توظيف الاستثمارات وتقييم أدائها:

يتم، من الناحية الأكاديمية المبسطة التركيز على تابع الإنتاج من حيث كونه متأثراً بشكل أساسي برأس المال (أراضٍ وآلات ومواد أولية..) وبالعمل. وهذا النوع من التوابع يسمى بتوابع الإنتاج ذات النمو الخارجي Croissance exogène ، بحيث لا يمكن أن يحصل زيادة فعلية في النمو على الأمد الطويل إلا من خلال العوامل الخارجة عن هذا النموذج مثل زيادة عدد السكان أو حصول تقدم تقني... ومنذ الثمانينات، هناك تيار جديد يدعى تيار النمو الداخلي Croissance endogène، وهو تيار يحاول أن يدرس العلاقة بين الإنتاج والعوامل التي أصبحت من داخل النموذج، وذلك بأخذه بعين الاعتبار عوامل كانت توضع جانباً وتعتبر خارج مجال الدراسة. نذكر من هذه العوامل: التراكم المعرفي، البنية التحتية، أنظمة التعليم والتدريب…

أظهرنا أعلاه محدودية مصادر التمويل المتاحة للقطاع العام (بسبب نقص إنتاجيته بالإضافة للخلل الموجود في الأنظمة الضريبية..) وكذلك القطاع الخاص (بسبب اعتماده على البنى التمويلية غير الرسمية المتميزة بعدم الفاعلية وبسبب اعتماده على أساليب الإدارة التقليدية…). في الفقرات التالية، نحاول أن نناقش عدداً من المواضيع المتعلقة بنوعية الاستثمارات في سوريا ومدى انسجامها مع نمو اقتصادي مستديم ومستقر. عند تناول موضوع الاستثمار، يتم التركيز على الاستثمار المادي. أما نحن فنتناول بالإضافة إليه الاستثمار في صناعة الإنسان، و"الاستثمار" في التخلي عن بعض الاستثمارات، والاستثمار في صياغة البيئة الملائمة لتشجيع الاستثمار (قوانين وأنظمة وتوفير آليات موثوقة لتحصيل المعلومات…). نظراً لتشعب محاور الاستثمار، نركز فيما يلي على المواضيع الآتية: مؤشرات من الموازنة والاستثمار السكني ، الاستثمار في ا لتعليم ومدى نجاح السياسات التعليمية (التسرب المدرسي)، الحوسبة، بعض الاقتراحات الجديدة في مجال قوانين التحفيز للاستثمار وتبني رؤية نقدية مجددة..

بعض المؤشرات في الموازنة:

يظهر الشكل 8 حجم الإنفاق العام الجاري والإنمائي في الموازنة السورية.

الشكل 8: الإنفاق الجاري والإنمائي في الموازنة السورية

المصدر: الموازنات التقديرية - وزارة المالية

رغم التزايد الظاهري المستمر للإنفاق الاستثماري العام، إلا أنه لم ينعكس إيجاباً بما فيه الكفاية، حتى الآن، على الإنتاجية أو النمو أو توفير فرص العمل. ويكمن السبب في ذلك في تضافر العديد من العوامل نذكر منها: غياب السياسات الضريبية والنقدية الواضحة والتي تضمن وجود مناخ استثماري مشجع فعلياً ، واتباع سياسة انكماشية (واضحة في التسعينات). ويكفي النظر إلى الشكل 9 لرؤية الاختلاف الكبير بين الإنفاق الكلي المخطط له والفعلي في كل من القطاعات العامة الرئيسية:

الشكل 9: (الاستثمار الفعلي- المتوقع) \ المتوقع


المصدر: الموازنات التقديرية وقطع الحسابات الصادرة عن وزارة المالية

نلاحظ بوضوح التباين بين الإنفاق المتوقع والفعلي خاصة في مجال البناء والصناعات التحويلية (ينفق أقل من 60% مما هو متوقع أو مخطط له). وقد وصل مجمل الاستثمارات المتوقعة عام 1999 إلى 121.8 ملياراً ولم يُنفذ منها حسب د.عدنان سليمان سوى 62 مليار ل س. ويساهم تأخير صدور الموازنة في تخفيض الإنفاق، وهو ما تثبته الأرقام والأشكال الواردة في هذه المحاضرة. ولكن يبدو أن هناك بوادر توجهات جديدة للإسراع في إصدار الموازنات في مواعيدها المقر رة.

قطاع التربية

أما عند التمعن بتفاصيل الاستثمارات العامة لبعض القطاعات كالتربية مثلاً (الشكل 10)، فإننا نجد أن مجموع الاستثمارات في التربية (بدون التعليم الفني والتحاد الرياضي) قد انخفضت بشكل ملحوظ، وأصبحت استثمارات الاتحاد الرياضي أكبر بكثير من الاستثمارات في التعليم العام. كما نلاحظ تزايداً مستمراً في الاستثمار بالتعليم الفني.

الشكل 10: الاستثمارات في التعليم الفني والعام وفي الاتحاد الرياضي العام

المصدر: الموازنات التقديرية وقطع الحسابات الصادرة عن وزارة المالية

ونعتقد، رغم أهمية الرياضة، بأن هناك ضرورة في تخصيص جزء من استثماراتها في إنشاء مكتبات أو مخابر مجهزة جيداً في المدارس، خاصةً وأن الاستفادة من المنشآت الرياضية للاتحاد العام الرياضي تكون محصورة في المدن الكبيرة. أي أن معظم إنفاق الرياضة الاستثماري عبارة عن استثمارات غير قابلة للتقسيم (أي أنها تتميز بتوزعها على استثمارات متكاملة مثل مدينة رياضية أو صالات أو نوادي…) تتمركز في المناطق أو المحافظات الرئيسية ولا تستفيد المناطق النائية منها فعلياً. وهنا لا بد وأن نذكر دوماً بالفرق بين ما هو متوقع وما يتحقق فعلاً.

قطاع الصحة

يمكن فهم تراجع الخدمات الصحية العامة من خلال الاطلاع على إجمالي استثمارات وزارة الصحة (إدارة مركزية) ومختلف المشافي المذكورة ضمن بنود الموازنة العامة (الشكل 11).

الشكل 11: الاستثمار المتوقع في القطاع العام للصحة

المصدر: الموازنات التقديرية - وزارة ال مالية

لقد انخفضت الاستثمارات "المتوقعة" في هذه الفعاليات بحدة عام 1997 لتعود عام 1999 إلى مستواها عام 1993. وعندما نذكر مرة أخرى بالفروق الحادة بين ما يخطط له وما يُنفق فعلياً، وبالتذكير بالتزايد السكاني، قد نجد شيئاً من فهم حقيقة تردي الخدمات الصحية العامة.

قد يكون مفيداً القيام بنفس التحليل لباقي القطاعات (التعليم العالي، والمجالس البلدية،…). ولكن سنرجئ الأمر لمقالات أخرى، بانتظار توفر المعلومات والإحصائيات الضرورية.

الاستثمار السكني:

لو عدنا قليلاً إلى الثمانينات وأخذنا الاستثمار في دور السكن (الشكل 12).

الشكل 12: المساحة السكنية الجديدة في سوريا بآلاف الأمتار المربعة

المصدر: المجموعة الإحصائية، جداول البناء والتشييد

نلاحظ هنا كيف لعب القطاع العام دوراً مهيمناً في السبعينات في قطاع السكن. وترافقت زيادة استثماراته السكنية في تلك الفترة بزيادة مشابهة (ولكن أقل) من قبل القطاع الخاص والتعاوني الذي حافظ في النصف الأول من الثمانينات على نفس مستوى الاستثمار تقريباً، بينما تراجع القطاع العام عن دوره المهيمن في ذلك القطاع وعاد منذ النصف الأول من الثمانينات إلى تلك المستويات التي كان ينفذها في بداية السبعينات. وحافظ على تراجعه حتى بداية التسعينات. كما خفض القطاع الخاص والتعاوني من استثماراته السكنية بشكل ملحوظ بسبب الأزمة الخانقة التي عصفت بالبلاد في منتصف الثمانينات. وهكذا تجمعت العوامل اللازمة لنشوء فقاعة المضاربة في قطاع البناء، ومن أهم هذه العوامل:

أدت الزيادات المطردة في الأسعار إلى تنشيط حركة الاستثمار في البناء واستمرت الأسعار في الارتفاع، بسبب اجتماع العوامل الملائمة لتشكل فقاعة المضاربة، إلى أن وصلت إلى مستويات لا سابق لها. وقد تم تصحيح الأسعار بتضافر العديد من الآليات، ومن أهمها:

  1. كان الكثير قد جمدوا رؤوس أموالهم في أبنية سكنية بانتظار تحقيق أرباح المضاربة المنشودة، ولكن وجود الفرص المغرية البديلة (انظر أدناه) دفع بالكثيرين لتصفية استثماراتهم وتفضيل الفرص الأخرى (سمح القانون رقم 10 بفرص استثمارية مغرية يمكن من خلالها تحقيق أرباح أكبر من المضاربة في دور السكن، بسبب فتح أبواب الاستيراد تحول الاهتمام بشكل كبير من الاستثمار في دور السكن إلى الاستثمار في السيارات (وخاصة الميكروباصات الجديدة)، جامعي الأموال). وأدى ذلك إلى زيادات كبيرة مفاجئة في عرض دور السكن وإلى انخفاض الطلب عليها لأن الراغبين بشرائها (وأغلبهم من الميسورين) قد فضلوا الاستثمار في تلك الفرص البديلة.
  2. نمو سريع لظاهرة جامعي الأموال التي تسببت "بشفط" السيولة المتوفرة لدى الطبقة المتوسطة والفقيرة. ولم يتم كبح هذه الظاهرة كما ذكرنا إلا عام 1994.
  3. تزايد السكن العشوائي غير المنظم والذي لم يُؤخذ بعين الاعتبار في الأرقام الرسمية. فتسبب الأمر في زيادة العرض وانخفاض أسعار دور السكن النظامية.

التعليم والتنمية المستقبلية:

للوهلة الأولى تدعو إحصائيات المدارس الإعدادية والثانوية إلى الابتهاج. فهذه المدارس لم تعد مكتظة بالطلاب كما في السابق، حيث أن وسطي الطلاب للمدرسة الواحدة قد انخفض من 445 عام 1987 إلى 324 عام 1998. وفي نفس الفترة انخفض وسطي الطلاب من 37 طالب للشعبة الواحدة إلى 34 طالباً. ولكن هل هذه هي الحقيقة؟

تخفي الإحصاءات العديد من المشاكل، منها عدم الانتباه للتشتت (التباين)بين مختلف المناطق أو أنواع التعليم. لننظر لاختلاف تزايد المدارس عن الطلاب (شكل 13).

الشكل 13

المصدر: المجموعة الإحصائية ـ المكتب المركزي للإحصاء، وإحصاءات التعليم والامتحانات في وزارة التربية

ملاحظة: المحور اليميني للمدارس والأيسر للطلاب

في الشكل 13 نكتشف تناقصاً حاداً في طلاب الثانوية العامة، ونلاحظ أن زيادة الطلاب في التعليم الفني المقابلة غير كافية للحفاظ على نفس نسبة تزايد النشاط التعليمي الثانوي في فترة الثمانينات. كما أن هذه الزيادة لا تتوافق مع الزيادة المتسارعة في نفس الفترة لطلاب الإعدادية. مما يشكك في تناقص الزخم التعليمي عما كان عليه.

وجديرٌ بالذكر أن عدد طلاب المرحلة الإعدادية والثانوية العامة قد تزايد بنسبة 18% فقط بين عام 1985 وعام 1998؛ بينما تزايدت المدارس في نفس الفترة بنسبة 61%. وزاد طلاب الثانوية الفنية بنسبة 106% بينما زاد عدد مدارسها بنسبة 325%. جدير بالذكر أن بعض المدارس العامة تم تحويلها إلى مدارس فنية ومهنية. ونظراً لعدم توفر المعطيات عما تم تحويله أو بناءه أو استئجاره من مدارس فنية ومهنية جديدة، فإننا ننبه إلى الارتياب الكامن أو المحتمل في الأحكام الواردة في محاضرتنا.

الشكل 14: عدد المدارس وعدد الطلاب

ملاحظة: الرموز المصمتة لأعداد المدارس الإعدادية والثانوية، وأما المفرغة فهي لأعداد الطلاب.

المصدر: إحصاءات التعليم والامتحانات في وزارة التربية

من خلال هذين الشكل 14، نجد بوضوح أنه برغم التزايد البسيط، وأحياناً التناقص شبه المستمر في أعداد الطلاب، فإن سياسة بناء المدارس لم تتوقف وأحياناً بشكل كبير جداً. وهنا نود التنويه إلى أن سياسة بناء (أو استئجار) المدارس حالياً تتسبب بتفريغ بعضها وإجبارها على تخفيض عدد شعبها، مما يجعلها متخمة بالكوادر التدريسية غير الفاعلة فعلياً، فتزداد النفقات الثابتة ويزداد العبء على موازنة الدولة. ويتسبب تفريغ المدارس من أعداد كبيرة من طلابها (وبالتالي من بعض شعبها) باضطرار الأساتذة للتنقل أسبوعياً بين أكثر من مدرسة (وذلك لاستكمال نصابهم التدريسي من عدد الساعات المطلوب). وغني عن القول ضعف الرواتب الحالية للأساتذة وحالتهم المعيشية المتدنية. ويتسبب تنقلهم بين أ كثر من مدرسة بنفقات نقل إضافية تزيد من تذمرهم من أوضاعهم. ويتسبب كل ذلك بتنامي إهمال التعليم (من قبل المعلمين) ضمن الدوام الرسمي، وينصب اهتمام المعلمين على المهن الموازية أو على الدروس الخاصة (للتعويض وتأمين الحد الأدنى للمعيشة).

وهنا نتساءل، أليس من المنطقي التفكير في عملية التنسيق الحثيثة بين المناطق المتجاورة (داخل المحافظة أو بين المحافظات) بحيث تدرس إمكانية استبدال افتتاح بعض المدارس بشراء حافلات تقوم بنقل الطلاب مجاناً يومياً من وإلى مقاعد الدراسة؟ وقد يكون في ذلك وفر في النفقات (يمكن توظيفه في زيادة الأدوات المخبرية والتجهيزات الحديثة في الاتصالات والمعلوميات وغيرها) وتأمين إرث فعلي في العملية التدريسية في كل منطقة. فمع افتتاح كل مدرسة جديدة، سيحتاج الأمر لأجيالٍ ريثما تصقل خبرة الأساتذة وتتأمن التجهيزات اللازمة للعدد الكبير من المدارس. ويزداد وضوح ظاهرة تفريغ المدارس من الطلاب وانتشار البطالة المقنعة بين الأساتذة في المناطق النائية ضمن المحافظة وفي المناطق الحدودية مع المحافظات الأخرى وخاصة في المحافظات ذات الفعاليات الاقتصادية الض عيفة (الرعوية أو الزراعية).

ننتقل الآن لاستعراض نسب التسرب المدرسي. يوضح الشكل 15 عدد المتسربين من المراحل الدراسية المختلفة.

الشكل 15: التسرب المدرسي في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية

المصدر: المجموعة الإحصائية ـ المكتب المركزي للإحصاء، وإحصاءات التعليم والامتحانات في وزارة التربية

وقد اعتمدنا في عملية التقدير على فكرة إضافة الناجحين من كل مرحلة أدنى، إلى تعداد الطلاب في المرحلة، ثم بطرح الناجحين منها، نحصل على العدد النظري الواجب ملاحظته في السنة اللاحقة. والفرق بينه وبين العدد المرصود من قبل وزارة التربية يعبر عن التسرب. ولكن يجب التنويه إلى أهم الفرضيات التي لجأنا إليها (إهمال وفيات الأطفال، إهمال هجرة الأهل خارج القطر، إهمال نسبة المسجلين من غير السوريين، إهمال ظاهرة الطرد من المدرسة.). وبقصد التبسيط لم نرغب بالدخول في العديد من التفاصيل (تسجيل الأحرار في الشهادات الإعدادية والثانوية يؤثر على طرق الحساب ومتابعة الأجيال، وهنا قد يكون من المفضل المتابعة عن طريق الأجيال (المنهجية التي اتبعناها في محاضرة "التعليم والبطالة" في ندوة سيما الاقتصادية الأولى في السنة السابقة).

من الشكل 14 نجد أن التسرب من المرحلة الابتدائية مستقر بجوار نسبة 7%. وقد يعود السبب في ذلك إلى بعض التساهل في النجاح خلال هذه المرحلة. وتظهر نتائج إنجاح الطلاب غير المبرر في النسب المرتفعة في التسرب في المرحلة الإعدادية حيث ارتفعت النسبة من جوار 12% في بداية الثمانينات إلى ما يزيد عن 20% في التسعينات (26% عام 1995). وأما في المرحلة الثانوية فمن الصعب ضمن المعطيات المتاحة تقدير التسرب، فهناك الكثير من الجهات المعنية بالتعليم الثانوي (العامة والفنية والمهنية التابعة لوزارة التربية وجهات أخرى مثل فندقية، تمريض، سلكية وهناك أثر كبير للتحول في التوجهات التعليمية نحو التعليم الفني والمهني (قرار رئيس مجلس ا لوزراء 15/3/1988) على نتائج الدراسات. ونظراً لعدم توفر المعطيات فقد تجنبنا تقدير التسرب في صفوف التعليم الثانوي الفني والمهني (رغم تأكيد العديد من المطلعين على ارتفاع نسبته فيه).

وقد يكون من المفيد دراسة التسرب في كل صف على حدة حيث تدل الإحصائيات على أن أغلب التسرب يتم بين الصف السادس والسابع حيث يخرج وسطياً 30% من الطلاب الذين يتوجب فيهم التسجيل في الصف السابع. كما نجد أن المستوى الثاني بالتسرب يتعلق بالطلاب المرشحين للتسجيل في الصف التاسع إذ يتسرب وسطياً أكثر من 21% منهم خارج النظام التعليمي. ثم نجد أن 15% تقريباً ممن يتوجب بهم التسجيل بالصف الثامن يتخلون عن الدراسة. وأخيراً نجد أن عدد من يتسرب في المرحلة الابتدائية ضعيف نسبياً (أقل من 5%).

وإننا نذكر بأن ظاهرة انتشار المعاهد الخاصة لتعليم نفس المواد التي تعلمها المدارس الرسمية تشكك في الثقة بالنظام التعليمي الحالي، ويمكن أن نضيف عليها ذلك الانتشار الكبير لظاهرة الدروس الخاصة في المنازل. وهذه المظاهر تستحق البحث العلمي كي نتبين ما إذا كانت هذه المع اهد والدروس الخاصة تتكامل مع النظم التعليمية الحالية أم أنها بديلةً عنها.

هناك شبه إجماع على عدد فرص العمل الواجب توفيرها سنوياً (200 000 فرصة عمل). وبالنظر إلى نسبة التسرب المشار إليها، أي أكثر من ربع الطلاب لا يتجاوزون المرحلة الابتدائية (أي ما يزيد عن 200 000 سنوياً)؛ نجد أنهم إن لم يكونوا أميين، فهم في أحسن الأحوال ملمين، وتصعب أقلمتهم مع التقنيات الحديثة. من هنا تأتي أهمية التساؤل حول طبيعة طالبي العمل القادمين (ذكور أم إناث، أميون أم متعلمون..). وجدير بالذكر أن التعليم مرتبط بشكل كبير برواتب وحوافز الأساتذة. ويتسبب ضعف رواتب المدرسين (بما فيهم أساتذة الجامعات) بمستويات تعليم متدنية. وعند وصول بعض الخريجين غير الأكفاء إلى المناصب التدريسية في المدارس، يتناقص الأمل برؤية أجيال متعلمة. ويزداد الخطر مع تدني المستويات المعيشية للأهل بما فيهم خريجي الجامعات. ويدخل الاقتصاد في حلقة مفرغة.

ونأمل أن يكون في الأرقام أعلاه، مؤشراتٌ مفيدة قليلاً ومحرضةٌ على التفكير في نوعية التحديات القادمة والاستثمارات المطلوب التعاقد عليها وفي أي القطاعات؟

الاستثمار والحوسبة:

هناك إشكالية من طبيعة مختلفة تتعلق بعملية الحوسبة والأتمتة المحتملة في الشركات السورية. يقال حالياً وبكثرة أن الأمية الحقيقية هي جهل التعامل مع الحاسوب. وأن من لم يتقن الحاسوب فلن يكون له عملاً!

إذا قبلنا أن هذا الشرط لازمٌ، فهو بالتأكيد غير كافٍ للحصول على فرصة عمل. وستلعب عوامل كثيرة دوراً سلبياً في استقرار الاستثمار السوري في مجال المعلوميات أو السلع البديلة. من أهم هذه العوامل نذكر:

أهمية نظرة نقدية شاملة ودائمة:

نعتقد بأنه يتوجب على أي سياسة استثمارية أن تأخذ بعين الاعتبار ديمومة النمو وتوفير فرص العمل المستقرة وضمان التوازن المالي العام على الأمد البعيد. إذا أخذنا نتائج القانون رقم 10 نجد العديد من السلبيات التي أدت إلى توجيه أغلب المشاريع إلى الفعاليات ذات الربح السريع والقصير الأمد، وهو أمرٌ مفهومٌ في ظل النظم الضريبية المطبقة وكثرة النفقات غير المباشرة الناجمة عن الروتين وغيره من الظروف الأخرى التي تخفض من الثقة المتبادلة بين الاقتصاد الوطني والمستثمرين الكامنين. ومن المف يد التذكير بأداء القطاع الخاص في ظل القانون رقم 10. فقد "تركز 75% من إجمالي عدد المشاريع في أربع محافظات رئيسية هي دمشق وريفها 43% وحلب 24% وحمص 8%. كما غلب على هذه المشاريع الطابع الفردي، إذ بلغ عددها 572 مشروعاً، والشركات التضامنية 397، وشركات التوصية البسيطة 320. في حين بلغ عدد الشركات المحدودة المسؤولية 96، والشركات المساهمة 54 شركة، والشركات المشتركة المساهمة 8، والشركات المشتركة المحدودة المسؤولية 2فقط. أما من حيث عدد فرص العمل التي أتاحتها هذه المشاريع فقد كانت بحدود 30 ألف فرصة عمل"؛ وليس ما يزيد عن مائة ألف المتوقعة في الأرقام الرسمية الأولية. ولو تمعنا في إحصائيات وزارة الصناعة لوجدنا التباين الحاد بين تعداد المشاريع المشمولة بالقانون 10 وعدد ما نُفذ منها، مما يُؤكد على ضعف القدرة على جذب الاستثمارات.

1995

1994

1993

1992

 

83

155

152

295

عدد مخطط

43

27

20

21

عدد منفذ

42.9

80

39.7

45.8

رساميل مخططة (مليار ل س)

4.9

2.3

1.8

3

رساميل منفذة (مليار ل س)

وهذه النتيجة تدفعنا لمناقشة البيئة الاستثمارية بشكل عام وإعادة النظر في طرق التحفيز الاستثماري.

أهمية تنويع الحوافز الضريبية

نحن نستغرب الإصرار الدائم على التحفيز بتطبيق إجراءات الحماية المستديمة، أو بالإعفاء الكامل من الضرائب. ففي ذلك تخفيض لفرص تحسين تنافسية الصناعات الوطنية، و إنقاص كبير لموارد كامنة في الموازنة، لا يمكن الاستغناء عنها لسنوات إلا بشروط أكثر واقعية. نعتقد بوجود العديد من الطرق المعروفة عالمياً في تحفيز الاستثمارات. وتنتج طرق التحفيز من خلال القراءة الموضوعية والمتجددة للواقع الاقتصادي المحلي والخارجي، ومن إعادة النظر في القوانين والأنظمة المطبقة. ونذكر من الحوافز تغيير طرق حساب الاهتلاك.

تؤثر طرق حساب الاهتلاك على حجم الأرباح وبالتالي تساعد في تحقيق الوفر الضريبي. وعلى سبيل المثال يمكن للشركة، باعتماد الاهتلاك المتناقص، أن توفر الكثير من الضرائب (خاصة بوجود معاملات اهتلاك مرتفعة). وهذا سيزيد من قدرتها على التمويل الذاتي في السنوات الأولى؛ وهو الأمر الذي تحتاجه معظم الشركات البازغة. ولكن إن لم تستمر في نشاطها الاستثماري فإنها ستقع سريعاً تحت وطأة الضرائب. وهنا نجد أنه بقدر ما تواصل الشركة استثماراتها، فإنها تحقق وفورات ضريبية. وما إن تتوقف عن نشاطها الاستثماري حتى تبدأ بدفع الضرائب. وهذا يعني أن الاستثمارات الجديدة في ظل هذه الشروط لن تكون إلا من نصيب الشركات ذات الإنتاجية العالية. عند اتباع هذا النوع من الحوافز، قد تخسر الدولة الضرائب المستحقة ولكنها تعوضها بطرق عديدة منها:

ولكن هل يصح دوماً هذا الكلام؟ وهل يكفي اعتماد بعض طرق التحفيز، كالاهتلاك المتناقص، لتحقيق استثمارات مرتفعة وفاعلة؟

الجواب بالتأكيد بالنفي، إذ تكمن المشكلة الحقيقية في عدم ثقة المستثمر بالمناخ الاستثماري العام، وخاصةً بالأنظمة الضريبية أو المصرفية، مما يدفعه لتزوير الأرقام في نفقاته (بالزيادة) وفي إيراداته (بالنقصان). وقد يرى البعض الحل من خلال متابعة حثيثة لمختلف هذه الشركات والقيام بالتحليل المالي الجدي للأرقام، بحيث تكشف حالات التزوير بسهولة نسبية.

ونحن نعتقد بأنه مهما تكن الإجراءات المقدمة والتحديث في التقنيات المتبعة، لا تكمن المشكلة فقط، في نقص المحاسبة ومعاقبة المقصرين. بل نعتقد بأنه رغم أهمية المعاقبة، إلا أن الحل الحقيقي لا نتلمسه إلا بإصلاح شامل بما فيه الأنظمة الضريبية والمصرفية، وبحيث يترافق باقتراح ميثاق عمل مشترك بين الحكومة وأرباب العمل وممثلي العمال، وذلك بحثاً عن أفضل الطرق للوصول إلى الوضوح والعدالة والمحاسبة. وبتنفيذ هذه المهام، يمكن ضبط الحسابات، وتشجيع دور التحليل المالي، ودراسات الجدوى الجادة، وعندها يمكن أن نجد أجواء مقبولة لتحقيق أرباح موضوعية ومستديمة وعادلة لجميع الأطراف. وهنا نذكر بأن سوريا لم تستطع جذب أكثر من 0.4 مليار دولار من مجموع الاستثمارات العربية الخاصة البينية، بينما استطاعت بقية الدول العربية جذب 1.2 مليار دولار من الاستثمارات السورية (28% في الإمارات و25% في السعودية، و17% في الكويت، و16% في لبنان) وذلك خلال الفترة 1985-1998.

كنا قد تحدثنا عن الفرق بين المستثمر الفرد والمستثمر كدولة تهتم بالصالح العام. وهنا نؤكد على أن تشريع القوانين عبارة عن استثمار بحد ذاته. فقوانين تحفيز الاستثمار تستحق أن تُسبق بدراسات جدوى تتنبأ بآثارها على الاقتصاد على الأمد البعيد. ويكفي التذكير بما حققته مختلف قوانين الاستثمار الحالية من هجرة من الريف إلى المدينة، وما تسببت به من إرباكات في التخطيط العمراني وفي شبكة المياه والكهرباء والصرف الصحي، فضلاً عن تأثيرها على تخطيط التعليم والصحة…

في محاضرته عن المياه (16/5/2000)، تعرض د.شبلي الشامي لمشكلة شح المياه خاصةً في حوض دمشق التي تعاني كثيراً من هجرة ريف-مدينة، وتركزت اقتراحاته على جهة "عرض" المياه. أما نحن فإننا نعتقد بأن جزءاً كبيراً من الحل يكمن في جهة الطلب. نحن بحاجة إلى إعادة النظر في السياسات الاقتصادية التي تنطلق من الأمر الواقع وتحاول إيجاد الحلول. نحن بحاجة إلى استقراء السياسات اللازمة لتنفيذ الهجرة المعاكسة عن طريق تشجيع الاستثمارات في الأرياف وفي المحافظات ذات النمو الضعيف. وسيساعد ذلك في تخفيف حجم الطلب على المياه في حوض دمشق.

نعتقد بضرورة التركيز على قوانين جديدة تخلق أجواء أكثر صحية، وتدفع باتجاه الهجرة المعاكسة من المدينة إلى الريف، وتحاول تصنيع المناطق الواعدة وذات الإمكانيات القادرة على التخفيف عن المدن الكبيرة مثل دمشق وحلب وحمص. وهناك أهمية قصوى لتبسيط الإجراءات الإدارية وتوحيد الجهات المسؤولة عن ترخيص الاستثمارات. وقد يكون في ما يُقال عن المناطق الصناعية في الدول المجاورة وعن تبسيط الإجراءات ومحاربة الروتين فيها (يكفي يوم واحد في مصر لإنهاء إجراءات الاستثمار الأولية)، خير تفسير على هجرة الاستثمارات باتجاه هذه الدول، وأكبر دليل على نقص تنافسية سوريا في هذا المجال.

التأقلم مع المتغيرات التقنية

كنا قد نبهنا إلى أهمية التفكير النقدي والخلاق تجاه العديد من السياسات الاستثمارية، خاصةً في ظل المتغيرات المحيطة والسريعة على المستوى المحلي والدولي. ومن هنا تطرح تساؤلات عديدة نذكر منها:

الخاتمة:

نظن أن المشكلة الأساسية هي في السياسات الاقتصادية المتبعة. فهي التي تقود باتجاه المشاريع الواعدة، وهي التي تجذب الزبائن والمستثمرين الخارجيين من أقصى الأنحاء (خاصةً بوجود وسائل الاتصال الحديثة). ولنذكر بمسيرة بناء السوق الأوروبية المشتركة التي انطلقت التحضيرات لها في نفس الفترة التي أقلعت بها فكرة السوق العربية المشتركة. ولكن كان الفارق في إصرار منظريها الأوائل (شومان وأدناور وغيرهم) على التركيز على البعد الاقتصادي أولاً وليس السياسي. والآن تتخلى الدول الأوروبية، بعد أن حققت تكاملها الاقتصادي عن أهم رموز السيادة الوطنية وهو العملة (أصبحت العملة المشتركة هي اليورو). لذلك نعتقد أن البدء بتحسين سياساتنا الاقتصادية، وتوفير البنية الاقتصادية السليمة سيجذب الكثير من الشركاء الجيدي ن وفي مقدمتهم جيراننا العرب.

إن الاستفادة من تجارب الدول الأخرى (وخاصةً الآسيوية منها وتحديداً ماليزيا نظراً لتشابه الظروف بينها وبين سوريا) مهمة جداً. ولكن يجب الانتباه إلى الملاحظات التي يوردها المتخصصون حول ظروف كل تجربة والتفاعلات بين مختلف العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية لكل تجربة في العالم، وذلك لتجنب التقليد الأعمى.

ومن المفيد التذكير بأن الرقمنة وثورة الاتصالات الحالية تشكل فرصةً ذهبية أمام الدول النامية، خاصةً وأنها رخيصة نسبياً. وهي أداة لا بد وأن تساعدها في تحقيق معدلات نمو جيدة شريطة أن تتبنى هذه الدول سياسات اقتصادية ملائمة. وجدير بالتذكير أن التغيير باتجاه العالم الرقمي قد يكون أسهل على الدول النامية منه على الدول المتقدمة. فالنامية منها تفتقد لمعظم مقومات البنى التحتية المهددة بالزوال مع عصر المعلومات، والتي تهدد بضياع مبالغ طائلة وتشكل عبئاً على الدول المتقدمة. ونظراً للرخص النسبي في التجهيزات المطلوبة لعصر المعلومات، سيكون من الأسهل على العالم النامي التفكير في أفضل السبل لد خول الاقتصاد الجديد.

قد يتساءل مختلف المطلعين على ندوات الثلاثاء: ما زلنا نسمع تشخيصات وتحليلات من مختلف التيارات، ولكن أين هو الحل الملموس أو خطة العمل الواقعية والمترابطة التي ترمق المستقبل البعيد؟

رغم أهمية الأفكار التي يتم طرحها من قبل كل باحث على حدة، نعتقد بأن احتمال النجاح الحقيقي في التخطيط الاقتصادي المتلائم مع خصوصية بلدنا، يستلزم التركيز على فرق متخصصة من الباحثين في جميع مجالات التنمية (اقتصاد، تربية، ثقافة،…)، وذلك طبعاً شريطة مقارنة مختلف التيارات البحثية والعملية وإيجاد فرص المتابعة وضبط المسيرة التنموية بشكل مستمر، فكما نعلم لا يسمح تسارع الزمن الحالي بتكثيف الجهود وتعديل القوانين لمرة واحدة، ومن ثم تقديسها وتحويلها إلى تابو Taboo تصعب إعادة النظر به.

توجد في جميع البلدان المتقدمة فرق عمل متكاملة تضع المخططات للمستقبل، كما أنها تبني ما يلزم من مصادر معلومات موثوقة لدعم وتنفيذ ومتابعة المخططات. أما في العالم النامي، فأغلب فرق العمل تتكون من الب يروقراطيين، تنغلق على ذاتها دون تعاون جدِّي مع الكوادر الجامعية أو الباحثين أو الخبراء الميدانيين. وهؤلاء بدورهم كل يبحث بمفرده، دون تعاون علمي فعلي، فتتشرذم الآراء ويخلق طيف من الآراء، صعب التحليل وعصيٌّ على التجميع.

نحن بحاجة ماسة إلى منهجية عمل فاعلة وديناميكية، يصيغها فرق عمل مختلفة من كوادر متخصصة في جميع المجالات، يربطهم تكامل معارفهم وخبراتهم لمواجهة التحديات المقبلة. وقد أثبتت الحياة أن تعدد الآراء والمواقف يشكل غنى وتنوع ويكون مصدر إبداع وابتكار.

وشكراً لكم

الفهرس الصفحة السابقة