![]() |
حماية المستهلك
(المفاهيم والواقع الراهن والمؤشرات المستقبلية)
د.
م عبد اللطيف بارودي*
1 ـ المقدمـــــــة:
ارتبطت مفاهيم حماية المستهلك بالتعاملات البشرية منذ
القدم، وقد كانت اول الاوامر التي صدرت الى البشر متعلقة بترشيد الاستهلاك حين قال
تعالى:
«وقلنا يا آدم اسكن انت وزوجك
الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولاتقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين».
«وقوله تعالى: (فأوفوا الكيل والميزان ولاتبخسوا الناس
اشياءهم).
لقد وضعت الأديان السماوية والانظمة المدنية القواعد
والنظم التي تحكم حركة التجارة وتنظم عمل الاسواق، إلا ان الرغبة في الربح السريع
لاتزال قائمة الى يومنا هذا، وتدفع العديد من الشركات والتجار والمنتجين
والمتعاملين بالمواد والخدمات لاتباع اساليب غير مشروعة للإثراء السريع باستخدام
وسائل الغش المختلفة، ومن هنا ظهرت الحاجة لوجود نظم رقابية لتتبع المخالفات وجعلت
تبعية هذه النظم الى الجهات المختلفة (حكومية شعبية..).
وبزيادة المنافسة نتيجة الكساد الاقتصادي يتجسد بشكل
واضح تطبيق عبارة (الزبون دائما على حق) من خلال مفهوم حماية المستهلك وحصوله على
حقوقه المشروعة مثل: حق الاختيار والمعرفة والاستماع الى آرائه والتثقيف والتعويض
واشباع حاجاته الاساسية والعيش بأمان والحياة في بيئة صحية، وهي الحقوق التي
اعلنها الرئيس الامريكي جون كنيدي في خطابه عام 1962، واقرها الاتحاد الدولي
لجمعيات حماية المستهلك واعتمدتها الجمعية العامة للامم المتحدة عام 1985 كأساس
لوضع السياسات والتشريعات الخاصة بحماية المستهلك وتشجيع التعاون الدولي في هذا
المجال، حيث تم مطالبة دول العالم بتطبيقها ومتابعة تنفيذها، وأكد على ذلك المؤتمر
الدولي الاخير لحماية المستهلك المنعقد في (هراري زيمبابوي) .
تعتبر الالفية الثالثة التي نعيشها هي حقبة الحقوق
والواجبات في مختلف المجالات لذلك نلاحظ العديد من الاتفاقيات الدولية لحماية
البيئة من اخطار التلوث وحماية الانسان والنبات والحيوان من نتائج هذه المخاطر.
مايشهده العالم حاليا من تطورات اقتصادية واجتماعية
متسارعة تتمثل في ظهور التكتلات الاقتصادية والاقليمية والدولية في ظل العولمة
والتوجه الجاد للانفتاح الاقتصادي العالمي لتحرير التبادل التجاري السلعي والخدمي
وإنتقال الاموال والقوى العاملة بين جميع الدول، جعلتنا نشعر بأننا نعيش في كتلة
اقتصادية واحدة تتاثر الدول بنتائجها حسب قوتها الاقتصادية وبنيتها البحثية
والعلمية والتقنية التي تؤهلها للهيمنة على هذا العالم، وهذا بالطبع سيؤدي لشدة
المنافسة بين المنتجات الوطنية والاجنبية سواء في السوق الوطني او الاقليمي أو
الدولي لتعزيز المقدرة التنافسية لكل بلد من ناحيتي الجودة والسعر، وستؤثر هذه
المنافسة على المستهلك ايجابا وسلبا، الامر الذي يتطلب ازالة المنعكسات السلبية
(الصحية الغش التضليل والابتزاز التجاري) وبالتالي لابد من اصدار التشريعات
اللازمة لحماية المستهلك وتأهيله بحيث يستطيع تحديد مصالحه والدفاع عن حقوقه
واختيار السلع والخدمات بالسعر المناسب التي تؤمن احتياجاته وتنسجم مع رغباته وذوقه.
لقد عرف المستهلك بأنه هو أي مواطن أو مواطنة يقتني مواد
استهلاكية بمختلف انواعها بهدف التغذية او استخدامها في التنظيف او اللباس او لغرض
منزلي او شخصي او للإستفادة من خدماتها (المأجورة وغير المأجورة) في مجال: النقل
المياه الكهرباء الصحة التربية التعليم الثقافة الاعلام الترفيه السياحة وكذلك
الذي يستفيد من خدمات اصحاب المهن المختلفة (اصلاح عناية تعهد طبابة.00 الخ ) .
لم يعد التعامل التجاري في الالفية الثالثة كما كان
عليها سابقا سوق تقليدية (يلتقي فيها المنتج بالمستهلك او البائع بالمشتري) وأنما
اصبحت السوق تخضع لقوانين السوق الدولية التي تفرض التنافس على اساس الجودة
التكلفة حجم الانتاج حجم الاستهلاك والتي تبلورت في اتفاقية التجارة العالمية
وتأثيرات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي على قضايا التنمية والتمويل، وتوفر
وسائل الإتصال وثورة المعلوماتية، الامر الذي يتطلب تغيير السياسات والاستراتيجيات
والتعامل مع ايجابيات الوضع الراهن.
يبقى الانسان هو الاساس والغاية في
تطور المجتمعات الذي يتطلب الحماية سواء على المستوى الوطني او الدولي ولن يتم ذلك
الا وفق الإطار الذي يتم التعامل به على المستوى الدولي أو إنشاء تكتلات اقتصادية
تستطيع حماية مصالحها ورفاهية مواطنيها وفقا لمتطلبات المتغيرات المستجدة على
الساحة العالمية وخاصة التغيير الحاصل في قوى وهياكل الانتاج، إذ يعتبر البعض أن
الثورة التكنولوجية الحديثة حلقة من سلسلة التغيرات الإقتصادية العالمية التي
تعتمد على تقانة المكننة والحاسوب والاستخدام الأمثل لقدرات الإنسان الذهنية .
إن الثورة التكنولوجية الحالية ادخلت العديد من
المتغيرات الهامة ومنها: زيادة الانتاج تطوير اساليب الإدارة استخدام تكنولوجيا
المعلوماتية لتعريف المستهلك بالمنتجات تطوير وخلق منتجات جديدة تغيير طرق الانتاج
لخفض التكلفة الاستفادة من تواصل عملية الانتاج ـ استخدام العامل الآلي وتطبيقات
التكنولوجيا الحديثة الاعتماد على المعارف البشرية عالية التدريب والمستوى المهني.
وبالطبع فإن هذه المتغيرات ستؤثر على آليات إتخاذ القرارات وطبيعة النظم المؤسسية لمنشآت الانتاج والمؤسسات النقدية وتنظيم الاسواق وحدوث منافسة وإحتكار يتطلب البحث والدراسة وإتخاذ الاجراءات التي تؤمن حماية مصالح الدولة الوطنية والعناية بالمستهلك التي يعود لها.