|
قضايا اقتصادية ملحة تتطلب المعالجة دور الأجهزة الحكومية السورية في ظل آليات السوق
تتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي تحت إما ضغوط ظرفية كتلك التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية في الدول الأوروبية واليابان أو تحت ضغوط هيكلية كما حدث للبلدان النامية بعد الاستقلال. وتستهدف الدولة في الحالة الأولى تحقيق الاستقرار الاقتصادي والنمو والعدالة الاجتماعية … ولكنها تستهدف ما هو أبعد من ذلك في الحالة الثانية فالتنمية الاقتصادية والاجتماعية تتطلب تغييرًا جذرياً وإرادة شعبية وتخطيطاً جيداً. وبصفة عامة قد يأخذ التدخل الحكومي شكل التوجيه والتنظيم والتشجيع باستخدام مختلف أدوات السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية والسعرية , بحيث تتحكم في الإطار العام الذي يمارس من خلاله القطاع الخاص نشاطاته المتعددة . ويتراوح التدخل الحكومي في المجال الاقتصادي بين الأشكال التالية مع الإشارة إلى إمكانية الجمع بين أكثر من شكل منها :
وإذا نظرنا إلى الدول التي تسير وفق نظام اقتصادي يعتمد على آليات السوق فإننا نراها : ويتمسك أنصار هذه الليبرالية بآرائهم منطلقين من الأسس التالية :
الرد على أنصار هذه الليبرالية : إن ما يورده أنصار التحول نحو اقتصاد السوق والخصخصة وعدم تدخل الدولة في آلية السوق يمكن الرد عليه إذ أن السوق تنسق القرارات ولكن بصورة لاحقة و نادرا ما يتم التوصل للتوازن بين العرض والطلب بسلاسة بدون اختلالات وأزمات قد تطول مدتها وقد تفشل السوق في تحقيق الكفاءة والنمو للأسباب التالية : 1- عجز السوق عن إصدار الإشارات السعرية الملائمة كما في حال وجود آثار خارجية , وكما في حالة الاحتكار 2- عجز السوق عن توليد الاستجابة المناسبة من جانب المتعاملين . 3- في حالة البلدان النامية هناك غياب لبعض الأسواق وتجزؤها وتبعثرها وغياب طبقة واسعة من رجال الأعمال 4- إن حرية الاختيار من جانب المستهلك تتوقف على وجود بدائل متعددة . 5- إن اتخاذ معيار الحدية كقياس لكفاءة الإنتاج أو تخصص الموارد ليس مقبولا دائما . 6- من حيث عب ء المشروعات العامة على الموازنة العامة أو ميزان المدفوعات فإنه في حالة الدول النامية لا بأس من الاستثمار في صناعة رائدة لها آثار هيكلية منشطة للقطاعات الأخرى . 7- إن قوى السوق ليس شيئا خارج الطبيعة وهي تعكس رغبات وقرارات متناقضة وليست تلك سمة القطاع العام فقط . و قد أثبتت التجارب إن الشركات الكبرى هي أول من يستنجد بالدولة عندما تواجه أزمات اقتصادية حادة تتصل بالركود والتضخم والبطالة . ولو لم تسارع الحكومة إلى الإنقاذ لكانت الرأسمالية حسبما تمارس في الولايات المتحدة , في طريقها الآن إلى الانهيار , فغالبية بنوك الادخار والإقراض في أمريكا تخضع الآن للحراسة القضائية الحكومية ,وأيضا هناك أعداد كبيرة من البنوك التجارية صحيح أنها لم تصل بعد إلى درجة الإفلاس ولكنها في الواقع مفلسة بمعنى أن تصفيتها لم تعد تكفي لسداد حقوق مودعيها إذا تطلب الأمر تلك التصفية . ومن المفارقات أنه بينما تقوم أوروبا الشرقية بعمليات خصخصة تقوم الولايات المتحدة بعمليات تأميم , فمع انهيار جانب كبير من قطاعها المصرفي اضطرت الحكومة الأمريكية في بداية 1991 إلى الاضطلاع بإدارة أصول خاصة قيمتها مائتا مليار دولار , ومن المتوقع أن ينتهي الأمر بتملكها أصول خاصة قيمتها ثلاثمائة مليار دولار قبل أن يتوقف النزيف , ويواجه قطاع التأمين المشكلة ذاتها وكذلك بعض شركات القطاع الصناعي وستنشأ الحاجة إلى مزيد من المساعدة الحكومية أي من أموال دافعي الضرائب ويخلص مؤلف كتاب ( الصراع على القمة ) إلى النتيجة التالية في الصفحة 16 :إن الرأسمالية الأنجلوسكسونية التي لا تحدها قيود تجد صعوبة في مواجهة مشكلات الحاضر , وقد لا تكون هي موجة المستقبل التي لا يمكن صدها والتي يحلو لمتحذلقي اليمين السياسي تمجيدها . ويكفي النظر أيضا للتدخل الحكومي الذي طالبت به الشركات اليابانية والبرامج الحكومية الهائلة التي توضع الآن لمعرفة مدى هشاشة هذه النظريات التي يريدون تطبيقها على الآخرين فقط إذ أنه وحتى في سنوات حكم ريغان فإن نسبة الإنفاق الحكومي إلى الناتج القومي ( كمقياس للتدخل الحكومي ) قفزت من 35.8 % عام 1981 إلى 37.8% عام 1986 . ويمكن في حالة البلدان النامية تلخيص مبررات تدخل الدولة والقطاع العام بالنقاط التالية : 1- قلة المنظمين الأكفاء وصغر حجم الوحدات الاقتصادية وعجز القطاع الخاص عن توفير موارد كافية للاستثمارات في منشات كبيرة ذات كفاءة عالية 2- كون الحكومة المصدر الوحيد المعول عليه والقادر على إقامة البنى الإرتكازية الاقتصادية والاجتماعية في الاقتصاد . 3- تحقيق استقلال اقتصادي وطني متحرر من الشركات الأجنبية . 4- محاولة تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية واسعة لا يستطيع أحد , سوى الدولة , توفير ما تحتاجه من أموال طائلة وإدارة قادرة على إنجاز أهدافها الواسعة في التصنيع السريع والواسع . 5- تقاعس القطاع الخاص عن المشاركة في الاستثمار المنتج . وحديثاً فإن العولمة هي وراء ظاهرة انحسار دور الدولة في الحياة الاقتصادية لصالح الشركات الدولية ومع ذلك فإن دور الدولة أصبح مهماً جداً لأن الدولة أصبحت مدعوة لأن تواجه الاقتصاد بقطاعيه العام والخاص وقطاعه التعاوني في بيئة اقتصادية معقدة تتصف بالتنافس المتزايد والتغير التكنولوجي والسلعي المتزايد والتحدي المتزايد , خلافا لما يعتقده البعض أن الانتقال من الاقتصاد المغلق حيث التخطيط الإداري يتناول قطاعا تحت السيطرة إلى حد كبير فإن التخطيط في اقتصاد السوق أو في الاقتصاد العالمي يتطلب مزيداً من التخطيط وله شقان : الشق الأول تخطيط قصير الأجل أي التخطيط الذي يهدف إلى الحد من أضرار آلية السوق , الحد من البطالة , الحد من الركود الاقتصادي , استباق النهوض الاقتصادي بالاستثمار والشق الثاني تخطيط استراتيجي بعيد المدى وباختصار فإن الدولة يجب أن تقود التنمية وتقود السوق لا أن يقودها السوق ويجب أن تلعب دور المرشد ويجب أن يتصف دورها بالديمقراطية والشفافية والمحاسبية . الخلاصة : من الخطأ الاعتقاد بأن الاعتماد على آليات السوق يلغي وظيفة الدولة في توجيه النشاط الاقتصادي , كل ما في الأمر أن الدولة تمارس وظيفتها من خلال آليات السوق وليس فوقها وعبر سياسات مالية ونقدية ومصرفية وليس بقرارات وأوامر إدارية وبالتعاون مع قوى السوق الفاعلة وليس من خلال الوصاية عليها ,ويتمحور دور الدولة حول توفير الشروط الضرورية من أجل أن تمارس آليات السوق دورها بنجاح في توجيه النشاط الاقتصادي ومنها سيادة دولة القانون , وعدم إصدار القانون لحماية شخص أو فئة محددة , ومراعاة الحقوق الأساسية للأفراد , ووضع حد لتضخم القوانين والقرارات وتعدد جهات الاختصاص وتوفير الحماية للمستهلك ومنع الاستغلال وحماية البيئة والبت بالمعاملات الاقتصادية ولا سيما في مجال الضرائب دون تأخير . |
||||||||||||
|