|
|
الإنفاق الإنمائي العام والخاص في سوريا
د.دريد درغام
تطرقت ندوات الجمعية إلى كثير من أساسيات الاستثمار والتمويل والنظام الضريبي. لذا نعتقد أن تكرار ما ذكر من أفكار سيصبح حشواً لا ينفع إلا بزيادة حجم المجلد السنوي للجمعية. في محاضرتنا الحالية لن نكرر استعراض النظريات، وإنما نحاول إضافة بعض النقاط عسى أن تفيد في زيادة فهم بيئة الاستثمار وتشخيص مشاكله في الاقتصاد السوري. ومن هنا نطرح بعض التساؤلات عن كيفية تطور وخصوصية هذا الاقتصاد. ثم نتساءل عن تأمين مصادر التمويل في هذا الاقتصاد: هل هي كافية؟ هل يمكن تجميعها؟.. كما نتساءل عن كيفية استخدام هذه المصادر وآجال الاستثمارات الممولة وفاعليتها، وملاءمتها لطموحات التنمية. ونحاول أن نجيب على معظم هذه الأسئلة من خلال نظرة شمولية تأخذ بعين الاعتبار المتحولات الاقتصادية محلياً وعالمياً.
حسب الفترات الزمنية، نجد في الاقتصاد السوري ارتباطاً وثيقاً بين تدفق الأموال والمساعدات على القطاع العام وبين تذبذب الاستثمارات الخاصة واختيار القطاعات التي تم توظيفها فيها. ولو حللنا السياسات الاستثمارية التي طبقت في سوريا منذ الستينات وحتى الآن لوجدنا ما يلي:
الستينات: تميزت بترسيخ سياسة الإصلاح الزراعي وبعمليات التأميم المتكررة التي ترافقت بتسرب رؤوس الأموال إلى خارج القطر.
السبعينات: يمكن تسميتها فترة "النبضة" البترولية حيث ارتفعت أسعار النفط واستفادت سوريا كثيراً من المساعدات والأموال القادمة من الخليج، و تم توظيفها في استثمارات عامة ضخمة وطموحة، أدت إلى تزايد كبير في معدلات النمو. كانت تلك الفترة محاولة لترسيخ مفاهيم دولة الرفاه التي تؤمن التوظف الكامل وتحافظ على قوة شرائية معقولة لمواطنيها. ولكن التمويل الأساسي لهذه الاستثمارات اعتمد، كما يقول د.عصام الزعيم، "على مصادر خارجية لرؤوس الأموال من الدول العربية الخليجية (ومؤسسات التمويل التنموية العربية بدرجة أقل) ورأس المال التقاني أي المعونة الفنية من الدول الاشتراكية التي كانت قائمة، وذلك خلال السنوات 1975-1985". واقترنت فترات النمو والرخاء الاقتصادي "بتدفق المعونات المذكورة" واقترنت سنوات الركود "بانقطاعها".
الثمانينات: تميزت بالصدمات البترولية المعاكسة التي نجم عنها انخفاض حاد بأسعار البترول، فتقهقرت المساعدات الخارجية (من 1.5 مليار $ وسطياً في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات إلى 300 مليون $ في أواسط الثمانينات). وتركز الاستثمار في السبعينات في مشاري ع خاصة بالبنية التحتية وطموحة، لكنها لم تهتم بما فيه الكفاية بإنتاج سلع أو خدمات قابلةٍ للتبادل بالمفهوم التجاري (أي لم تكن قادرةً على توليد إيرادات لاحقة تعوض النقص الذي سيحصل عند انخفاض الوفرة المؤقتة بالموارد). لذلك سرعان ما عانت البلاد من أزمة اقتصادية حادة، تمخض عنها تخفيض سعر الليرة وانخفاض حاد بالقوة الشرائية وارتفاع معدلات التضخم (وتذكرنا الأعراض السابقة بالتناذر الهولندي Dutch Disease).
التسعينات: بعد الاكتشافات البترولية الهامة في نهاية الثمانينات، وبعد التغيرات التي حدثت في المعسكر الشرقي، ومع تجدد المعونات، وإصدار القانون رقم 10 عاد القطر ليشهد دورة نمو جديدة. ولكن تبين أن ذلك النشاط لم يكن على مستوى الطموحات، خاصةً وأنه ترافق مع انقطاع "المعونة الفنية الاشتراكية والمعونة المالية الخليجية عملياً" منذ 1995 ـ 1997، وترافق أيضاً مع سياسة انكماشية من قبل الحكومة. ومنذ عدة سنوات بدأت تظهر ملامح أزمة اقتصادية حقيقية تجلت ب بطالة كبيرة وبتراجع في المؤشرات الاقتصادية.
وفي ظل المعطيات الجديدة، لا بد من أن تترافق المرحلة القادمة بخطة تنمية مختلفة جذرية، عما كان عليه الحال في العقود السابقة، سواءً بطرق التمويل أو بسبل توظيف الموارد المالية.
يمكن تناول موضوع الاستثمار في سوريا من زوايا مختلفة (أصول ـ مطاليب، خاص ـ عام، رسمي مخطط ـ لا رسمي وعشوائي، عقيم ـ منتج، داخل الوطن ـ خارج الوطن، استثمار حقيقي ـ استثمار مالي، ربحية نقدية ـ ربحية اجتماعية…). ومع أن دراسة كل من هذه الثنائيات تستحق تكريس الوقت والجهد، وفيها الكثير من متعة البحث العلمي، إلا أننا لن نضيع الوقت القصير المتاح، في تناول كل هذه الثنائيات فرادى، فنحن نعتقد بوجود تداخل كبير فيما بينها. ونظن بأننا سنتمكن من التعريج ـ بطريقة أو بأخرى ـ على أغلبها مهما كانت زاوية البحث المنتقاة. لذا فإننا نقترح تناول الاستثمار من خلال المحورين الآتيين:
تسود، في أغلب الدول النامية، الفوارق الصارخة في الث نائيات المعروفة (حضر وريف، ذكور وإناث، إنتاج يدوي ومكننة، قوانين وضوابط رسمية وممارسات موازية وأسواق سوداء،..). كما تسود الظاهرة التي أسماها رونالد ماكينون "الكبت المالي" الذي يخلق بنى تمويل غير رسمية وغير مجدية. وتساهم هذه البنى بشكل كبير في تغييب المعلومات الضرورية للتخطيط وتؤثر على فاعلية السياسات الاقتصادية المتبعة. وسنقوم بعد قليل بمعالجة هذه البنى غير الرسمية مع بعض التفصيل. وسنركز الآن على جوانب حيوية في عمليات التمويل الرسمية.
تنقسم البنى التمويلية إلى نوعين الرسمية منها (المصارف وغيرها من المؤسسات المؤطرة أصولاً) وغير الرسمية التي تنتشر بشكل كثيف في البلدان النامية. وقد جرت العادة على تقسيم مؤسسات التمويل الرسمية إلى نوعين حسب طريقة التمويل، فما يلي نعرضهما بشكل تبسيطي. فالتمويل غير المباشر يعني تدفق فوائض بعض الوحدات الاقتصادية لتمويل وحدات أخرى تعاني من العجز وذلك بالمرور عبر جهات وسيطة متخصصة (دور المصارف التقليدي في تجميع الادخار من أصحاب الفوائض والقيام بعملية التحويل في نوعية المخاطر والآجال لتوفير المبالغ الكبيرة لأصحاب المشاريع وذوي العجوزات المالية) . أما التمويل المباشر فيقصد به تلك الآلية التي تضطلع بها الأسواق المالية، حيث يتم تمويل العجوزات مباشرةَ وذلك بالاكتتاب على أسهم أو سندات.
وقد تحدثت الكثير من المراجع عن دور المؤسسات التمويلية الرسمية، وما يمكن أن تلعبه الأسواق المالية من دور في عملية التنمية المقترحة. ولن نكرر هنا ما ورد في العديد من محاضرات الجمعية التي تناولت موضوع الإصلاح المصرفي. وإنما سنحاول التعليق على بعض ما ورد فيها أو في بعض الصحف، عسى أن يكون في الملاحظات التي سنوردها مساهمة في تلمس آلية جديدة في التفكير والبحث العلمي.
نقتصر في تحليلنا الموجز على المصارف، ونترك قطاع التأمين لدراسات أخرى. لقد هدفت السياسة المصرفية منذ الستينات، من خلال التأميم وتخصيص المصارف، إلى توجيه الموارد المصرفية وفق خطة الدولة الاقتصادية والاجتماعية، فهل تمكنت البنية المصرفية السورية من تحقيق أهداف الخطة العامة للدولة؟ < /p>
نذكر في البداية بأنه، رغم الحق المتاح للمصرف المركزي بممارسة عمليات السوق الحر عن طريق شراء وبيع السندات القصيرة والمتوسطة والطويلة الأمد، تحول عوامل عديدة (ومنها غياب السوق النقدية والمالية في القطر) دون استخدام هذه الأدوات.. وقد تم تثبيت غالبية معدلات الفائدة في المصارف المتخصصة منذ 1 شباط 1981 دون اعتبار لمستوى التضخم وبالتالي لخطر ديمومة معدل الفائدة الحقيقي السالب خلال سنوات عديدة (بينما أصبح حالياً موجباً!). وساهم ذلك في عدم تفعيل معدلات الفوائد كسلاح هام في السياسة المصرفية؛ وافتقدت السياسة النقدية المستقلة. من خلال الشكل 1 نجد أن التجارة هي المستفيد الأساسي من القروض.

الشكل 1: توزيع القروض المصرفية حسب القطاعات (ملايين الليرات)
المصدر: جدول 9/15، المجموعة الإحصائية-المكتب المركزي للإحصاء
وتشير النشرة الربعية لمصرف سوريا المركزي إلى التداخل في الاعتمادات الممنوحة بحيث أن جزءاً هاماً من اعتمادات القطاع التجاري يذهب في الواقع إلى القطاعين الزراعي والصناعي.
ويغلب على التمويل المصرفي السوري الصبغة القصيرة الأمد، فالمصرف التجاري السوري هو الأكثر أهمية (المهيمن في عمليات الإيداع والتسليف)، وأغلب تسليفه قصير الأمد. ويشير الشكل 2 لتركيبة القروض المصرفية في سوريا حسب طبيعة المستفيدين منها.
الشكل 2: توزيع القروض المصرفية حسب الملكية

المصدر: جدول 11/15، المجموعة الإحصائية-المكتب المركزي للإحصاء
من خلال الشكل 2، نجد أن معظم القروض المصرفية تذهب للقطاع العام. وقد يفسر ذلك من خلال الدور المهم الذي يلعبه هذا القطاع في تنمية الاق تصاد الوطني. كما أن المصارف كانت تحصر تمويلها بالقطاع العام، وتتشدد في شروط التسليف للابتعاد عن مشاكل الديون المشكوك بتحصيلها. ولكن يبدو أن المصارف السورية تعاني فعلياً من هذه المشكلة. وقد ذكرت جريدة تشرين أن ديون المصرف التجاري على القطاع العام قد وصلت الآن إلى 174 مليار ليرة (منها 80 مليار على مؤسسة الحبوب ومبلغ أقل بقليل على مؤسسة الأقطان). ولكن هل بقي الاستثمار العام هو الأكبر بحيث يبرر تكريس أغلب التمويل المصرفي من أجله؟
عندما ننظر إلى تزايد حجم الاستثمارات الخاصة في الاقتصاد الوطني فإننا نجد أن الاستثمارات الخاصة كانت منذ نهاية الثمانينات وحتى سنة 1996 أكبر من الاستثمارات العامة. ومع ذلك بقي أغلب التمويل المصرفي للقطاع العام (الشكل 3).
الشكل 3: الاستثمارات العامة و الخاصة (مليون ل س ثابتة، سنة الأساس 1995)

المصدر: جدول 37/16، المجموعة الإحصائية-المكتب المركزي للإحصاء
ومنذ عام 1996 يشهد القطر انخفاضاً في حجم الاستثمار الخاص (بسبب الركود الاقتصادي) بينما يزداد العام. وقد يُعزى السبب في ذلك إلى استثمارات البنية التحتية وخاصة في الكهرباء والمواصلات.
وتؤدي عدم كفاية تسهيلات القطاع الخاص المصرفية إلى إجباره على الاعتماد على أمواله الخاصة أو على مصادر التمويل غير الرسمية مثل شبكات الأهل والأصدقاء، أو على خدمات بعض المصارف اللبنانية أو الأوروبية. وبغياب مصادر التمويل، وفي ظل القوانين الضريبية الحالية، وضعف الرؤيا الاقتصادية الواضحة على الأمد البعيد، يتوجه القطاع الخاص إلى المشاريع ذات الربحية السريعة (وذات الطابع التجاري). وتسبب توجيه التمويل المصرفي لتغطية العجوزات، وتمويل الشركات العامة المتعثرة، بلعب دورٍ كبيرٍ في تخفيض حجم تمويل صغار المتعاملين والمواطنين، فانخفض الطلب الكلي في السوق المحلية. كل ذلك يجعلنا نتساءل عن إمكانية وجدوى التوجه إلى زيادة الدعم المصرفي للقطاع الخاص.
< h2 dir="rtl">ارتباط النمو بين البنية الاقتصادية والتمويلية:نقترح الآن القيام بدراسة بسيطة حول الارتباط بين النمو الاقتصادي (مقاساً بالناتج المحلي الإجمالي الجاري) والنمو المالي مقاساً بنسبة الكتلة النقدية إلى الناتج المحلي الإجمالي (الشكل 4).
الشكل 4

المصدر: المجموعات الإحصائية.
نلاحظ أن النمو الاقتصادي الاسمي في سوريا، يتم بشكل شبه مستقل عن النمو في البنية التمويلية. فقد ساهم تدفق العملة الصعبة ورؤوس الأموال في السبعينات والإنفاق العام المكثف في زيادة النمو النقدي إذ شكلت الكتلة النقدية ما يقارب 30% في 1970 لتصل إلى جوار 40% عام 1981 ثم تسارعت بحدة لتصل إلى ما يزيد عن 65% عام 1985. ثم بدأت النسبة بالتناقص التدريجي بينما حافظ الناتج على تزايده الظاهري، وكل ذلك يذكرنا بالتناذر الهولندي الذي تحدثنا عنه.
ولو قمنا بعملية التحليل مع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي (أسعار 1987 حسب إحصائيات البنك العالمي)، لوجدنا أن الكتلة النقدية كانت تشكل باستمرار ما يقارب 40% من الناتج المحلي الإجمالي بين عام 1973 و1981، أي بقدر زيادة الكتلة كان الناتج يزيد، وهي الفترة التي شهدت استثمارات عامة ضخمة وطموحة (ولكن لم تترافق بتشييد بنى تمويلية أو إنتاجية قادرة على الاستمرار عند انقطاع تدفق الأموال الخارجية). ولكن ما إن بدأت رؤوس الأموال القادمة من الخارج بالانخفاض، تباطأ النمو الاقتصادي بحدة وبدأ اللجوء إلى الإصدار النقدي فارتفعت النسبة إلى أكثر من 65% كما أشرنا سابقاً. وتميز النصف الثاني من الثمانينات بتقلبات وبضائقة اقتصادية خانقة عانى منها الاقتصاد السوري بشدة. ويكفي النظر إلى الجزء الأيمن من المنحني في الشكل 5 لمعرفة التذبذب الذي حدث في الانسجام بين سياسة التمويل والنمو الاقتصادي.
الشكل 5

المصدر المجموعات الإحصائية وجداول البنك العالمي
لقد وصلت سوريا إلى الوضع الاقتصادي الحالي بشكل شبه مستقل عن تطور حقيقي للبنية المصرفية التي لم تتحسن قدرتها على تعبئة الادخار المحلي وتوظيفه. وجدير بالذكر أن ضعف الحلقة المصرفية ليس حالةً خاصةً بسوريا وإنما هو الحالة العامة لمعظم الدول النامية التي تنتشر بها حلقات التمويل غير الرسمية، وتعاني مما يسميه ماكينون الكبت المالي. في الحقيقة، يبقى التحليل السابق (لعلاقة النمو الحقيقي بالنمو التمويلي) منقوصاً في ظل انتشار بنى تمويل غير رسمية. وهذا الأمر ينقلنا إلى مناقشة هذه البنى بقليل من التفصيل، خاصةً وأن القليل من الأبحاث قد توجهت للتمعن في هذه الظاهرة وآثارها على الاستثمار والنمو الاقتصادي في سوريا.
نسمي الحلقة المصرفية وكل منظومات الدفع المالي الخاضع لقواعد منظّمة وفق القانون بالحلقة الرسمية. تلعب المصارف دوراً رئيسياً في هذه الحلقة. وتتميز البلدان النامية بوجود نوعين من الحلقات النقدية (حلقة نقدية مزدوجة). يتم من خلال الحلقة الأولى (المصرفية) تسديد أغلب تعاملات القطاع العام وبعض تعاملات القطاع الخاص، وتتعلق الثانية بالأوراق النقدية المتداولة خارج المصارف. ويساهم في أهمية الحلقة الثانية حقيقة دفع معظم الرواتب والأجور والتعويضات بالأوراق النقدية. تحاول الحلقة الأولى استعادة هذه الأوراق من خلال الشركات والمؤسسات ليعاد حقنها بالاقتصاد.
وكانت الحلقة النقدية المزدوجة المشار إليها من مميزات الاقتصاد الاشتراكي. ويكمن الخطر في اعتماد هذا النوع من الحلقات في احتمال توجه جزء مهم من السيولة النقدية لتمويل الأسواق الموازية أو السوداء. وهنا نذكر تساؤل الدكتور د.أكرم الحوراني عن الطريقة التي استطاع بها القطاع الخاص في سوريا تمويل وارداته، خاصة أن الصادرات لم تتجاوز 35% منها. ويستنتج أن التمويل قد تحقق من الأسواق غير النظامية مما أسهم في تخفيض سعر اللي رة، فضلاً عن "شراء الأراضي والعقارات كتسديد محلي للمدفوعات الخارجية بالقطع". يُشكِّل ذلك تسرباً هاماً لمصادر التمويل ويعقد إمكانية التحكم فيها أو توجيهها وفقاً لمقتضيات المصلحة العامة.
أما الخطر الآخر فنختصره بالإشكالية التالية: يؤدي اقتصار التعامل مع النظام المصرفي على جزءٍ من التبادلات المالية للمؤسسات العامة أو للشركات الخاصة وعلى عدد قليل نسبياً من المواطنين، وتنفيذ الجزء المتبقي بالأوراق النقدية، إلى إرباكات كبيرة على مستوى التخطيط الاقتصادي. تستطيع الدولة معرفة كمية الأوراق المطروحة في البداية، ولكن يصعب عليها في الحلقة المزدوجة معرفة الاستخدامات الحقيقية لهذه الأموال أو عدد مرات استخدامها (سرعة دورانها)، لا بل سيصعب جداً إعادتها إلى الحلقة المصرفية خاصةً في ظل معدلات الفائدة السالبة والأنظمة الضريبية المتخلفة. بمعنى آخر تحتاج الدولة إلى معلومات موثوقة لتحديد الإصدار النقدي الملائم. ويؤدي غياب المعلومات الدقيقة إلى التخمين أكثر من اليقين في كمية الإصدار، فيزيد خطر الضغوط التضخمية أو الانكماش الاقتصادي.
ويؤكد د.أكرم الحوراني في محاضرته على أن وجود 75% من السيولة في التداول خارج المصارف يدل على ضخامة النشاط غير المراقب، ويخفض من قدرة الحكومة على توجيه الاقتصاد. ونظن بأن عدم توفر المعلومات اللازمة للتخطيط الاقتصادي المتوسط والبعيد الأمد، هو الذي يدفع البعض حالياً لاعتبار الخطط الخمسية كتمارين أكاديمية.
وسيتعذر، في حال اعتماد الحلقة النقدية المزدوجة، تجميع الادخار الإجمالي واستخدامه في مشاريع كبيرة وفاعلة. ويؤدي الازدواج النقدي إلى إضعاف هذا الادخار الذي يتوزع على حلقات غير رسمية مبعثرة، نادراً ما تتعاون فيما بينها، مما يؤثر بالضرورة على حجم الاستثمارات المنفذة، ويخلق أجواءً يصعب معها تنفيذ مشاريع طويلة الأمد. ذكرت الدراسات الكثير من أشكال التمويل غير الرسمي المنتشرة بكثرة في الدول النامية. ولكننا سنكتفي بذكر أهم ما قد نلاحظه في بلدنا:
< font size="4">وتكمن صعوبة دراسة الحلقات غير الرسمية في عدم توفر المعطيات عنها فهي مشرذمة، وتتنوع حسب المناطق والأحياء والتقاليد. وهذا ما يجعل مقاربتها أمراً بالغ الصعوبة. ولكن من المؤكد أن القطاع الخاص في أغلب الدول النامية يعتمد في عملياته عليها وعلى التمويل من خلالها. وهنا نذكّر بأهم أسباب انخفاض مستوى إيداع القطاع الخاص في المصارف السورية:
وفق التخطيط المركزي الذي اعتمدته سوريا بعد التأميم في الستينات، تقوم الحكومة بتجميع كل الفوائض المالية من الشركات العامة. فهي تحصل بالإضافة للضرائب على الأرباح وفوائض السيولة بغية إعادة توزيعها حسب الخطة العامة. إلا أن السياسة الانكماشية تؤدي إلى خفض الاستثمار. "ولا يخفى على أحد حجم الخسائر التي تلحق بالاقتصاد الوطني نتيجة عدم الإنفاق على الاستثمارات الجديدة في القطاع العام".
يؤدي عدم كفاية الادخار الاختياري ونقص إنت اجية القطاع العام وزيادة متطلباته ومتطلبات التنمية إلى لجوء الدولة لمصادر تمويل أخرى (المساعدات وإرساليات العمال في الخارج لذويهم ورؤوس الأموال الأجنبية وزيادة الضرائب والإصدار النقدي). وهنا لا بد من التذكير ببعض الملاحظات الضرورية حول إمكانية الاعتماد على هذه المصادر.
تدل أغلب الدراسات على انخفاض حجم مساعدات العمال السوريين في الخارج المقدمة إلى ذويهم، وذلك مقارنة مع الفترات السابقة. ويضاف إلى ذلك حقيقة الضعف النسبي في حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في العالم النامي (باستثناء بعض القطاعات مثل الاستخراجية).
ولفهم طبيعة الموارد في الموازنة السورية يمكن العودة لمحاضرة الدكتور محمد جليلاتي في ندوة الثلاثاء الاقتصادي في 29/2/2000. ونؤكد على أن عدم كفاية التمويل ومحدودية ريع الثروات الباطنية (واحتمال نضوبها)، قد يدفع لاعتماد الإصدار النقدي المتزايد، مع ما يرافق ذلك من إرباكات اقتصادية ومخاطر تضخمية.
ويستدعي التزايد المستمر والمقلق في ديون الحكومة والقطاع العام الاقتصادي التفكير التفكير ملياً في إيجاد حلولٍ لها. ولننظر في الشكل 6 إلى ديون وودائع الدولة في المصرف المركزي وديون وودائع القطاع العام الاقتصادي في المصارف المتخصصة.
الشكل 6 (الأرقام بملايين الليرات)


المصدر: المجموعات الإحصائية جدول 6/15 وجدول 7/15 والنشرة الربعية للمصرف المركزي
نلاحظ التزايد السريع في مديونية الحكومة والقطاع الاقتصادي العام منذ بداية التسعينات (وبنفس النسبة تقريباً). والأمر المستغرب هو تزايد ودائع الدولة بحيث أصبحت مساوية لديونها في المصرف المركزي، بينما لم يستطع القطاع العام القيام بنفس الأمر في المصارف المتخصصة. تمكنت الحكومة خلال أقل من عشر سنوات من زيادة ودائعها خمس مرات. بينما لم ترتفع ودائع القطاع الاقتصادي العام إلا بمقدار الضعف. ويؤكد العديد من الاقتصاديين على صعوبة معرفة الحجم الحقيقي لديون سوريا الداخلية أو الخارجية، أو حتى حجم الخدمة السنوية لهذه الديون. ويبقى قائماً دوماً خطر تحميل الأجيال القادمة عبء تزايدها المستمر! وقد ذكر د.نبيل مرزوق في بحثه المقدم لندوة الثلاثاء الاقتصادي (11/4/2000) أن حجم الديون السورية قد وصل في عام 1997 إلى 20.8 مليار دولار. ولو عدنا إلى المصادر الخارجية في تقدير الديون الخارجية لسوريا، لوجدنا تزايد مستمراً بالديون خاصة القصير الأمد منها (انظر الشكل 7).
الشكل 7: الديون الخارجية في سوريا (ملايين الدولارات)

المصدر: جداول ديون العالم: التمويل الخارجي للدول النامية، المجلد الثاني، منشورات البنك العالمي، واشنطن، 1996
ولو صدقت هذه الأرقام، لوجدنا العبء المترتب على سوريا في تسديد فوائد سنوية تتجاوز مليار دولار، وذلك بغض النظر عن تسديد الأقساط! وبغياب الأرقام الرسمية، يمكن أن نشك بأن المستثمرين الكامنين في الخارج، لا بد وأن يبحثوا، عند رغبتهم بالاستثمار في سوريا، عن المعلومات لتقييم توقعات المردودية والمخاطر. وبغياب المصادر الرسمية للعديد من المعلومات، ومنها الديون، قد تؤدي جداول البنك العالمي، المشار إليها أعلاه حول الديون، إلى تخويف المستثمرين من ضخامة خطر الاستثمار في سوريا عند مقارنة خدمة الديون المترتبة سنوياً مع إمكانياتها!.
وقد ترافقت الزيادات السريعة بمديونية سوريا الخارجية مع زيادات تضخمية خاصة في نهاية الثمانينات. ونلاحظ في السنوات الأخيرة تناقص التضخم الظاهري في سوريا وبلوغه مستويات متدنية في بعض القطاعات. ونحن نعتقد بأن ما تعاني منه سوريا هو تضخم "حبيس أو مقيد أو مكبوت" يستفحل باستمرار طالما نستمر بضبط العرض بتحديد الأسعار (سيؤدي رفع دعم الأسعار عن الخبز مثلاً إلى زيادة تضخمية) وقد ينخفض أو يزيد عند رفع إجراءات الحماية (بغية تخفيض عرض الألبسة، تم إيقاف بيع الملابس المستعملة"بالة"). من جهة أخرى، يتم ضبط جهة الطلب (بشكل قسري) عن طريق انكماش سياسة التسليف وتقييد الأجور وتناقص عدد فرص العمل المعروضة سنوياً. وقد لجأ الاتحاد السوفييتي إلى هذا المزيج من أجل ضبط التضخم، وكلنا يعلم كيف ازدادت معدلاته بشكل كبير بعد الانفتاح. ونعتقد بأن إحدى المشاكل التي ستعاني منها سوريا تكمن في اختيار أفضل السياسات لمعالجة "انفلات" هذا التضخم الحبيس.
لا يمكننا مقارنة البنية المصرفية، وتطورها وانتشارها في الغرب على مدى قرون طويلة، مع البنى المصرفية الحديثة العهد في العالم النامي. ولا نظن بأن المشكلة تقنية فقط! ففي العقود الماضية كانت المصارف الغربية تعمل بالطريقة اليدوية وبإمكانيات تقنية أقل بكثير مما يتوفر حالياً في مصارفنا. ومع ذلك فقد نجحت تلك المصارف الغربية في تحقيق الربحية وفي توفير المعلومات وفي مواكبة النمو الاقتصادي المكثف في تلك العقود. وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه بالرغم من عدم اعتماد البورصات وأسواق المال بمعانيها الموسعة، فقد تمكن العديد م ن الدول الأوروبية ومنها فرنسا (حتى الثمانينات) من تمويل نموها الاقتصادي وبشكل مقبول جداً، وذلك عن طريق المصارف وبآلية اقتصاد الديون (التمويل غير المباشر). كما نشير إلى أن المصارف وشركات التأمين من أهم "لاعبي" البورصة. ولا نعتقد بإمكانية نجاح مشروع البورصة في بلدنا قبل أن يسبقه إصلاح مصرفي وضريبي جذري يعيد النظر في الكثير من المنهجيات والقوانين التي لم تعد تتلاءم وتطلعات اقتصادنا… كل ذلك يدفعنا للقول بأنه، رغم أهمية الاستفادة من التقدم التقني الحالي، فإن مشكلتنا ليست تقنية وإنما هي مشكلة ثقافية وعلمية تتطلب التفكير ملياً في حقيقة المشاكل وفي ترتيب أولوياتها وفي توظيف الأموال المتوفرة بأفضل ما يمكن لمواجهة التحديات المستقبلية.