخلية والخارجية، عمليات الصيرفة وإصدار الشيكات الشخصية والمصرفية.

-       تحصيل الشيكات والسندات والبوالص (COMMERCIAL DOCUMENTS ).

-   الاعتمادات المستندية مؤجلة الدفع، والمثلثة (SIGHT, DEFERRED, TRIANGULAR LCs ) مع إمكانية تمويلها وذلك من خلال سندات توقع من قبل العميل لأمر المصرف حصراً لسحب البوالص.

-       كتب الكفالات وكتب الضمان (LGs) لدخول المناقصات وحسن تنفيذها مع إمكانية تسليف العميل.

-   حسم الأوراق التجارية مع إمكانية بيعها للمصرف على شكل صكوك دين وذلك دون حق المصرف للرجوع على العميل في حال تعذر تحصيلها والاكتفاء بالرجوع على موقعها (FACTORING).

-   حسم الأوراق المحررة لأمر المصرف التي تمثل التمويل بالحساب الجاري ولكن مع تحديد آجال التسديد (BANK BILLS).

-   التمويل بالحساب الجاري المدين (OVERDRAFT) المفتوح أو الـ (EVERGREEN CREDIT) أو المحدد (REVOLVING CREDIT).

-       القروض الخاصة بشراء الموجودات الثابتة أو الشركات المسماة بالـ (BRIDGE LOANS).

-       القروض الخاصة بالقطاعات ذوي الإيرادات الموسمية.

-   قروض طويلة الأجل التي تحدد السحوبات والتسديدات بموجب جداول تعد على أساس استعمالات وموارد سيولة متوقعة (FUTURE CASH FLOW) وذلك على مدة أطول نسبياً (5 إلى 7 سنوات) عادةً تكون تلك القروض مخصصة للمنشآت الصناعية والزراعية والسياحية كما تستفيد من دعم من الدولة المعنية أو منظمات تمويلية أو إنمائية دولية.

 

 

 

3-   الخدمات بالتجزئة RETAIL BANKING:

 

-       القروض الشخصية ( PERSONAL LOANS).

-       قروض السيارات (CAR LEASING) أو (CAR LOANS) .

-       القروض السكنية HOUSING LOANS

-       البطاقات الائتمانية والتي يمكن تصنيفها بأربع أنواع:

أ‌-  DEBIT CARDS & ATM التي يتم التسديد من خلالها مباشرة من الحساب والتي يمكن استعمالها طالما يسمح رصيد الحساب بذلك. (بطاقات الرصيد)

ب‌-        CHARGE CARDS التي تمثل نوع من القروض الشخصية، والسقوف تحدد نسبة لدخل حاملها (الموظفين عادةً) كما يتم التسديد بموجب أقساط شهرية مع نسبة فوائد تحتسب نسبة لقدر القيمة المستعملة.

ت‌-        INTERNET CARDS للاستعمال على شبكة الانترنت وذلك لتسهيل التداول عبر الانترنت ولتحديد إمكانيات التعرض للسرقة.

-   برامج الادخار للتقاعد أو التعليم الجامعي (SAVING & LOANS EDUCATIONAL PLANS) مع إمكانية تزويدها ببوليصة تأمين على الحياة تتعهد بموجبها شركة التأمين على مواصلة دفع الأقساط الشهرية في حال وفاة المدخر الأساسي (LIFE INSURANCE).

-   توطين المعاشات (SALARY DOMICILIATION) مما يسهل عملية صرف الرواتب لكل من الشركات والموظفين كونها تستخدم كضمانات للحصول على التسهيلات التي شرحناها مسبقاً.

-   توطين الفواتير والاقساط (BILLS DOMICILATION) كفواتير الكهرباء والهواتف النقالة والثابتة والضريبة على القيمة المضافة.

-   MONTHLY INSTRUCTIONS ليتمكن منها الفرد إعطاء تعليمات دورية لينفذها المصرف كالحوالات وتسديد السندات.

-   PHONE BANKING الخدمات المصرفية عبر الهاتف على مدار الساعة: معرفة الرصيد، طلب إجراء الحوالات وعمليات الصرف.. والـ INTERNET BANKING عبر الانترنت.

-       خدمات التأمين بأنواعها عبر المصرف BANK ASSURANCE.

 

حيث يتبين من هذا العرض أن سورية ما زالت في بداية الطريق من ناحية الخدمات المصرفية المقدمة عالمياً، وهي في حال إدخال العمل بها قريباً على مستوى المصارف الخاصة ستكون المساهم الأكبر في تحريك العمل الاقتصادي كونها تدخل في جميع مفاصل وجوانب العمل التجاري والصناعي والخدمي ومحرضاً أساسياً لنجاحه.

 

 

 

رابعاً: صعوبات المصارف الخاصة:

 

لا يمكن ان يتحقق الدور المتوقع للمصارف الخاصة في تشجيع عمليات الاستثمار والتمويل الإنمائي بالشكل المطلوب دون سياسة نقدية حكومية مباشرة لتحفيز القطاعات الضعيفة ودعمها وتوجيه الإقراض نحو المشاريع الأكثر أهمية لعملية التنمية.

 

عوائق امام قيام المصارف الخاصة بلاقراض طويل الأجل

لعل دخول المصارف الخاصة دخولا" محدودا" حاليا" في عمليات الإقراض طويل الأجل بالشكل المطلوب والمستهدف يعود الى اسباب عديدة من بينها:

 

   محدودية الموارد المالية نتيجة تحديد سقوف رأس المال وبالتالي ضعف السيولة المطلوبة لتمويل القروض الطويلة الأجل وبشكل خاص المشاريع التي تحتاج لذلك التمويل.

   ضعف شفافية البيانات المالية للشركات والأفراد الراغبين بالاقتراض (وذلك لأسباب ضريبية) بالإضافة الى عدم إتباع هذه الشركات أنظمة محاسبية متطورة لبيان حركتها وتعاملاتها.

   غياب المعلومات عن التسلسل الائتماني للشركات المقترضة من بلدان أخرى لمعرفة كيفية أدائها في عمليات التسديد.

   الافتقار الى سوق مالية حتى الآن تعطى فيها الحرية للهامش بين سعر الفائدة المدينة وسعر الفائدة الدائنة لتشجيع عمليات الإقراض.

   المدة القصيرة المحددة للاحتفاظ بالودائع حسب الأنظمة المرعية مما يجعل امرا" صعبا" الحصول على قروض متوسطة او طويلة الأجل.

 

لا شك أن تجاوز هذه الصعوبات الإدارية والفنية والتشريعية من خلال منح المصارف الخاصة مرونة العمل وزيادة رأس المال والاقتراض من مؤسسات مالية عالمية كفيل بتأمين السيولة المطلوبة لتلبية احتياجات العمليات الاستثمارية للقطاع الخاص.

 

خامساً: متطلبات تطوير المصارف الخاصة:

 

لابد من الإشارة إلى أن المصرف المركزي حرص منذ البداية على الترخيص لبنوك كبيرة ومعروفة من ناحية العراقة المصرفية وذلك لضمان تأدية خدمات متطورة وذات مصداقية كما أدى وجود مصارف عامة عريقة وراغبة بالتطوير إلى خلق جو من المنافسة لتأدية خدمات فعالة.

 

إن الحديث عن دور المصارف الخاصة وافاقها لازال يعطي إيحاء خاطئاً جداً, ونحن نشدد على انه لا يمكن أن نفرق بين القطاع الخاص والقطاع العام في هذا المجال وكأنهما متنافسان وكأن نجاح وإيداع وإسهام أي منهما خسارة للطرف الآخر، فالمصارف الخاصة كالمصارف العامة مصارف وطنية تعمل على أسس يفترض أن تكون متساوية ومتماثلة ينظمها ويراقبها ويواجهها جهاز حكومي مسؤول, بموجب قرارات وتشريعات وطنية همها تحقيق غاية نبيلة ومقدسة هي خدمة الاقتصاد الوطني بالإضافة لكونها تحقق ربحاً لاصاحبها..

 

لابد لجميع المعنيين والمسؤولين أن يعطوا هذا المفصل الهام والأداة المحورية في تمويل المشاريع كل الدعم والتأييد والمساندة والتنشيط. خاصة وأن عملية التطوير والتحديث في سورية التي بدأت تتفاعل لازالت فتية في بداية عهدها وهي بحاجة مستمرة للتطوير والارتقاء إلى الأفضل. وبعد فأن وتنشيط القطاع المصرفي هو أيضاً بحاجة لكل دعم لأنه ما زال فتياً وواعداً.

 

نحن نجد في تصورنا المستقبلي للعمل المصرفي السوري - بجناحيه العام والخاص (اللذين وان كانا منفصلين مؤسسيا" وقانونيا") لا يمنعهما هذا من ان يكونا ايضا" متعاونين متكاملين) أن هناك آفاقاً واسعاً ومجالات كبيرة جداً لخدمات قائمة مستجدة ومستقبلية.

 

لكي يتم تنشيط العمل المصرفي القائم حالياً نتطلع إلى المزيد من الفرص المعطاة له ليصبح أداؤه ودوره أفضل، وبالتالي لا بد من مايلي:

 

-       الإسراع في اعتماد وطرح السندات التجارية والأذونات الحكومية مما سيتيح الفرصة للمصارف بتمويل طويل الأجل للمؤسسات والصناعات الوطنية الاستثمارية.

-   تطوير مبدأ وآلية نظام العمل المصرفي وهو PAIVATE BANKING بحيث يسمح للمصارف الخاصة بإدارة المحافظ المالية للزبائن واستثمارها في شركات وطنية لحساب هذه الزبائن مما يساهم في نقل جزء كبير من موجودات المصارف من ودائع تحت الآجال إلى حسابات استثمارية تساهم في توفير مصدر هام لتمويل المشاريع عن طريق الملكية والأسهم بدلاً عن طريق القروض والاستدانة.

-   تأسيس اتحاد للمصارف السورية واعتباره كسلطة وتنظيم نقابي فني يساعد المصارف في حل مشاكلها ومشاكل موظفيها. وينسق مع المصرف المركزي بالموضوعات الفنية.

-   إحداث شركة أو مؤسسة تعنى بضمان القروض بحيث تقوم بعمليات الرهن لصالحها وتكفل المقترض بحدود 80% من قيمة القرض كما هو الحال في كلاً من لبنان ومصر وبالتالي التخفيف من إجراءات وعمليات المنح.

-   الإسراع بتحرير سعر الصرف لليرة السورية بهدف جذب المدخرات السورية الموظفة في الخارج وإدخالها في النظام المصرفي السوري وتشغيلها في العملية الاستثمارية الوطنية.

-   إدخال مفهوم جديد لشركات التأمين بحيث تقوم هذه الشركات بالتأمين على ودائع المصارف للتخفيف من عمليات الافلاس.

-   تمكين المصارف من القيام بدور اخر يمكن لها ان تؤديه وهو السماح لها بتخصيص جزء من امكاناتها المالية لتمويل مشاريع جديدة وبمجالات لا تتمتع بضمانة أو تأكيد للنجاح مقابل ذلك فان نجاحها-عندما يتحقق-فالنتائج تكون ذات مردود وطني ومالي ووطني عالي جداً.

يمكن للتشريع وهنا أن يعطي المصارف مساحة محددة وهامة لتوفير رأسمال المغامرة (VENTURE CAPITAL).

 

خاتمة

إن سورية غنية وواعدة بنظر جميع الباحثين والاقتصاديين ولديها فرصاً ومجالات واسعة بقدر ما تواجه من صعوبات وتحديات، وبقدر ما نحتاج إلى الإرادة فإننا نمتلك القدرة على تحقيق كل ما نصبوا إليه فلا ينقصنا المال ولا الفكر ولا الحوافز ولا أي شيء بل أكثر من ذلك فلدينا اقتصاد صحي ومتين ووضع مالي مريح بالنسبة لاحتياطنا من النقد الأجنبي وغيرها من الموارد النقدية والمالية، والعقول النيرة وجميعها تشكل الأرضية الكفيلة لتحقيق التنمية المنشودة التي نطمح إليها جميعنا في هذا الوطن.