الاثنين 6 تشرين الثاني 2000

 


 

عـقـل الـعـويـط

"أحـكـي عـن سـعــوديـة لـم تُـقــرأ وبــلاد حـبـلـى بــالـمـفــاجــآت"

أحــمـد أبـو دهـمـان: ذاتـي خـلـيـة صـغـيـرة فـي جـسـد الـقـبـيـلـة الـضـخـم

و"الـحـزام" روايــة الـحــيـاة الـمـكــتـومـة أو الـمـغـيّـبـة وراء بـريـق الـنـفـط

صـدرت لـلـكـاتـب الـسـعـودي الـمـقـيـم فـي بـاريـس، أحـمـد ابـو دهـمـان، روايـتـه الاولـى، "الـحـزام"، فـي الـفـرنـسـيـة لـدى "غـالـيـمـار".  وهــا هــي الــيــوم، بـــعـد طــبـــعــتــهــا الــســابــعـة، تـــتــطــلــع الــى الــصــدور فــي الالــمــانــيــة والامــيــركــيــة والــعــربــيــة بــعــد تــوقــيــع عــقــود فــي هــذا الــشــأن، ومــن الــمــحــتــمــل ان تـتـحـول فـيـلـمـاً سـيـنـمـائـيـاً. تـعـرض "الـحـزام" حـالـيـاً فـي مـعـرض بـيـروت الـفـرنـكـفــونـي "إقـرأ بـالـفـرنـسـيـة وبـالـمـوسـيـقـى" (بـيـروت هـول) فـي حـضـور الـكـاتـب الـذي الـتقـيـنـاه وسـألـنـاه فـأجـاب.

* تدخل على عالم الكتابة والروائية منها تخصيصاً من صمت طويل. أين كنت قبل صدور "الحزام"؟ كيف امضيت هذا الصمت؟ اعني هل كنت تعرف طوال هذا الزمن المعتم ان يوماً سيأتي وستنصرف فيه الى الكتابة، ام ان كتابتك فرضت نفسها عليك فجأة؟

- كنت أبحث عن ذاتي، وجدتها خلية صغيرة في جسد القبيلة الضخم، او ما يسمّى في الانتروبولوجيا الشخصية القاعدية. وجدتها معتمة فعلاً، بلا رأس، بلا عينين ولا اذنين، بلا لسان. خلية شفاهية، مشحونة بمجموعة من المسلّمات لا يمكن ان يأتيها الباطل من اي مكان.

"وما انا الا من غزية ان غوت/غويت وان ترشد غزية ارشد". امضيت هذا الصمت في القراءة، قراءة هذه العتمة. البحث في الجوانب الملغاة والمزوّرة في تاريخنا الثقافي، والبحث عنها، وتحديداً تاريخ الجزيرة العربية او ما يمكن ان اسمّيه طمأنينة "الجزيرة شبه العربية". خلال هذه السنوات من الجهد المعرفي الشاق كانت ذاتي تتحقق، تستقل، تغادر العتمة، مما اهلها للكتابة. و"الحزام" كان بمثابة اعلان عن استقلالي، عن ولادتي.

 

أروي طفولتي

* تروي "الحزام" طفولتك. اي انك تكتب ذاتك الغارقة تحت مياه الهامش والفقر والحياة المكتومة، لكنك تكتب أيضاً طفولتك السعودية التي تأتي من مكان مختلف وربما متناقض مع الصورة الشائعة عن المملكة في الذاكرة وفي العقل: صورة الغنى والبذخ والرخاء والبحبوحة والنفط التي تكاد تصادر المشهد كله. عن اي سعودية تحكي، عن اي طفولة؟

- وجدتني اروي طفولتي، طفولة الكون، اللغة، الشعر، الغناء، الحب. اروي في اختصار، كما تقول، الحياة المكتومة او المغيبة وراء بريق النفط والبترودولار.

ان تولد في مجتمع امومي، ان تُدعى لامك، ان تكون كل الامهات امهاتك، في مجتمع كهذا لا بد ان تكتب أيضاً طفولة الامومة، ان تكون شاهداً على طفولة الابوة في بداية تحوّل القرية والقبيلة من الامومة الى الابوة انطلاقاً من النص القرآني الذي ادخلته المدرسة الى القرية: "ادعوهم لابائهم".

كنا قبل المدرسة نعيش بعض ثقافات ما قبل الاسلام، وما زلت احمل في جسدي بعض اثارها.

احكي عن سعودية لم تُقرأ بعد، عن بلاد حبلى بالمفاجآت التي ما ان تُكتب، ما ان تكتشف، حتى نعيد النظر في مجمل مسلّمات كل ما هو عربي واسلامي وفي الثقافي تحديداً.

* مضى لك عشرون عاماً في باريس، وأنت تشغل الآن منصب مدير مكتب جريدة "الرياض" في العاصمة الفرنسية، اي انك موجود في ذاكرتك اكثر منك في حاضرك، كيف تتفاهم مع هذين القطبين، مع هذين الهامشين المختلفين من حياتك، اي صلة بينهما. هل من وئام؟ هل من انفصام؟ اقتتال؟ ام انك تصهر متناقضاتك و"تحزم" الاقتتالات الداخلية في بوتقة واحدة؟

- عشرون عاماً هي عمري الفعلي، بعيداً عن مؤازرة القبيلة واستلابها. خلالها واجهت كل شيء وحدي تقريباً. اقول تقريباً لاني عشت "صورة البذخ والغنى والترف والبحبوحة" التي اشرت اليها سابقاً، ولكن في معناها الانساني المطلق، وذلك مع زميلي وصديقي تركي السديري، رئيس تحرير "الرياض"، الذي كان اول من اكتشف هذه الاقتتالات. وكان ان راهن عليها، واحتمل جفافي وأنفتي بفروسية نادرة. حاول يوماً ان يعلّمني ابجدية المدينة. كانت بيروت مدرسته الاولى. وحين ادرك ان قريتي هي الابجدية الاولى، سلّمني الامانة ومشى. وحين صدرت "الحزام" كان اول من عرف واول من هنأني. لقد كان هو و"الرياض" قطعة من بلادي في باريس، سنداً في الليل والنهار. ولذا لم اشعر قط بالخوف في هذه المدينة - العالم، لأنها مكنتني من رؤية ذاتي وقريتي وبلادي كما لم أر من قبل.

 

لا أخاف من المملكة ولا عليها

* استطراداً، كيف تلائم بين كونك تكتب طفولتك المهمشة، طفولتك الآتية من جحيم الفقر، وكونك تقيم جسراً يردم الهوة مع المؤسسات الرسمية وخصوصاً انك تشتغل في جريدة ليست هامشية؟

- في جريدة "لوموند" شبّه احد النقاد قريتي وطفولتي بالجنة، مقارنة بجحيم الغرب، وقد اكتشفت بعد استقلالي ان الشجاعة هي الا اتخاف، ومنذ تلك اللحظة وانا لا اخاف من المملكة ولا عليها. و"الحزام" قطيعة مع الجهل لا مع الاهل، ثم ان المعيار الذي اعتمدته وتعلمته خلال عملي في "الرياض" هو الصدق. ولذا لم أكن على علاقة بالمؤسسات الرسمية، وهذه نعمة لم يعرفها أغلب الزملاء العرب في باريس.

جريمة لم نرتكبها

* في سؤال آخر، هل تريد في روايتك ان تقدم مشهداً نقيضاً للمشهد السائد؟ اي مساحة للنقد على هذا المستوى؟

- المشهد السائد جريمة لم نرتكبها. او للحقيقة، لم ترتكبها الاغلبية المطلقة في بلادي. وهو مشهد مُظلم وظالم معاً. و"الحزام" جاءت كمقطع قصير من المشهد الحقيقي المضيء. وحين حدثتك في الاجابة الاولى عن "الجزيرة شبه العربية" فان هذه المقولة تندرج تحت ما يسمّى العقل النقدي. وهو ما نحتاجه جميعاً بديلاً من "العقل الشتائمي". و"الحزام" معبأة بمثل هذه الاسئلة التي تدفع الى اعادة النظر في الكثير من اقتناعاتنا القاتلة.

*  "الحزام" هل هو حزام العفة؟ الفـقر؟ الـقـوة؟ الـقسـوة؟ العنـف؟ السـلطـة؟ ...الـخ.

- "الحزام" هو حزام العفة، ولا اعرف كيف ومن اين أتيت بهذه الكلمة. انها القرية، انها القيمة الاساسية التي تربيّنا عليها. يكفي ان نعلّق هذه الكلمة على الماء، على الطعام، على الضوء، على الحياة، لكي ينتفي العطش، الجوع، الظلام، الموت.

لا بد ان اشكر لك هذا المعروف، اذ ذكّرتني اصلي وفصلي. أليس الانسان كلمة؟

"فرنسيتي" تشبه "عربية" ذاتي

* كتبت "حزامك" في الفرنسية! لماذا؟ هل تغويك الكتابة الاكزوتيكية التي قد يهواها الغربي؟

- أعرف شهوات الشرق، وأقسم لك اني لا اعرف شهوات الغرب.

كتبت "الحزام" لابنتي وزوجتي اللتين لا تتقنان العربية، لكي تريا القرية في حياتي وبعدها.

اما لماذا نشرته بالفرنسية، فسأصدقك القول، كما تقول العرب: لم أسأل نفسي اطلاقا لماذا! إلا بعدما سألني الشرقيون وبعض الغربيين عن اصول "شرقية" بعد نشر "الحزام" وبعد نجاحها تحديداً. وقد كنت مهيأ لمثل هذا السؤال "المشروع".

والاجابة هي ان "فرنسيتي" مثلي، لا تؤمن بالشرق والغرب. فرنسية تشبه تلك العربية التي حملتها من قريتي، وفي هذه الفرنسية اكتشفت كما قلت سابقاً ذاتي وقريتي وبلادي، وهو ما لم اجده في العربية. ثم ان الفرنسية لغة افراد. والناس هنا يخلقون الكلمات ويضيفونها الى قاموسهم، وهذا مناخ يلائمني تماماً، ويلائم الكتابة اجمالاً.

* من تخاطب في روايتك؟ هل تخاطب ذاتك؟ الانسان السعودي؟ العربي؟ ام الاخر؟ ام تخاطب هؤلاء جميعاً؟ وكيف؟

- اخاطب هؤلاء جميعاً، وكنت اود ان اقول "هذا جميعاً". كان حلمي ان اكتب ما يشبه الهواء والماء.

ان يجد القراء في "الحزام" وطناً وأهلاً. ان يعثروا على ذواتهم. وبالفعل لقد فوجئت بأمهات وآباء واخوات واخوة في كل مكان، في فرنسا وسويسرا وبلجيكا وكل البلدان التي قرئت فيها "الحزام". ومن كل الثقافات.

وما زلت أتذكر مشهد تلك البرازيلية التي اشترت عشرين نسخة من "الحزام" وهي تقول لي هذه أيضاً قريتي وأهلي.

 

احتفاء انساني

* ها هي الطبعة السابعة من كتابك تصدر من باريس، وقد استقبلتك وسائل الاعلام الفرنسية بحفاوة بالغة. هل تعتقد ان وراء هذه الحفاوة كونك كاتباً سعودياً يكتب بالفرنسية؟ ام لاسباب اخرى؟ الى اي حد تتعدد الاعتبارات النقدية الغربية حيال عمل ادبي؟ الى اي حد تجد نفسك كاتباً محتفى به لأجل ما تكتب بالذات؟

- القراء هم الذين احتفوا بـ"الحزام"، ثم اصحاب المكتبات، ثم وسائل الاعلام. احتفى به الاصدقاء وقليل من الاعداء التقليديين الذين لا يرون الا النفط والصحراء. هؤلاء القلة انتصروا على انفسهم، على غيبوبتهم.

والاحتفاء بـ"الحزام" لم يكن فرنسياً فقط، لقد كان انسانياً، ولو قرأ او سمع بعضهم ما قرأت وسمعت لضاقت به الارض، إلا أني أحني رأسي كثيراً لكي يمر المديح والشهرة بعيداً الى حيث لا أود ان أعرف.

 

أغنّي نشيد الجبال

* وقعت عقداً بالالمانية وبالعربية والاميركية، وثمة مشروع لتمويل الرواية فيلماً سينمائياً وهذا يعني ان طبعة Folio باتت مشروعاً قريباً، مما يعني انك دخلت سوق الانتاج والاستهلاك وعالم الماركتينغ الاعلامي والادبي. كيف تشعر حيال هذه الحـقيقـة؟ مـن يسبـق مـن، السـوق ام انت؟

- السوق حتماً، ولاول مرة اسمع بسوق الانتاج والاستهلاك والماركتينغ.

ترى ماذا اقول للقرية، تلك التي علّمتني حكاياتها واغانيها مجاناً. كان هاجس الشاعر في بلادي ان يسعد الناس. ان يطربهم، ان يقاسمهم حياته. وكنت احلم ان ينتمي "الحزام" الى هذا المدى، أتابع قليلاً ما يجري. اسمع هذا الضجيج، وعندما أتعب، اغني بعض نشيد الجبال هروباً من السوق ولغته.

* في سؤال آخر، هل تشعر ان احمد ابو دهمان، الشخص الهامشي، المكتوم، الخفر، المتواضع... بات مهدداً امام احمد ابو دهمان الروائي المترجَم، المعروف، والواقع تحت ضوء الاعلام؟

- كلاهما يحمل ما قاله بشار بن برد

"ان في برديّ جسماً ناحلاً

لو توكأت عليه لأنهدم

وعندما يمتد ظل الثاني يبحث الاول عن اقرب حفرة او هاوية كتلك التي تعرف كي يتلاشى الوهم.

 

لست للبيع

* الا تخشى مثلاً ان تصير كاتباً اكزوتيكيا؟ أمين معلوف آخر؟ روائياً من طراز Best sellers؟

- لا. لأني لست للبيع. ولن ابيع احداً. في "الحزام" وغيرها اقتسمت روحي مع الآخرين. وما زلت احتفظ بذلك التقليد الطفولي، حين كانت امي تعطيني حفنة تمر. كنت آكل الرديء واحتفظ بالجيد للقادمين، واحتفظ لامين معلوف كانسان بتلك المصافحة الحارة التي لن انساها.

* علاقتك كسعودي بالغرب؟ بجيرانك؟ كيف كانوا ينظرون اليك قبل ان تشتهر؟ كيف باتوا ينظرون اليك؟ اي نقلة بين الشهرة والـ Anonymat؟

- قلة يعرفون أني سعودي، لأني ادخل في المترو والاوتوبيسات كالآخرين، وهذه القلة اكتشفت ان هناك سعودية أخرى غير الصورة السائدة في اذهانهم. ولي مع هؤلاء علاقة كتلك التي تربطني بأهلي واصدقائي هناك. وقد ظلت كما هي حتى بعد "الشهرة".

* باتت دار النشر ستطلب منك كتباً اخرى. هل ستكتب لتلبي حاجة الاخر؟ الى اي حد ستكون حريتك كاملة بعد الآن، اعني حريتك ككاتب يكتب ما يريد أكثر مما تريده له سوق النشر؟

- اواجه الآن الحاحاً عميقاً من القراء انفسهم، وهؤلاء اقرب لي من كل دور النشر ومن السوق. لأن كثيراً منهم وجد علاجاً في هذا "الحزام"، ولديهم يقين بأن المقبل لا بد مكتنز بكثير من الغناء. ولذا لن اصمد طويلاً امام هذا الحب. لكني اعدك بأن اظل حراً حتى في حبي .


 

أنـــا

 

أنا احمد بن سعد بن محمد بن مُعيض بن ظافر بن سلطان بن عوض بن محمد بن مساعد بن مطر بن شين بن خلف بن يعلى بن حميد بن شغب بن بشر بن حرب بن جنب بن سعد بن قحطان بن عامر.

كان عليّ ان اقف عند قحطان إلا ان امي وقليلاً منهم يرفعون هذا النسب الى عامر باعتباره آدم القبيلة، ولذا فضلت الانتماء لامي ولآدم.

ولدت في قرية آل خلف على قمم جبال الروات التي ترتفع احياناً الى ثلاثة آلاف متر عن سطح البحر. درست الابتدائية هناك والمتوسطة في ابهى المدن، مدينة ابها، التي قال عنها الشيخ بيار الجميل: "كنت اعتقد انه ليس هناك اجمل من لبنان"، ثم الرياض في معهد اعداد المعلمين. ثم القرية مدرساً لمدة ثلاث سنوات ثم الرياض ثانية للدراسة الجامعية ثم باريس بين جامعة السوربون وجريدة "الرياض" التي امثلها منذ تشرين الاول عام 1982 الى الآن.

كتبت سبع قصائد، خمساً شعبية وواحدة عمودية والأخرى من "ذوات التفعيلة" ثم "الحزام"... ثم هذا اللقاء.


مـن "الـحـــــزام"/ قـــــوس قــــــزح

ذات يوم اعترفت لأمي بأنني أحب إمرأة أخرى.

"تعرفين يا أمي، كم أحب الشعر، وتعرفين أني أحبك أكثر من الشعر، لكن في هذه الفتاة شيئاً ليس فيك ولا في الشعر. أنا على يقين من أنها قوس قزح".

كان حزام قد باح لي ببعض اسرار القرية:

"هنا في قريتنا ولدت اول قصيدة. نبتة ذات ألوان كثيرة لا تُحصى وكل لون له عطور لا تعد، ولكل عطر من الارواح ما لا يعد ولا يحصى". كان اجدادنا ارضاً خصبة وعذراء، والكلمات تخرج من افواههم على هيئة ارواح عطرة. وكان من عادتهم البقاء عراة كالاشجار، خصوصاً عندما يصعد المطر، وفي زمن لا يذكره احد. بدأت المياه بالصعود فجأة، حاصرهم المطر طويلاً في بيوتهم.

في هذه الفترة حمل الكثير الكثير من نساء القرية، وهو حدث لم نجد له تفسيراً بعد، والذي ادهش القرية ان هذا الحمل وحّد النسوة جميعهن. وحين انجبن لم تذهب اي منهن الى الحقول مما اغضب الرجال بالتأكيد. لكن اجابتهم كانت حاسمة.

"لكل نباته".

لأول مرة إكتشف الرجال حالة الضعف هذه لدى النساء، فأخذوا يحملون لهن الماء، ولكن بكثير من المنة والاحتقار والشعور بالتفوق. كانت النساء ستنسين هذا اللؤم من الرجال، لولا ان نتائجه كانت مرعبة، لقد شكلت تلك اللحظة بالنسبة اليهن نهاية الحياة وهن يصرخن "لا ماء في الماء"*.

لأن الماء الذي حمله الرجال لم يعد يروي عطشهن، ولا عطش النباتات الشعرية التي اخذت تغادر القرية في اتجاه السماء، حيث تتحول الى سحب وبروق وأعاصير.

كانت بداية معركة لم يشهد اجدادنا مثلها من قبل، وهي المرة الاولى سقط فيها عليهم مطر من حجارة وصخور، مطر قاتل، وامام الموت بدأ اجدادنا بالغناء مع ما تبقى لهم من حياة.

وامام هذه المأساة تدخلت الشمس لانقاذ القرية، احتضنتها في يدها اليسرى، وفي اليمنى احتضنت كل النباتات لتحيلها على صورة أجمل امرأة في القرية هذه التي ما زلنا نسمّيها الى اليوم قوس قزح.

منذ تلك اللحظة، فقد الماء خاصيته الاولى، التي تتمثل في اعطاء الاشياء ألوانها الحقيقية، واصبحت الاشياء تمنح الماء لونها، الى ان فقد الماء لونه أيضاً.

ولهذا قررت النساء الذهاب للبحث عن الماء أملاً في انقاذ كينونته، ولانجاز هذه المهمة الشاقة، انقسمن فرقتين: فرقة تجلب الماء، والاخرى ترضع الاطفال، الا ان جهودهن لم تنجح في انقاذ الماء. إلا انهن منحن الحليب طاقة لم يكن يعرفنها من قبل.

وهي ان اطفال القرية اصبحوا اخوة واخوات، وهكذا اصبحت القرية كلها اسرة واحدة، وتحول الماء القديم، ماء اجدادنا الى ضوء ومن هنا حافظ الماء على خاصيته الاساسية المتمثلة في اعطاء الاشياء ألوانها.

في قريتنا فقط ما زال في امكاننا الى اليوم ان نرى الماء يتدفق من خلال حنجرة اي قوس قزح".

الا ان حزام حكى لي رواية اخرى لما حدث: "هنا، في هذه القرية، عرفت الارض اول قصة حب بين رجل وامرأة. وكأن الناس اكتشفوا سر الحياة. احبوا، احبوا الى حد الجنون، بعضهم تلاشى في ما يشبه الانتحار وبعضهم مات، وكاد الحب ان يموت، لم يبق حياً الا اولئك الذين لم يعرفوا الحب. وهنا جاءت الشمس لانقاذ الانسان والحب، لانقاذ الحياة، وصنعت من الحب ما نعرفه اليوم بـ"قوس قزح".

وهنا ربما تفهم يا بني لماذا بقيتُ حياً الى الآن. لكن هذا كله ليس الا ثرثرة. واذا رغبت في معرفة رأيي الحقيقي في ما حدث، فهو ان العمل وحده هو الذي يعطي الرجال والنساء اشكالهم وألوانهم ويمنح الاشياء زينتها وبهاءها.

والماء؟

- هناك دائماً ماء. يكفي ان نحفر الارض لكي نجده، الجفاف لا يجتاح الا البلدان التي نام أهلها كثيراً.

اما أمي فقد كان لها تفسير آخر، وحده الشعر قادر على ان يمنح الكائنات والاشياء ألوانها. ومع هذا فقد احتفظ الماء بطاقة وقدرة شعرية لا يدركها الا الشعراء الحقيقيون، خصوصاً ذلك الماء الذي تختزنه عيوننا حيث تتجلى حقيقتنا الداخلية بألوانها المختلفة.


في الماء" عنوان قصيدة شهيرة لشيخنا محمد العلي.


 

الملحق الرياضي | الملحق الثقافي | نهار الشباب| الدليل | كومبيوتر انترنت | الصفحة الرئيسية | مساعدة


PDF Edition (Arabic) | HTML Edition (Arabic) | Listen to An-Nahar | Ad Rates | Classified Ads | Archives | Contact us | Feedback | About us | Main | Help

Copyright © 2000 An-Nahar Newspaper s.a.l. All rights reserved.